Ibn 'AtiyyaAn‑Nisa · 4:79–86

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:79–86

4:79–81Page 90

مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩

What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠

He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ".

ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ (p-٦٠٩)لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَسْقَمُ؟ ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"». فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ". فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ".

وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ. و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ.

قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللهَ" (p-٦١٠)فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَقالَةِ، وقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» تَصْدِيقًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ التَعَلُّقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ فَضْلِ اللهِ تَعالى.

و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أعْرَضَ، وأصْلُ تَوَلّى في المَعْنى أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفٍ فَنَقُولَ: تَوَلّى فُلانٌ عَنِ الإيمانِ، وتَوَلّى إلى الإيمانِ، لِأنَّ اللَفْظَةَ تَتَضَمَّنُ إقْبالًا وإدْبارًا، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ عَلى الإعْراضِ والإدْبارِ، حَتّى اسْتُغْنِيَ فِيها عن ذِكْرِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ.

"حَفِيظًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أيْ: لِيَحْفَظَهم حَتّى لا يَقَعُوا في الكُفْرِ والمَعاصِي ونَحْوِهِ، أو: لِيَحْفَظَ مَساوِئَهم وذُنُوبَهم ويَحْسُبَها عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى والتَرْكَ لَهُ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ، وإنَّما كانَتْ تَوْطِئَةً ورِفْقًا مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، المَعْنى: يَقُولُونَ لَكَ يا مُحَمَّدُ: أمْرُنا طاعَةٌ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ اجْتَمَعُوا لَيْلًا وقالُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا لَكَ، و"بَيَّتَ" مَعْناهُ: فَعَلَ لَيْلًا، فَإمّا أُخِذَ مِن "باتَ"، وإمّا مِنَ "البَيْتِ" لِأنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِاللَيْلِ، وفِيهِ الأسْرارُ الَّتِي يُخافُ شِياعُها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ

ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:

؎ هَبَّتْ لِتَعْذِلَنِي بِلَيْلٍ اسْمَعِي سَفَهًا ∗∗∗ تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فاهْجَعِي

(p-٦١١)المَعْنى: وتَقُولُ لِيَ: اسْمَعْ، وزِيدَتِ الياءُ إشْباعًا لِتَصْرِيعِ القافِيَةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ ألا أيُّها اللَيْلُ الطَوِيلُ ألا انْجَلِي... ∗∗∗...............................

وقَوْلِهِ: بِأمْثَلِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بَيَّتَ" بِتَحْرِيكِ التاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإدْغامِها في الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ". و"تَقُولُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ويُحْتَمَلُ، تَقُولُ هي لَكَ. و"يَكْتُبُ" مَعْناهُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا يَكْتُبُهُ عِنْدَهُ حَسَبَ كَتْبِ الحَفَظَةِ حَتّى يَقَعَ الجَزاءُ، وإمّا يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ، أيْ: يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويُعْلِمُ بِها، قالَ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ. والأمْرُ بِالإعْراضِ إنَّما هو عن مُعاقَبَتِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وأمّا اسْتِمْرارُ دَعْوَتِهِمْ وعِظَتِهِمْ فَلازِمٌ، قالَ الضَحّاكُ: مَعْنى "أعْرِضْ عنهُمْ" لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَمَسُّكِ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى ثِقَةً بِإنْجازِ وعْدِهِ في النَصْرِ، والوَكِيلُ: القائِمُ بِالأُمُورِ المُصْلِحُ لِما يُخافُ مِن فَسادِها، ولَيْسَ ما غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ في "الوَكِيلِ" في عَصْرِنا بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ، وهي لَفْظَةٌ رَفِيعَةٌ وضَعَها الِاسْتِعْمالُ العامِّيُّ كالعَرِيفِ والنَقِيبِ وغَيْرِهِ.

4:82–83Page 91

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢

Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.

وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣

And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا﴾

المَعْنى: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، الطاعِنُونَ عَلَيْكَ، الرافِعُونَ بِغَيْرِ بُرْهانٍ في صَدْرِ نُبُوَّتِكَ، ألا يَرْجِعُونَ إلى النَصَفَةِ، ويَنْظُرُونَ مَوْضِعَ الحُجَّةِ، ويَتَدَبَّرُونَ كَلامَ اللهِ تَعالى فَتَظْهَرُ لَهم بَراهِينُهُ، وتَلُوحُ أدِلَّتُهُ؟

(p-٦١٢)والتَدَبُّرُ: النَظَرُ في أعْقابِ الأُمُورِ وتَأْوِيلاتِ الأشْياءِ، هَذا كُلُّهُ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ وهَذا أمْرٌ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ. ثُمَّ عَرَّفَ تَعالى بِمَواقِعِ الحُجَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ لَدَخَلَهُ ما في كَلامِ البَشَرِ مِنَ القُصُورِ، وظَهَرَ فِيهِ التَناقُضُ والتَنافِي الَّذِي لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ، إذْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ البَشَرِ، والقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عنهُ، إذْ هو كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ وظَنَّ اخْتِلافًا في شَيْءٍ مِن كِتابِ اللهِ، فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَوَجَدُوا فِيما نُخْبِرُكَ بِهِ مِمّا يُبَيِّتُونَ اخْتِلافًا، أيْ: فَإذْ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ فَذَلِكَ دَلِيلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ، وقَدْ بَيَّنَهُ ابْنُ فُورَكٍ، والمَهْدَوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾ الآيَةُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِمْ، والآيَةُ نازِلَةٌ في سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وبُعُوثِهِ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَبِيَّ ﷺ في سَراياهُ، فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ أو فُتِحَ عَلَيْهِمْ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها، وأذاعُوا بِذَلِكَ التَصْغِيرِ والتَحْقِيرِ، وإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ خَوْفِ المُسْلِمِينَ أو مُصِيبَةٌ عَظَّمُوها، وأذاعُوا ذَلِكَ التَعْظِيمَ، و"أذاعُوا بِهِ" مَعْناهُ: أفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وبِنَفْسِهِ أحْيانًا، تَقُولُ: أذَعْتُ كَذا، وأذَعْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ:

؎ أذاعُوا بِهِ في الناسِ حَتّى كَأنَّهُ بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، وفي مَن ضَعُفَ جَلَدُهُ عَنِ الإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ.

(p-٦١٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ السَرايا فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ أقْوالَ المُنافِقِينَ فَيَقُولُونَها مَعَ مَن قالَها، ويُذِيعُونَها مَعَ مَن أذاعَها، وهم غَيْرُ مُتَثَبِّتِينَ في صِحَّتِها، وهَذا هو الدالُّ عَلى قِلَّةِ تَجْرِبَتِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمُورِ الواقِعَةِ، كالَّذِي قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ جاءَ وقَوْمٌ في المَسْجِدِ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِساءَهُ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقُلْتُ: يا ابْنَةَ أبِي بَكْرٍ بَلَغَ مِن أمْرِكِ أنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يا حَفْصَةُ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّكِ، ولَوْلا أنا لَطَلَّقَكِ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، قالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو في غُرْفَةٍ لَهُ، ورَباحٌ مَوْلاهُ جالِسٌ عَلى أُسْكُفَّةِ الغُرْفَةِ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَنَظَرَ إلى الغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ وسَكَتَ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَلَعَلَّهُ يَظُنُّ أنِّي جِئْتُ مِن أجْلِ حَفْصَةَ، واللهِ لَوْ أمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَها لَضَرَبْتُهُ، فَنَظَرَ ثُمَّ أشارَ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ وإذا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعٌ عَلى حَصِيرٍ، وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، وإذا لَيْسَ في غُرْفَتِهِ. إلّا قَبْضَةٌ مِن شَعِيرٍ، وقَبْضَةٌ مِن قَرَظٍ، وإذا أفِيقانِ مُعَلَّقانِ، فَبَكَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أنْتَ صَفْوَةُ اللهِ مِن خَلْقِهِ ورَسُولُهُ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الدُنْيا إلّا هَذا، وكِسْرى وقَيْصَرُ في الأشْجارِ والأنْهارِ، فَقالَ: ها هُنا أنْتَ يا عُمَرُ؟ أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟ فَقُلْتُ: بَلى، ثُمَّ جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ حَتّى تَهَلَّلَ وابْتَسَمَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّكَ طَلَّقْتَ نِساءَكَ، فَقالَ: لا، فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعَرِّفَ الناسَ؟ فَقالَ: افْعَلْ إنْ شِئْتَ. قالَ: فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقُلْتُ: ألا إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، (p-٦١٤)فَأنْزَلَ اللهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾. الآيَةَ،» وأنا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا عَنِ الخَوْضِ، واسْتَقْصَوُا الأُمُورَ مِن قِبَلِ الرَسُولِ، أو أُولِي الأمْرِ -وَهُمُ الأُمَراءُ- قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: أهْلُ العِلْمِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما، والمَعْنى يَقْتَضِيهِما مَعًا "لَعَلِمَهُ" طُلّابُهُ مِن أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةُ عنهُ وهم مُسْتَنْبِطُوهُ كَما يُسْتَنْبَطُ الماءُ وهُوَ: النَبَطُ، أيِ: الماءُ المُسْتَخْرَجُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ قَرِيبٌ ثَراهُ ما يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قَطُوبُ

وهَذا التَأْوِيلُ جارٍ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا اسْتَنْبَطْتُهُ بِبَحْثِي وسُؤالِي. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ المَسْؤُولُونَ المُسْتَنْبِطُونَ فَأخْبَرُوا بِعِلْمِهِمْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: " لَعَلْمَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مِثْلُ "شَجْرَ بَيْنَهُمْ"،والضَمِيرُ فِي: "رَدُّوهُ" عَلى الأمْرِ، وفِي: "مِنهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَسُولِ وأُولِي الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها، أيْ: لَعَلِمَهُ البَحَثَةُ مِنَ الناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ الآيَةُ، هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمَعْنى: لَوْلا هِدايَةُ اللهِ وإرْشادُهُ لَكم بِالإيمانِ -وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ- لَكُنْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وذَلِكَ اتِّباعُ الشَيْطانِ. وحَكى الزَجّاجُ: لَوْلا فَضْلُ اللهِ في هَذا القُرْآنِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: "إلّا قَلِيلًا"، مِمَّ هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-٦١٥)وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "أذاعُوا بِهِ- إلّا قَلِيلًا"، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "يَسْتَنْبِطُونَهُ-إلّا قَلِيلًا"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا﴾، عَلى سَرْدِ الكَلامِ دُونَ تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ الضَحّاكُ: إنَّ اللهَ هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ، فَكانَ مِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ، فَذَلِكَ هو القَلِيلُ، وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا واتَّبَعُوا الشَيْطانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَحّاكِ، ويَجِيءُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا، أيْ: رِسالَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ قَوْمٌ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ "لاتَّبَعْتُمُ" جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وغَيْرِهِما. وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الاتِّباعِ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُونَ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكُمْ، وهَذا الأخِيرُ قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا" بِمَعْنى: لا تُنْبِتُهُ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

4:84–86Page 91

فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤

So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾

هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ ﷺ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، (p-٦١٦)أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي".

وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ.

و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةُ. أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي.

واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ. ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في (p-٦١٧)المَعاصِي،. وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].

و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:

؎ وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا

أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ. وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ

؎ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ

فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ.

(p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: (p-٦١٩)عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ.

و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском