Ibn 'AtiyyaFussilat · 41:16–30

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:16–30

41:16–18Page 478

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦

So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧

And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.

وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨

And We saved those who believed and used to fear Allāh.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾

رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ خَزَنَةِ الرِيحِ، فَفَتَحُوا عَلى عادٍ مِنها مِقْدارَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ فَتَحُوا مِقْدارَ مُنْخَرِ الثَوْرِ، لَهَلَكَتِ الدُنْيا،» ورُوِيَ «أنَّ الرِيحَ كانَتْ تَرْفَعُ العِيرَ بِأوقارِها (p-٤٧١)فَتُطَيِّرُها، حَتّى تَطْرَحَها في البَحْرِ،» وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والتَيْمِيُّ: حُبِسَ عنهُمُ المَطَرُ ثَلاثَةَ أعْوامٍ، وإذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ شَرًّا، حَبَسَ عنهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِيحِ. واخْتَلَفَ الناسُ في الصَرْصَرِ، فَقالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الصِرِّ وهو البَرْدُ، والمَعْنى: رِيحًا بارِدَةً لَها صَوْتٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: صَرْصَرٌ: شَدِيدَةُ السُمُومِ عَلَيْهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو مِن صَرْصَرَ إذا صَوَّتَ صَوْتًا يُشْبِهُ الصادَ والراءَ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ صَوْتُ الرِيحِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوقاتِ بِحَسَبِ ما تَلْقى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ وعِيسى: "نَحْساتٍ" بِسُكُونِ الحاءِ، وهو جَمْعٌ نَحْسٍ، يُقالُ: يَوْمٌ نَحْسٌ وقَوْمٌ نَحْسٌ، فَهو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ أحْيانًا ويُضافُ إلَيْهِ "اليَوْمَ" أحْيانًا، وعَلى الصِفَةِ بِهِ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ، واحْتَجَّ أبُو عَمْرُو لِهَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، وقالَ النَخْعِيُّ: نَحَساتٍ ولَيْسَتْ بِنَحِساتٍ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "نَحِساتٍ" بِكَسْرِ الحاءِ، وهي جَمْعٌ لِنَحِسٍ عَلى وزْنِ حَذِرٍ، فَهو صِفَةٌ لِلْيَوْمِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَحْسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: نَحِسٌ ونَحْسٌ لُغَتانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ اللُغَةُ الواحِدَةُ تَجْمَعُهُما، أحَدُهُما مَصْدَرٌ والآخِرٌ مِن أمْثِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

؎ أبْلِغْ جُذامًا ولَخْمًا أنَّ إخْوَتَهم ∗∗∗ طَيًّا وبَهْراءَ قَوْمٌ نَصَرُهم نَحِسُ

(p-٤٧٢)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ "نَحْساتٌ" بِالسُكُونِ مُخَفَّفَةٌ مِن "نَحِساتٍ" بِالكَسْرِ، والمَعْنى في هَذِهِ اللَفْظَةِ: مَشائِيمُ، مِنَ النَحْسِ المَعْرُوفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ. وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: شَدِيدَةٌ، أيْ شَدِيدَةُ البَرْدِ حَتّى كانَ البَرْدُ عَذابًا لَهُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ في النَحْسِ بِمَعْنى البَرْدِ:

؎ كَأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُحِيلُ شَفِيفُها الماءَ الزُلالا

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "نَحِساتٍ" مَعْناهُ: مُتَتابِعاتٌ، وكانَتْ آخِرُ شَوّالَ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ.

و"عَذابُ الخِزْيِ في الدُنْيا": الهَلاكُ بِسَبَبِ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ أمْرِ اللهِ تَعالى، ولا خِزْيٌ أعْظَمُ مِن هَذا، إلّا ما في الآخِرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأمّا ثَمُودُ"﴾ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهَذا عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "وَأمّا ثَمُودٌ" بِالتَنْوِينِ والإجْراءِ، وهَذا عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وبِالصَرْفِ كانَ الأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ يَقْرَءانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ﴾ [الإسراء: ٥٩] لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألْفٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ - والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "ثَمُودَ" بِالنَصْبِ، وهَذا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَدَيْناهُمْ﴾، وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَهَدَيْنا ثَمُودَ هَدَيْناهُمْ، والرَفْعُ عِنْدَهُ أوجُهٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقٍ، (p-٤٧٣)والأعْمَشِ: (ثَمُودًا) مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً، ورَوى الفَضْلُ عن عاصِمٍ الوَجْهَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فَهَدَيْناهُمْ]﴾ مَعْناهُ: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لَيْسَ الهُدى هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ، وهَذا كَما هي الآنَ شَرِيعَةُ الإسْلامِ مُبَيَّنَةٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى المُخْتَلِطِينَ بِنا، ولَكِنَّهم يَعْرِضُونَ ويَشْتَغِلُونَ بِالضِدِّ، فَذَلِكَ اسْتِحْبابُ العَمى عَلى الهُدى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ في العَمى، وإلّا فَهو بِالِاخْتِراعِ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّها إشارَةٌ إلى تَكَسُّبِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَذابِ الهُونِ﴾ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: الَّذِي مَعَهُ هَوانٌ وإذْلالٌ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى بِذِكْرِهِمْ ذِكْرَ مَن آمَنَ واتَّقى ونَجا بِهِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ.

41:19–22Page 478

وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩

And [mention, O Muḥammad], the Day when the enemies of Allāh will be gathered to the Fire while they are [driven], assembled in rows,

حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠

Until, when they reach it, their hearing and their eyes and their skins will testify against them of what they used to do.

وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١

And they will say to their skins, "Why have you testified against us?" They will say, "We were made to speak by Allāh, who has made everything speak; and He created you the first time, and to Him you are returned.

وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢

And you were not covering [i.e., protecting] yourselves,1 lest your hearing testify against you or your sight or your skins, but you assumed that Allāh does not know much of what you do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللهِ إلى النارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنْ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾

[وَيَوْمَ] نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، والأعْرَجُ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "نَحْشُرُ" بِالنُونِ [أعْداءَ] بِالنَصْبِ، إلّا أنَّ الأعْرَجَ كَسَرَ الشِينَ. وقَرَأ الباقُونَ: "يُحْشَرُ" بِالياءِ المَرْفُوعَةِ "أعْداءُ" رَفْعًا، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، ونافِعٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ -، وحُجَّتُها [يُوزَعُونَ]. و﴿أعْداءُ اللهِ﴾ هُمُ الكُفّارُ المُخالِفُونَ لِأمْرِهِ، و[يُوزَعُونَ] قالَ قَتادَةُ وأهْلُ اللُغَةِ: يُكَفُّ أوَّلُهم حَبْسًا عَلى آخِرِهِمْ، وفي حَدِيثِ أبِي قُحافَةَ يَوْمَ الفَتْحِ: "ذَلِكَ الوازِعُ"، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا بُدَّ لِلْقاضِي مِن وزَعَةٍ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ (p-٤٧٤)رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنِّي لا أُقَيِّدُ مِن وزَعَةِ اللهِ تَعالى.

و[حَتّى] غايَةٌ لِهَذا الحَشْرِ المَذْكُورِ، وهَذا وصْفُ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ في بَعْضِ أوقاتِ القِيامَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى سَيُقَرِّرَهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، ويَسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ عن كُفْرِهِمْ، فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَحْسَبُونَ أنَّ لا شاهِدَ، ويَظُنُّونَ السُؤالَ سُؤالَ اسْتِفْهامٍ واسْتِخْبارٍ، فَيُنْطِقُ اللهُ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ عَلَيْهِمْ، فَرُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنْ أوَّلَ ما يَنْطِقُ مِنَ الإنْسانِ فَخْذُهُ الأيْسَرُ، ثُمَّ تَنْطِقُ الجَوارِحُ، فَيَقُولُ الكافِرُ: تَبًّا لَكِ أيُّها الأعْضاءُ، فَعنكِ كُنْتُ أُدافِعُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "يَجِيئُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أفْواهِهِمُ الفِدامُ فَيَتَكَلَّمُ الفَخْذُ والكَفُّ".»

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مُحاوَرَتَهم لِجُلُودِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾، أيْ: وعَذابُنا (p-٤٧٥)عَذابٌ لَكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ، ما المُرادُ بِالجُلُودِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي الجُلُودُ المَعْرُوفَةُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ: كَنّى بِالجُلُودِ عَنِ الفُرُوجِ، وإيّاها أرادَ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّ الجُلُودَ تَرُدُّ جَوابَهم بِأنَّ اللهَ تَعالى الخالِقَ المُبْدِئَ المُعِيدَ هو الَّذِي أنْطَقَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ: كُلُّ شَيْءٍ ناطِقٍ، مِمّا هي فِيهِ عادَةٌ أو خَرْقُ عادَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الجُلُودِ ومُحاوَرَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، أو مِن كَلامِ مَلِكٍ يَأْمُرُهُ، وأمّا المَعْنى فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: وما كُنْتُمْ تَتَصاوَنُونَ وتَحْجِزُونَ أنْفُسَكم عَنِ المَعاصِي والكُفْرِ، خَوْفَ أنْ يُشْهَدَ، أو لِأجْلِ أنْ يُشْهَدَ، ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ فانْهَمَكْتُمْ وجاهَرْتُمْ، وهَذا هو مَنحى مُجاهِدٍ، والسَتْرُ قَدْ يَتَصَرَّفُ عَلى هَذا المَعْنى ونَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ والسَتْرُ دُونَ الفاحِشاتِ وما ∗∗∗ يَلْقاكَ دُونَ الخَيْرِ مِن سِتْرِ

والمَعْنى الثانِي أنْ يُرِيدَ: وما كُنْتُمْ تَمْتَنِعُونَ ولا يُمْكِنُكم ولا يَسَعُكُمُ الِاخْتِفاءُ عن أعْضائِكم والِاسْتِتارُ عنها بِكُفْرِكم ومَعاصِيكُمْ، ولا تَظُنُّونَ أنَّها تَصِلُ بِكم إلى هَذا الحَدِّ، وهَذا هو مَنحى السَدِّيِّ، كَأنَّ المَعْنى: وما كُنْتُمْ تَدْفَعُونَ بِالِاخْتِفاءِ والسَتْرِ أنْ تَشْهَدَ؛ لِأنَّ الجَوارِحَ لَزِيمَةٌ لَكُمْ، وفي إلْزامِهِ إيّاهُمُ الظَنَّ بِأنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْلَمُ إلْزامَهُمُ الكُفْرَ والجَهْلَ بِاللهِ تَعالى، وهَذا المُعْتَقَدُ يُؤَدِّي بِصاحِبِهِ إلى تَكْذِيبِ أمْرِ الرُسُلِ، واحْتِقارِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى لا رَبَّ غَيْرُهُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَلَكِنْ زَعَمْتُمْ أنَّ اللهَ]، وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ عَبَّرَ بِـ"تَسْتَتِرُونَ" عن "تَظُنُّونَ"، وذَلِكَ تَفْسِيرٌ لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ إلى اللَفْظِ ولا ارْتِباطَ فِيهِ مَعَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ حَدِيثًا «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: إنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، إذْ دَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيّانِ وثَقِّفِي، أو ثُقَفِيّانِ وقُرَشِيُّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا بِحَدِيثٍ، فَقالَ (p-٤٧٦)أحَدُهُمْ: أتَرى اللهَ يَسْمَعُ ما قُلْنا؟ قالَ الآخَرُ: إنَّهُ يَسْمَعُ إذا رَفَعْنا، ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ شَيْئًا مِنهُ، فَإنَّهُ يَسْمَعُهُ كُلَّهُ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآيَةُ، فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]»، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ الثَقَفِيَّ عَبْدُ يالِيلٍ، والقُرَشِيّانِ خَتَناهُ: رَبِيعَةُ وصَفْوانُ ابْنا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فالآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها عِنْدَ إخْبارِ عَبْدِ اللهِ إيّاهُ، واللهُ أعْلَمُ.

41:23–26Page 479

وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

And that was your assumption which you assumed about your Lord. It has brought you to ruin, and you have become among the losers."

فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤

So [even] if they are patient, the Fire is a residence for them; and if they ask to appease [Allāh], they will not be of those who are allowed to appease.

۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥

And We appointed for them companions1 who made attractive to them what was before them and what was behind them [of sin], and the word [i.e., decree] has come into effect upon them among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦

And those who disbelieve say, "Do not listen to this Qur’ān and speak noisily1 during [the recitation of] it that perhaps you will overcome."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾

[ذَلِكُمْ] رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والإشارَةُ بِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ﴾ [فصلت: ٢٢]، قالَ قَتادَةُ: الظَنُّ ظَنّانِ، ظَنُّ مُنْجٍ، وظَنُّ مَهْلِكٌ.

(p-٤٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمُنْجِي هو أنْ يَظُنَّ المُوَحِّدَ العارِفَ بِرَبِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُهُ، والمُهْلِكُ: ظُنُونُ الكَفَرَةِ الجاهِلِينَ عَلى اخْتِلافِها، وفي هَذا المَعْنى لِيَحْيى بْنِ أكْثَمِ رُؤْيا حَسَنَةٍ مُؤْنِسَةٍ، و[ظَنُّكُمُ] خَبَرُ ابْتِداءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [أرْداكُمْ]﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ وُقُوعَ الماضِي حالًا إذا اقْتَرَنَ بِقَدِّ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا قَدْ قامَ، وقَدْ يَجُوزُ تَقْدِيرُها عِنْدَهم وإنْ لَمْ تَظْهَرْ، ومَعْنى: ﴿ [أرْداكُمْ]:﴾ أُهْلَكَكُمْ، والرَدى: الهَلاكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا أو لا يَصْبِرُوا، واقْتَصَرَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلى ما تَرَكَ، و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا"﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، ﴿ "فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ، عَلى: وإنْ طَلَبُوا العُتْبى - وهي الرِضى - فَما هم مِمَّنْ يُعْطاها ويَسْتَوْجِبُها، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، ومُوسى الأسْوارِي: "يَسْتَعْتِبُوا" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ الثانِيَةِ، "فَما هم مِنَ المُعْتِبِينِ" بِكَسْرِ التاءِ، عَلى مَعْنى: وإنَّ طُلِبَ مِنهم خَيْرٌ أو إصْلاحٌ، فَما هم مِمَّنْ يُوجَدُ عِنْدَهُمْ؛ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُنْيا دارَ الأعْمالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:« "لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى: ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ.

ثُمَّ وصَفَ عَزَّ وجَلَّ حالَهم في الدُنْيا وما أصابَهم بِهِ حِينَ أعْرَضُوا، فَحَتَّمَ عَلَيْهِمْ. (p-٤٧٨)وَ[قَيَّضْنا] أيْ يَسَّرْنا لَهم قُرَناءَ سُوءٍ مِنَ الشَياطِينِ وغُواةِ الإنْسِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: عَلَّمُوهم وقَرَّرُوا في نُفُوسِهِمْ مُعْتَقَداتِ سُوءٍ في الأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُمْ: مِن أمْرِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والنُبُوّاتِ، ومَدْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ، واتِّباعِ فِعْلِ الآباءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، وذَلِكَ كُلُّ ما تَقَدَّمَهم في الزَمانِ واتَّصَلَ إلَيْهِمْ أثَرُهُ أو خَبَرُهُ، وكَذَلِكَ أعْطَوْهم مُعْتَقَداتِ سُوءٍ فِيما خَلْفَهُمْ، وهو كُلُّ ما يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ القِيامَةِ والبَعْثِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ خَلْفُ الإنْسانَ"، فَزَيَّنُوا لَهم في هَذَيْنَ كُلَّ ما يُرْدِيهِمْ ويُفْضِي بِهِمْ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: سَبْقُ القَضاءِ الحَتْمِ وأمْرِ اللهِ بِتَعْذِيبِهِمْ في جُمْلَةِ أُمَمٍ مُعَذَّبِينَ كُفّارٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [فِي] بِمَعْنى: "مَعَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى يَتَأدّى بِالحَرْفَيْنِ، ولا نَحْتاجُ أنْ نَجْعَلَ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، إذْ قَدْ أبى ذَلِكَ رُؤَساءَ البَصْرِيِّينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ حِكايَةٌ لِما فَعَلَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ؛ كَأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُصْغِي إلَيْهِ الناسُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَخَشِيَ الكَفّارُ اسْتِمالَةَ القُلُوبِ بِذَلِكَ، فَقالُوا: مَتى قَرَأ مُحَمَّدٌ فَلْنُغَطِّ نَحْنُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ والصِياحِ وإنْشادِ الشِعْرِ والإرْجازِ، حَتّى يُخْفى صَوْتُهُ ولا يَقَعَ الِاسْتِماعُ مِنهُ، وهَذا الفِعْلُ مِنهم هو اللَغْوُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أرادُوا: قَعُوا فِيهِ وعِيبُوهُ، و"اللَغْوُ" في اللُغَةِ: سَقْطُ القَوْلِ الَّذِي لا مَعْنى لَهُ، وهو مِنَ الحاسَّةِ والتَطَوُّلِ في حُكْمٍ لا مَعْنى لَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ [والغَوْا]﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وجَزْمِ الواوِ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "والغُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الواوِ، ورُوِيَتْ عن عِيسى، وابْنِ أبِي إسْحاقٍ - بِخِلافٍ عنهُما -، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: لَغا يَلْغُو، ويُقالُ: لَغِيَ يَلْغى، ويُقالُ أيْضًا: لَغا يَلْغى، أصْلُهُ يَفْعِلُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - فَرَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن يَلْغى، والقِراءَةُ الثانِيَةُ مِن يَلْغُو، قالَهُ الأخْفَشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ أيْ تَطْمِسُونَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ وتَصْرِفُونَ القُلُوبَ عنهُ، فَهَذِهِ الغايَةُ الَّتِي تَمَنَّوْها.

41:27–30Page 479

فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧

But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.

ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨

That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩

And those who disbelieved will [then] say, "Our Lord, show us those who misled us of the jinn and men [so] we may put them under our feet1 that they will be among the lowest."

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh" and then remained on a right course - the angels will descend upon them, [saying], "Do not fear and do not grieve but receive good tidings of Paradise, which you were promised.

(p-٤٧٩)قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءُ بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الفاءُ دَخَلَتْ عَلى لامِ القَسَمِ، وهي آيَةُ وعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الدُنْيا في بَدْرٍ وغَيْرِها، و"الجَزاءُ بِأسْوَإ أعْمالِهِمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ المُتَقَدِّمِ، و"جَزاءُ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، و"النارُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَزاءُ"،﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءُ" ابْتِداءٌ، و"النارُ" خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ مَوْضِعُ البَقاءِ ومَسْكَنُ العَذابِ الدائِمِ، فالظَرْفِيَّةُ فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هي لَهم دارُ الخُلْدِ، فَفي قَوْلِهِ: "فِيها" مَعْنى التَحْدِيدِ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ وفي اللهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ

(p-٤٨٠)وَفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ دارُ الخُلْدِ]، وسَقَطَ: "لَهم فِيها"، وجُحُودُهم بِآياتِ اللهِ مُطْرَدٌ في عَلاماتِهِ المَنصُوبَةِ لِخَلْقِهِ، وفي آياتِ كِتابِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ كُفّارِ يَوْمِ القِيامَةِ، إذا دَخَلُوا النارَ، فَإنَّهم يَرَوْنَ عَظِيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أفْكارُهم فِيمَن كانَ سَبَبَ غَوايَتِهِمْ وبادِي ضَلالَتِهِمْ، فَيَعْظُمُ غَيْظُهم وحَنَقُهم عَلَيْهِ، ويَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشَدِّ العَذابِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا﴾، وظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ "الَّذِي" في قَوْلِهِمِ: [الَّذِينَ] إنَّما هو لِلْجِنْسِ، أيْ: أرِنا كُلَّ مُغْوٍ ومُضِلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: وطَلَبُوا ولَدَ آدَمَ الَّذِي سَنَّ القَتْلَ والمَعْصِيَةَ مِنَ البَشَرِ، وإبْلِيسَ الأبالِسَةِ مِنَ الجِنِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَأمُّلْ هَذا، هَلْ يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؟ لِأنَّ ولَدَ آدَمَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، وهَؤُلاءِ إنَّما طَلَبُوا المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ، وإنَّما القَوِيُّ أنَّهم طَلَبُوا النَوْعَيْنِ، وقَدْ أصْلَحَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ بِأنْ قالَ: يَطْلُبُ ولَدَ آدَمَ كُلُّ عاصٍ دَخَلَ النارَ مِن أهْلِ الكَبائِرَ، ويَطْلُبُ إبْلِيسَ كُلُّ كافِرٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يَزْحَمُ هَذا التَأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الكَفَرَةَ إنَّما طَلَبُوا اللَذَيْنِ أضَلّا.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وهي رُؤْيَةُ عَيْنٍ، ولِذَلِكَ فَهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أرِنا" بِسُكُونِ الراءِ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ: هو خَطَأٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "أرِنا" كَما قالُوا: ضَحْكٌ وفَخْذٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإشْمامِ الراءِ الكَسْرَ، ورُوِيَتْ عن أهْلِ مَكَّةَ. وقَوْلُهُمْ: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يُرِيدُونَ: في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، وهي أشَدُّ عَذابًا، وهي دَرْكُ المُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ الآيَةُ. آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، (p-٤٨١)قالَ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَقَفِيُّ: « "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: أخْبَرَنِي بِأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ، فَقالَ: قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ، قُلْتُ: فَما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟ فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلِسانِ نَفْسِهِ فَقالَ: هَذا".»

واخْتَلَفَ الناسُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي. وتَلا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ، ثُمَّ قالَ: اسْتَقامُوا - واللهِ - لِلَّهِ بِطاعَتِهِ، ولَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَعالِبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ذَهَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى حَمْلِ الناسِ عَلى الأتَمِّ الأفْضَلِ، وإلّا فَيَلْزَمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مِن دَلِيلِ خِطابِهِ ألّا تَتَنَزَّلَ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ عَلى الطاعَةِ، وذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ إلى أنَّ المَعْنى: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى قَوْلِهِمْ: "رَبُّنا اللهُ"، فَلَمْ يَخْتَلْ تَوْحِيدُهم ولا اضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "قَدْ قالَها الناسُ، ثُمَّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ، فَمَن ماتَ عَلَيْها، فَهو مِمَّنِ اسْتَقامَ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

المَعْنى: فَهو في أوَّلِ دَرَجاتِ الِاسْتِقامَةِ، أمْنِ الخُلُودِ، فَهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللهَ دَخَلَ الجَنَّةَ"،» وهَذا هو المُعْتَقِدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العُصاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وغَيْرِها فِرْقَتانِ: فَأمّا مَن قَضى اللهُ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ لَهُ وتَرْكِ تَعْذِيبِهِ، فَلا مَحالَةَ مِمَّنْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالبِشارَةِ، وهو إنَّما اسْتَقامَ عَلى تَوْحِيدِهِ فَقَطْ، وأمّا مَن قَضى اللهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثُمَّ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ، (p-٤٨٢)فَلا مَحالَةَ أنَّهُ يَلْقى جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَعْلَمُهُ، ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالُهُ كَحالَةِ الكافِرِ اليائِسِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، وإذْ قَدْ كانَ هَذا، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ البِشارَةُ بِألّا يَخافَ الخُلُودَ ولا يَحْزَنَ مِنهُ، وبِأنَّهُ يَصِيرُ آخِرًا إلى الخُلُودِ في الجَنَّةِ، وهَلِ العُصاةُ المُؤْمِنُونَ، إلّا تَحْتَ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ؟ فَهم داخِلُونَ فِيمَن يُقالُ لَهُمْ: ﴿وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، ومَعَ هَذا كُلِّهِ، فَلا يُخْتَلَفُ أنَّ المُوَحِّدَ المُسْتَقِيمَ عَلى الطاعَةِ، أتَمُّ حالًا وأكْمَلُ بِشارَةً، وهو مَقْصِدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ "اسْتَقامُوا":﴾ عَمِلُوا بِنَحْوِ ما قالُوا، وقالَ الرَبِيعُ: أعْرِضُوا عَمّا سِوى اللهِ تَعالى، وقالَ الفَضْلَ: زَهِدُوا في الفانِيَةِ ورَغِبُوا في الباقِيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلَّما كانَ المَرْءُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، كانَ أسْرَعَ فَوْزًا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ أمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمٍّ مُسْتَأْنَفٍ، وتَسْلِيَةٍ تامَّةٍ عن كُلِّ فائِتٍ ماضٍ، وقَدْ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَخافُونَ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ لا تَخافُوا] بِإسْقاطِ الألِفِ، بِمَعْنى: يَقُولُونَ لا تَخافُوا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском