Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الزخرف
Az-Zukhruf
The Ornaments of Gold · Meccan · 89 ayahs
43:1–9Page 489
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
By the clear Book,
إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣
Indeed, We have made it an Arabic Qur’ān that you might understand.
وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ٤
And indeed it is, in the Mother of the Book1 with Us, exalted and full of wisdom.2
أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ ٥
Then should We turn the message away, disregarding you, because you are a transgressing people?
وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ ٦
And how many a prophet We sent among the former peoples,
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٧
But there would not come to them a prophet except that they used to ridicule him.
فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
And We destroyed greater than them1 in [striking] power, and the example of the former peoples has preceded.
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٩
And if you should ask them, "Who has created the heavens and the earth?" they would surely say, "They were created by the Exalted in Might, the Knowing,"
(p-٥٣٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةُ الزُخْرُفِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عنكُمُ الذِكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والكِتابِ"﴾ خَفْضٌ بِواوِ القَسَمِ. و﴿ "المُبِينِ":﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "أبانَ" الَّذِي هو بِمَعْنى "بانَ"، أيْ: ظَهَرَ، فَلا يُحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعَدّى مَن "بانَ"، فَهَذا لابُدَ مِن مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: المُبِينُ الهُدى أوِ الشَرْعُ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ مَعْناهُ: سَمَّيْناهُ وصَيَّرْناهُ، وهو إخْبارٌ عَلَيْهِ وقَعَ القَسَمُ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "جَعَلْناهُ"﴾ عائِدٌ عَلى: "الكِتابِ"، و﴿ "عَرَبِيًّا":﴾ مَعْناهُ: بِلِسانِكم لِئَلّا يَبْقى لَكم عُذْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: إذا أبْصَرَ المُبْصِرُ مِنَ البَشَرِ هَذا الفِعْلِ مِنّا تَرَجّى مِنهُ أنْ يَعْقِلَ الكَلامَ ويَفْهَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإنَّهُ"﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، وهَذا الإخْبارُ الثانِي واقِعٌ أيْضًا تَحْتَ القَسَمِ، و﴿ "أُمِّ الكِتابِ":﴾ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ (p-٥٣٣)وَتَرْفِيعٌ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، كَيْفَ هو في "أُمِّ الكِتابِ"؟ فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسَدِّيَّ وعَطِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ: القُرْآنُ بِأجْمَعِهِ فِيهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَنْزِلُ، وهُنالِكَ هو عَلِيٌّ حَكِيمٌ. وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ذِكْرُهُ ودَرَجَتُهُ ومَكانَتُهُ مِنَ العُلُوِّ والحِكْمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِي أُمِّ الكِتابِ"﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُوسُفُ والِي العِراقِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَنَضْرِبُ"،﴾ بِمَعْنى: أفَنَتْرُكُ، تَقُولُ العَرَبُ: أضْرَبَتْ عن كَذا وضَرَبَتْ إذا أعْرَضَتْ وتَرَكَتْهُ، و﴿ "الذِكْرَ"﴾ هو الدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى والتَذْكِيرُ بِعَذابِهِ والتَخْوِيفُ مِن عِقابِهِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: "الذِكْرُ" هُنا هو العَذابُ نَفْسُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ: "الذِكْرُ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "صَفْحًا"﴾ انْتِصابُهُ كانْتِصابِ ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [النمل: ٨٨]، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَفْوِ والغَفْرِ لِلذَّنْبِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عنكم وغَفْرًا لِإجْرامِكم أنْ كُنْتُمْ، أو مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ؟ هَذا لا يَصْلُحُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: "صَفْحًا" أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَغْفُولًا عنهُ، أيْ نَتْرُكُهُ يَمُرُّ لا تَؤْخُذُونَ بِقَبُولِهِ ولا بِتَدَبُّرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ، وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ تَمُرَّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضى ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
أيْ: تَمُرُّ مَغْفُولًا عنها، فَكَأنَّ هَذا المَعْنى: أفَنَتْرُكُكم سُدًى؟ وهَذا هو مَنحى قَتادَةَ وغَيْرِهِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:(p-٥٣٤)
؎ صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقَرَأ السَمِيطُ بْنُ عَمْرُو، والسُدُوسِيُّ: "صُفْحًا" بِضَمِّ الصادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو جَزاءٌ دَلَّ ما تَقَدَّمَ عَلى جَوابِهِ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "أنْ كُنْتُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، بِمَعْنى: مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذْ كُنْتُمْ"، و"الإسْرافُ" في الآيَةِ: هو الكُفْرُ والضَلالُ البَعِيدُ في عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعالى والتَشْرِيكِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ الآياتُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذِكْرُهُ أُسْوَةٌ لَهُ ووَعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَ مَن هو أشَدُّ بَطْشًا مِنهُمْ، و"الأوَّلُونَ": هُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ وغَيْرِهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمُرادُ بِهِ: الخُصُوصُ فِيمَنِ اسْتَهْزَءُوا، وإلّا فَقَدَ كانَ في الأوَّلِينَ مَن لَمْ يَسْتَهْزِئْ، والضَمِيرُ فِي: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ أمْرَهم وسَنَتَّهُمْ، وصارُوا عِبْرَةً غابِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ الآيَةُ... ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى قُرَيْشٍ يُوجِبُ عَلَيْهِمِ التَناقُضُ في أمْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ الخالِقَ المُوجِدَ لَهم ولِلسَّماواتِ والأرْضِ هو اللهُ تَعالى، وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا ويَدْعُونَها آلِهَتَهُمْ، ومُقْتَضى جَوابِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: "خَلَقَهُنَّ اللهُ"، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللهِ بِـ"العَزِيزِ العَلِيمِ" لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ بَعْدُ مِن أوصافِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عن قُرَيْشٍ.
43:10–14Page 489
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠
[The one] who has made for you the earth a bed and made for you upon it roads that you might be guided
وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١
And who sends down rain from the sky in measured amounts, and We revive thereby a dead land - thus will you be brought forth -
وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢
And who created the species, all of them, and has made for you of ships and animals those which you mount
لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣
That you may settle yourselves upon their backs and then remember the favor of your Lord when you have settled upon them and say, "Exalted is He who has subjected this to us, and we could not have [otherwise] subdued it.1
وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤
And indeed we, to our Lord, will [surely] return."
(p-٥٣٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكُمُ فِيها سُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
هَذِهِ أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى البَشَرِ، تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ كافِرٍ مُشْرِكٍ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ﴾ لَيْسَ مِن قَوْلِ المَسْؤُولِينَ، بَلْ هو ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِهادًا"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مَهْدًا"، والمَعْنى واحِدٌ، أيْ: يَتَمَهَّدُ ويَتَصَرَّفُ فِيها، والسُبُلُ: الطُرُقُ، وتَهْتَدُونَ: مَعْناهُ: في المَقاصِدِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَهْتَدُونَ بِالنَظَرِ والِاعْتِبارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾: هو المَطَرُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقَدَرٍ"،﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ. وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِقَدَرٍ في الكِفايَةِ لِلصَّلاحِ، لا إكْثارَ فَيُفْسَدُ، ولا قِلَّةَ فَيَقْصُرُ، بَلْ غَيْثًا مُغِيثًا سَيْلًا نافِعًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِتَقْدِيرٍ وتَحْرِيرٍ، أيْ: قَدَرًا ما مَعْلُومًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يَنْزِلُ كُلَّ عامٍ ماءً قَدَرًا واحِدًا لا يَفْضُلُ عامٌ عامًا، لَكِنْ يَكْثُرُ مَرَّةً هُنا ومَرَّةً هُنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُنْزِلُ اللهُ تَعالى تَقْدِيرًا ما في عامٍ، ويُنْزِلُ في آخَرَ تَقْدِيرًا آخَرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ. و"أنَشَرْنا": مَعْناهُ: أحْيَيْنا، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ، وأنْشَرَهُ غَيْرُهُ، و﴿ "بَلْدَةً":﴾ اسْمُ جِنْسٍ، ووَصَفَها بِـ "مَيْتًا" دُونَ ضَمِيرٍ مِن حَيْثُ هي واقِعَةُ مُوقِعَ "قَطَرَ" ونَحْوَهُ، إذِ التَأْنِيثُ فِيها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيِّتًا" بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "مَيِّتًا" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأُولى أرْجَحُ لِشَبَهِ لَفْظِها بِـ"زَوَّرَ، وعَدَلَ"، فَحَسُنَ وصْفُ المُؤَنَّثِ بِها، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿ "كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ"﴾ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى: "وَكَذَلِكَ تَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الراءِ.
(p-٥٣٦)وَ"الأزْواجُ": الأنْواعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾: لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يَرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ غَيْرَ الإبِلِ، وتَدْخُلُ البِغالُ والخَيْلُ والحَمِيرُ فِيما يُرْكَبُ بِالمَعْنى. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾: لامُ الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ واقِعَةٌ عَلى النَوْعِ المَرْكُوبِ، والضَمِيرُ فِي: "ظُهُورِهِ" عائِدٌ عَلى النَوْعِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ "ما"، وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةٌ أُخْرى ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الفَلَكِ، وهُوَ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها، إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وإنَّما هَذِهِ خاصَّةً فِيما يُرْكَبُ مِنَ الحَيَوانِ، ويُقالُ عِنْدَ النُزُولِ مِنها: اللهُمَّ، أنْزَلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ.
والسَنَّةُ لِلرّاكِبِ إذا رَكِبَ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ، أو عَلى النِعْمَةِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أو عَلى النِعْمَةِ في كُلِّ حالٍ، وقَدْ رَوى هَذا اللَفْظَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ يَقُولُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ الآيَةُ،» ورَكِبَ أبُو مِجْلَزٍ لاحِقِ بْنِ حَمِيدٍ وقالَ: "سُبْحانَ الله" الآيَةُ، ولَمْ يَذْكُرْ نِعْمَةً، وسَمِعَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: ما هَكَذا أُمِرْتُمْ، فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أقُولُ؟ قالَ: قُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، أو نَحْوَ هَذا، ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾ الآيَةُ، وكانَ طاوُسُ إذا رَكِبَ قالَ: اللهُمَّ، هَذا مِن مَنِّكَ وفَضْلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾ الآيَةُ. (p-٥٣٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ قَدَّرْنا أنَّ ذِكْرَ النِعْمَةِ بِالقَلْبِ والتَذَكُّرِ بَدَأ الراكِبُ: بِـ ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾، وهو يَرى نِعْمَةَ اللهِ في ذَلِكَ وفي سِواهُ، و"المُقْرِنُ": الغالِبُ الضابِطُ المُسْتَوْلِي عَلى الأمْرِ المُطِيقِ لَهُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ رَكِبَ جَمَلًا، فَقِيلَ لَهُ قُلْ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، فَقالَ: أما واللهِ إنِّي لَمُقْرِنٌ تَيّاهٌ، فَضَرَبَ بِهِ الجَمَلَ، فَوَقَصَهُ فَقَتَلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أمْرٌ بِالإقْرارِ بِالبَعْثِ وتَرْدادِ القَوْلِ بِهِ، وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى اسْتِشْعارِ النَظَرِ فِيهِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ الإنْسانَ إذا رَكِبَ ولَمْ يَقِلْ ما في هَذِهِ الآيَةِ جاءَ الشَيْطانُ، فَقالَ: "تَغَنَّهُ، فَإنْ كانَ يُحْسِنُ غَنّى، وإلّا قالَ لَهُ: تَمَنَّهُ، فَيَتَمَنّى الأباطِيلَ ويَقْطَعُ زَمَنَهُ بِذَلِكَ".»
43:15–19Page 490
وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥
But they have attributed to Him from His servants a portion.1 Indeed, man is clearly ungrateful.
أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ١٦
Or has He taken, out of what He has created, daughters and chosen you for [having] sons?
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧
And when one of them is given good tidings of that which he attributes to the Most Merciful in comparison [i.e., a daughter], his face becomes dark, and he suppresses grief.
أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨
So is one brought up in ornaments while being during conflict unevident1 [attributed to Allāh]?
وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩
And they described the angels, who are servants of the Most Merciful, as females. Did they witness their creation? Their testimony will be recorded, and they will be questioned.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾
الضَمِيرُ فِي: "جَعَلُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والضَمِيرُ فِي: "لَهُ": لِلَّهِ تَعالى. و"الجُزْءُ": القِطَعُ مِنَ الشَيْءِ، وهو بَعْضُ الكُلِّ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا جُزْءًا مِن عِبادِهِ نَصِيبًا لَهُ وحَظًّا، وذَلِكَ في قَوْلِ مُجاهِدٍ، وكَثِيرٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: الجُزْءُ: الإناثُ، يُقالُ: أجْزَأتِ المَرْأةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنْ أجَزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحْيانًا
(p-٥٣٨)وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ مَوْضُوعٌ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالجُزْءِ: الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، أيْ: جُزْءًا نِدًّا، فَعَلى هَذا فَتَعْنِيفُ الكَفَرَةِ في فَصْلَيْنِ: في أمْرِ الأصْنامِ، وفي أمْرِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾: أتى بِلَفْظِ الجِنْسِ العامِّ، والمُرادِ: بَعْضُ الإنْسانِ، وهو هَؤُلاءِ الجاعِلُونَ ومَن أشْبَهُهم. و﴿ "مُبِينٌ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ﴾ إضْرابٌ وتَقْرِيرٌ، وهَذِهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ عَلَيْهِمْ؛ إذِ المَحْمُودُ مِنَ الأولادِ والمَحْبُوبُ قَدْ خَوَّلَهُ اللهُ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَتَّخِذُ هو لِنَفْسِهِ النَصِيبَ الأدْنى؟ و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: خَصَّكم وجَعَلَ ذَلِكَ صَفْوَةً لَكم.
ثُمَّ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في هَذا المَعْنى وكانَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بُشِّرَ﴾ الآيَةُ، و"مُسْوَدٌّ": خَبَرُ ﴿ "ظَلَّ"،﴾ و"الكَظِيمُ": المُمْتَلِئُ غَيْظًا الَّذِي قَدْ رَدَّ غَيْظَهُ إلى جَوْفِهِ، فَهو يَتَجَرَّعُهُ ويَرُومُ رَدَّهُ، وهَذا مَحْسُوسٌ عِنْدَ الغَيْظِ، ثُمَّ زادَ تَوْبِيخَهم وإفْسادَ رَأْيِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ﴾، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلُوا"، كَأنَّهُ قالَ: أوَ مَن يُنَشَّأُ في الحِيلَةِ وهو الَّذِي خَصَصْتُمْ بِهِ اللهَ تَعالى؟ ونَحْوَ هَذا، والمُرادُ بِـ"مَنِ": النِساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسَدِّيُّ، و"يَنَشَأُ": مَعْناهُ: يَنْبُتُ ويَكْبُرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَنْشَأُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ النُونِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُونِ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ (p-٥٣٩)مَسْعُودٍ: "أو مَن لا يَنْشَأُ إلّا في الحِلْيَةِ"، و"الحِلْيَةُ": الحُلِيُّ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والأحْجارِ، و﴿ "الخِصامِ":﴾ المُحاجَّةُ ومُجاذَبَةُ المُحاوَرَةِ، وقَلَّما تَجِدُ امْرَأةً إلّا تُفْسِدُ الكَلامَ وتَخْلِطُ المَعانِي، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهُوَ في الكَلامِ غَيْرُ مُبِيَّنٍ"، و﴿ "مُبِينٍ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَدٍّ، والتَقْدِيرُ: غَيْرُ مُبِيِّنٍ غَرَضًا أو مَنزَعًا ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِـ " مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ " الآيَةُ: الأصْنامُ والأوثانُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها.
ولَمّا فَرَغَ تَعْنِيفُهم عَلى ما أتَوْهُ في جِهَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِمِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ سُبْحانَهُ"، بَيَّنَ اللهُ تَعالى فَسادَ مَقالَتِهِمْ، فَعَيَّنَها بِجِهَةٍ أُخْرى مِنَ الفَسادِ، وذَلِكَ شَنِيعُ قَوْلِهِمْ في عِبادِ اللهِ تَعالى مُخْتَصِّينَ مُقَرَّبِينَ: "أنَّهم إناثٌ"، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ: "عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عِنْدَ الرَحْمَنِ إناثًا"، وهَذِهِ القِراءَةُ أدَلُّ عَلى رَفْعِ المَنزِلَةِ وقُرْبِها في التَكْرِمَةِ، كَما قِيلَ: مَلِكٌ مُقَرَّبٌ، وقَدْ تَصَرَّفَ المَعْنَيانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى في وصْفِ المَلائِكَةِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقالَ سُبْحانَهُ في أُخْرى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَجُعِلُوا المَلائِكَةَ عِبادَ الرَحْمَنِ إناثًا".
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "أأشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ وبِلا مَدٍّ بَيْنِهِما، وبِفَتْحِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وتَسْهِيلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ بِمَدٍّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ،. وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ أيْضًا، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: "أوُشْهِدُوا" بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِالتَسْهِيلِ في الثانِيَةِ ومُدَّةً بَيْنِهِما، وقَرَأ آخَرُونَ: "أُشْهِدُوا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهي قِراءَةُ الزَهْرِيِّ، وهي صِفَةُ الإناثِ، أيْ: أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟، ومَعْنى الآيَةِ: التَوْبِيخُ وإظْهارُ فَسادِ عُقُولِهِمْ، وادِّعائِهِمْ وأنَّها مُجَرَّدَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهَذا نَظِيرُ الآيَةِ (p-٥٤٠)الرادَّةِ عَلى المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَبائِعِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٥١].
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ"﴾ بِرَفْعِ "شَهادَةٍ" وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "سَنَكْتُبُ شَهادَتَهُمْ" بِنُونِ الجَمْعِ، و"شَهادَتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيَكْتُبُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: سَيَكْتُبُ اللهُ شَهادَتَهم بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سَتُكْتَبُ شَهاداتُهُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وجَمْعِ الشَهاداتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَيُسْألُونَ":﴾ وعِيدٌ مُفْصِحٌ، و"أشَهِدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: أحَضَرُوا؟ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن شَهادَةٍ تَحْمِلُ المَعانِي الَّتِي تُطْلَبُ أنْ تُؤَدّى.
43:20–25Page 490
وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠
And they said, "If the Most Merciful had willed, we would not have worshipped them." They have of that no knowledge. They are not but misjudging.
أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١
Or have We given them a book before it [i.e., the Qur’ān] to which they are adhering?
بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢
Rather, they say, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are in their footsteps [rightly] guided."
وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣
And similarly, We did not send before you any warner into a city except that its affluent said, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are, in their footsteps, following."
۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٢٤
[Each warner] said, "Even if I brought you better guidance than that [religion] upon which you found your fathers?" They said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٢٥
So We took retribution from them; then see how was the end of the deniers.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى احْتِجاجِ الكَفّارِ بِمَذاهِبِهِمْ لِيُبَيِّنَ فَسادَ مَنزَعِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا إمْهالَ اللهِ تَعالى لَهم وإنْعامَهُ عَلَيْهِمْ -وَهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ- دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَرْضى عِبادَةَ الأصْنامِ دِينًا، وذَلِكَ كالأمْرِ بِهِ، فَنَفى اللهُ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ أنْ يَكُونَ لَهم عِلْمٌ بِهَذا، ولَيْسَ عِنْدَهم كِتابٌ مُنَزَّلٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويُحْدِسُونَ ويُخَمِّنُونَ، وهَذا هو الخَرْصُ والتَخَرُّصُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى أُمَّةٍ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهِيَ: المِلَّةُ والدِيانَةُ، والآيَةُ -عَلى هَذا- تَعِيبُ عَلَيْهِمِ التَقْلِيدَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عَلى إمَّةٍ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي بِمَعْنى النِعْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِإمَّتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفَقُ
(p-٥٤١)وَمِنهُ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإ ∗∗∗ ∗∗∗ مَّةِ وارَتْهُمُ القُبُورُ
فالآيَةُ -عَلى هَذا المَعْنى- اسْتِمْرارٌ في احْتِجاجِهِمْ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: وجَدْنا آباءَنا في نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى وهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَذَلِكَ دَلِيلُ رِضاهُ عنهُمْ، وكَذَلِكَ اهْتَدَيْنا نَحْنُ بِذَلِكَ عَلى آثارِهِمْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "الإمَّةَ": الطَرِيقَةُ، مِن قَوْلِكَ: أمَمْتُ كَذا إمَّةٍ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وجَعَلَ لَهُ الأُسْوَةَ فِيمَن مَضى مِنَ النُذُرِ والرُسُلِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ المُتْرَفِينَ مَن قَوْمِهم -وَهم أهْلُ النِعَمِ والمالِ- قَدْ قابَلُوهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُقابَلَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قُلْ أو لَوْ"، والمَعْنى: فَقُلْنا لِلنَّذِيرِ: "قُلْ أو لَوْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمٍ: "قالَ أوَلَوْ"، فَفي "قالَ" ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى النَذِيرِ، وباقِي الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ: "قُلْ" في قِراءَةِ مَن قَرَأها لَيْسَتْ بِأمْرٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما هي حِكايَةٌ لِما قِيلَ لِلنَّذِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَوْ﴾ هي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى واوٍ عَطَفَتْ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، و"لَوْ" في هَذا المَوْضِعِ، كَأنَّها شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى "إنَّ"، كَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإنْ جِئْتُكم بِأبْيَنِ وأوضَحِ مِمّا كانَ آباؤُكم يَصْحَبُكم لُجاجُكم (p-٥٤٢)وَتَقْلِيدُكُمْ؟ فَأجابَ الكُفّارُ حِينَئِذٍ لِنُذُرِهِمْ: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ الآيَةُ..... وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ بِأنْبِيائِها، كَما كَذَّبَتْ هي بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أو لَوْ جِئْتُكُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو شَيْخٍ [الهَنائِيُّ]، وخالِدٌ: "أو لَوْ جِئْناكُمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "قُلْ أو لَوْ أتَيْتُمْ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences