Ibn 'AtiyyaAz‑Zukhruf · 43:26–45

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:26–45

43:26–30Page 491

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father and his people, "Indeed, I am disassociated from that which you worship

إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ٢٧

Except for He who created me; and indeed, He will guide me."

وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٨

And he made it1 a word remaining among his descendants that they might return [to it].

بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ ٢٩

However, I gave enjoyment to these [people of Makkah] and their fathers1 until there came to them the truth and a clear Messenger.2

وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٠

But when the truth came to them, they said, "This is magic, and indeed we are, concerning it, disbelievers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾

المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ولَمّا ضَرَبَ تَعالى المَثَلُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالنُذُرِ وجَعَلَهم أُسْوَةً لَهُ، خَصَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالذِكْرِ لِعَظْمِ مَنزِلَتِهِ، وذَكَّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِمُنابَذَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ، أيْ: فافْعَلْ أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدَ جَلَدَهُ، و"بَراءٌ": صِفَةٌ تَجْرِي عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بَراءٌ"﴾ بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بُراءٌ" بِضَمِّ الباءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ: "إنِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ "بَرِيءٌ"، قالَ الفَرّاءُ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَكْتُبْ شَكْلَ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ ألْفًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولا يُراعِي حَرَكَةَ ما قَبْلَها"، قالَ: "فَرُبَّما كانَ خَطُّ مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بِألْفٍ كَما في مُصْحَفِ الجَماعَةِ، لَكِنْ كانَ يَلْفِظُ بِها بِكَسْرِ الراءِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وكانُوا يَعْرِفُونَ اللهَ ويُعَظِّمُونَهُ، إلّا أنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ مَعَهُ أصْنامَهُمْ، فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: أنا لا أُوافِقَكم إلّا عَلى عِبادَةِ اللهِ الفاطِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي مَعْبُودِي، وعَلى هَذا فَلِمَ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعالى لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وعَلَّلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ عِبادَتَهُ لِلَّهِ تَعالى، بِأنَّهُ الهادِي المُنَجِّي مِنَ العَذابِ، وفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لَهم وتَرْغِيبٌ لَهم في اللهِ تَعالى وتَطْمِيعٌ بِرَحْمَتِهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلَها"﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ بِالتَوْحِيدِ في (p-٥٤٣)قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّنِي بَراءٌ"،﴾ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وعادَ الضَمِيرُ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِأنَّ اللَفْظَ يَتَضَمَّنُها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِذَلِكَ: الإسْلامُ ولَفْظَتُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ، قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، والعَقِبُ: الذَرِّيَّةُ ووَلَدُ الوَلَدِ ما امْتَدَّ فَرْعُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ الآيَةُ، كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ مِن عَقِبِهِ اقْتَضى الكَلامُ أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا مِمَّنْ بَقِيَتِ الكَلِمَةُ فِيهِمْ بَلْ مَتَّعَتْهُمْ، والمَعْنى في الآيَةِ: بَلْ أمْهَلَتْ هَؤُلاءِ ومَتَّعَتْهم بِالنِعْمَةِ مَعَ كَفْرِهِمْ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ، وذَلِكَ هو شَرْعُ الإسْلامِ، والرَسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، و﴿ "مَتَّعْتُ"﴾ بِضَمِّ التاءِ هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَتَّعَتَ" بِفَتْحِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا رَبِّ بَلْ مَتَّعْتَ، ورَواها يَعْقُوبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بَلْ مَتَّعْنا"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، و"مُبِينٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ التَعَدِّي وتَرْكَ التَعَدِّي.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ بِأنَّهم قالُوا لِلْقُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، وأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وإنَّما جَعَلُوهُ بِزَعْمِهِمْ سِحْرًا مِن حَيْثُ كانَ عِنْدَهم يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ ووَلَدِهِ وزَوْجِهِ، فَجَعَلُوهُ لِذَلِكَ كالسِحْرِ، ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الفَرْقِ في أنَّ المُفارِقَ بِالقُرْآنِ يُفارِقُ عن بَصِيرَةٍ في الدِينِ، والمَفارِقُ بِالسِحْرِ يُفارِقُ عن خَلَلٍ في دِينِهِ.

43:31–35Page 491

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١

And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1

أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢

Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.

وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣

And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.

وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤

And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline

وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥

And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وَزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

(p-٥٤٤)الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أوَّلًا أنْ يُرْسِلَ اللهُ تَعالى بَشَرًا، فَلَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ مُوسى، وعِيسى، وإبْراهِيمَ عَلَيْهُمُ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ مِدْفَعٌ رَجَعُوا يُناقِضُونَ فِيما يَخُضُّ مُحَمَّدًا ﷺ بِعَيْنِهِ، فَقالُوا: لِمَ كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ولَمْ يَكُنْ نُزُولُ الشَرْعِ عَلى رَجُلٍ مِن إحْدى الفِرْقَتَيْنِ عَظِيمٍ؟، وقَدَّرَ المِبْرَدُ قَوْلَهُمْ: عَلى رَجُلٍ مِن رَجُلَيْنِ مِنَ القَرْيَتَيْنِ، والقَرْيَتانِ: مَكَّةُ والطائِفُ، ورَجُلُ مَكَّةَ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَخْذٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا ادَّعاهُ، ورَجُلُ الطائِفِ، قالَ قَتادَةُ: هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما قَصَدُوا إلى مَن عَظُمَ ذِكْرَهُ بِالسِنِّ والقِدَمِ، وإلّا فَرَسُولُ اللهِ ﷺ كانَ حِينَئِذٍ أعْظَمُ مِن هَؤُلاءِ لَكِنْ لَمّا عَظُمَ أُولَئِكَ قَبْلَ مُدَّةِ النَبِيِّ ﷺ وفي صِباهُ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ لَهم.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهُمْ- بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، المَعْنى: عَلى اخْتِيارِهِمْ وإرادَتِهِمْ تَنْقَسِمُ الفَضائِلُ والمَكانَةُ عِنْدَ اللهِ تَعالى؟ و"الرَحْمَةُ": اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، ثُمَّ أُخْبِرَ تَعالى خَبَرًا جازِمًا بِأنَّهُ قاسِمُ المَعايِشِ والدَرَجاتِ في الدُنْيا لِيَسْخَرَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا، المَعْنى: فَإذا كانَ اهْتِمامُنا بِهِمْ أنْ نُقَسِّمَ هَذا الحَقِيرَ الفانِيَ، فالأحْرى أنْ نُقَسِّمَ الأهَمَّ الخَطِيرَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ تَزْهِيدٌ في السِعاياتِ، وعَوْنٌ عَلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَعالى، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ:

لَمّا أتى "نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ" زالَ المِرا

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعِيشَتُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "مَعايِشُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِ السِينِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى التَسْخِيرِ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الهَزْءِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: يَعْنِي الجَنَّةَ. (p-٥٤٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لا شَكَّ أنَّ الجَنَّةَ هي الغايَةُ، ورَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الدُنْيا بِالهِدايَةِ والإيمانِ خَيْرٌ مِن كُلِّ مالٍ، وهَذا اللَفْظُ تَحْقِيرٌ لِلدُّنْيا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ القَوْلُ في تَحْقِيرِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى أبْقى عَلى عَبِيدِهِ وأنْعَمَ بِمُراعاةِ بَقاءِ الخَيْرِ والإيمانِ وشاءَ حِفْظَهُ عَلى طائِفَةٍ مِنهم بَقِيَّةَ الدَهْرِ، ولَوْلا كَراهِيَةٌ أنْ يَكُونَ الناسُ كُفّارًا كُلَّهم وأهْلَ حُبٍّ في الدُنْيا وتَجَرُّدٍ لَها لَوَسَّعَ اللهُ تَعالى عَلى الكُفّارِ غايَةَ التَوْسِعَةِ ومَكَّنَهم مِنَ الدُنْيا، إذْ حَقارَتُها عِنْدَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّها لا قَدْرَ لَها ولا وزْنَ لِفَنائِها وذِهابَ رُسُومِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ مَعْناهُ: في الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَوْ كانَتِ الدُنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ"،» ثُمَّ يَتَرَكَّبُ مَعْنى الآيَةِ عَلى مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾ لامُ المُلْكِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِبُيُوتِهِمْ"﴾ لامُ تَخْصِيصٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الكِساءُ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ، أيْ: هو لِدابَّتِهِ حِلْسٌ ولِزَيْدٍ مِلْكٌ. قالَ المَهْدَوِيُّ: ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السَقْفَ لِرَبِّ البَيْتِ الأسْفَلِ؛ إذْ هو مَنسُوبٌ إلى البُيُوتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَفَقُّهُ واهِنٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُقُفًا" بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُقْفًا" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ، وهَذانَ جَمْعانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "سَقْفًا" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ القافِ عَلى الإفْرادِ، و"المَعارِجُ": الأدْراجُ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والناسُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمَعارِيجَ" بِزِيادَةِ ياءٍ، و"يَظْهَرُونَ": مَعْناهُ: يَعْلُونَ، ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: « "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ"،» (p-٥٤٦)وَ"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الزُخْرُفِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: الزُخْرُفُ: الذَهَبُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إيّاكم والحُمْرَةَ فَإنَّها مِن أحَبِّ الزِينَةِ إلى الشَيْطانِ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

الحُسْنُ أحْمَرُ، والشَهَواتُ تَتْبَعُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الزُخْرُفُ: أثاثُ البَيْتِ وما يَتَّخِذُ لَهُ مِنَ السُتُورِ والنَمارِقِ ونَحْوَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزُخْرُفُ: التَزاوِيقُ والنَقْشُ ونَحْوَهُ مِنَ التَزْيِينِ، وشاهِدُ هَذا القَوْلَ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَمّا" فَـ "إنَّ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في "لَمّا" داخِلَةٌ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَفْيِ والإيجابِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وهِشامٌ -بِخِلافٍ عنهُ- والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، فَإنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، و"لَمّا": بِمَعْنى: إلّا، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "نَشَدْتُكَ اللهَ لَمّا فَعَلْتَ"، وحَمَلَهُ عَلى "إلّا". وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما ذَلِكَ إلّا مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، فَـ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: وإنْ كُلَّ ذَلِكَ لِلَّذِي هو مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَحْرِيضٌ عَلى التَقْوى، إذْ في الآخِرَةِ هو التَبايُنُ في المَنازِلِ.

43:36–39Page 492

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦

And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.

وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧

And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨

Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَن يَعْشُ عن ذِكْرِ الرَحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾

"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾ شَرْطِيَّةٌ، و"عَشا يَعْشُو" مَعْناهُ: قَلَّ الإبْصارُ، (p-٥٤٧)كالَّذِي يَعْتَرِي في اللَيْلِ، وكَذَلِكَ هو الأعْشى مِنَ الرِجالِ، ويُقالُ: عَشا الرَجُلُ يَعْشُو عَشْوًا، إذا فَسَدَ بَصَرُهُ فَلَمْ يَرَ، أو لَمْ يَرَ إلّا قَلِيلًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ البَصْرِيُّ: "وَمَن يَعِشْ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي مِن قَوْلِهِمْ: عَشِيَ يَعْشى، والأكْثَرُ عَشا يَعْشُو، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ

وفِي شِعْرٍ آخَرَ:

؎ .......................... ∗∗∗ ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وجَمْرًا تَأجَّجا

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَمَن يَعْشُ عَنِ الرَحْمَنِ"، وسَقَطَ "ذِكْرُ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: ومَن يَقِلُّ نَظَرُهُ في شَرْعِ اللهِ تَعالى ويُغْمِضُ جُفُونَهُ عَنِ النَظَرِ في ذِكْرِ الرَحْمَنِ، أيْ: فِيما ذَكَّرَ بِهِ عِبادَهُ، فالمَصْدَرُ إلى الفاعِلِ، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾، أيْ: نُيَسِّرُ لَهُ، وهَذا هو العِقابُ عَلى الكُفْرِ بِالحَتْمِ وعَدَمِ الفَلاحِ، وهَذا كَما يُقالُ: إنَّ اللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالتَزَيُّدِ في المَعاصِي، ويُجازِي عَلى الحَسَناتِ بِالتَزَيُّدِ في الحَسَناتِ، وقَدْ (p-٥٤٨)رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُقَيِّضْ"﴾ بِالنُونِ، وقَرَأ عاصِمٌ، الأعْمَشُ وأبُو عَمْرُو بِخِلافٍ عنهُ-: "يُقَيِّضُ" بِالياءِ ﴿ "شَيْطانًا"،﴾ أيْ: يُقَيِّضُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يُقَيَّضُ لَهُ شَيْطانٌ" بِفَتْحِ الياءِ الثانِيَةِ وشَدِّها ورَفْعِ النُونِ مِن "شَيْطانٍ".

والضَمِيرُ في ﴿ "وَإنَّهُمْ"﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، وفِي: "يَصُدُّونَهُمْ" عَلى الكُفّارِ، و"السَبِيلُ" هي سَبِيلُ الهُدى والفَوْزِ، والضَمِيرُ فِي: "يَحْسَبُونَ" لِلْكُفّارِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَتادَةَ، والزَهْرِيِّ، والجَحْدَرِيِّ: "حَتّى إذا جاءانا" عَلى التَثْنِيَةِ، يُرِيدُ العاشِي والقَرِينِ، قالَهُ سَعِيدٌ الحَرِيرِيُّ، وقَتادَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "جاءَنا"، يُرِيدُ العاشِيَ وحْدَهُ، وفاعِلُ: "قالَ": هو العاشِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ، أحَدُها: أنْ يُرِيدَ: بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ، فَسَمّاهُما مَشْرِقَيْنِ، كَما يُقالُ: القَمَرانِ، والعُمْرانُ، قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُجُومُ الطَوالِعُ

والثانِي: أنْ يُرِيدَ مَشْرِقَ الشَمْسِ في أطْوَلِ يَوْمٍ، ومَشْرِقَها في أقْصَرِ يَوْمٍ، فَكَأنَّهُ أخَذَ نِهايَتِي المَشارِقِ، والثالِثُ: أنْ يُرِيدَ: بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ مِنَ المَغْرِبَيْنِ، فاكْتَفى بِذِكْرِ المَشْرِقَيْنِ.

(p-٥٤٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن مَقالَةٍ تُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي مُقالَةٌ مُوحِشَةٌ حَرَمَتْهم رُوحَ التَأسِّي، لِأنَّهُ يُوقِفُهم بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ التَأسِّي، وذَلِكَ لِعِظَمِ المُصِيبَةِ وطُولِ العَذابِ واسْتِمْرارِ مُدَّتِهِ، إذِ التَأسِّي راحَةٌ لِكُلِّ مُصابٍ في الدُنْيا في الأغْلَبِ، ألّا تَرى إلى قَوْلِ الخَنْساءِ:

؎ ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلَتْ نَفْسِي

؎ وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي

فَهَذا التَأسِّي قَدْ كَفاها مُؤَوْنَةَ قَتْلِ النَفْسِ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُمُ الِانْتِفاعَ بِالتَأسِّي، وفي ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهم ويَأْسٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وفاعِلُ ﴿ "يَنْفَعَكُمُ":﴾ الِاشْتِراكُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أنَّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "إنَّكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ "يَنْفَعَكُمُ" التَبَرُّؤُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾، وعَلى هَذا يَكُونُ "أنَّكُمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وتَخْرُجُ الآيَةُ عَلى مَعْنى نَفْيِ الأُسْوَةِ.

43:40–45Page 492

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?

فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.

أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢

Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.

فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣

So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.

وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤

And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.

وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥

And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?

قوله عزّ وجلّ:

﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ أو تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أو نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وما يُقالُ لَهم وهم في العَذابِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ تُشْفِقَ النُفُوسُ، وأنَّ يَنْظُرَ كُلُّ سامِعٍ لِنَفْسِهِ ويَسْعى في خَلاصِها، فَلَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مَعَ هَذا الَّذِي سَمِعَتْ لَمْ تَزَلْ عن عُتُوِّها وإعْراضِها عن أمْرِ اللهِ تَعالى رَجَعَتِ المُخاطَبَةُ إلى (p-٥٥٠)مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لَهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بَـالصُمِّ والعُمْيِ إذْ كانَتْ حَواسُّهم لا تُفِيدُ شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا بِأنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: "أو مَن كانَ"، بَلْ جاءَ بِالواوِ العاطِفَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: "وَهَؤُلاءِ"، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا عَوْدَ الضَمِيرِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنّا مِنهُمْ﴾، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ﴾ الآيَةُ....آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا واقِعًا، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هُمُ الكُفّارُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ ﷺ الَّذِي وعَدَهم في بَدْرٍ والفَتْحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هم في هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ اللهَ تَعالى أكْرَمَ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم بِحَضْرَتِهِ وفي حَياتِهِ، فَوَقَعَتِ النِقْمَةُ مِنهم بَعْدَ أنْ ذَهَبَ بِهِ، وذَلِكَ في الفِتَنِ الحادِثَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ مَعَ الخَوارِجِ وغَيْرِهِمْ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أكْرَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى أنْ يَرى في أُمَّتِهِ ما يَكْرَهُ كَما رَأى الأنْبِياءُ صَلَواتِ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَتِ النِقْمَةُ بَعْدَ ذَهابِهِ ﷺ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِضى اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ: ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ فَقالَ: " بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ "،» والقَوْلُ الأوَّلُ مِن تَوَعُّدِ الكُفّارِ أكْثَرُ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَمَسُّكِ بِما جاءَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى مِنَ الوَحْيِ المَتْلُوِّ وغَيْرِهِ، والصِراطُ: الطَرِيقُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أوحى اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَبارَكَ وتَعالى: وإنَّهُ لَشَرَفٌ وحَمْدٌ في الدُنْيا -والقَوْمُ عَلى هَذا- قُرَيْشٌ ثُمَّ العَرَبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والسَدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ، فَإذا قالُوا لَهُ: فَلِمَن يَكُونُ الأمْرُ بِعْدَكَ؟ سَكَتَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ إذا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ: لِقُرَيْشٍ، فَكانَتِ العَرَبُ لا تَقْبَلُ عَلى ذَلِكَ حَتّى قَبِلَتْهُ (p-٥٥١)الأنْصارُ رِضى اللهِ عنهُمْ،» ورَوى ابْنُ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما بَقِيَ مِنهُمُ اثْنانِ"،» ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لا يَزالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما دامُوا، إذا حَكَوْا عَدَلُوا، وإذا اسْتَرْحَمُوا رَحِمُوا، وإذا عاهَدُوا وفَوْا، فَمَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ"،» ورَوى مُعاوِيَةُ أنَّهُ ﷺ قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما أقامُوا الدِينَ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى: وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ، و"القَوْمُ" -عَلى هَذا- أُمَّتُهُ بِأجْمَعِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: عن أوامِرِ القُرْآنِ ونَواهِيهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عن شُكْرِ النِعْمَةِ فِيهِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ هَذا كُلَّهُ ويَعُمُّهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالسُؤالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى أنِ اسْألْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَقّاشُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِيهِ بُعْدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزَهْرِيُّ، أرادَ تَعالى: واسْألِ الرُسُلَ إذا (p-٥٥٢)لَقَيْتُهم لَيْلَةَ الإسْراءِ، أمّا إنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْألِ الرُسُلَ عَلَيْهِمِ السَلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ عن هَذا، لِأنَّهُ ﷺ كانَ أثْبَتُ يَقِينًا مِن ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى: واسْألْنِي، أو واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا، والأُولى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أنْ يَكُونَ: ﴿مَن أرْسَلْنا﴾ اسْتِفْهامًا أمْرَهُ أنْ يَسْألَ بِهِ، كَأنَّ سُؤالَهُ: يا رَبِّ، مَن أرْسَلَتْ قَبَلِيِّ مِن رُسِلِكَ؟ أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ الأمْرَ بِآلِهَةٍ يُعْبَدُونَ؟ ثُمَّ ساقَ السُؤالَ مَحْكِيُّ المَعْنى، فَرَدَّ المُخاطَبَةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّي، وعَطاءُ، أرادَ تَعالى: واسْألْ تُبّاعَ مَن أرْسَلْنا وحَمْلَةَ شَرائِعِهِمْ، لِأنَّ المَفْهُومَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى سُؤالِهِ الرُسُلَ إلّا بِالنَظَرِ في آثارِهِمْ وكُتُبِهِمْ وسُؤالِ مَن حَفِظَها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "واسْئَلِ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبِلَكَ رُسُلُنا"، فَهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] مَفْهُومٌ أنَّهُ لا يَسْألُ إلّا أهْلَها، ومِمّا يَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فَمَفْهُومٌ أنَّ الرَدَّ إنَّما هو إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسَنَةِ رَسُولِهِ ﷺ، وأنَّ المُحاوَرَةَ في ذَلِكَ إنَّما هم لِتُبّاعِهِمْ وحَفَظَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُعْبَدُونَ"﴾ أُخْرِجُ الضَمِيرُ عَلى حَدِّ مَن يَعْقِلُ مُراعاةً لِلَفْظِ الآلِهَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском