Ibn 'AtiyyaAz‑Zukhruf · 43:46–73

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:46–73

43:46–50Page 492

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦

And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."

فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧

But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.

وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨

And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩

And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."

فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠

But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عنهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾

هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ وأُسْوَةٍ لِمُحَمَّدٍ بِمُوسى صَلّى اللهُ عَلَيْهِما، ولِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ ومَلائِهِ، والآياتُ الَّتِي أُرْسِلَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي التِسْعُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرِواياتُ، وخَصَّ اللهُ تَعالى المَلَأِ بِالذِكْرِ لِأنَّهم يَسُدُّونَ مَسَدَّ جَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالضَحِكِ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَضْحَكُ وتَسْخَرُ مِن أخْبارِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

(p-٥٥٣)ثُمَّ وصَفَ تَعالى صُورَةَ عَرْضِ الآياتِ عَلَيْهِمْ وأنَّها كانَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ مَوْقِعِها في نُفُوسِهِمْ بِجِدَّةِ أمْرِها وحُدُوثِهِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ عَرَضَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هِيَ: العَصا واليَدُ، وكانَتْ أكْبَرَ آياتِهِ، ثُمَّ كَلُّ آيَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَعُ فَتُعَظَّمُ عِنْدَهم لِحِينِها وتَكْبُرُ، لِأنَّهم قَدْ كانُوا أنْسَوُا الَّتِي قَبِلَها، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ عَلى أنَّها تَعْفُو الكُلُومُ وإنَّما ∗∗∗ تُوكَّلُ بِالأدْنى وإنْ جَلَّ ما يُقْضى

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ الآياتِ هُنا هي الحُجَجُ والبَيِّناتُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أخْذَهم بِالعَذابِ في القَمْلِ والضَفادِعِ والدَمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا كَما أخَذَ قُرَيْشًا بِالسِنِينَ والدُخانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَعَلَّهُمْ"﴾ تَرَجٍّ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ وظَنِّهِمْ، و﴿ "يَرْجِعُونَ":﴾ مَعْناهُ: يَتُوبُونَ ويُقْلِعُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا أيُّهَ الساحِرُ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قائِلُ ذَلِكَ مَن أعْلَمَهم بِكُفْرِ السِحْرِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ اسْتِهْزاءٍ وهو يَعْلَمُ قَدْرَ السِحْرِ وانْحِطاطَ مَنزِلَتِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "عِنْدَكَ"﴾ بِمَعْنى: في زَعْمِكَ وعَلى قَوْلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لَيْسَ مِنَ المُتَمَرِّدِينَ الحُذّاقِ مِنهُمْ، ويُطْلَقُ لَفْظَةُ الساحِرِ لِأحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا لِأنَّ السِحْرَ كانَ عِنْدَ عامَّتِهِمْ عِلْمُ الوَقْتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها العالَمُ، وإمّا لِأنَّ هَذِهِ الِاسْمِيَّةَ قَدْ كانَتِ انْطَلَقَتْ عِنْدَهم عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِأوَّلِ ظُهُورِهِ فاسْتَصْحَبَها هَذا القائِلُ في مُخاطَبَتِهِ قِلَّةَ تَحْرِيرٍ وغَباوَةً، ويَكُونُ القَوْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- جِدًّا مِنَ القائِلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ بِمَعْنى: إنَّ نَفَعَتْنا دَعْوَتُكَ، وهَذا التَأْوِيلُ أرْجَحُ، أعْنِي أنَّ كَلامَ هَذا القائِلِ مُقْتَرِنٌ بِالجَدِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يَأيُّهُ" بِهاءٍ مَضْمُومَةٍ فَقَطْ. (p-٥٥٤)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَشَفَ عنهُمُ العَذابَ نَكَثُوا، ولَوْ كانَ الكَلامُ هَزْلًا مِن أوَّلِهِ لَما وقَعَ نَكَثٌ.

43:51–56Page 493

وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١

And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?

أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢

Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1

فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣

Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"

فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤

So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].

فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥

And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.

فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦

And We made them a precedent and an example for the later peoples.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أو جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾

نِداءُ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِلِسانِهِ في نادِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِأنْ أمَرَ مَن يُنادِي في الناسِ، ومَعْنى هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي نادى بِها أنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ فَضْلَهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ هو مَلِكُ مِصْرَ، وصاحِبُ الأنْهارِ والنِعَمِ، ومُوسى -عَلَيْهِ السَلامُ- خامِلٌ مُتَعَلِّلٌ لا دُنْيا لَهُ، قالَ: فَلَوْ أنَّ إلَهَ مُوسى يَكُونُ حَقًّا كَما يَزْعُمُ، لِما تَرَكَ الأمْرَ هَكَذا، ومِصْرُ مِن بَحْرِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ إلى أسْوانَ بِطُولِ النِيلِ، والأنْهارُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي الخِلْجانُ الكِبارُ الخارِجَةُ مِنَ النِيلِ وأعْظَمُها نَهْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وتُنِيسِ ودِمْياطَ ونَهْرُ طُولُونِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أمْ" هَذِهِ المُعادَلَةُ، والمَعْنى: "أفَأنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ"، فَوَضَعَ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "أمْ تُبْصِرُونَ" الأمْرُ الَّذِي هو حَقِيقٌ أنْ يُبْصَرَ عِنْدَهُ، وهو أنَّهُ خَيْرٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، و"لا" -عَلى هَذا النَظَرِ- نافِيَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ لا تُبْصِرُونَ؟، ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى "أمْ" لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلى المَحْذُوفِ مِنهُ، وابْتَدَأ قَوْلَهُ: "أنا خَيْرٌ مِنهُ" إخْبارًا مِنهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ -عَلى هَذا النَظَرِ- بِمَنزِلَةِ: "هَلّا" و"لَوْلا" عَلى مَعْنى التَخْضِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ. (p-٥٥٥)وَقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "أمّا أنا خَيْرٌ"، حَكّاهُ الفَرّاءُ، وكانَ مُجاهِدٌ يَقِفُ عَلى "أمْ"، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: "أنا خَيْرٌ مِنهُ"، قالَ قَتادَةُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ تَعالى عنهُ: "أمْ أنا خَيْرٌ أمْ هَذا".

و"مَهِينٌ": مَعْناهُ: ضَعِيفٌ وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَقِيَ في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن أثَرِ الجَمْرَةِ، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ أحْدَثَتْ في لِسانِهِ عُقْدَةً، فَلَمّا دَعا في أنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قَوْلُهُ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لَكِنَّهُ بَقِيَ أثَرٌ كانَ البَيانُ يَقَعُ مِنهُ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ عَيَّرَ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَلا يَكادُ"﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يُبَيِّنُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ: "يُبَيِّنُ" بِفَتْحِ الياءِ الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ﴾: يُرِيدُ: مِنَ السَماءِ تَكْرِمَةً لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُلْقِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ألْقى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والقافِ عَلى بِنائِهِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ "أساوِرَةً" نَصْبًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أساوِرَةٌ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "أسْوِرَةً"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وأبِي رَجاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أساوِرُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "أساوِيرُ"، ويُقالُ: سُوارٌ وإسْوارٌ لِما يُجْعَلُ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، حَكى أبُو زَيْدٍ اللُغَتَيْنِ، وأبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، وهو كالقَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما والناسُ، وكانَتْ عادَةُ الرِجالِ يَوْمَئِذٍ حَبْسَ ذَلِكَ والتَزَيُّنَ بِهِ، و"أساوِرَةٌ" جَمْعُ إسْوارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "أسْوِرَةٍ"، كَأسْقِيَةٍ وأساقِي، وكَذَلِكَ: "أساوِرَةٌ" جَمْعُ إسْوارٍ، والهاءُ فِي: "أساوِرَةٍ" عِوَضٌ عَنِ الياءِ المَحْذُوفَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ إنَّما هو "أساوِيرُ" كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَحَذَفُوا الياءَ وجَعَلُوا الهاءَ عِوَضًا مِنها، كَما قالُوا ذَلِكَ في زَنادِقَةٍ وبِطارِقَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"أسْوِرَةٌ": (p-٥٥٦)جَمْعُ سَوارٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مُقْتَرِنِينَ"﴾ أيْ: يَحْمُونَهُ ويَشْهَدُونَ لَهُ ويُقِيمُونَ حُجَّتَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، أيْ طَلَبَ خِفَّتَهم وإجابَتَهم إلى غَرَضِهِ، فَأجابُوهُ إلى ذَلِكَ وأطاعُوهُ في الكُفْرِ لِفِسْقِهِمْ ولِما كانُوا بِسَبِيلِهِ مِنَ الفَسادِ.

و﴿ "آسَفُونا":﴾ مَعْناهُ: أغْضَبُونا، بِلا خِلافٍ، وإغْضابُ اللهِ تَعالى هو أنْ تَعْمَلَ الأعْمالَ الخَبِيثَةَ الَّتِي تَظْهَرُ مِن أجْلِها أفْعالُهُ الدالَّةُ عَلى إرادَةِ السُوءِ بِمَن شاءَ، والغَضَبُ -عَلى هَذا- صِفَةُ فِعْلٍ، وهو مِمّا يَتَرَدَّدُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى مِمّا يَظْهَرُ مِنَ الأفْعالِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، وإذا رُدَّ إلى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سَلَفًا" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، جَمْعُ سالِفٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، والسُلَفُ: هو الفارِطُ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمُ، أيْ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِلْأُمَمِ الكافِرَةِ عِظَةً ومَثَلًا لَهم يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ، أو يَقَعُونَ فِيما وقَعُوا فِيهِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَذْهَبُ الصالِحُونَ أسْلافًا"»، وقَوْلُهُ في ولَدِهِ إبْراهِيمَ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلَيْهِما السَلامُ: « "نَدْفِنُهُ عِنْدَ سَلَفِنا الصالِحِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ "،» وقَرَأ حَمِيدُ الأعْرَجِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِينِ واللامِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ وأصْحابِهِ، وسَعْدِ بْنِ عِياضٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وهو جَمْعُ: سَلِيفٍ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنَ القاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أنَّهُ سَمِعَ العَرَبَ تَقُولُ: مَضى سَلِيفٌ مِنَ الناسِ، بِمَعْنى السَلَفِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وحَمِيدُ الأعْرَجُ أيْضًا: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِينِ وفَتْحِ اللامِ، كَأنَّهُ جَمْعُ سُلْفَةٍ، بِمَعْنى الأُمَّةِ والقَطَّةٍ، والآخَرُونَ: هم مَن يَأْتِي مِنَ البَشَرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

43:57–62Page 493

۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧

And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.

وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨

And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.

إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩

He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.

وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠

And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.

وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢

And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي (p-٥٥٧)إسْرائِيلَ﴾ ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآيَةُ، ونَزَلَ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وحالِهِ وكَيْفَ خُلِقَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- مِن ذِكْرِ عِيسى إلّا أنْ نَعْبُدَهُ نَحْنُ كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهَذا كانَ صُدُودَهم مَن ضَرَبَهُ مَثَلًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ: "يَصُدُّونَ" بِضَمِّ الصادِ، بِمَعْنى: يَعْرِضُونَ، وقَرَأ الباقُونَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: "يَصِدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى يَضْحَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهَ عنهُما ضَمَّ الصادِّ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ "يَعْرِشُونَ، و"يَعْرُشُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ ابْتِداءُ مَعْنًى ثانٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] جاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبْعَرِيِّ ونُظَراؤُهُ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْصِمُ مُحَمَّدًا، أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ عِيسى؟ وعَلِمُوا أنَّ الجَوابَ أنْ يُقالَ عِيسى، قالُوا: وهَذِهِ آيَةُ الحَصَبِ لَنا أو لِكُلِّ الأُمَمِ مِنَ الكُفّارِ؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "بَلْ لِكُلٍّ مِن تَقَدُّمٍ أو تَأخُّرٍ مِنَ الكُفّارِ"، فَقالُوا: نَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى، إذْ هو خَيَّرَ مِنها، وإذْ قَدْ عَبَدَ فَهو مِنَ الحَصَبِ إذَنْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾» أيْ: ما مَثَّلُوا هَذا التَمْثِيلَ إلّا جَدَلًا مِنهم ومُغالَطَةً، ونَسُوا أنَّ عِيسى ﷺ لَمْ يَعْبُدْ بِرِضى مِنهُ ولا عن إرادَةٍ، ولا لَهُ في ذَلِكَ ذَنْبٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أآلِهَتُنا" بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها بَيْنَ بَيْنَ وألِفٍ (p-٥٥٨)بَعْدَها، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَعْدَ الثانِيَةِ ألْفٌ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ: "آلِهَتُنا" عَلى مِثالِ الخَبَرِ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "آلِهَتُنا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مُدَّةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "خَيْرٌ أمْ هَذا"، فالإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي فَسَّرْناهُ، وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "ألْهَتْنا خَيْرٌ أمْ هُوَ": إنَّ الإرادَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسَدِّيُّ: المُرادُ بِـ "هُوَ": عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا هو المُتَرَجِّحُ.

و"الجِدالُ" عِنْدَ العَرَبِ: المُحاوَرَةُ بِمُغالَطَةٍ أو تَحْقِيقٍ أو ما اتُّفِقَ مِنَ القَوْلِ، إنَّما المَقْصَدُ بِهِ أنْ يَغْلِبَ صاحِبَهُ في الظاهِرِ لا أنْ يَتَطَلَّبَ الحَقُّ في نَفْسِهِ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ قالَ أبُو أُمامَةَ: «وَرَأى النَبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَنازَعُونَ في القُرْآنِ فَغَضِبَ حَتّى كَأنَّما صُبَّ في وجْهِهِ الخَلُّ، وقالَ: "لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَما ضَلَّ قَوْمٌ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"،» ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم أهَّلَ خِصامٍ ولَدَدٍ.

وأخْبَرَ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ عَبْدٌ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنُبُوَّةِ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ، وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، [وَقَوْلُهُ: "وَلَوْ نَشاءُ" الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَغْرِبُوا أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن غَيْرِ فَحْلٍ، فَإنَّ القُدْرَةَ تَقْضِي ذَلِكَ وأكْثَرُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ مَعْناهُ: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكُمْ، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى لِجَعْلٍ بَدَلًا مِن بَنِي آدَمَ مَلائِكَةً يَسْكُنُونَ الأرْضَ ويَخْلُفُونَ بَنِي آدَمَ فِيها، وقالَ ابْنُ (p-٥٥٩)عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يَخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ: إلى القُرْآنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكِ الغِفارِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو نَضْرَةَ المُنْذِرِ بْنِ كَعْبٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَإنَّهُ العَلَمُ" بِفَتْحِ العَيْنِ واللامِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "وَإنَّهُ لَلْعِلْمُ" بِلامَيْنِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لِلسّاعَةِ"، فَمَن قالَ إنَّ الإشارَةَ إلى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ مَعَ تَأْوِيلِهِ "عِلْمٌ" و"عَلَمٌ"، أيْ: هو إشْعارٌ بِالساعَةِ وشَرْطٌ مِن أشْراطِها، يَعْنِي خُرُوجَهُ في آخِرِ الزَمانِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ هو آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، فَقَدْ تَمَيَّزَتِ الساعَةُ بِهِ نَوْعًا وقَدْرًا مِنَ التَمْيِيزِ، وبَقِيَ التَحْدِيدُ التامُّ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، ومَن قالَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، حَسُنَ قَوْلُهُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، أيْ: يُعْلِمُكم بِها وبِأهْوالِها وصِفاتِها، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لَذِكْرٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ﴾ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا تَشُكُّنَّ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرْعِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَحْذِيرِ العِبادِ مِنَ الشَيْطانِ وإغْوائِهِ، ونَبِّهْهم عَلى عَداوَتِهِ.

43:63–68Page 494

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧

Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous

يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨

[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا الساعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

"البَيِّناتُ" الَّتِي جاءَ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ هِيَ: إحْياءُ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ قَتادَةُ: الإنْجِيلُ. والحِكْمَةُ: النُبُوَّةُ، قالَهُ السَدِّيُّ وغَيْرُهُ.

(p-٥٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "بَعْضَ" بِمَعْنى "كُلَّ"، وهَذا ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ اللُغَةُ، ولا حُجَّةَ لَهُ مِن قَوْلِ لَبِيدٍ:

؎ ....................... ∗∗∗ أو يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُفُوسِ حَمامُها

لِأنَّهُ أرادَ نَفْسَهُ ونَفْسَ مِن مَعَهُ، وذَلِكَ بَعْضُ النُفُوسِ، وإنَّما المَعْنى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ الناسِ هو في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لا تُحْصى عَدَدًا، مِنها أُمُورٌ أُخْرَوِيَّةٌ ودِينِيَّةٌ، ومِنها ما لا مَدْخَلَ لَهُ في الدِينِ، فَكُلُّ نَبِيٍّ إنَّما يُبْعَثُ لِيَبِينَ أمْرَ الأدْيانِ والآخِرَةِ، فَذَلِكَ بَعْضُ ما يُخْتَلِفُ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ حِكايَةٌ عن عِيسى إذْ أشارَ إلى شَرْعِهِ.

و"الأحْزابُ" المَذْكُورُونَ: قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ تَعالى: اخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ وتَحَزَّبُوا، فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ، وهو قَلِيلٌ، وكَفَرَ الغَيْرُ، وهَذا إذا كانَ مَعَهم حاضَرا، وقالَ قَتادَةُ: الأحْزابُ هُمُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ كانَ لَهُمُ الرَأْيُ والمُناظَرَةُ صُرِفَتْ إلَيْهِمْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ: الأحْزابُ: النَصارى، افْتَرَقَتْ مَذاهِبُهم فِيهِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللهُ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنهُمْ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وقالَتْ (p-٥٦١)فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللهِ، وهُمُ النَسْطُورِيَّةُ، قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وَقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وهُمٌ المَلْكانِيَّةُ، قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ بِمَعْنى: مَن تَلْقائِهِمْ ومِن أنْفُسِهِمْ ثارَ شَرُّهُمْ، ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهُمُ الِاخْتِلافُ مِن غَيْرِهِمْ.

والضَمِيرُ فِي: ﴿ "يَنْظُرُونَ"﴾ لِقُرَيْشٍ، والمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ، و﴿ "بَغْتَةً":﴾ مَعْناهُ: فَجْأةً دُونَ مُقَدِّمَةٍ ولا إنْذارٍ بِها، ثُمَّ وصَفَ تَعالى بَعْضَ حالِ القِيامَةِ، وإنَّها -لِهَوْلِ مَطْلَعِها والخَوْفِ المُطِيفِ بِالناسِ فِيها- يَتَعادى ويَتَباغَضُ كُلُّ خَلِيلٍ كانَ في الدُنْيا عَلى غَيْرِ تُقى، لِأنَّهُ يَرى أنَّ الضَرَرَ دَخَلَ عَلَيْهِ مِن قِبَلَ خَلِيلِهِ، وأمّا المُتَّقُونَ فَيَرَوْنَ أنَّ النَفْعَ دَخَلَ بِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، هَذا مَعْنى كَلامِ عَلَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يا عِبادِ"﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ، أيْ: لِلْمُتَّقِينَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يا عِبادِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يا عِبادِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ "يا عِبادِ" بِحَذْفِ الياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها أحْسَنُ، لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ وهي قَدْ عاقَبَتْهُ، فَكَما يُحْذَفُ التَنْوِينُ في الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا لِسُكُونِها عَلى حَرْفٍ كَما أنَّ التَنْوِينَ كَذَلِكَ، ولِأنَّها لا تَنْفَصِلُ عَنِ المُضافِ كَما لا يَنْفَصِلُ التَنْوِينُ مِنَ المُنَوَّنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ المُعْتَمِرِ، عن أبِيهِ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ أنَّ الناسَ حِينَ يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنهم أحَدٌ إلّا فُزِعَ، فَيُنادِي مُنادٍ: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، فَيَرْجُوها الناسُ كُلُّهُمْ، قالَ: ويَتْبَعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩]، قالَ: فَيَيْأسُ مِنها جَمِيعُ الكُفّارِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والزَهْرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، ويَعْقُوبَ: "لا خَوْفَ" بِنَصْبِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لا خَوْفَ" بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

43:69–73Page 494

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩

[You] who believed in Our verses and were Muslims.

ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠

Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١

Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.

وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢

And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.

لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣

For you therein is much fruit1 from which you will eat.

(p-٥٦٢)قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾

﴿ "الَّذِينَ"﴾ نَعْتٌ لِلْعِبادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يا عِبادِ"،﴾ [الزخرف: ٦٨] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أمْرَهُ إيّاهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ هم وأزْواجُهُمْ، و﴿ "تُحْبَرُونَ":﴾ مَعْناهُ: تَنْعَمُونَ وتَسُرُّونَ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ، و"الأكْوابُ": ضَرْبٌ مِنَ الأوانِي كالأبارِيقِ إلّا أنَّها لا آذانَ لَها ولا مَقابِضَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: ﴿ "ما تَشْتَهِيهِ"﴾ بِإثْباتِ الهاءِ الأخِيرَةِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَصاحِفِ الشامِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والجُمْهُورُ: "ما تَشْتَهِي" بِحَذْفِ الهاءِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في أكْثَرِ المَصاحِفِ، وحَذْفُها مِنَ الصِلَةِ لِطُولِ القَوْلِ حَسَنٌ، وذَلِكَ كَثُرَ في التَنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ" بِالهاءِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لَيْسَ المَعْنى أنَّ الأعْمالَ أوجَبَتْ عَلى اللهِ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ حُظُوظَهم مِنها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ وأنْ يَكُونَ المَرْءُ مَن أهْلِها فَبِفَضْلِ اللهِ تَعالى وهُداهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском