Ibn 'AtiyyaAz‑Zukhruf · 43:74–89

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:74–89

43:74–81Page 495

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤

Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.

لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥

It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦

And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.

وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧

And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."

لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨

We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.

أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩

Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].

أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠

Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١

Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عنهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾

لِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ وما يُقالُ لَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ (p-٥٦٣)الخُلُودِ في النارِ والإبْلاسِ، لِيُبَيِّنَ الفَرْقُ ولِتَتَّضِحَ الأُمُورُ الَّتِي مِنها النِذارَةُ، و"المُجْرِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ الخُلُودِ وما تَتَضَمَّنُهُ ألْفاظُ الآيَةِ مِن مُخاطَبَةِ مالِكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُبْلِسُ": المُبْعِدُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهم فِيها مُبْلِسُونَ" أيْ في جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا في أنْ وضَعُوا العِبادَةَ فِيمَن لا يَسْتَوْجِبُها، ووَضَعُوا الكُفْرَ والتَفْرِيطَ في جَنْبِ اللهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "كانُوا هُمُ الظالِمِينَ"﴾ عَلى الفَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانُوا هُمُ الظالِمُونَ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرَ "كانَ"، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عن أهْلِ النارِ أنَّهم يُنادُونَ مالِكَ خازِنَ النارِ، فَيَقُولُونَ -عَلى مَعْنى الرَغْبَةِ الَّتِي هي في صِيغَةِ الأمْرِ-: ﴿ "لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ"﴾ أيْ: لِيُمِتْنا مُدَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، «وَقَرَأ النَبِيُّ ﷺ عَلى المِنبَرِ: "يا مالِكُ " بِالكافِ،» وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "يا مالُ" بِالتَرْخِيمِ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُ، ورَواها أبُو الدَرْداءِ رِضى اللهِ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. و"القَضاءُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- بِمَعْنى المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، ورُوِيَ في تَفْسِيرِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ مالِكًا يُقِيمُ بَعْدَ سُؤالِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رِضى اللهِ عنهُما: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لِأهْلِ النارِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "جِئْناكُمْ"﴾ عَلى حَدِّ ما يُدْخِلُ أحَدٌ -حَمَّلَهُ الرَئِيسُ كِتابَهُ- نَفْسَهُ في فِعْلِ الرَئِيسِ، فَيَقُولُ: غَلَبْناكم وفَعَلْنا بِكم ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ كَلامُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ "كارِهُونَ"،﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ جِئْناكُمْ" مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ فَصِيحٌ، بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكُمْ، ثُمَّ تَتَّصِلُ الآيَةُ -عَلى هَذا- بِما بَعْدَها مِن أمْرِ قُرَيْشٍ. (p-٥٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ يُرِيدُ: هَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن أُمُورِ مَكْرِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما فَعَلُوا في اجْتِماعِهِمْ عَلى مَثْلِهِ في دارِ النَدْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ: المُنْقَطِعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنّا مُبْرِمُونَ"،﴾ أيْ: فَإنّا مُحْكِمُو نَصْرَهُ وحِمايَتَهُ، والإبْرامُ: أنَّ تَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ تَفْتِلُهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَسْمَعُ السَرارَ، ومِنهُ حَدِيثُ الثَقَفِيُّ والقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ سَمِعَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ يَقُولُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ: أتُرى اللهُ يَسْمَعُنا؟ فَقالَ أحَدُهُمْ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا... الحَدِيثُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْمَعُ -أيْ يُدْرِكُ- السِرَّ والنَجْوى، وأنَّ رُسُلَهُ الحَفَظَةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ أعْمالَ البَشَرِ مَعَ ذَلِكَ، وتُعِدُّ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: هو مِنَ العِبادَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ والطَبَرِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ -كَما تَقُولُونَ- فَأنا أوَّلُ مَن يُعْبَدُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَعالى وجَلَّ. قالَ الطَبَرِيُّ: فَهَذا إلْطافٌ في الخِطابِ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ: "أيْنَ شُرَكائِيَ".

وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللهِ وحْدَهُ وكَذَّبَكُمْ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى: "ما"، فَكَأنَّهُ (p-٥٦٥)تَعالى قالَ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهُنا هو الوَقْفُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: مَن عَبَدَ الرَجُلَ إذا أنِفَ وأنْكَرَ الشَيْءَ، وقالَ الشاعِرُ:

؎ مَتى يَشَأْ ذُو الوِدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا

ومِنهُ حَدِيثُ عُثْمانَ وعَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُما في المَرْجُومَةِ حِينَ قالَ عَلَيُّ: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، قالَ: فَما عَبَدَ عُثْمانُ أنَّ بَعْثَ إلَيْها لِتَرَدٍّ، والمَعْنى: إنْ جَعَلْتُمْ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وكانَ ذَلِكَ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ المُنْكِرَيْنِ لِذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَدٌ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أوَّلُ العَبِدَيْنِ"، وهي عَلى هَذا المَعْنى، قالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ -بِكَسْرِ الباءِ-: الشَدِيدُ الغَضَبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أوَّلُ الجاحِدِينَ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَبَدَنِي حَقِّي"، أيْ جَحَدَنِي.

43:82–85Page 495

سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢

Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.

وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤

And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.

وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥

And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.

قوله عزّ وجلّ:

﴿سُبْحانَ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

لَمّا قالَ: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] نَزَّهَ الرَبُّ تَعالى عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالُوها، (p-٥٦٦)وَ ﴿ "سُبْحانَ"﴾ تَنْزِيهٌ، وخَصَّ السَماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ لِأنَّها أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ مُهادَنَةٌ ما وتُرِكَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ " حَتّى يُلاقُوا"،﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصَنٍ: "حَتّى يُلْقُوا". وقالَ الجُمْهُورُ: اليَوْمُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ آيَةُ حُكْمٍ بِعَظَمَتِهِ وإخْبارُ بِأُلُوهِيَّتِهِ، أيْ: هو النافِذُ أمْرُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العاصِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الشَيْخِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ اللهُ وفي الأرْضِ اللهُ"، و﴿ "الحَكِيمُ":﴾ المُحْكَمُ.

و"تَبارَكَ": تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، أيْ: تَزَيَّدَتْ بَرَكاتُهُ و﴿لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ حَصْرٌ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ. و﴿عِلْمُ الساعَةِ﴾ مَعْناهُ: عِلْمُ تَحْدِيدِ قِيامِها والوَقْفِ عَلى تَعْيِينِهِ وحَصْرِهِ، وهَذا هو الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ، وإلّا فَنَحْنُ عِنْدَنا عِلْمُ الساعَةِ، أنَّها واقِعَةُ ذاتِ أهْوالٍ وصِفاتٍ ما، والمَصْدَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِلْمُ الساعَةِ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "وَإلَيْهِ يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمُ، وأبُو عَمْرُو "وَإلَيْهِ تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ الأسْوَدُ، والأعْمَشُ: "يُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

43:86–89Page 495

وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦

And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧

And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?

وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."

فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٨٩

So turn aside from them and say, "Peace."1 But they are going to know.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَفاعَةَ إلا مِن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فاصْفَحْ عنهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"الَّذِينَ": هُمُ المَعْبُودُونَ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ هو لِلْكُفّارِ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن عَبَدَ مَن دُونِ اللهِ فَإنَّهُ لا يَمْلِكُ شَفاعَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن هَذِهِ الأخْبارِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُسْتَثْنى، فَقالَ قَتادَةُ: اسْتَثْنى مِمَّنْ عُبِدَ مِن (p-٥٦٧)دُونَ اللهِ: عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والمَعْنى: فَإنَّهم يَمْلِكُونَ شَفاعَةً بِأنْ يُمَكِّنَهُمُ اللهُ تَعالى إيّاهُمْ، إذْ هم مِمَّنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ في كُلِّ أحْوالِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُتَّصِلٌ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: اسْتَثْنى مَن في المَشْفُوعِ فِيهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَشْفَعُ هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى إلّا فِيمَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ بِالتَوْحِيدِ، فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُنْفَصِلٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَكِنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِمْ هَؤُلاءِ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ مِن أقْوالِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُهم ومُوجِدُهم بَعْدَ العَدَمِ، ثُمَّ وقَّفَهم -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ- بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾،:أيْ فَلِأيِّ جِهَةٍ يُصْرَفُونَ؟ وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَقِيلِهِ يا رَبِّ"﴾ بِالنَصْبِ، وهو مَصْدَرٌ كالقَوْلِ، والضَمِيرُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وحَكى مَكِّيٌّ قَوْلًا أنَّهُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو ضَعِيفٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في الناصِبِ لَهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِيهِ "يَكْتُبُونَ"، أيْ: أقْوالُهم وأفْعالُهم وقِيلِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الناصِبُ لَهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] مِن قُوَّةِ الفِعْلِ، أيْ: ويَعْلَمُ قِيلِهِ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ﴾ بِمَنزِلَةٍ: وشَكْوى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ واسْتِغاثَتُهُ مِن كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: و"قِيلِهِ يا رَبِّ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الساعَةِ". وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو قُلابَةَ، ومُجاهِدٌ: "وَقِيلِهِ يا رَبِّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: قِيلِهِ هَذا القَوْلَ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: وقِيلُهُ يا رَبِّ مَسْمُوعٌ ومُتَقَبَّلٌ، فَـ "يا رَبِّ" -عَلى هَذا- مَنصُوبُ المَوْضِعِ بِـ "قِيلِهِ"، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "يا رَبَّ" بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، وأرادَ: يا رَبا، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا غُلامًا، ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا واتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عنهُمْ﴾ مُوادَعَةً مَنسُوخَةً بِآياتِ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سَلامٌ"﴾ (p-٥٦٨)تَقْدِيرُهُ: وقُلْ أمْرِي سَلامٌ، أيْ: مُسالَمَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: وقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، عَلى جِهَةِ المُوادَعَةِ والمُلايَنَةِ، والنَسْخُ قَدْ أتى عَلى هَذا السَلامِ، سَواءٌ كانَ تَحِيَّةً أو عِبارَةً عَنِ المُوادَعَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، -فِي رِوايَةِ هُشامٍ عنهُ- والحَسِنِ، والأعْرَجِ، وأبُو جَعْفَرٍ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُخْرُفِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском