Ibn 'AtiyyaAl‑Jathiyah · 45:22–37

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Jathiyah 45:22–37

45:22–24Page 500

وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢

And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.

أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣

Have you seen he who has taken as his god his [own] desire, and Allāh has sent him astray due to knowledge1 and has set a seal upon his hearing and his heart and put over his vision a veil? So who will guide him after Allāh? Then will you not be reminded?

وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤

And they say, "There is not but our worldly life; we die and live,1 and nothing destroys us except time." And they have of that no knowledge; they are only assuming.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مَنِ بَعْدِ اللهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾

المَعْنى: وخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ مُتَأكِّدٌ في نَفْسِهِ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ تَعالى، ولِتَكُونَ صَنْعَةً حاكِمَةً لِصانِعٍ، وقِيلَ لِبَعْضِ (p-٦٠٠)الحُكَماءِ: لِمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ؟ فَقالَ: لِيُظْهِرَ جَوْدَةَ صُنْعِهِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِتُجْزى" يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، فَكَأنَّ الجَزاءَ مِن أسْبابِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وصارَ الأمْرُ فِيها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عنها آخَرُونَ لِأنْ يُجازى كُلُّ أحَدٍ بِعِلْمِهِ وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَرَأيْتَ"،﴾ سَهَّلَ بَعْضُ القُرّاءِ الهَمْزَةَ وحَقَّقَها قَوْمٌ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَفَّفَةً، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَرَأيْتَ" دُونَ هَمْزٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: لا تَعْجَلْ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِأمْرِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِمْ حِيلَةً لِبَشَرٍ لِأنَّ اللهَ أضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ "إلَهَهُ هَواهُ"﴾ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوُونَ مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللهَ تَعالى، فَهَذا كَما يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "إلَهَةُ هَواهُ" عَلى التَأْنِيثِ في "آلِهَةً"، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَفْسِ الأمارَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَوًى إلّا ذِمَّةً، وقالَ الشَعْبِيُّ: سُمِّيَ هَوًى لَهَوِيَّةِ بِصاحِبِهِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"،» وقالَ سَهْلُ التُسْتُرِيِّ: "هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ". وقالَ وهْبٌ: "إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ"، ومِن حِكْمَةِ الشِعْرِ في هَذا قَوْلُ القائِلِ:

؎ إذا أنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوى قادَكَ الهَوى ∗∗∗ إلى كُلِّ ما فِيهِ عَلَيْكَ مَقالُ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى عِلْمٍ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ سابِقٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ: عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضَلالِ فَإنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُتْرَكُ ويُعْرَضُ عنهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن آياتِ العِنادِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦٠١)﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" حالٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ اسْتِعاراتٌ كُلُّها، إذْ هَذا الضالُّ لا يَنْفَعُهُ ما يَسْمَعُ ولا ما يَفْهَمُ ولا ما يَرى، فَكَأنَّهُ بِهَذِهِ الأوصافِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا حُجَّةَ لِلْجَبْرِيَّةِ فِيها، لِأنَّ التَكَسُّبَ فِيها مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّخَذَ"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" عَلى التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلى الِاكْتِسابِ لَكانَ مُرادًا في المَعْنى، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ﴿ "غِشاوَةً"﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ عَكْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "غَشْوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وإسْكانِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "غِشْوَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ دُونَ ألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ اللهِ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ، وقَرَأ عاصِمٌ -وَأراهُ الجَحْدَرِيُّ-: "تَذَكَّرُونَ" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَذَّكَّرُونَ" عَلى الخِطابِ أيْضًا بِتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ مُقالَةِ بَعْضِ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ صِيغَةٌ دَهْرِيَّةٌ مِن كُفّارِ العَرَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ما في الوُجُودِ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ولَيْسَتْ ثَمَّ آخِرَةٌ ولا بَعْثٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْنُ مَوْتى قَبْلَ أنْ نُوجَدَ، ثُمَّ نَحْيا في وقْتِ وُجُودِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَمُوتُ حِينَ نَحْنُ نُطَفٌ ودَمٌ، ثُمَّ نَحْيا بِالأرْواحِ فِينا، وهَذا قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ويَسْقُطُ عَلى القَوْلَيْنِ ذِكْرُ المَوْتِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو خُرُوجُ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ، وهو الأهَمُّ في الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْيا ونَمُوتُ، فَوَقَعَ في اللَفْظِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَرَضُ مِنَ اللَفْظِ العِبارَةُ عن حالِ النَوْعِ، فَكَأنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ يَقُولُ: إنَّما نَحْنُ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ دَأْبًا، وقَوْلَهُمْ: ﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ﴾ أيْ: طُولُ الزَمانِ، وهو المُهْلِكُ، لِأنَّ الأوقاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كِمالاتُها، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهم عِلْمَهم بِهَذا، وأعْلَمَ أنَّها ظُنُونٌ مِنهُمْ، وتَخَرُّصٌ يَقْضِي بِهِمْ إلى الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى. والدَهْرُ والزَمانُ تَسْتَعْمِلُهُما العَرَبُ بِمَعْنًى (p-٦٠٢)واحِدٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ"، وقالَ مُجاهِدٌ: الدَهْرُ هُنا الزَمانُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما يُهْلِكُنا اللَيْلُ والنَهارُ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُفارِقُ هَذا الِاسْتِعْمالُ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الدَهْرُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ اللهُ تَعالى: « "يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَهْرَ، وأنا الدَهْرُ بِيَدِي اللَيْلُ والنَهارُ"»، ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَنْسُبُونَهُ إلى الدَهْرِ وتَسُبُّونَهُ بِسَبِّهِ. وإذا تُؤُمِّلَتْ أمْثِلَةُ هَذا في الكَلامِ ظَهَرَتْ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

45:25–29Page 501

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥

And when Our verses are recited to them as clear evidences, their argument is only that they say, "Bring [back] our forefathers, if you should be truthful."

قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٦

Say, "Allāh causes you to live, then causes you to die; then He will assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt, but most of the people do not know."

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٢٧

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. And the Day the Hour appears - that Day the falsifiers will lose.

وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨

And you will see every nation kneeling [from fear]. Every nation will be called to its record [and told], "Today you will be recompensed for what you used to do.

هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٩

This, Our record, speaks about you in truth. Indeed, We were having transcribed1 whatever you used to do."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

(p-٦٠٣)الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"،﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".

وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"،﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ"﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و﴿ "المُبْطِلُونَ":﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ ﷺ: أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ ﷺ في قِسِّ بْنِ (p-٦٠٤)ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.

و﴿ "جاثِيَةً"﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"». وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها"﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ (p-٦٠٥)يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ. وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟

45:30–33Page 501

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ٣٠

So as for those who believed and did righteous deeds, their Lord will admit them into His mercy. That is what is the clear attainment.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٣١

But as for those who disbelieved, [it will be said], "Were not Our verses recited to you, but you were arrogant and became a criminal people?

وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ ٣٢

And when it was said, 'Indeed, the promise of Allāh is truth and the Hour [is coming] - no doubt about it,' you said, 'We know not what is the Hour. We assume only assumption, and we are not convinced.'"

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٣

And the evil consequences of what they did will appear to them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ والساعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ إنَّ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حالَ الطائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَرَنَ بَيْنَهم في الذِكْرِ لِيُبَيِّنَ الأمْرَ في نَفْسِ السامِعِ، فَإنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أضْدادِها مَعَها، والفَوْزُ: هو نَيْلُ البُغْيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ﴾ [فِيهِ مَحْذُوفٌ] فَإنَّ التَقْدِيرَ فِيهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ...، فَحَذَفَ "يُقالُ لَهُمُ" اخْتِصارًا وبَقِيَتِ الفاءُ دالَّةً (p-٦٠٦)عَلى الجَوابِ الَّذِي تَطْلُبُهُ "أمّا"، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْها ألِفَ الِاسْتِفْهامِ مِن حَيْثُ لَهُ صَدْرُ القَوْلُ عَلى كُلِّ حالَةٍ، ووَقَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ عَلى الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرِّ الخِلالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "والساعَةَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى، والأعْمَشِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَقٌّ وإنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها"، وكَذَلِكَ قَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ. وقَرَأ الباقُونَ: "والساعَةُ" رَفْعًا، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما الِابْتِداءُ والِاسْتِئْنافُ، والثانِي: العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَعْدُ اللهِ حَقٌّ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ"، إلّا إذا كانَ العامِلُ الَّذِي عَطَّلَتْهُ إنَّ باقِيًا، وكَذَلِكَ هي عَلى مَوْضِعِ الباءِ في قَوْلِهِ:

؎ .................................. ∗∗∗ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا

فَلَمّا كانَتْ "لَيْسَ" نافِيَةً جازَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ الباءِ، ويَظْهَرُ نَحْوُ هَذا النَظَرِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرْنا ما حَكى أبُو عَلِيٍّ وهو القُدْوَةُ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ مَعْناهُ: إنْ نَظُنُّ بَعْدَ قَبُولِ خَبِرِكم إلّا ظَنًّا، ولَيْسَ يُعْطِينا يَقِينًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، و"حاقَ": مَعْناهُ: نَزَلَ (p-٦٠٧)وَأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانُوا"﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أيْ: عِقابُ كَوْنِهِمْ يَسْتَهْزِءُونَ.

45:34–37Page 502

وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٤

And it will be said, "Today We will forget you as you forgot the meeting of this Day of yours, and your refuge is the Fire, and for you there are no helpers.

ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٣٥

That is because you took the verses of Allāh in ridicule, and worldly life deluded you." So that Day they will not be removed from it, nor will they be asked to appease [Allāh].

فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٦

Then, to Allāh belongs [all] praise - Lord of the heavens and Lord of the earth, Lord of the worlds.

وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٧

And to Him belongs [all] grandeur within the heavens and the earth, and He is the Exalted in Might, the Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.

وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ"﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و﴿ "الكِبْرِياءُ"﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".»

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском