Ibn 'AtiyyaAl‑Ahqaf · 46:16–29

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:16–29

46:16–19Page 504

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦

Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.

وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧

But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨

Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩

And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما (p-٦٢١)يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥]، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ. وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ:

؎ لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ

ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ (p-٦٢٢)قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي"﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: (p-٦٢٣)"أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ. والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. و﴿ "وَيْلَكَ"﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"،﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ"﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.

46:20–22Page 504

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."

۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١

And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢

They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

(p-٦٢٤)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾

المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.

والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟ ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟ فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟ أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.

وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى. (p-٦٢٥)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و﴿ "خَلَتِ":﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا"﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.

46:23–26Page 505

قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣

He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."

فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤

And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,

تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥

Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦

And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ"﴾ (p-٦٢٦)بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و﴿أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.

والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"،﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و﴿ "رِيحٌ"﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و﴿ "مُمْطِرُنا"﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"،﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.

(p-٦٢٧)وَ ﴿ "تُدَمِّرُ"﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا. التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:

؎ كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ

(p-٦٢٨)وَنَحْوُ قَوْلِهِ:

؎ ................... ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ

وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧].

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا (p-٦٢٩)العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و﴿مِن شَيْءٍ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.

46:27–29Page 505

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧

And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].

فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨

Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.

وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عنهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لَهم بِمَأْرِبٍ وسَدُومَ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ﴾ يَعْنِي لِهَذِهِ القُرى المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ الآيَةُ،:يَعْنِي هَلّا نَصَرَتْهم أصْنامُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها. و﴿ "قُرْبانًا"﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهَةً" بَدَلٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا. و"آلِهَةً" المَفْعُولُ الثانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى: ﴿ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا"،﴾ والتَقْدِيرُ: اتَّخَذُوهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عنهُمْ﴾ (p-٦٣٠)مَعْناهُ: أتْلَفُوا لَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوهم في وقْتِ حاجَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَذَلِكَ" تَخْتَلِفُ الإشارَةُ بِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القِراءاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "إفْكُهُمْ"،﴾ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى قَوْلِهِمْ في الأصْنامِ: إنَّها آلِهَةٌ، وذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وهُما بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، بِمَعْنى: صَرَفَهُمْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي عِياضٍ، وعِكْرِمَةَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ النُعْمانِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: "أفَّكَهُمْ" بِشَدِّ الفاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ والكافِ، وذَلِكَ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "آفَكَهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ الفاءِ والكافِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، كَما يُقالُ: أُكَفِّرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى قُطْرُبٌ: "آفَكَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ، وكافٍ مَضْمُومَةٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، بِمَعْنى: صارَفَهُمْ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في "الإفْكِ"، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَصْدَرًا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" فَهُناكَ عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَفْتَرُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ ابْتِداءُ قِصَّةِ الجِنِّ ووَفادَتُهم عَلى النَبِيِّ ﷺ. و"صَرَفْنا" مَعْناهُ: رَدَدْناهم عن حالٍ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّها الِاسْتِماعُ في السَماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُفْرَهم قَبْلَ الوِفادَةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ هُنا، هَلْ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟ ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ تَسْتَرِقُ السَمْعَ مِنَ السَماءِ، فَلَمّا بُعِثَ النَبِيُّ ﷺ حُرِسَتْ بِالشُهُبِ الراجِمَةِ، فَضاقَتِ الجِنُّ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وأتى رَأْيُ مَلَئِهِمْ عَلى الِافْتِراقِ في أقْطارِ الأرْضِ وطَلَبِ السَبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الرَجْمِ والمَنعِ مِنِ اسْتِراقِ السَمْعِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الرُواةُ بَعْدُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: «جاءَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجِنِّ إلى النَبِيِّ ﷺ وهو (p-٦٣١)لا يَشْعُرُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ، ووَلُّوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ النَبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ كُلِّهِ، وكانَ سَماعُهم لِقِراءَتِهِ وهو بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وهو يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشْعَرَهُ اللهُ تَعالى بِوِفادَةِ الجِنِّ عَلَيْهِ واسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، ووَفَدَ عَلَيْهِ أهْلُ نَصِيبِينَ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والتَحْرِيرُ في هَذا أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهُ جِنٌّ دُونَ أنْ يَعْرِفَ بِهِمْ، وهُمُ المُتَفَرِّقُونَ مِن أجْلِ الرَجْمِ، وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] الآيَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدَ عَلَيْهِ وفْدٌ، وهو المَذْكُورُ صَرْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ قَتادَةُ: صَرَفُوا إلَيْهِ مِن نِينَوى، أشْعُرُ بِهِ قَبْلَ (p-٦٣٢)وُرُودِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمُ اخْتِلافًا مُتَباعِدًا فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مَن أهْلِ نَصِيبِينَ، وقالَ زِرُّ: كانُوا تِسْعَةً فِيهِمْ زَوْبَعَةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنِّي خارِجٌ إلى وفْدِ الجِنِّ، فَمَن شاءَ يَتْبَعُنِي"، فَسَكَتَ أصْحابُهُ، فَقالَها ثانِيَةً، فَسَكَتُوا، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: أنا أتْبَعُكَ، قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتّى جاءَ شِعْبَ الحُجُونَ، فَأدارَ لِي دائِرَةً وقالَ: "لا تَخْرُجُ مِنها"، ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ لَغَطًا ودَوِيًّا كَدَوِيِّ النُسُورِ الكاسِرَةِ، ثُمَّ في آخِرِ اللَيْلِ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أنْ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وعَلَّمَهُمْ، وأعْطاهم زادًا في كُلِّ عَظْمٍ ورَوْثَةٍ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللهِ، ما رَأيْتَ؟" قالَ: فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: "لَقَدْ كُنْتُ أخْشى أنْ تَخْرُجَ فَيَخْطَفُكَ بَعْضُهُمْ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ: "إنَّهم تَدارَءُوا في قَتِيلٍ لَهُمْ، فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ بَيْنَهُمْ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واضْطَرَبَتِ الرِواياتُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ ما ذَكَرْنا. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ رَأى رِجالًا مِنَ الجِنِّ وهم شَبَهُ رِجالِ الزُطِّ السُودِ الطِوالِ حِينَ رَآهم بِالكُوفَةِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما شاهَدَ أحَدٌ مِنّا لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فاخْتُصِرَتْ هَذِهِ الرِواياتُ وتَطْوِيلُها لِعَدَمِ صِحَّتِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ يَقْتَضِي أنَّ المَصْرُوفِينَ رِجالًا لا أُنْثى فِيهِمْ، فالنَفَرُ والرَهْطُ والقَوْمُ الَّذِينَ لا أُنْثى فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ فِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وتَعْلِيمٌ كَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبُو مَجْلَزٍ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: قَضى مُحَمَّدٌ ﷺ القِراءَةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ إذا قالَ: "فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالُوا: لا شَيْءَ مِن (p-٦٣٣)آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ،» ولَمّا ولَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفَرَّقَتْ عَلى البِلادِ مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهُنالِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادَ وشِصارَ وخَنافَرَ وأشْباهَهم صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском