Ibn 'AtiyyaAl‑Hujurat · 49:11–18

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:11–18

49:11–12Page 516

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١

O you who have believed, let not a people ridicule [another] people; perhaps they may be better than them; nor let women ridicule [other] women; perhaps they may be better than them. And do not insult one another and do not call each other by [offensive] nicknames. Wretched is the name [i.e., mention] of disobedience after [one's] faith. And whoever does not repent - then it is those who are the wrongdoers.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢

O you who have believed, avoid much [negative] assumption. Indeed, some assumption is sin. And do not spy or backbite each other. Would one of you like to eat the flesh of his brother when dead? You would detest it. And fear Allāh; indeed, Allāh is Accepting of Repentance and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ الآياتُ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في خَلْقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْرُونَ مَعَ شَهَواتِ نُفُوسِهِمْ، لَمْ يُقَوِّمْهم أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى ولا نَهْيٌ، فَكانَ الرَجُلُ يَسْخَرُ ويَلْمِزُ ويَنْبِزُ بِالألْقابِ ويَظُنُّ الظُنُونَ فَيَتَكَلَّمُ بِها ويَغْتابُ ويَفْتَخِرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أخْلاقِ النُفُوسِ الباطِلَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ لِهَذِهِ الآياتِ أسْبابًا، فَمِمّا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَمْشِي بِالمَدِينَةِ مُسَلَّحًا، فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: هَذا ابْنُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، والقَوِيُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ تَقْوِيمًا لِسائِرِ الخَلْقِ، ولَوْ تَتَبَّعْتَ الأسْبابَ لَكانَتْ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى.

و"يَسْخَرُ" مَعْناهُ: يَسْتَهْزِئُ، والهُزْءُ إنَّما يَتَرَتَّبُ مَتى ضَعُفَ امْرُؤٌ إمّا لِصِغَرٍ وإمّا لِعِلَّةٍ حادِثَةٍ أو لِرَزِيَّةٍ أو لِنَقِيصَةٍ يَأْتِيها، فَيُنْهِي المُؤْمِنُونَ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ في هَذِهِ الأُمُورِ وغَيْرِها نَهْيًا عامًّا، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُسْتَهْزَأُ بِهِ خَيْرًا مِنَ الساخِرِ. و"القَوْمُ" في كَلامِ العَرَبِ واقِعٌ عَلى الذُكْرانِ، وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ كالرَهْطِ وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ القِيامِ أو جَمْعِ قائِمٍ ضَعِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو زُهَيْرٌ:

؎ وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أقْوَمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟

(p-١٦)وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ القَوْمِ بِالذُكْرانِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ الذُكْرانِ نِساءٌ فَيُقالُ لَهُمْ: "قَوْمٌ" عَلى تَغْلِيبِ حالِ الذُكُورِ، ثُمَّ نَهى تَعالى النِساءَ عَمّا نَهى عنهُ الرِجالَ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "عَسَوْا أنْ يَكُونُوا"و"عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ".

و"تَلْمِزُوا" مَعْناهُ: يَطْعَنُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذِكْرِ النَقائِصِ ونَحْوِهِ، وقَدْ يَكُونُ "اللَمْزُ" بِالقَوْلِ وبِالإشارَةِ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَفْهَمُهُ آخَرُ، و"الهَمْزُ" لا يَكُونُ إلّا بِاللِسانِ، وهو مُشَبَّهٌ بِالهَمْزِ بِالعُودِ ونَحْوِهِ مِمّا يَقْتَضِي المُماسَّةَ، قالَ الشاعِرُ:

؎ ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا

وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟ فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ "اللَمْزَ" ما كانَ في المَشْهَدِ، وأنَّ "الهَمْزَ" ما كانَ في المَغِيبِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ عَكْسٌ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: الهَمْزُ أنْ تَعِيبَ بِالحَضْرَةِ واللَمْزُ في الغَيْبَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ،﴾ [التوبة: ٥٨] وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَلْمِزُوا" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ بِضَمِّها، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: هي عَرَبِيَّةٌ، قِراءَتُنا بِالضَمِّ وأحْيانًا بِالكَسْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، كَأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إذْ هم إخْوَةٌ فَهم كَما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "كالجَسَدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى سائِرُهُ بِالسَهَرِ (p-١٧)والحُمّى"،» وهم كَما قالَ أيْضًا: « "كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا".»

و"التَنابُزُ": التَلَقُّبُ، والنَبْزُ واللَقَبُ واحِدٌ، إذِ اللَقَبُ هو ما يُعْرَفُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَكْرَهُ سَماعَها، ورُوِيَ «أنَّ بَنِي سَلَمَةَ كانُوا قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الألْقابُ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنهم فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَغْضَبُ مِن هَذا الِاسْمِ، ثُمَّ دَعا آخِرَ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ المُحَدِّثِينَ: سُلَيْمانُ الأعْمَشُ، وواصِلُ الأحْدَبُ. ونَحْوُهُ مِمّا تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ ولَيْسَ فِيهِ قَصْدُ اسْتِخْفافٍ وأذًى، وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لِعَلْقَمَةَ: وتَقُولُ أنْتَ ذَلِكَ يا أعْوَرُ؟ وأسْنَدَ النَقّاشُ إلى عَطاءٍ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "كُفُّوا أولادَكُمْ"،» قالَ عَطاءٌ، مَخافَةُ الألْقابِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ. مَعْنى: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ أيْ: لا يَقِلُّ أحَدٌ لِآخَرَ: يا يَهُودِيُّ بَعْدَ إسْلامِهِ، ولا يا "فاسِقُ" بَعْدَ تَوْبَتِهِ، ونَحْوُ هَذا، وحَكى النَقّاشُ أنَّ (p-١٨)كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، وابْنَ أبِي حَدْرَدٍ تَلاحَيا، فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: يا أعْرابِيُّ، يُرِيدُ أنْ يُبْعِدَهُ مِنَ الهِجْرَةِ، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: يا يَهُودِيُّ؛ لِمُخالَطَةِ الأنْصارِ اليَهُودَ في يَثْرِبَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما بِئْسَ اسْمٌ تَكْتَسِبُونَهُ بِعِصْيانِكم ونَبْزِكم بِالألْقابِ فَتَكُونُونَ فُسّاقًا بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ إيمانِكُمْ، والثانِي بِئْسَ ما يَقُولُ الرَجُلُ لِأخِيهِ يا فاسِقُ بَعْدَ إيمانِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الفُسُوقُ والإيمانُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، ثُمَّ شَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمُ النَهْيَ بِأنْ حَكَمَ بِظُلْمِ مَن لَمْ يَتُبْ ويُقْلِعْ عن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي نَهى عنها.

ثُمَّ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَنِّ، وأنْ لا يَعْمَلُوا ولا يَتَكَلَّمُوا بِحَسَبِهِ لِما في ذَلِكَ وفي التَجَسُّسِ مِنَ التَقاطُعِ والتَدارِ وحَكَمَ عَلى بَعْضِهِ أنَّهُ إثْمٌ؛ إذْ بَعْضُهُ لَيْسَ بِإثْمٍ ولا يَلْزَمُ اجْتِنابَهُ، وهو ظَنُّ الخَيْرِ بِالناسِ، وحُسْنُهُ بِاللهِ تَعالى، والمَظْنُونُ مِن شَهاداتِ الشُهُودِ، والمَظْنُونُ بِهِ مِن أهْلِ الشَرِّ، فَإنَّ ذَلِكَ سُقُوطُ عَدالَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ هي مَن حُكْمِ الظَنِّ بِهِ، وظَنُّ الخَيْرِ بِالمُؤْمِنِ مَحْمُودٌ، والظَنُّ المَنهِيُّ عنهُ هو أنْ تَظُنَّ سُوءًا بِرَجُلٍ ظاهِرُهُ الصَلاحُ، بَلِ الواجِبُ يُزِيلُ الظَنَّ وحَكَمَهُ ويَتَأوَّلُ الخَيْرَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "إثْمٌ" مَعْناهُ: كَذِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيُّ ﷺ: « "إيّاكم والظَنَّ فَإنَّ الظَنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ".» وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ﴾ أيّ إذا تَكَلَّمَ الظانُّ أثِمَ، وما لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهو في فُسْحَةٍ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ الخَواطِرِ الَّتِي يُبِيحُها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "الحَزْمُ سُوءُ الظَنِّ".»

(p-١٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وما زالَ أُولُو العِلْمِ يَحْتَرِسُونَ مِن سُوءِ الظَنِّ ويَسُدُّونَ ذَرائِعَهُ، قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: إنِّي لَأعُدُّ عُراقَ قِدْرِي مَخافَةَ الظَنِّ، وكانَ أبُو العالِيَةِ يَخْتِمُ عَلى بَقِيَّةِ طَعامِهِ مَخافَةَ سُوءِ الظَنِّ بِخادِمِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأمانَةُ خَيْرٌ مِنَ الخاتَمِ، والخاتَمُ خَيْرٌ مِن ظَنِّ السُوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَجَسَّسُوا"، أيْ: لا تَبْحَثُوا عَلى مُخَبَّآتِ أُمُورِ الناسِ، وادْفَعُوا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، واجْتَزُّوا بِالظَواهِرِ الحَسَنَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والهُذَلِيُّونَ: "وَلا تَحَسَّسُوا" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: التَجَسُّسُ بِالجِيمِ- في الشَرِّ، والتَحَسُّسُ بِالحاءِ- في الخَيْرِ، وهَكَذا ورَدَ القُرْآنُ ولَكِنْ قَدْ يَتَداخَلانِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: التَجَسُّسُ: ما كانَ مِن وراءَ وراءَ، والتَحَسُّسُ: الدُخُولُ والِاسْتِعْلامُ، وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "وَلا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحاسَدُوا ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا".» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ حَدِيثَ حِراسَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ ابْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ووُجُودُهُما الشُرْبُ في رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثَهُ في ذَلِكَ مَعَ أبِي مِحْجَنٍ الثَقَفِيِّ، وقالَ زَيْدُ بْنُ وهْبٍ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ (p-٢٠)لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟ فَقالَ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَجَسُّسِ، فَإنْ يَظْهَرْ لَنا أمْرٌ أخَذْنا بِهِ.

"وَلا يَغْتَبْ" مَعْناهُ: ولا يَذْكُرْ أحَدُكم مِن أخِيهِ شَيْئًا هو فِيهِ يَكْرَهُ سَماعَهُ، ورُوِيَ «أنَّ عائِشَةَ رِضى الله تَعالى عنها قالَتْ عَنِ امْرَأةٍ: ما رَأيْتُ أجْمَلَ مِنها إلّا أنَّها قَصِيرَةٌ، فَقالَ لَها النَبِيُّ ﷺ: "اغْتَبْتَها، نَظَرْتَ إلى أسْوَأِ ما فِيها فَذَكَرْتَهُ"،» وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا ذَكَرْتَ ما في أخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإذا ذَكَرْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "الغَيْبَةُ أنْ تَذَكُرَ المُؤْمِنَ بِما يَكْرَهُ"، قِيلَ: وإنْ كانَ حَقًّا؟ قالَ: إذا قُلْتَ باطِلًا فَذَلِكَ هو البُهْتانُ"،» وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وأبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ: إذا مَرَّ بِكَ رَجُلٌ أقْطَعُ فَقُلْتَ: ذَلِكَ الأقْطَعُ، كانَ ذَلِكَ غَيْبَةً، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن جابِرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ قالَ: « "الغَيْبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِنا، لِأنَّ الزانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَغْتابُ يَتُوبُ فَلا يُتابُ عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَحِلَّ".»

(p-٢١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ يَمُوتُ مَنِ اغْتَبْتَ، أو يَأْبى، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنِّي قَدِ اغْتَبْتُكَ فَحَلِّلْنِي، فَقالَ: إنِّي لا أُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللهُ، والغَيْبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن "غابَ يَغِيبُ"، وهي القَوْلُ في الغائِبِ، واسْتُعْمِلَتْ في المَكْرُوهِ، ولَمْ يَبُحْ في هَذا المَعْنى إلّا ما تَدْعُو الضَرُورَةُ إلَيْهِ كَتَجْرِيحِ الشُهُودِ، وفي التَعْرِيفِ لِمَنِ اسْتَنْصَحَ في الخِطابِ ونَحْوِهِ لِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "أمّا مُعاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ"،» وما يُقالُ في الفَسَقَةِ أيْضًا وفي وُلاةِ الجَوْرِ ويَقْصِدُ بِهِ التَحْذِيرَ مِنهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعَنِ الفاجِرِ تَرْعَوْنَ؟ اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ حَتّى يَعْرِفَهُ الناسُ إذا لَمْ تَذْكُرُوهُ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ: « "بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ".»

ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى الغَيْبَةَ بِأكْلِ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ المَيِّتِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ الغَيْبَةَ بِأكْلِ اللَحْمِ، فَمِنهُ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:

؎ فَإذا لاقَيْتُهُ عَظَّمَنِي ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعَ

(p-٢٢)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ إذْ أكَلُوا لَحْمِي وفَرْتُ لُحُومَهم ∗∗∗ وإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهم مَجْدا

فَوَقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- بِقَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ فالجَوابُ عن هَذا: لا، وهم في حُكْمِ مَن يَقُولُها، فَخُوطِبُوا عَلى أنَّهم قالُوا: لا، فَقِيلَ لَهُمْ: "فَكَرِهْتُمُوهُ"، وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغَيْبَةَ الَّتِي هي نَظِيرُ ذَلِكَ، وعَلى هَذا المُقَدَّرِ يُعْطَفُ قَوْلُهُ: "واتَّقُوا اللهَ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الرُمّانِيُّ: كَراهِيَةُ هَذا اللَحْمِ يَدْعُو إلَيْها الطَبْعُ، وكَراهِيَةُ الغَيْبَةِ يَدْعُو إلَيْها العَقْلُ، وهو أحَقُّ أنْ يُجابَ لِأنَّهُ بَصِيرٌ عالِمٌ، والطَبْعُ أعْمى جاهِلٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيْتًا" بِسُكُونِ الياءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ بِكَسْرِهِا مُشَدَّدَةً،

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَكَرِهْتُمُوهُ" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الراءِ.

ورَواها أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. ثُمَّ أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ تَوّابٌ رَحِيمٌ إبْقاءً مِنهُ تَعالى وإمْهالًا وتَمْكِينًا مِنَ التَوْبَةِ.

49:13–14Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣

O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

قَوْله عَزَّ وجَلَّ:

﴿يا أيُّها الناسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكم إنَّ اللهِ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ (p-٢٣)فِي قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا خُلِقْنًا جَمِيعًا مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الذَكَرَ والأُنْثى اسْمَ الجِنْسِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن ماءٍ ذَكَرٍ وأُنْثى، وقَصْدُ هَذِهِ الآيَةِ التَسْوِيَةُ بَيْنَ الناسِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾، أيْ: لِئَلّا تُفاخِرُوا ويُرِيدُ بَعْضُكم أنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِن بَعْضٍ، فَإنَّ الطَرِيقَ إلى الكَرَمِ غَيْرُ هَذا، ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ﴾. ورَوى أبُو بَكَرَةَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن خَيْرُ الناسِ؟ قالَ: "مَن طالَ عُمْرُهُ، وحَسُنَ عَمَلُهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن خَيْرُ الناسِ؟ قالَ: "آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ، وأنْهاهم عن مُنْكَرٍ، وأوصَلُهم لِلرَّحِمِ، وأتْقاهُمْ".»

وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ غَضَبُ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وعَتّابِ بْنِ أُسِيدٍ حِينَ أذَّنَ بِلالٌ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى الكَعْبَةِ. وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَها «قَوْلُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِرَجُلٍ لَمْ يُفْسَحْ لَهُ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ: يا ابْنَ فُلانَةَ، فَوَبَّخَهُ النَبِيُّ ﷺ، وقالَ لَهُ: إنَّكَ لا تُفَضِّلُ أحَدًا إلّا في الدِينِ والتَقْوى، فَنَزَلَتْ (p-٢٤)هَذِهِ الآيَةُ،» ونَزَلَ الأمْرُ بِالتَفَسُّحِ في ذَلِكَ أيْضًا.

و"الشُعُوبُ" جَمْعُ شَعْبٍ، وهو أعْظَمُ ما يُوجَدُ مِن جَماعاتِ الناسِ مُرْتَبِطًا بِنَسَبٍ واحِدٍ، ويَتْلُوهُ القَبِيلَةُ ثُمَّ العِمارَةُ ثُمَّ البَطْنُ ثُمَّ الفَخْذُ ثُمَّ الأُسْرَةُ والفَصِيلَةُ، وهُما قَرابَةُ الرَجُلِ الأدْنَوْنَ، فَمُضَرٌ ورَبِيعَةُ وحِمْيَرٌ شُعُوبٌ، وقَيْسٌ وتَمِيمٌ ومُذْحِجٌ ومُرادٌ قَبائِلُ، مُشَبَّهَةٌ بِقَبائِلِ الرَأْسِ لِأنَّها قِطَعٌ تَقابَلَتْ، وقُرَيْشٌ ومُحارِبُ عِماراتٌ، وبَنُو قَصِّي وبَنُو مَخْزُومٍ بُطُونٌ، وبَنُو هاشِمٍ وبَنُو أُمَيَّةَ ونَحْوُهُما أفْخاذٌ، وبَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ أُسْرَةٌ وفَصِيلَةٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الشُعُوبُ: الأفْخاذُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشُعُوبُ: البُطُونُ، وهَذا غَيْرُ ما تَمالَأ عَلَيْهِ اللُغَوِيُّونَ. قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الشُعُوبُ في العَجَمِ والقَبائِلُ في العَرَبِ والأسْباطُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الشَعْبُ الَّذِي في هَمْدانَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الشَعْبِيُّ فَهو بَطْنٌ يُقالُ لَهُ: الشِعْبُ، وقِيلَ لِلْأُمَمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَرَبٍ: "شُعُوبِيَّةٌ" نِسْبَةً إلى الشُعُوبِ، وذَلِكَ أنَّ تَفْصِيلَ أنْسابِها خَفِيَ فَلَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ مِنهم إلّا بِأنْ يُقالَ: فارِسِيٌّ، تُرْكِيٌّ، رُومِيٌّ، فَكَأنَّهم عُرِفُوا بِشُعُوبِهِمْ وهي أعَمُّ ما يُعَبَّرُ بِهِ عن جَماعَتِهِمْ، ويُقالُ لَهُمُ الشَعُوبِيَّةُ بِفَتْحِ الشِينِ، وهَذا مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، وقَدْ قِيلَ فِيهِمْ غَيْرُ ما ذَكَرْتُ، وهَذا أولى عِنْدِي.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِتَتَعارَفُوا"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِتَعْرِفُوا أنَّ" عَلى وزْنِ "تَفْعَلُوا" بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّ" وإعْمالِ "تَعْرِفُوا" فِيها، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتَعْرِفُوا" لامَ "كَيْ"، ويَضْطَرِبُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ، وهو أجْوَدُ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٢٥)المَفْعُولُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: "الحَقَّ"، وإذا كانَتْ لامَ "كَيْ" فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الناسُ أنْتُمْ سَواءٌ مِن حَيْثُ أنْتُمْ مَخْلُوقُونَ، وإنَّما جُعِلْتُمْ قَبائِلَ لِأنْ تَتَعارَفُوا ولِأنْ تَعْرِفُوا الحَقائِقَ، وأمّا الشَرَفُ والكَرَمُ فَهو بِتَقْوى اللهِ تَعالى وسَلامَةِ القُلُوبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتَعارَفُوا بَيْنَكُمْ، وخَيْرُكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ"، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ الناسِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ".» ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى الحَذَرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أيْ بِالمُتَّقِي الَّذِي يَسْتَحِقُّ رُتْبَةَ الكَرَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾، قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنى أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وهى قَبِيلَةٌ كانَتْ تُجاوِرُ المَدِينَةَ، وكانُوا قَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ، وكانَتْ نُفُوسُهم مَعَ ذَلِكَ- دَخِلَةٌ، إنَّما يُحِبُّونَ المَغانِمَ وعَرَضَ الدُنْيا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وذَهَبُوا مَرَّةً إلى أنْ يَتَّسِمُوا بِالمُهاجِرِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَمِّيَةً لَهم بِالأعْرابِ، مُعَرِّفَةً لَهم بِذَلِكَ أقْدارَهُمْ، ومُخْرِجَةً ما في صُدُورِهِمْ مِن صُوَرِ مُعْتَقَدِهِمْ، وهم أعْرابٌ مَخْصُوصُونَ كَما ذَكَرْنا، قالَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ: «سَمِعَ النَبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ: "قالَتِ الأعْرابُ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِهَمْزِ قَطْعٍ.» وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ المُدَّعِينَ في الإيمانِ: "لَمْ تُؤْمِنُوا"، أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا بِقُلُوبِكُمْ، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾.

والإسْلامُ يُقالُ بِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ والأعْمالَ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والَّذِي في قَوْلِهِ ﷺ: « "بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ"،» والَّذِي في تَعْلِيمِ النَبِيِّ ﷺ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ «قالَ: ما الإسْلامُ؟ (p-٢٦)قالَ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ولا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمَ الصَلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا"،» والَّذِي في «قَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أو مُسْلِمًا، إنِّي لَأُعْطِي الرَجُلَ وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنهُ"» الحَدِيثُ، فَهَذا الإسْلامُ لَيْسَ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ والمَعْنى الثانِي لِلَفْظِ الإسْلامِ هو الِاسْتِسْلامُ والإظْهارُ الَّذِي يَسْتَعْصِمُ بِهِ ويَحْقِنُ الدَمَ، وهَذا هو الإسْلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، والإيمانُ الَّذِي هو التَصْدِيقُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.

ثُمَّ صَرَّحَ تَعالى لَهم بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ، ثُمَّ فَتَحَ تَعالى لَهم بابَ التَوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، وطاعَةُ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ في ضِمْنِها الإيمانُ والأعْمالُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَلِتْكُمْ"، مِن "لاتَ يَلِيتُ" إذا نَقَصَ، يُقالُ: "لاتَهُ حَقَّهُ" إذا نَقَصَهُ مِنهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وعَمْرٌو: "لا يَأْلِتْكُمْ" مِن "ألَتَ (p-٢٧)يَأْلِتُ" وهو بِمَعْنى "لاتَ"، وكَذَلِكَ يُقالُ: "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ "يَأْلِتُ"، ويُقالُ أيْضًا في مَعْنى "لاتَ: "ألَتَ يُولِتُ"، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ في التَرْجِيَةِ.

49:15–18Page 517

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦

Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"

يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧

They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ﴾ ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكم واللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾

"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ تُعْطِي ذَلِكَ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَشُكُّوا في إيمانِهِمْ، ولَمْ يُداخِلْهم رَيْبٌ، وهُمُ الصادِقُونَ إذْ جاءَ فِعْلُهم مُصَدِّقًا لِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوْبِيخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ﴾ أيْ بِقَوْلِكُمْ: "آمَنّا" وهو يَعْلَمُ مِنكم خِلافَ ذَلِكَ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ ولَمْ نُحارِبْكَ كَما فَعَلَتْ مُحارِبُ وحَصْفَةُ وهَوازِنُ وغَطَفانُ وغَيْرُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يُمَنُّونَ عَلَيْكَ إسْلامَهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ أيْ: بِزَعْمِكم إذْ تَقُولُونَ آمَنّا، فَقَدْ لَزِمَكم أنَّ اللهَ تَعالى مانَّ عَلَيْكُمْ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَعَلَّقَ عَلَيْهِمُ الحُكْمَيْنِ: هم مَمْنُونٌ عَلَيْهِمْ عَلى الصِدْقِ، وأهْلٌ أنْ يَقُولُوا أسْلَمْنا مِن حَيْثُ هم كَذَبَةٌ،

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إذْ هَداكُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَمُنُّ عَلَيْكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يُنْعِمُ، كَما تَقُولُ: مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَذْكُرُ إحْسانَهُ فَيَجِيءُ مُعادِلًا لِـ "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ"، وقالَ الناسُ قَدِيمًا: إذا كَفَرَتِ النِعْمَةُ حَسُنَتِ المِنَّةُ، وإنَّما المِنَّةُ المُبْطِلَةُ لِلصَّدَقَةِ المَكْرُوهَةِ ما وقَعَ دُونَ كُفْرِ النِعْمَةِ.

(p-٢٨)وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

كَمُلَ تَفْسِيرُ الحُجُراتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском