Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:39–42
5:39–41Page 114
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩
But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾
اَلْمَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَن تابَ مِنَ السَرِقَةِ فَنَدِمَ عَلى ما مَضى؛ وأقْلَعَ في المُسْتَأْنَفِ؛ وأصْلَحَ - بِرَدِّ الظُلامَةِ إنْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ وإلّا فَبِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللهِ - وأصْلَحَ أيْضًا في سائِرِ أعْمالِهِ؛ وارْتَفَعَ إلى فَوْقَ؛ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ حُكْمَ السَرِقَةِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى؛ وهو في المَشِيئَةِ مَرْجُوٌّ لَهُ الوَعْدُ؛ ولَيْسَ تُسْقِطُ عنهُ التَوْبَةُ حُكْمَ الدُنْيا مِنَ القَطْعِ؛ إنِ اعْتَرَفَ؛ أو شُهِدَ عَلَيْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلتَّوْبَةُ والإصْلاحُ هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَشْدِيدٌ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الذُنُوبِ بابَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَدُّ؛ والآخَرُ التَوْبَةُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: إذا تابَ السارِقُ؛ وقَبْلَ أنْ يَتَلَبَّسَ الحاكِمُ بِأخْذِهِ؛ فَتَوْبَتُهُ تَرْفَعُ عنهُ حُكْمَ القَطْعِ قِياسًا عَلى تَوْبَةِ المُحارِبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِإنْفاذٍ هَذِهِ الأوامِرِ في (p-١٦٥)المُحارِبِينَ؛ والسَرِقَةِ؛ والإخْبارِ بِهَذا التَعْذِيبِ لِقَوْمٍ والتَوْبَةِ عَلى آخَرِينَ؛ وهي مِلْكُهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ فَهو بِحَقِّ المِلْكِ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ ولا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَسُولُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ ما كانَ يَلْقى مِن طَوائِفِ المُنافِقِينَ؛ وبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى: قَدْ وعَدْناكَ النَصْرَ والظُهُورَ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَحْزُنْكَ ما يَقَعُ مِنهم خِلالَ بَقائِهِمْ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يَحْزُنْكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ و"حَزَنْتُهُ"؛ بِفَتْحِها؛ وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يُحْزِنْكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ بِمَعْنى: "حَزَنْتُهُ"؛ وجَعَلْتُهُ ذا حُزْنٍ؛ وقَرَأ الناسُ: "يُسارِعُونَ"؛ وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ ومَعْنى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ: اَلْبِدارُ إلى نَصْرِهِ؛ وإقامَةِ حُجَجِهِ؛ والسَعْيِ في إطْفاءِ الإسْلامِ بِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ مَعْنى الآيَةِ؛ وفِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "بِأفْواهِهِمْ"؛ وفي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأمّا سَبَبُها فَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ الرَجْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ؛ وكانَ في التَوْراةِ رَجْمُ الزُناةِ؛ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ غَيَّرُوا ذَلِكَ؛ ورَدُّوهُ جَلْدًا؛ وتَحْمِيمَ وُجُوهٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الرَجْمَ عَلى أشْرافِهِمْ؛ وأقامُوهُ عَلى صِغارِهِمْ في القَدْرِ؛ فاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ؛ وأحْدَثُوا حُكْمًا سَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الشَرِيفِ والمَشْرُوفِ؛ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلىالمَدِينَةِ زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِامْرَأةٍ؛ فَرُوِيَ «أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في غَيْرِ المَدِينَةِ في يَهُودِ الحِجازِ؛ وبَعَثُوا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ؛ وإلى حُلَفائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عَنِ النازِلَةِ؛ وطَمِعُوا بِذَلِكَ أنْ يُوافِقَهم عَلى الجَلْدِ والتَحْمِيمِ؛ فَيَشْتَدَّ أمْرُهم بِذَلِكَ؛ فَلَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن ذَلِكَ نَهَضَ في جُمْلَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى بَيْتِ (p-١٦٦)المِدْراسِ؛ فَجَمَعَ الأحْبارَ هُنالِكَ؛ وسَألَهم عَمّا في التَوْراةِ؛ فَقالُوا: إنّا لا نُجِدُّ فِيها الرَجْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّ فِيها الرَجْمَ؛ فانْشُرُوها"؛ فَنُشِرَتْ؛ ووَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَجْمِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَجْمِ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها بِالرَجْمِ؛ وأنْفَذَهُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ اخْتِلافُ ألْفاظٍ؛ ورِواياتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ يَهُودِيٌّ ويَهُودِيَّةٌ زَنَيا؛ وقَدْ جُلِدا وحُمِّما؛ فَقالَ: "هَكَذا شَرْعُكم يا مَعْشَرَ يَهُودٍ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ فَقالَ: "لا"؛ ثُمَّ مَشى إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ وفَضَحَهُمْ؛ وحَكَمَ في ذَيْنِكَ بِالرَجْمِ؛ وقالَ: "لَأكُونَنَّ أوَّلَ مَن أحْيا حُكْمَ التَوْراةِ حِينَ أماتُوهُ".»
ورُوِيَ أنَّ الزانِيَيْنِ لَمْ يَكُونا بِالمَدِينَةِ؛ وأنَّ يَهُودَ فَدَكَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِيَهُودِ المَدِينَةِ: اِسْتَفْتُوا مُحَمَّدًا؛ فَإنْ أفْتاكم بِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلْدِ والتَجْبِيَةِ؛ فَخُذُوهُ؛ وإنْ أفْتاكم بِالرَجْمِ فاحْذَرُوا الرَجْمَ؛ قالَهُ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ؛ وغَيْرُهُ: سَبَبُ الآيَةِ: ذَكَرَ اليَهُودُ أنَّ بَنِي النَضِيرِ كانُوا قَدْ غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَكانَ النَضْرِيُّ إذا قَتَلَهُ قُرَظِيٌّ قُتِلَ بِهِ؛ وإذا قَتَلَ نَضْرِيٌّ قُرَظِيًّا أُعْطِيَ الدِيَةَ.
وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَضْرِيِّ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ؛ إذْ هم أبْناءُ عَمٍّ؛ يَرْجِعانِ إلى جَدٍّ؛ وطَلَبَتِ الحُكُومَةَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَتِ النَضِيرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ بِما كُنّا عَلَيْهِ فَخُذُوهُ؛ وإلّا فاحْذَرُوا.
(p-١٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ النَوازِلُ كُلُّها وقَعَتْ؛ ووَقَعَ غَيْرُها؛ مِمّا يُضارِعُها؛ ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها لِفَضِيحَةِ اليَهُودِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ وتَحَرُّشِهِمْ بِالدِينِ؛ والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ.
وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ الطُرُقِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - في قِصَّةِ الرَجْمِ -: فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ وقُمْنا مَعَهُ"؛ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ كانَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ؛ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وقَدْ كانَتِ النَضِيرُ أُجْلِيَتْ؛ وقُرَيْظَةُ وقُرَيْشٌ قُتِلَتْ؛ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ لا شَيْءَ؛ فَكَيْفَ كانَ لَهم بَيْتُ مِدْراسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ؟ أو إنْ كانَ لَهم بَيْتٌ عَلى حالِ ذِلَّةٍ؛ فَهَلْ كانَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَحْتاجُ - مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ - إلى مُحاجَّتِهِمْ تِلْكَ المُحاجَّةَ؟ وظاهِرُ حَدِيثِ بَيْتِ المِدْراسِ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ عِزَّةِ كَلِمَتِهِ؛ مِن حَيْثُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ حُكْمَهم مِن أيْدِي أحْبارِهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ مَشى إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهَذا عِنْدِي يَبْعُدُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْزِنُونَهُ؛ ولا كانَ لَهم حالٌ يُسَلّى عنها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأمّا اخْتِلافُ الناسِ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ: ما الأمْرُ؟ وعَلامَ نَنْزِلُ مِنَ الحُكْمِ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ بِمَعْنى الذَبْحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وأبُو لُبابَةَ مِن فُضَلاءِ الصَحابَةِ؛ وهو وإنْ كانَ أشارَ بِتِلْكَ الإشارَةِ فَإنَّهُ قالَ: "فَواللهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ ورَسُولَهُ"؛ ثُمَّ جاءَ إلى مَسْجِدِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ؛ وأقْسَمَ ألّا يَبْرَحَ كَذَلِكَ حَتّى يَتُوبَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ ويَرْضى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُ؛ فَإنَّما كانَتْ تِلْكَ الإشارَةُ مِنهُ زَلَّةً؛ حَمَلَهُ (p-١٦٨)عَلَيْها إشْفاقٌ ما عَلى قَوْمٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ ومُشارَكَةٌ قَدِيمَةٌ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ وعن جَمِيعِ الصَحابَةِ.
وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ أرادُوا سُؤالَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أمْرِ رَجُلٍ مِنهم قَتَلَ آخَرَ؛ فَكَلَّفُوا السُؤالَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وقالُوا: إنْ أفْتى بِالدِيَةِ قَبِلْنا قَوْلَهُ؛ وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عن قَتادَةَ في أمْرِ قَتْلِ النَضِيرِ؛ وقُرَيْظَةَ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.
وأمّا تَرْتِيبُ مَعْنى الآيَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الأقْوالِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِنَ اليَهُودِ"؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "سَمّاعُونَ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ"؛ ووَصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ؛ إلْزامًا مِنهُ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهُمْ؛ وبَدَّلُوا أحْكامَها؛ فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَوْراةِ؛ وبِمُوسى؛ وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ؛ مِن حَيْثُ بَدَّلُوها؛ وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كُفْرٌ مِنهُمْ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ؛ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنهُمْ"؛ لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ؛ مِن حَيْثُ الطائِفَةُ السَمّاعَةُ غَيْرُ الطائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَمّاعُونَ"؛ وقَرَأ النَحّاسُ: "سَمّاعِينَ"؛ ووَجْهُها عِنْدِي: نُصِبَ عَلى الذَمِّ؛ عَلى تَرْتِيبِ مَن يَقُولُ: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ سَمّاعِينَ"؛ وأمّا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ؛ ولِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم يَسْمَعُ الكَذِبَ؛ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ ويَقْبَلُونَهُ؛ (p-١٦٩)وَلِذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ سَماعِهِمْ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ إذِ المُرادُ أنَّهم يَقْبَلُونَ ويَسْتَزِيدُونَ مِن ذَلِكَ المَسْمُوعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكَذِبِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ؛ ويَنْقُلُوا حَدِيثَكَ؛ ويَزِيدُوا مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "لِلْكِذْبِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ الذالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَسْمَعُونَ مِنهُمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جابِرٍ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ يَهُودُ فَدَكَ؛ وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ؛ وقِيلَ: أهْلُ الزانِيَيْنِ؛ وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ؛ والدِيَةِ؛ وهَؤُلاءِ القَوْمُ الآخَرُونَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ"؛ بِمَعْنى: جَواسِيسَ مُسْتَرِقِينَ لِلْكَلامِ؛ لِيَنْقُلُوهُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ وهَذا مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ ويَهُودُ المَدِينَةِ. وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى لِلْجاسُوسِ ذِكْرٌ في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
5:42Page 115
سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢
[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِن اللهُ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾
قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْكَلِمِ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "اَلْكِلْمِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ في "كَلِمَةٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [المائدة: ٤١] ؛ صِفَةٌ لِلْيَهُودِ فِيما حَرَّفُوا مِنَ التَوْراةِ؛ إذْ ذاكَ أخْطَرُ أمْرٍ حَرَّفُوا فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهم ولِلْمُنافِقِينَ فِيما يُحَرِّفُونَ مِنَ الأقْوالِ عِنْدَ كَذِبِهِمْ؛ لِأنَّ مَبادِئَ كَذِبِهِمْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مِن أشْياءَ قِيلَتْ؛ أو فُعِلَتْ؛ وهَذا هو الكَذِبُ المُزَيَّنُ الَّذِي يَقْرُبُ قَبُولُهُ؛ وأمّا الكَذِبُ الَّذِي لا يُرْفَدُ بِمَبْدَإٍ فَقَلِيلُ الأثَرِ في النُفُوسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] أيْ: "مِن بَعْدِ أنْ وُضِعَ مَواضِعَهُ؛ وقُصِدَتْ بِهِ وُجُوهُهُ (p-١٧٠)القَوِيمَةُ؛ والإشارَةَ بِهَذا؛ قِيلَ: هي إلى التَحْمِيمِ والجَلْدِ في الزِنا؛ وقِيلَ: هي إلى قَبُولِ الدِيَةِ في أمْرِ القَتْلِ؛ وقِيلَ: إلى إبْقاءِ عِزَّةِ النَضِيرِ عَلى قُرَيْظَةَ؛ وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ في الآيَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلى جِهَةِ قَطْعِ الرَجاءِ فِيهِمْ -: ﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهُ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] ؛ أيْ: لا تُتْبِعْ نَفْسَكَ أمْرَهُمْ؛ والفِتْنَةَ هُنا: اَلْمِحْنَةُ بِالكُفْرِ؛ والتَعْذِيبِ في الآخِرَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ ألّا يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛ وأنْ يَكُونُوا مُدَنَّسِينَ بِالكُفْرِ؛ ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى لَهُمُ الخِزْيَ في الدُنْيا؛ والمَعْنى: بِالذِلَّةِ؛ والمَسْكَنَةِ الَّتِي انْضَرَبَتْ عَلَيْهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ؛ وفي كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقَرَّرَ لَهُمُ العَذابَ في الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] ؛ إنْ كانَ الأوَّلُ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَهَذا تَكْرارُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ؛ وإنْ كانَ الأوَّلُ في المُنافِقِينَ؛ فَهَذا خَبَرٌ أيْضًا عن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ؛ "فَعّالُونَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: يَتَكَرَّرُ أكْلُهم لَهُ؛ ويَكْثُرُ؛ والسُحْتُ: كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ مِنَ المالِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "اَلسُّحْتِ"؛ ساكِنَةَ الحاءِ؛ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اَلسُّحُّتِ"؛ مَضْمُومَةَ الحاءِ؛ مُثَقَّلَةً؛ ورُوِيَ عن خارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ ؛ عن نافِعٍ: "اَلسِّحْتِ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وسُكُونِ الحاءِ؛ واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: "سَحَتَ"؛ و"أسْحَتَ": إذا اسْتَأْصَلَ؛ وأذْهَبَ؛ فَمِنَ الثُلاثِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] ؛ ومِنَ الرُباعِيِّ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ ................. ∗∗∗ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
والسُحْتُ؛ والسُحُّتُ - بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الحاءِ؛ وتَثْقِيلِها - لُغَتانِ في اسْمِ الشَيْءِ (p-١٧١)المَسْحُوتِ؛ والسَحْتُ - بِفَتْحِ السِينِ؛ وسُكُونِ الحاءِ - اَلْمَصْدَرُ؛ سُمِّيَ بِهِ المَسْحُوتُ؛ كَما سُمِّيَ المَصِيدُ "صَيْدًا"؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ؛ وكَما سُمِّيَ المَرْهُونُ "رَهْنًا"؛ وهَذا كَثِيرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَسُمِّيَ المالُ الحَرامُ سُحْتًا لِأنَّهُ يَذْهَبُ؛ وتَسْتَأْصِلُهُ النُوَبُ؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "مَن أصابَ مالًا مِن مَهاوِشَ أذْهَبَهُ اللهُ في نَهابِرَ"؛» وقالَ مَكِّيٌّ: سُمِّيَ المالُ الحَرامُ "سُحْتًا"؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ مِن حَيْثُ يُسْحِتُ الطاعاتِ؛ أيْ: يَذْهَبُ بِها قَلِيلًا قَلِيلًا؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: مِن حَيْثُ يُسْحِتُ أدْيانَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ السَيِّئاتِ لا تُحْبِطُ الحَسَناتِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّهُ يَشْغَلُ عَنِ الطاعاتِ؛ فَهو سُحْتُها مِن حَيْثُ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا طاعَةٌ حاصِلَةٌ فَلا يُقالُ هَذا فِيها؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: سُمِّيَ أجْرُ الحَجّامِ "سُحْتًا"؛ لِأنَّهُ يُسْحِتُ مُرُوءَةَ آخِذِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أشْبَهُ.
قالَ الطَبَرِيُّ: أصْلُ السُحْتِ: كَلَبُ الجُوعِ؛ يُقالُ: "فُلانٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ"؛ إذا كانَ لا يُلْفى أبَدًا إلّا جائِعًا؛ يَذْهَبُ ما في مَعِدَتِهِ؛ فَكانَ الَّذِي يَرْتَشِي بِهِ مِنَ الشَرَهِ ما بِالجائِعِ أبَدًا؛ لا يَشْبَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ بِأنَّ الرِشْوَةَ تَنْسَحِتُ؛ فالمَعْنى هو كَما قَدَّمْناهُ؛ وفي عِبارَةِ الطَبَرِيِّ بَعْضُ اضْطِرابٍ؛ لِأنَّ مَسْحُوتَ المَعِدَةِ هو مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِئْصالِ والذَهابِ؛ ولَيْسَ كَلَبُ (p-١٧٢)الغَرَثِ أصْلًا لِلسُّحْتِ؛ والسُحْتُ الَّذِي عُنِيَ أنَّ اليَهُودَ يَأْكُلُونَهُ هو الرِشا في الأحْكامِ؛ والأوقافُ الَّتِي تُؤْكَلُ؛ ويُرْفَدُ أكْلُها بِقَوْلِ الأباطِيلِ؛ وخَدْعِ العامَّةِ؛ ونَحْوِ هَذا.
وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "مَهْرُ البَغِيِّ سُحْتٌ؛ وعُسْبُ الفَحْلِ سُحْتٌ؛ وكَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ؛ وثَمَنُ الكَلْبِ والخَمْرِ سُحْتٌ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اَلسُّحْتُ أنْ يُهْدِيَ لَكَ مَن قَدْ أعنتَهُ في حاجَتِهِ؛ أو حَقِّهِ؛ فَتَقْبَلَ"؛ قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: ما كُنّا نَعُدُّ السُحْتَ إلّا الرِشْوَةَ في الحُكْمِ؛ قالَ: "ذَلِكَ الكُفْرُ"؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وجَماعَةٍ كَثِيرَةٍ أنَّ السُحْتَ هو الرِشْوَةُ في الحُكْمِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنارُ أولى بِهِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما السُحْتُ؟ قالَ: "اَلرِّشْوَةُ في الحُكْمِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وكُلُّ ما ذُكِرَ في مَعْنى السُحْتِ فَهو أمْثِلَةٌ؛ ومِن أعْظَمِها الرِشْوَةُ في الحُكْمِ؛ والأُجْرَةُ عَلى قَتْلِ النَفْسِ؛ وهو لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ كَسْبٍ لا يَحِلُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ ؛ تَخْيِيرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولِحُكّامِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ في أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم إذا تَراضَوْا في نَوازِلِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: هَذا التَخْيِيرُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: نُسِخَ مِن [اَلْمائِدَةِ] آيَتانِ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] ؛ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ ؛ نَسَخَتْها: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي مُحْكَمَةٌ؛ وتَخْيِيرُ الحُكّامِ باقٍ؛ وهَذا هو الأظْهَرُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وفِقْهُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأُمَّةَ فِيما عَلِمَتْ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ حاكِمَ المُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بَيْنَ أهْلِ (p-١٧٣)الذِمَّةِ في التَظالُمِ؛ ويَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ في تَغْيِيرِهِ؛ ويَنْفِرُ عن صُورَتِهِ كَيْفَ وقَعَ؛ فَيُغَيِّرُ ذَلِكَ؛ ومِنَ التَظالُمِ حَبْسُ السِلَعِ المَبِيعَةِ؛ وغَصْبُ المالِ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَأمّا نَوازِلُ الأحْكامِ الَّتِي لا ظُلْمَ فِيها مِن أحَدِهِمْ لِلْآخَرِ؛ وإنَّما هي دَعاوى مُحْتَمَلَةٌ؛ وطَلَبُ ما يَحِلُّ؛ وما لا يَحِلُّ؛ وطَلَبُ المَخْرَجِ مِنَ الإثْمِ في الآخِرَةِ؛ فَهَذِهِ هي الَّتِي الحاكِمُ فِيها مُخَيَّرٌ؛ وإذا رَضِيَ بِهِ الخَصْمانِ فَلا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن رِضا الأساقِفَةِ؛ أوِ الأحْبارِ؛ قالَهُ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ قالَ: وأمّا إنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ دُونَ الخَصْمَيْنِ؛ أوِ الخَصْمانِ دُونَ الأساقِفَةِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وانْظُرْ إنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ لِأشْكالِ النَوازِلِ عِنْدَهم دُونَ أنْ يَرْضى الخَصْمانِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ الخِلافَ؛ وانْظُرْ إذا رَضِيَ الخَصْمانِ؛ ولَمْ يَقَعْ مِنَ الأحْبارِ نَكِيرٌ فَحَكَمَ الحاكِمُ ؛ ثُمَّ أرادَ الأحْبارُ رَدَّ ذَلِكَ الحُكْمَ؛ وهَلْ تَسْتَوِي النَوازِلُ في هَذا؛ كالرَجْمِ في زانِيَيْنِ؛ والقَضاءِ في مالٍ يَصِيرُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ؟ وانْظُرْ إذا رَضِيَ الخَصْمانِ: هَلْ عَلى الحاكِمِ أنْ يَسْتَعْلِمَ ما عِنْدَ الأحْبارِ؛ أو يَقْنَعَ بِأنْ لَمْ تَقَعْ مِنهم مُعارَضَةٌ؟ ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - يَسْتَحِبُّ لِحاكِمِ المُسْلِمِينَ الإعْراضَ عنهم وتَرْكَهم إلى دِينِهِمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ ؛ يَعْنِي أهْلَ نازِلَةِ الزانِيَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَتَناوَلُ سائِرَ النَوازِلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences