Ibn 'AtiyyaAl‑Ma'idah · 5:51–57

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:51–57

5:51–52Page 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢

So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أولِياءَ بَعْضُهم أولِياءَ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أو أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾

نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَصارى أولِياءَ في النُصْرَةِ؛ والخُلْطَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِامْتِزاجِ؛ والمُعاضَدَةِ؛ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ؛ وكُلُّ مَن أكْثَرَ مُخالَطَةَ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ فَلَهُ حَظُّهُ مِن هَذا المَقْتِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "فَإنَّهُ مِنهُمْ"؛ وأمّا مُعامَلَةُ اليَهُودِيِّ والنَصْرانِيِّ مِن غَيْرِ مُخالَطَةٍ ولا مُلامَسَةٍ؛ فَلا تَدْخُلُ في النَهْيِ؛ وقَدْ عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَهُودِيًّا ورَهَنَهُ دِرْعَهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وغَيْرُهُمْ: سَبَبُها أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ بَدْرٌ وشَجَرَ أمْرُ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ أرادَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَتْلَهُمْ؛ فَقامَ دُونَهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ؛ وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ؛ وكانَ لِعُبادَةَ بْنِ الصامِتِ مِن حِلْفِهِمْ مِثْلُ ما لِعَبْدِ اللهِ؛ فَلَمّا رَأى عُبادَةُ مَنزَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وما سَلَكَتْهُ يَهُودٌ مِنَ المُشاقَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ جاءَ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي أبْرَأُ إلى اللهِ مِن حِلْفِ يَهُودٍ ووَلائِهِمْ؛ ولا أُوالِي إلّا اللهَ ورَسُولَهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أمّا أنا فَلا أبْرَأُ مِن ولاءِ يَهُودٍ؛ فَإنِّي لا بُدَّ لِي مِنهُمْ؛ إنِّي رَجُلٌ أخافَ الدَوائِرَ.

وحَكى ابْنُ إسْحاقَ في السِيَرِ «أنَّهُ قامَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِ دِرْعِهِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ؛ أحْسِنْ في مُوالِيَّ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أرْسِلِ الدِرْعَ مِن يَدِكَ"؛ (p-١٩٠)فَقالَ: لا واللهِ؛ حَتّى تَهَبَهم لِي؛ لِأنَّهم ثَلاثُمِائَةِ دارِعٍ وأرْبَعُمِائَةِ حاسِرٍ؛ أفَأدَعُكَ تَحْصُدُهم في غَداةٍ واحِدَةٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "قَدْ وهَبْتُهم لَكَ"؛» ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ السُدِّيُّ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ بِالمُسْلِمِينَ أمْرُ أُحُدٍ فَزِعَ مِنهم قَوْمٌ؛ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَأْخُذُ مِنَ اليَهُودِ عَصْمًا لِيُعاضِدُونا إنْ ألَمَّتْ بِنا قاصِمَةٌ مِن قُرَيْشٍ وسائِرِ العَرَبِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُ الآيَةِ أمْرُ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ وإشارَتِهِ إلى قُرَيْظَةَ أنَّهُ الذَبْحُ؛ حِينَ اسْتَفْهَمُوهُ عن رَأْيِهِ في نُزُولِهِمْ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ؛ وأوقاتُ هَذِهِ النَوازِلِ مُخْتَلِفَةٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: "لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أرْبابًا بَعْضُهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ﴾ ؛ جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ النَهْيِ؛ تَتَضَمَّنُ التَفْرِقَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ ؛ إنْحاءٌ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ؛ وكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِن مُوالاتِهِمْ؛ ومَن تَوَلّاهم بِمُعْتَقَدِهِ؛ ودِينِهِ؛ فَهو مِنهم في الكُفْرِ؛ واسْتِحْقاقِ النِقْمَةِ؛ والخُلُودِ في النارِ؛ ومَن تَوَلّاهم بِأفْعالِهِ مِنَ العَضُدِ؛ ونَحْوِهِ؛ دُونَ مُعْتَقَدٍ؛ ولا إخْلالٍ بِإيمانٍ؛ فَهو مِنهم في المَقْتِ؛ والمَذَمَّةِ الواقِعَةِ عَلَيْهِمْ؛ وعَلَيْهِ؛ وبِهَذِهِ الآيَةِ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ ذَبائِحَ النَصارى مِنَ العَرَبِ؛ وقالَ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ ؛ فَقالَ: مَن دَخَلَ في دِينِ قَوْمٍ فَهو مِنهُمْ؛ وسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ - رَحِمَهُ اللهُ - عن رَجُلٍ أرادَ بَيْعَ دارِهِ مِن نَصارى يَتَّخِذُونَها كَنِيسَةً؛ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ؛ عُمُومٌ؛ فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الخُصُوصُ (p-١٩١)فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ ألّا يُؤْمِنَ؛ ولا يَهْتَدِيَ؛ وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ تَخْصِيصُ مُدَّةِ الظُلْمِ والتَلَبُّسِ بِفِعْلِهِ؛ فَإنَّ الظُلْمَ لا هُدى فِيهِ؛ والظالِمَ - مِن حَيْثُ هو ظالِمٌ - فَلَيْسَ بِمَهْدِيٍّ في ظُلْمِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُخاطَبَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والإشارَةُ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ؛ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى مَذْهَبِهِ في حِمايَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن كانَ مِن مُؤْمِنِي الخَزْرَجِ؛ يُتابِعُهُ جَهالَةً وعَصَبِيَّةً؛ فَهَذا الصِنْفُ لَهُ حَظُّهُ مِن مَرَضِ القَلْبِ.

وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ: "فَتَرى"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ فَإنْ جُعِلَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَـ "يُسارِعُونَ"؛ حالٌ؛ وفِيها الفائِدَةُ المَقْصُودَةُ؛ وإنْ جُعِلَتْ رُؤْيَةَ قَلْبٍ؛ فَـ "يُسارِعُونَ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي؛ و"يَقُولُونَ" حالٌ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَيَرى"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ والفاعِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ؛ ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ: "فَيَرى اللهُ"؛ أو: "فَيَرى الرائِي"؛ و"اَلَّذِينَ"؛ مَفْعُولٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ فاعِلًا؛ والمَعْنى: "أنْ يُسارِعُوا"؛ فَحُذِفَتْ "أنْ"؛ إيجازًا.

و"يُسارِعُونَ فِيهِمْ"؛ مَعْناهُ: "فِي نُصْرَتِهِمْ؛ وتَأْنِيسِهِمْ؛ وتَجْمِيلِ ذِكْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ ؛ لَفْظٌ مَحْفُوظٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ؛ ولا مَحالَةَ أنَّهُ قالَ بِقَوْلِهِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ؛ والآيَةُ تُعْطِي ذَلِكَ؛ ودائِرَةٌ: مَعْناهُ: نازِلَةٌ مِنَ الزَمانِ؛ وحادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ تُحْوِجُنا إلى مَوالِينا مِنَ اليَهُودِ؛ وتُسَمّى هَذِهِ الأُمُورُ دَوائِرَ؛ عَلى قَدِيمِ الزَمانِ؛ مِن حَيْثُ اللَيْلُ والنَهارُ في دَوَرانٍ؛ فَكَأنَّ الحادِثَ يَدُورُ بِدَوَرانِها حَتّى يَنْزِلَ فِيمَن نَزَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿دائِرَةُ السَوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] ؛ ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَوائِرَ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ والدَهْرُ بِالإنْسانِ دَوّارِيُّ ∗∗∗...............

(p-١٩٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎ ................. ∗∗∗ ∗∗∗ ويَعْلَمُ أنَّ النائِباتِ تَدُورُ

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎ يَرُدُّ عنكَ القَدَرَ المَقْدُورا ∗∗∗ ∗∗∗ ودائِراتِ الدَهْرِ أنْ تَدُورا

ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِعْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ في هَذِهِ النازِلَةِ لَمْ يَكُنْ ظاهِرُهُ مُغالَبَةَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَحارَبَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنَّما كانَ يُظْهِرُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَبْقِيَهم لِنُصْرَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولِأنَّ ذَلِكَ هو الرَأْيُ؛ وقَوْلُهُ: "إنِّي امْرُؤٌ أخْشى الدَوائِرَ"؛ أيْ: مِنَ العَرَبِ؛ ومِمَّنْ يُحارِبُ المَدِينَةَ؛ وأهْلَها؛ وكانَ يُبْطِنُ في ذَلِكَ كُلِّهِ التَحَرُّزَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والمُؤْمِنِينَ؛ والفَتَّ في أعَضادِهِمْ؛ وذَلِكَ هو الَّذِي أسَرَّ هو في نَفْسِهِ ومَن مَعَهُ عَلى نِفاقِهِ؛ مِمَّنْ يُفْتَضَحُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ "فَعَسى اللهُ"؛﴾ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ ووَعْدٌ لَهُمْ؛ و"عَسى"؛ مِنَ اللهِ تَعالى واجِبَةٌ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى "بِالفَتْحِ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِهِ القَضاءَ في هَذِهِ النَوازِلِ؛ و"اَلْفَتّاحُ": اَلْقاضِي؛ فَكانَ هَذا الوَعْدُ هو مِمّا نَزَلَ بِبَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وبِقُرَيْظَةَ والنَضِيرِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: يَعْنِي بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وظاهِرُ الفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ ظُهُورُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعُلُوُّ كَلِمَتِهِ؛ أيْ: فَيَبْدُو الِاسْتِغْناءُ عَنِ اليَهُودِ؛ ويَرى المُنافِقُ أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُوجِدْ سَبِيلًا إلى ما كانَ يُؤَمِّلُ فِيهِمْ مِنَ المَعُونَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ فَيَنْدَمُ حِينَئِذٍ عَلى ما حَصَلَ فِيهِ مِن مُحادَّةِ الشَرْعِ؛ وتَجَلُّلِ ثَوْبِ المَقْتِ مِنَ اللهِ تَعالى؛ ومِن رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُؤْمِنِينَ؛ كالَّذِي وقَعَ وظَهَرَ بَعْدُ.

(p-١٩٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ ؛ قالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ ضَرْبُ الجِزْيَةِ؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ أنَّ هَذا التَقْسِيمَ إنَّما هو لِأنَّ الفَتْحَ المَوْعُودَ بِهِ هو ما يَتَرَكَّبُ عَلى سَعْيِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأصْحابِهِ؛ ويُسَبِّبُهُ جِدُّهُمْ؛ وعَمَلُهُمْ؛ فَوَعْدُ اللهِ تَعالى إمّا بِفَتْحٍ بِمُقْتَضى تِلْكَ الأفْعالِ؛ وإمّا بِأمْرٍ مِن عِنْدِهِ؛ يُهْلِكُ أعْداءَ الشَرْعِ؛ هو أيْضًا فَتْحٌ لا يَقَعُ لِلْبَشَرِ فِيهِ تَسْبِيبٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَيُصْبِحُوا"؛﴾ مَعْناهُ: "يَكُونُوا كَذَلِكَ طُولَ دَهْرِهِمْ"؛ وخُصَّ الإصْباحُ بِالذِكْرِ لِأنَّ الإنْسانَ في لَيْلِهِ مُتَفَكِّرٌ مُتَسَتِّرٌ؛ فَعِنْدَ الصَباحِ يُرى بِالحالَةِ الَّتِي اقْتَضَتْها فِكْرُهُ أو أمْراضُهُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ

إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.

والَّذِي أسَرُّوهُ هو ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَمَرُّسِ بِالنَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإعْدادِ اليَهُودِ لِلثَّوْرَةِ عَلَيْهِ يَوْمًا ما؛ وقَرَأ ابْنُ الزُهْرِيِّ: "فَيُصْبِحَ الفُسّاقُ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ".

5:53–54Page 117

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣

And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهُ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

اِخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ ونافِعٌ: "يَقُولُ"؛ بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ؛ وبِرَفْعِ اللامِ؛ وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ؛ ومَكَّةَ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "وَيَقُولُ"؛ بِإثْباتِ الواوِ؛ وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ؛ (p-١٩٤)وَقالَ الطَبَرِيُّ: كَذَلِكَ هي في مَصاحِفِنا؛ مَصاحِفِ أهْلِ الشَرْقِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "وَيَقُولَ"؛ بِإثْباتِ الواوِ؛ وبِنَصْبِ اللامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ورَوى عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو النَصْبَ؛ والرَفْعَ في اللامِ؛ فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٍ ؛ فَمُتَعاضِدَةٌ مَعَ قِراءَةِ حَمْزَةَ ؛ والكِسائِيِّ ؛ لِأنَّ الواوَ لَيْسَتْ عاطِفَةَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ؛ مُشْرِكَةً في العامِلِ؛ وإنَّما هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وواصِلَةٌ بَيْنَهُما؛ والجُمْلَتانِ مُتَّصِلَتانِ بِغَيْرِ واوٍ؛ إذْ في الجُمْلَةِ الثانِيَةِ ذِكْرٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذِ الَّذِينَ يُسارِعُونَ؛ وقالُوا: نَخْشى؛ ويُصْبِحُونَ نادِمِينَ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ ؛ فَلَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ هَكَذا حَسُنَ العَطْفُ بِالواوِ؛ وبِغَيْرِ الواوِ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ؛ لَمّا كانَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ؛ اكْتُفِيَ بِذَلِكَ عَنِ الواوِ؛ وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] ؛ ولَوْ دَخَلَتِ الواوُ؛ فَقِيلَ: "وَهم فِيها خالِدُونَ"؛ كانَ حَسَنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ بَراعَةَ الفَصاحَةِ في الإيجازِ؛ ويَدُلُّ عَلى حُسْنِ دُخُولِ الواوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ؛ فَحَذْفُ الواوِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ كَحَذْفِها مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ وإلْحاقِها في قَوْلِهِ "ثامِنُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو إذا جاءَ الفَتْحُ؛ وحَصَلَتْ نَدامَةُ المُنافِقِينَ؛ وفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى؛ فَحِينَئِذٍ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ قَوْلِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] ؛ وعِنْدَ أفْعالِهِمْ ما فَعَلُوا في حِكايَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ؛ فَظَهَرَ فِيها سِرُّهُمْ؛ وفُهِمَ مِنهم أنَّ تَمَسُّكَهم بِهِمْ إنَّما هو إرْصادٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ فَمَقَتَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنُونَ؛ وتَرَكَ النَبِيُّ بَنِي قَيْنُقاعٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَغْبَةً في المَصْلَحَةِ والأُلْفَةِ؛ وبِحُكْمِ إظْهارِ عَبْدِ اللهِ أنَّ ذَلِكَ هو الرَأْيُ مِن نَفْسِهِ؛ وأنَّ الدَوائِرَ الَّتِي يَخافُ (p-١٩٥)إنَّما هي ما يُخَرِّبُ المَدِينَةَ؛ وعَلِمَ المُؤْمِنُونَ؛ وكُلٌّ فَطِنَ أنَّ عَبْدَ اللهِ في ذَلِكَ بِخِلافِ ما أبْدى؛ فَصارَ ذَلِكَ مَوْطِنًا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ.

وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: "وَيَقُولَ" بِنَصْبِ اللامِ فَلا يُتَّجَهُ مَعَها أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ إلّا عِنْدَ الفَتْحِ؛ وظُهُورِ نَدامَةِ المُنافِقِينَ؛ وفَضِيحَتِهِمْ؛ لِأنَّ الواوَ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ؛ مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ وتَوَجُّهُ عَطْفِ "وَيَقُولَ"؛ مُطَّرِدٌ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ؛ أحَدُها: عَلى المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] ؛ إنَّما المَعْنى فِيهِ: "فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ"؛ بِعَطْفِ قَوْلِهِ: "وَيَقُولَ"؛ عَلى "يَأْتِيَ"؛ اِعْتِمادًا عَلى المَعْنى؛ وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: "عَسى اللهُ أنْ يَقُولَ: اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] ؛ لَما كانَ المَعْنى: "أخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ؛ أصَّدَّقْ"؛ وحُمِلَ "وَأكُنْ"؛ عَلى الجَزْمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى في قَوْلِهِ: "فَأصَّدَّقَ"؛ والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ"؛ بَدَلًا مِنَ اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كَما أُبْدِلَ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ "وَيَقُولَ"؛ عَلى: "أنْ يَأْتِيَ"؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ كَأنَّكَ قُلْتَ: "عَسى أنْ يَأْتِيَ"؛ والوَجْهُ الثالِثُ: أنْ يُعْطَفَ قَوْلُهُ: "وَيَقُولَ"؛ عَلى "فَيُصْبِحُوا"؛ إذْ هو فِعْلٌ مَنصُوبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي؛ إذْ قَوْلُهُ: "عَسى اللهُ"؛ تَمَنٍّ وتَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ؛ وفي هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ؛ وكَذَلِكَ عِنْدِي في مَنعِهِمْ جَوازِ: "عَسى اللهُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ"؛ نَظَرٌ؛ إذِ اللهُ تَعالى يُصَيِّرُهم يَقُولُونَ بِنَصْرِهِ؛ وإظْهارِ دِينِهِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ ؛ نُصِبَ "جَهْدَ"؛ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ؛ والمَعْنى: (p-١٩٦)"أهَؤُلاءِ هُمُ المُقْسِمُونَ بِاجْتِهادٍ مِنهم في الأيْمانِ: إنَّهم لَمَعَكُمْ؟ ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ الآنَ مِنهم مِن مُوالاةِ اليَهُودِ؛ وخَذْلِ الشَرِيعَةِ ما يُكَذِّبُ إيمانَهُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ؛ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ بِما حَصَلَ في اعْتِقادِهِمْ؛ إذْ رَأوُا المُنافِقِينَ في هَذِهِ الأحْوالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ؛ إمّا مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ وإمّا مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ وحَبِطَ العَمَلُ: إذا بَطَلَ بَعْدَ أنْ كانَ حاصِلًا؛ وقَدْ يُقالُ: "حَبِطَ"؛ في عَمَلِ الكُفّارِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يُتَحَصَّلْ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حَبِطَتْ"؛ بِكَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو واقِدٍ؛ والجَرّاحُ: بِفَتْحِ الباءِ؛ وهي لُغَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ فِيها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ: نَزَلَتِ الآيَةُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ والإشارَةُ بِالقَوْمِ الَّذِينَ يَأْتِي بِهِمْ إلى أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وأصْحابِهِ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِدَّةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ اللهَ وعَدَ هَذِهِ الأُمَّةَ: مَنِ ارْتَدَّ مِنها فَإنَّهُ يَجِيءُ بِقَوْمٍ يَنْصُرُونَ الدِينَ؛ ويُغْنُونَ عَنِ المُرْتَدِّينَ؛ فَكانَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وأصْحابُهُ مِمَّنْ صَدَقَ فِيهِمُ الخَبَرُ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ وكَذَلِكَ هو عِنْدِي أمْرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مَعَ الخَوارِجِ؛ ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأها النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» يَعْنِي أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِياضٌ؛ وقالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أنا وقَوْمِي هم يا رَسُولَ اللهِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا؛ ولَكِنَّهم قَوْمُ هَذا"؛ وأشارَ إلى أبِي مُوسى»؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: اَلْإشارَةُ إلى أهْلِ اليَمَنِ؛ وقالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

(p-١٩٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ عِنْدِي قَوْلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ هم قَوْمُ أبِي مُوسى ؛ ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ مُخاطَبَةُ جَمِيعِ مَن حَضَرَ عَصْرَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى مَعْنى التَنْبِيهِ لَهُمْ؛ والعِتابِ والتَوَعُّدِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْإشارَةُ بِالقَوْمِ إلى الأنْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ الحاضِرِينَ؛ يَعُمُّ مُؤْمِنَهم ومُنافِقَهُمْ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ والإشارَةُ بِالِارْتِدادِ إلى المُنافِقِينَ؛ والمَعْنى: أنَّ مَن نافَقَ وارْتَدَّ فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الأنْصارِ يَحْمُونَ الشَرِيعَةَ؛ ويَسُدُّ اللهُ بِهِمْ كُلَّ ثَلْمٍ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "يَرْتَدَّ"؛ بِإدْغامِ الدالِ في الدالِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يَرْتَدِدْ"؛ بِتَرْكِ الإدْغامِ؛ وهَذِهِ لُغَةُ الحِجازِ "مَكَّةَ وما جاوَرَها"؛ والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: مُتَذَلِّلِينَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ؛ غَيْرِ مُتَكَبِّرِينَ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ؛ وكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "اَلْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ غُلَظاءَ عَلى الكافِرِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الرَدِّ عَلى المُنافِقِينَ في أنَّهم كانُوا يَعْتَذِرُونَ بِمَلامَةِ الأخْلاقِ والمَعارِفِ مِنَ الكُفّارِ؛ ويُراعُونَ أمْرَهُمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ ؛ اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ القَوْمِ يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهُمْ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في مَعْنى مَحَبَّةِ اللهِ لِلْعَبْدِ؛ وأنَّها إظْهارُ النِعَمِ المُنْبِئَةِ عن رِضاهُ عنهُ؛ وإلْباسُهُ إيّاها؛ و"واسِعٌ"؛ مَعْناهُ: ذُو سَعَةٍ فِيما يَمْلِكُ ويُعْطِي ويُنْعِمُ.

5:55–57Page 117

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥

Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦

And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهَ هُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم والكُفّارَ أولِياءَ واتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

(p-١٩٨)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أولِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] ؛ و"إنَّما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ حاصِرَةٌ؛ يُعْطِي ذَلِكَ المَعْنى؛ و"وَلِيٌّ"؛ اِسْمُ جِنْسٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّما مَوْلاكُمُ اللهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ أيْ: ومَن آمَنَ مِنَ الناسِ حَقِيقَةً لا نِفاقًا؛ وهُمُ الَّذِينَ ﴿يُقِيمُونَ الصَلاةَ﴾ ؛ اَلْمَفْرُوضَةَ بِجَمِيعِ شُرُوطِها؛ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ ؛ وهي هُنا لَفَظٌ عامٌّ لِلزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ ولِلتَّطَوُّعِ بِالصَدَقَةِ؛ ولِكُلِّ أفْعالِ البِرِّ؛ إذْ هي تَنْمِيَةٌ لِلْحَسَناتِ؛ مَطْهَرَةٌ لِلْمَرْءِ مِن دَنَسِ الذُنُوبِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُؤْتُونَ مِن ذَلِكَ؛ كُلٌّ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "آمَنُوا والَّذِينَ يُقِيمُونَ"؛ بِواوٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم راكِعُونَ﴾ ؛ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ؛ ومَعْناها وصْفُهم بِتَكْثِيرِ الصَلاةِ؛ وخَصَّ الرُكُوعُ بِالذِكْرِ لِكَوْنِهِ مِن أعْظَمِ أرْكانِ الصَلاةِ؛ وهو هَيْئَةُ تَواضُعٍ؛ فَعَبَّرَ بِهِ عن جَمِيعِ الصَلاةِ؛ كَما قالَ: ﴿والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ المُصَلِّينَ؛ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ؛ ولَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أعْطى صَدَقَةً وهو راكِعٌ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ ولَكِنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مَرَّ بِهِ سائِلٌ وهو راكِعٌ في المَسْجِدِ؛ فَأعْطاهُ خاتَمَهُ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَرَجَ مِن بَيْتِهِ وقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَوَجَدَ مِسْكِينًا؛ فَقالَ لَهُ: "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟"؛ فَقالَ: نَعَمْ؛ أعْطانِي ذَلِكَ الرَجُلُ الَّذِي يُصَلِّي خاتَمًا مِن فِضَّةٍ؛ وأعْطانِيهِ وهو راكِعٌ؛ فَنَظَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإذا الرَجُلُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَللَّهُ أكْبَرُ"؛ وتَلا الآيَةَ عَلى الناسِ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ؛ تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ؛ وفي هَذا (p-١٩٩)القَوْلِ نَظَرٌ؛ والصَحِيحُ ما قَدَّمْناهُ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ؛ وقَدْ قِيلَ لِأبِي جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ؛ فَقالَ: "عَلِيٌّ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ والواوُ - عَلى هَذا القَوْلِ - في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ واوُ الحالِ.

وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها بِسَبَبِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ وتُبَرِّئُهُ مِن بَنِي قَيْنُقاعٍ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ أسْلَمُوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَجاؤُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ بُيُوتُنا بَعِيدَةٌ؛ ولا مُتَحَدَّثَ لَنا إلّا مَسْجِدُكَ؛ وقَدْ أقْسَمَ قَوْمُنا ألّا يُخالِطُونا؛ ولا يُوالُونا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً لَهم.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهُ غالِبٌ كُلَّ مَن ناوَأهُ؛ وجاءَتِ العِبارَةُ عامَّةً؛ ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ ؛ اِخْتِصارًا لِأنَّ المُتَوَلِّيَ هو مِن حِزْبِ اللهِ ؛ وحِزْبُ اللهِ غالِبٌ؛ فَهَذا الَّذِي تَوَلّى اللهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ غالِبٌ؛ و"وَمَن"؛ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ لا مُفْرَدٌ بِعَيْنِهِ؛ والحِزْبُ: اَلصّاغِيَةُ؛ والمُنْتَمُونَ إلى صاحِبِ الحِزْبِ؛ والمُعاوِنُونَ فِيما يَحْزُبُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - في حَمْنَةَ - وكانَتْ تُحارِبُ في أمْرِ الإفْكِ -: « "فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ".»

ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَصارى أولِياءَ؛ فَوَسَمَهم بِوَسْمٍ يَحْمِلُ النُفُوسَ عَلى تَجَنُّبِهِمْ؛ وذَلِكَ اتِّخاذُهم دِينَ المُؤْمِنِينَ هُزُوًا ولَعِبًا؛ والهَزْءُ: اَلسُّخْرِيَةُ؛ والِازْدِراءُ؛ ويُقْرَأُ: "هُزُؤًا"؛ بِضَمِّ الزايِ والهَمْزِ؛ و"هُزْءًا"؛ بِسُكُونِ الزايِ؛ والهَمْزِ؛ ويُوقَفُ عَلَيْهِ "هُزًّا"؛ بِتَشْدِيدِ الزايِ المَفْتُوحَةِ؛ و"هُزُوًا"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ وتَنْوِينِ الواوِ؛ و"هُزًا"؛ بِزايٍ مَفْتُوحَةٍ؛ مُنَوَّنَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جِنْسَ هَؤُلاءِ أنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ؛ اَلْيَهُودِ والنَصارى.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إعْرابِ: "والكُفّارَ"؛ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "والكُفّارَ"؛ نَصْبًا؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "والكُفّارِ"؛ خَفْضًا؛ ورَوى حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ عن أبِي عَمْرٍو النَصْبَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: (p-٢٠٠)حُجَّةُ مَن قَرَأ بِالخَفْضِ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أقْرَبِ العامِلِينَ؛ وهي لُغَةُ التَنْزِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ الكُفّارُ؛ عَلى قِراءَةِ الخَفْضِ؛ فِيمَنِ اتَّخَذَ دِينَ المُؤْمِنِينَ هُزُؤًا؛ وقَدْ ثَبَتَ اسْتِهْزاءُ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] ؛ وثَبَتَ اسْتِهْزاءُ أهْلِ الكِتابِ في لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وثَبَتَ اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِمْ لِشَياطِينِهِمْ: ﴿إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ؛ ومَن قَرَأ "والكُفّارَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَمَلَ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هُوَ: "لا تَتَّخِذُوا"؛ ويَخْرُجُ الكُفّارُ مِن أنَّ يَتَضَمَّنَ لَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَمِنَ الكُفّارِ"؛ بِزِيادَةِ "مِن"؛ فَهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الخَفْضِ؛ وكَذَلِكَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِكم مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا".

وفَرَّقَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكُفّارِ؛ وبَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ؛ مِن حَيْثُ الغالِبُ في اسْمِ الكُفّارِ أنْ يَقَعَ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللهِ إشْراكَ عِبادَةِ أوثانٍ؛ لِأنَّهم أبْعَدُ شَأْوًا في الكُفْرِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ؛ إرادَةَ البَيانِ؛ والجَمِيعُ كُفّارٌ؛ وكانَ هَذا لِأنَّ عُبّادَ الأوثانِ هم كُفّارٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وهَذِهِ الفِرَقُ تَلْحَقُ بِهِمْ في حُكْمِ الكُفْرِ؛ وتُخالِفُهم في رُتَبٍ؛ فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ؛ وبِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ والمُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ ونَبَّهَ النُفُوسَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أيْ حَقُّ مُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском