Ibn 'AtiyyaAl‑Ma'idah · 5:82–87

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:82–87

5:82–83Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ الناسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾

اَللّامُ في قَوْلِهِ: "لَتَجِدَنَّ"؛ لامُ الِابْتِداءِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: هي لامُ قَسَمٍ؛ ودَخَلَتْ هَذِهِ النُونُ الثَقِيلَةُ لِتَفْصِلَ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خَبَرٌ مُطْلَقٌ مُنْسَحِبٌ عَلى الزَمَنِ كُلِّهِ؛ وهَكَذا هو الأمْرُ حَتّى الآنَ؛ وذَلِكَ (p-٢٣١)أنَّ اليَهُودَ مَرَنُوا عَلى تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ؛ وقَتْلِهِمْ؛ ودَرِبُوا العُتُوَّ والمَعاصِي؛ ومَرَدُوا عَلى اسْتِشْعارِ اللَعْنَةِ؛ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ؛ فَهم قَدْ لَحَجَتْ عَداوَتُهُمْ؛ وكَثُرَ حَسَدُهُمْ؛ فَهم أشَدُّ الناسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوثانِ مِنَ العَرَبِ؛ والنِيرانِ مِنَ المَجُوسِ؛ لِأنَّ الإيمانَ إيّاهم كَفَّرَ؛ وعُرُوشَهم ثَلَّ؛ وبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ فَلَمْ يُبْقِ لَهم بَقِيَّةً؛ فَعَداوَتُهم شَدِيدَةٌ.

والنَصارى أهْلُ الكِتابِ يَقْضِي لَهم شَرْعُنا بِأنَّ أوَّلَ أمْرِهِمْ صَحِيحٌ؛ لَوْلا أنَّهم ضَلُّوا؛ فَهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَضِلُّوا؛ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْسَخْ شَرْعَهُمْ؛ ويُعَظِّمُونَ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَنِ اسْتَشْعَرُوا مِنهُ صِحَّةَ دِينٍ؛ ويَسْتَهِينُونَ مَن فَهِمُوا مِنهُ الفِسْقَ؛ فَهم إذا حارَبُوا فَإنَّما حَرْبُهم أنَفَةٌ وكَسْبٌ؛ لا أنَّ شَرْعَهم يَأْخُذُهم بِذَلِكَ؛ وإذا سالَمُوا فَسِلْمُهم صافٍ؛ ويُعِينُ عَلى هَذا أنَّهم أُمَّةٌ شَرِيفَةُ الخُلُقِ؛ لَهُمُ الوَفاءُ والخِلالُ الأرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَ عَمْرُو بْنُ العاصِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ؛ وتَأمَّلْ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُرَّ حِينَ غَلَبَتِ الرُومُ فارِسَ؛ (p-٢٣٢)وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ؛ ولَمْ يُرِدْ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْتَمِرَّ ظُهُورُ الرُومِ؛ وإنَّما سُرَّ بِغَلَبَةِ أهْلِ كِتابٍ لِأهْلِ عِبادَةِ النارِ؛ وانْضافَ إلى ذَلِكَ أنْ غَلَبَ العَدُوُّ الأصْغَرُ وانْكَسَرَتْ شَوْكَةُ العَدُوِّ الأكْبَرِ المَخُوفِ عَلى الإسْلامِ.

واليَهُودُ - لَعَنَهُمُ اللهُ - لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن هَذا الخُلُقِ؛ بَلْ شَأْنُهُمُ الخُبْثُ؛ واللَيُّ بِالألْسِنَةِ؛ وفي خِلالِ إحْسانِكَ إلى اليَهُودِيِّ يَبْغِيكَ هو الغَوائِلَ إلّا الشاذَّ القَلِيلَ مِنهُمْ؛ مِمَّنْ عَسى أنْ تَخَصَّصَ بِأدَبٍ وأُمُورٍ غَيْرِ ما عُلِّمَ أوَّلًا.

ولَمْ يَصِفِ اللهُ تَعالى النَصارى بِأنَّهم أهْلُ وُدٍّ؛ وإنَّما وصَفَهم بِأنَّهم أقْرَبُ مِنَ اليَهُودِ؛ والمُشْرِكِينَ؛ فَهو قُرْبُ مَوَدَّةٍ بِالنِسْبَةِ إلى مُتَباعِدِينَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ النَصارى لَيْسُوا عَلى حَقِيقَةِ النَصْرانِيَّةِ؛ بَلْ كَوْنُهم نَصارى قَوْلٌ مِنهُمْ؛ وزَعْمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ ؛ مَعْناهُ: ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم أهْلَ خَشْيَةٍ؛ وانْقِطاعٍ إلى اللهِ ؛ وعِبادَةٍ ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى هُدًى؛ فَهم يَمِيلُونَ إلى أهْلِ العِبادَةِ والخَشْيَةِ؛ ولَيْسَ عِنْدَ اليَهُودِ؛ ولا كانَ قَطُّ؛ أهْلُ دِياراتٍ؛ وصَوامِعَ؛ وانْقِطاعٍ عَنِ الدُنْيا؛ بَلْ هم مُعَظِّمُونَ لَها؛ مُتَطاوِلُونَ في البُنْيانِ؛ وأُمُورِ الدُنْيا؛ حَتّى كَأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ فَلِذَلِكَ لا يُرى فِيهِمْ زاهِدٌ.

ويُقالُ: "قَسٌّ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وبِكَسْرِها؛ و"قِسِّيسٌ"؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عُرِّبَ؛ و"اَلْقَسُّ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلنَّمِيمَةُ؛ ولَيْسَ مِن هَذا.

(p-٢٣٣)وَأمّا الرُهْبانُ فَجَمْعُ "راهِبٌ"؛ وهَذِهِ تَسْمِيَةٌ عَرَبِيَّةٌ؛ والرَهَبُ: اَلْخَوْفُ؛ ومِنَ الشَواهِدِ عَلى أنَّ الرُهْبانَ جَمْعٌ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوكِ تَنَزَّلُوا ∗∗∗ والعُصْمُ مِن شَغَفِ العُقُولِ الفادِرُ

وقَدْ قِيلَ: اَلرُّهْبانُ اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ والدَلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَحَدَّرَ الرُهْبانُ يَمْشِي ونَزَلْ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُرْوى: "وَيَزِلْ"؛ بِالياءِ؛ مِن "اَلزَّلَلُ"؛ وهَذِهِ الرِوايَةُ أبْلَغُ في مَعْنى غَلَبَةِ هَذِهِ المَرْأةِ عَلى ذِهْنِ هَذا الراهِبِ. ووَصَفَ اللهُ تَعالى النَصارى بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ؛ وهَذا بَيِّنٌ مَوْجُودٌ فِيهِمْ حَتّى الآنَ؛ واليَهُودِيُّ مَتى وجَدَ غُرُورًا طَغى وتَكَبَّرَ؛ وإنَّما أذَلَّهُمُ اللهُ وأضْرَعَتْهُمُ الحُمّى؛ وداسَهم كَلْكَلُ الشَرِيعَةِ؛ ودِينُ الإسْلامِ أعْلاهُ اللهُ.

وذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ وفْدٍ بَعَثَهُمُ النَجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَرَوْهُ ويَعْرِفُوا حالَهُ؛ فَقَرَأ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَبَكَوْا؛ وآمَنُوا؛ ورَجَعُوا إلى النَجاشِيِّ ؛ فَآمَنَ؛ ولَمْ يَزَلْ مُؤْمِنًا حَتّى ماتَ؛ فَصَلّى عَلَيْهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

(p-٢٣٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّ نَعْشَ النَجاشِيِّ كُشِفَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَكانَ يَراهُ مِن مَوْضِعِهِ بِالمَدِينَةِ؛ وجاءَ الخَبَرُ بَعْدَ مُدَّةٍ أنَّ النَجاشِيَّ دُفِنَ في اليَوْمِ الَّذِي صَلّى فِيهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِ؛ وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ؛ سَبْعَةَ قِسِّيسِينَ؛ وخَمْسَةَ رُهْبانٍ؛ وقالَ أبُو صالِحٍ: كانُوا سَبْعَةً وسِتِّينَ رَجُلًا؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا سَبْعِينَ؛ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُوفِ؛ وكُلُّهم صاحِبُ صَوْمَعَةٍ؛ اخْتارَهُمُ النَجاشِيِّ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ؛ وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّ النَجاشِيَّ خَرَجَ مُهاجِرًا؛ فَماتَ في الطَرِيقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ بِالسِيرَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في قَوْمٍ كانُوا مُؤْمِنِينَ؛ ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفَرَّقَ الطَبَرِيُّ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ وهُما واحِدٌ.

ورَوى سَلْمانُ الفارِسِيُّ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ ورُهْبانًا".»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَسُولِ تَرى أعْيُنَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلضَّمِيرُ في "سَمِعُوا"؛ ظاهِرُهُ العُمُومُ؛ ومَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن آمَنُ مِن هَؤُلاءِ القادِمِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ؛ إذْ هم عَرَفُوا الحَقَّ؛ وقالُوا: "آمَنّا"؛ ولَيْسَ كُلُّ النَصارى يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وصَدْرُ الآيَةِ في قُرْبِ المَوَدَّةِ عامٌّ فِيهِمْ؛ ولا يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ صَدْرُ الآيَةِ خاصًّا فِيمَن آمَنُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ فَهو مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ ولَيْسَ يُقالُ فِيهِ: "قالُوا: إنّا نَصارى"؛ ولا يُقالُ في مُؤْمِنِينَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم (p-٢٣٥)قِسِّيسِينَ﴾ ؛ ولا يُقالُ: "إنَّهم أقْرَبُ مَوَدَّةً"؛ بَلْ مَن آمَنَ فَهو أهْلُ مَوَدَّةٍ مَحْضَةٍ؛ فَإنَّما وقَعَ التَخْصِيصُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا﴾ ؛ وجاءَ الضَمِيرُ عامًّا؛ إذْ قَدْ تُحْمَدُ الجَماعَةُ بِفِعْلِ واحِدٍ مِنها؛ وفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لِلنَّصارى؛ ولُطْفٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِهِمْ؛ ولَقَدْ يُوجَدُ فَيْضُ الدُمُوعِ غالِبًا فِيهِمْ؛ وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

ورُوِيَ أنَّ وفْدًا مِن نَجْرانَ قَدِمَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ؛ فَأمَرَ مَن يَقْرَأُ القُرْآنَ بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هَكَذا كُنّا؛ ولَكِنْ قَسَتِ القُلُوبُ.

ورُوِيَ أنَّ راهِبًا مِن رُهْبانِ دِياراتِ الشامِ نَظَرَ إلى أصْحابِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورَأى عِبادَتَهُمْ؛ وجَدَّهم في قِتالِ عَدُوِّهِمْ؛ فَعَجِبَ مِن حالِهِمْ؛ وبَكى؛ وقالَ: "ما كانَ الَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ عَلى دِينِ عِيسى بِأصْبَرَ مِن هَؤُلاءِ؛ ولا أجَدَّ في دِينِهِمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالقَوْمُ الَّذِينَ وُصِفُوا بِأنَّهم عَرَفُوا الحَقَّ هُمُ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ النَجاشِيُّ لِيَرَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَسْمَعُوا ما عِنْدَهُ؛ فَلَمّا رَأوهُ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ؛ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أُنْزِلَ إلى الرَسُولِ﴾ ؛ فاضَتْ أعْيُنُهم بِالدَمْعِ؛ مِن خَشْيَةِ القُلُوبِ.

والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ و"تَفِيضُ"؛ حالٌ مِنَ الأعْيُنِ؛ و"يَقُولُونَ"؛ حالٌ أيْضًا؛ و"آمَنّا"؛ مَعْناهُ: "صَدَّقْنا أنَّ هَذا رَسُولُكَ؛ والمَسْمُوعَ كِتابُكَ"؛ والشاهِدُونَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُما.

(p-٢٣٦)وَقالَ الطَبَرِيُّ: لَوْ قالَ قائِلٌ: مَعْنى ذَلِكَ: "مَعَ الشاهِدِينَ بِتَوْحِيدِكَ مِن جَمِيعِ العالَمِ؛ مَن تَقَدَّمَ؛ ومَن تَأخَّرَ"؛ لَكانَ ذَلِكَ صَوابًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا مَعْنى قَوْلِ الطَبَرِيِّ ؛ وهو كَلامٌ صَحِيحٌ؛ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - خَصَّصَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ؛ اَلْآيَةَ.

5:84–87Page 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصالِحِينَ﴾ ﴿فَأثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

قَوْلُهُمْ: "وَما لَنا"؛ تَوْقِيفٌ لِأنْفُسِهِمْ؛ أو مُحاجَّةٌ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ؛ بِأنْ قالَ لَهُمْ: آمَنتُمْ وعَجَّلْتُمْ؛ فَقالُوا: وأيُّ شَيْءٍ يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ وقَدْ لاحَ الصَوابُ؛ وجاءَ الحَقُّ المُنِيرُ؟

"وَما لَنا": اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ و"لا نُؤْمِنُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ولَكِنَّها حالٌ هي المَقْصِدُ؛ وفِيها الفائِدَةُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَ زَيْدٌ راكِبًا"؛ وأنْتَ قَدْ سُئِلْتَ: "هَلْ جاءَ ماشِيًا؛ أو راكِبًا؟".

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وما أنْزَلَ إلَيْنا رَبُّنا".

"وَنَطْمَعُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "وَنَحْنُ نَطْمَعُ"؛ فالواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لا عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ؛ والقَوْمُ الصالِحُونَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ؛ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما أثابَهم بِهِ مِنَ النَعِيمِ؛ عَلى إيمانِهِمْ؛ وإحْسانِهِمْ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ؛ وأنَّهم قُرَناءُ الجَحِيمِ؛ والمَعْنى قَدْ عُلِمَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ أنَّهُ اقْتِرانٌ لازِمٌ؛ دائِمٌ؛ أبَدِيٌّ.

(p-٢٣٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو مالِكٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ وأبُو قُلابَةَ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُمْ: "إنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ بَلَغَتْ مِنهُمُ المَواعِظُ وخَوْفُ اللهِ إلى أنْ حَرَّمَ بَعْضُهُمُ النِساءَ؛ وبَعْضُهُمُ النَوْمَ بِاللَيْلِ؛ والطِيبَ؛ وهَمَّ بَعْضُهم بِالِاخْتِصاءِ؛ وكانَ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "؛ قالَ عِكْرِمَةُ: ومِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والمِقْدادُ ؛ وسالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَفَضُوا النِساءَ؛ واللَحْمَ؛ وأرادُوا أنْ يَتَّخِذُوا الصَوامِعَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: أخَذُوا الشِفارَ لِيَقْطَعُوا مَذاكِرَهُمْ؛ وطَوَّلَ السُدِّيُّ في قِصَّةِ الحَوْلاءِ امْرَأةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ ؛ مَعَ أزْواجِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإخْبارِها بِأنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِها؛ فَلَمّا أُعْلِمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِحالِهِمْ قالَ: « "أمّا أنا فَأقُومُ؛ وأنامُ؛ وأصُومُ؛ وأُفْطِرُ؛ وآتِي النِساءَ؛ وأنالُ الطِيبَ؛ فَمَن رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".» قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ فِيما يُتْلى: "مَن رَغِبَ عن سُنَّتِكَ فَلَيْسَ مِن أُمَّتِكَ وقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ".

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَواحَةَ ضافَهُ ضَيْفٌ؛ فانْقَلَبَ ابْنُ رَواحَةَ وضَيْفُهُ لَمْ يَتَعَشَّ؛ فَقالَ لِزَوْجِهِ: ما عَشَّيْتِهِ؟ قالَتْ: كانَ الطَعامُ قَلِيلًا؛ فانْتَظَرْتُكَ؛ فَقالَ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي؟ طَعامُكِ عَلَيَّ حَرامٌ إنْ ذُقْتُهُ؛ فَقالَتْ هِيَ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ ذُقْتُهُ وإنْ لَمْ تَذُقْهُ؛ وقالَ الضَيْفُ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ ذُقْتُهُ إنْ لَمْ تَذُوقُوهُ؛ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ابْنُ رَواحَةَ قالَ: قَرِّبِي طَعامَكِ؛ كُلُوا بِسْمِ اللهِ؛ فَأكَلُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ غَدا إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أحْسَنْتَ"؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»

(p-٢٣٨)وَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «رَجُلٍ أتى النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي إذا أصَبْتُ مِنَ اللَحْمِ انْتَشَرْتُ وأخَذَتْنِي شَهْوَتِي؛ فَحَرَّمْتُ اللَحْمَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والطَيِّباتُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْمُسْتَلَذّاتُ؛ بِدَلِيلِ إضافَتِها إلى "ما أحَلَّ"؛ وبِقَرِينَةِ ما ذُكِرَ مِن سَبَبِ الآيَةِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَلا تَعْتَدُوا"؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وغَيْرُهُما: وهو نَهْيٌ عن هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللهُ ؛ وشَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿ "وَلا تَعْتَدُوا"؛﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ "لا تُحَرِّمُوا"؛﴾ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمَعْنى: ولا تَعْتَدُوا فَتُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ؛ فالنَهْيانِ عَلى هَذا تَضَمَّنا الطَرَفَيْنِ؛ كَأنَّهُ قالَ: لا تُشَدِّدُوا فَتُحَرِّمُوا حَلالًا؛ ولا تَتَرَخَّصُوا فَتُحِلُّوا حَرامًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى: ﴿ "لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛﴾ غَيْرَ مَرَّةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском