Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
ق
Qaf
The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs
50:1–8Page 518
قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١
Qāf.1 By the honored Qur’ān...2
بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢
But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣
When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."
قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤
We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥
But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.
أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦
Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧
And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,
تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨
Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].
(p-٢٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ ق
هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ المَوْتَ وسَكَراتِهِ".»
(p-٣٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: [ق] اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، وقالَ أيْضًا: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ: هو اسْمُ السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هُمُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُنْيا، وهو فِيما يَزْعُمُونَ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، مِنها خُضْرَةُ السَماءِ وخُضْرَةُ البَحْرِ. و"المَجِيدُ": الكَرِيمُ في أوصافِهِ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ عِلِيٍّ، و[ق] -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ- مُقْسَمٌ بِهِ وبِالقُرْآنِ المَجِيدِ، وجَوابُ القَسَمِ مُنْتَظَرٌ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨]، وقِيلَ: الجَوابُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ [ق: ٣٧]، وقالَ الزَهْراوِيُّ، عن سَعِيدٍ الأخْفَشِ: الجَوابُ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾، وضَعَّفَهُ النُحاسُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ مِنَ النُحاةِ: الجَوابُ "بَلْ عَجِبُوا"، والمَعْنى: لَقَدْ عَجِبُوا قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكَلُّفٌ وتَحَكُّمٌ عَلى اللِسانِ، وقالَ الزَجّاجُ، والمُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "ق والقُرْآنُ المَجِيدُ لَتُبْعَثُنَّ"، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ الَّذِي يَقَعُ عنهُ (p-٣١)الإضْرابُ بِـ "بَلْ"،كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والقُرْآنِ المَجِيدِ ما رَدُّوا أمَرَكَ بِحُجَّةٍ، أو ما كَذَبُوكَ بِبُرْهانٍ، ونَحْوُ هَذا مِمّا لا بُدَّ لَكَ مِن تَقْدِيرِهِ بَعْدَ الَّذِي قَدَّرَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّك إذا قُلْتَ "الجَوابُ "لَتُبْعَثُنَّ" فَلا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ خَبَرًا عنهُ يَقَعُ الإضْرابُ، وهَذا الَّذِي جَعَلْناهُ جَوابًا وجاءَ في المُقَدَّرِ أخْصَرُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى [ق]: إنَّهُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الكَلِمَةِ نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ..................
واخْتَلَفُوا بَعْدُ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هو دالٌّ عَلى أسْماءِ اللهِ تَعالى هِيَ: قادِرٌ وقاهِرٌ وقَرِيبٌ وقاضٍ وقابِضٌ. وقِيلَ: المَعْنى: قُضِيَ الأمْرُ مِن رِسالَتِكَ ونَحْوِهِ. "والقُرْآنُ المَجِيدُ"، فَجَوابُ القَسَمِ في الكَلامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ق]، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا، وقِيلَ: المَعْنى: قُهِرَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، وهَذا أيْضًا وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قِيامُهم مِنَ القُبُورِ حَقٌّ "والقُرْآنِ المَجِيدِ"، فَيَكُونُ أوَّلَ السُورَةِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اطَّرَدَ بَعْدُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ، فَثَمَّ كَلامٌ مُضْمَرٌ وقَعَ عنهُ الإضْرابُ، وهو خَبَرٌ (p-٣٢)عنهُمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كَذَّبُوكَ بِبُرْهانٍ، أوَنَحْوِ هَذا مِمّا يَلِيقُ مُظْهَرًا.
وقَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ: "ق" بِسُكُونِ الفاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ غَيْرُها إلّا جَوازَ سُوءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْسُنُ مَعَ أنْ تَكُونُ [ق] حَرْفًا دالًّا عَلى كَلِمَةٍ. وقَرَأ الثَقَفِيُّ، وعِيسى: "قافَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهَذِهِ تَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ أو لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قافِ" بِكَسْرِ الفاءِ، وهي في رُتْبَةِ الَّتِي قَبْلَها في أنَّ الحَرَكَةَ لِلِالتِقاءِ، وفي أنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، و"المَجِيدِ" الكَرِيمِ الأوصافِ الكَثِيرِ الخَيْرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ في "عَجِبُوا"، لِمَن هُوَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو لِجَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَفْطُورٍ عَجِبَ مِن بَعْثَةِ بِشْرٍ رَسُولًا لِلَّهِ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ نَظَرُوا واهْتَدَوْا، والكافِرُونَ بَقُوا في عَمايَتِهِمْ وصُمُّوا وحاجُّوا بِذَلِكَ العَجَبِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الضَمِيرُ في "عَجِبُوا" لِلْكافِرِينَ، كَرَّرَ الكَلامَ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً، والإشارَةُ بِـ "هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى نَفْسِ مَجِيءِ البَشَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الإنْذارُ وهو الخَبَرُ بِالبَعْثِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما يَأْتِي بَعْدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أئِذا"، وقَرَأ الأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا" عَلى الخَبَرِ دُونَ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنُبْعَثُ إذًا؟ وإلى هَذا الفِعْلِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: "ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أإذا مِتْنا بَعْدَ رَجْعِنا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ "رَجْعٌ بَعِيدٌ" عَلى هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو "بَعْدُ" ويَحِلُّ مَحَلَّ الجَوابِ لِقَوْلِهِمْ: "إذا".
(p-٣٣)وَ"الرَجْعُ" مَصْدَرُ رَجَعَتْهُ، وقَوْلُهُمْ: "بَعِيدٌ" مَعْناهُ: بَعِيدٌ في الأفْهامِ والفِكْرِ كَوْنُهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى -رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ- بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما تَأْكُلُ الأرْضُ مِنَ ابْنِ آدَمَ وما تُبْقِي مِنهُ، وإنَّ ذَلِكَ في الكِتابِ، وكَذَلِكَ يَعُودُ في الحَشْرِ مَعْلُومًا ذَلِكَ كُلُّهُ، و"الحَفِيظُ": الجامِعُ الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ، وقالَ الرُمّانِيُّ: حَفِيظٌ: مَنِيعٌ مِن أنْ يَذْهَبَ بِبِلًى ودُرُوسٍ، ورُوِيَ في الخَبَرِ الثابِتِ أنَّ الأرْضَ تَأْكُلُ ابْنَ آدَمَ إلّا عَجَبُ الذَنَبِ وهو عَظَمٌ كالخَرْدَلَةِ فَمِنهُ يَرْكَبُ ابْنُ آدَمَ، وحِفْظُ ما تَنْقُصُ الأرْضُ إنَّما هو لِيَعُودَ بِعَيْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا هو الحَقُّ، وذَهَبَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ إلى أنَّ الأجْسادَ المَبْعُوثَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ هَذِهِ، وهَذا عِنْدِي خِلافٌ لِظاهِرِ كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَتْ غَيْرُها فَكَيْفَ كانَتْ تَشْهَدُ الجُلُودُ والأيْدِي والأرْجُلُ عَلى الكَفَرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ أجْسادَ الدُنْيا هي الَّتِي تَعُودُ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: المَعْنى: ما تَنْقُصُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْشارِهِمْ وعِظامِهِمْ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ"﴾ أيْ: ما يَحْصُلُ في بَطْنِ الأرْضِ مِن مَوْتاهُمْ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ مُضَمِّنُهُ الوَعِيدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أيْضًا -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: مَعْناهُ: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ بِالإيمانِ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ، وهَذا قَوْلٌ أجْنَبِيٌّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلُ وبَعْدُ.
وقَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: "بَلْ كَذَّبُوا" مُضْمَرٌ عنهُ وقَعَ الإضْرابُ، تَقْدِيرُهُ: ما أجادُوا النَظَرَ، أو نَحْوَ هَذا، والَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ" الأغْلَبُ فِيهِ أنَّهُ مَنفِيٌّ تَقْضِي "بَلْ" بِفَسادِهِ، وقَدْ يَكُونُ أمْرًا مُوجِبًا تَقْضِي "بَلْ" بِتَرْكِ القَوْلِ فِيهِ لا بِفَسادِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمّا" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي كَقَوْلِهِمْ: "أعْطَيْتُهُ لِما سَألَ"، وكَما في التارِيخِ "لِخَمْسٍ خَلَوْنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٤)
؎ ................ ∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِبِها الرِياحُ
و"المَرِيجُ" مَعْناهُ: المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: بَعْضُهم يَقُولُ ساحِرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ كاهِنٌ، وبَعْضُهم شاعِرٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَخْلِيطِهِمْ، وكَذَلِكَ عادَتْ فِكْرَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُخْتَلِطَةً في نَفْسِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَرِيجُ: المُنْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْتَبِسُ، والمَرِيجُ: المُضْطَرِبُ أيْضًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ،» ومِنَ الأوَّلِ: "مَرَجَ البَحْرَيْنِ"، وقالَ الشاعِرُ:
؎ مَرِجَ الدِينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ
(p-٣٥)ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى العِبْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ الآيَةُ. و"زَيَّنّاها" مَعْناهُ: بِالنُجُومِ، و"الفُرُوجُ": الفُطُورُ خِلالَها وأثْناءَها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وحَكى النَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُعْطِي أنَّ السَماءَ مُسْتَدِيرَةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حُكِيَ إذا تُدُبِّرَ اللَفْظُ وما يَقْتَضِي. و"الرَواسِي": الجِبالُ، و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و"البَهِيجُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الحَسَنُ المَنظِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و"المُنِيبُ": الراجِعُ إلى الحَقِّ عن فِكْرَةٍ ونَظَرٍ، قالَ قَتادَةُ: هو المُقْبِلُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ وخَصَّ تَعالى هَذِهِ الصُنَيْفَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا مِن حَيْثُ هي المُنْتَفِعَةُ بِالتَبْصِرَةِ والذِكْرى، وإلّا فَهَذِهِ المَخْلُوقاتُ هي تَبْصِرَةٌ وذِكْرى لِكُلِّ بَشَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "تَبْصِرَةً وذِكْرى" مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما، وهَذا مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ أرْجَحُ.
50:9–15Page 518
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
And lofty palm trees having fruit arranged in layers -
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وَعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ ﴿وَأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ قِيلَ: يَعْنِي جَمِيعَ المَطَرِ، كُلُّهُ يَتَّصِفُ بِالبَرَكَةِ، وإنَّ ضَرَّ بَعْضُهُ أحْيانًا فَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الضُرِّ الخاصِّ البَرَكَةُ العامَّةُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَ النَبِيُّ ﷺ إذا جاءَ المَطَرُ فَسالَتِ المَيازِيبُ قالَ: "لا مَحْلَ عَلَيْكُمُ العامُّ"،» وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ماءً مُبارَكًا" يُرِيدُ بِهِ ماءً مَخْصُوصًا خالِصًا لِلْبَرَكَةِ يُنْزِلُهُ اللهُ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، ولَيْسَ كُلُّ المَطَرِ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ. وحَبَّ الحَصِيدِ هو البُرُّ والشَعِيرُ ونَحْوُهُ مِمّا هو نَباتٌ مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ، و"الحَصِيدُ" صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَبَّ الحَصِيدِ الحِنْطَةُ.
(p-٣٦)وَ "باسِقاتٍ" مَعْناهُ: طَوِيلاتٌ ذاهِباتٌ في السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي نَوْفَلٍ في ابْنِ هُبَيْرَةَ:
؎ يابْنَ الَّذِينَ بِجِدِّهِمْ بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزارَهْ
ورَوى قُطْبَةُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: "باصِقاتٌ" بِالصادِ،» قالَ أبُو الفَتْحِ: الأصْلُ السِينُ، وإنَّما الصادُ بَدَلٌ مِنها لِاسْتِعْلاءِ القافِ. و"الطَلْعُ" أوَّلُ ظُهُورِ التَمْرِ في الكُفُرّى وهو أبْيَضٌ مُنَضَّدٌ كَحَبِّ الرُمّانِ، فَما دامَ مُلْتَصِقًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهو نَضِيدٌ، فَإذا خَرَجَ مِنَ الكُفُرّى تَفَرَّقَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. و"رِزْقًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى المَطَرِ، ووَصَفَ البَلْدَةَ بِـ "مَيِّتٍ" عَلى تَقْدِيرِ القُطْرِ والبَلَدِ، وقَرَأ الناسُ: "مَيِّتًا" مُخَفَّفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ: "مَيِّتًا" بِالتَثْقِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَبارَكَ وتَعالى مَوْضِعَ الشَبَهِ فَقالَ: "كَذَلِكَ الخُرُوجُ"، وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما هي أمْثِلَةٌ وأدِلَّةٌ عَلى البَعْثِ، و"الخُرُوجُ" يُرِيدُ بِهِ مِنَ القُبُورِ.
و"أصْحابُ الرَسِّ" قَوْمٌ كانَ لَهم بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وهي الرَسّ، وكُلُّ ما لَمْ يُطْوَ مِن بِئْرٍ أو مَعْدِنٍ أو نَحْوِهِ فَهو رَسٌّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
؎ سَبَقْتَ إلى فَرَطٍ ناهِلٍ ∗∗∗ تَنابِلَةً يَحْفُرُونَ الرِساسا
(p-٣٧)وَجاءَهم نَبِيٌّ يُسَمّى حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ فِيما رُوِيَ، فَجَعَلُوهُ في الرَسِّ ورَدَمُوا عَلَيْهِ فَأهْلَكَهُمُ اللهُ تَعالى، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: أصْحابُ الرَسِّ هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ لَمْ يُكَذِّبُوا نَبِيًّا، إنَّما هو مَلِكٌ أحْرَقَ قَوْمًا، وقالَ الضَحّاكُ: الرَسُّ بِئْرٌ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسٍ، قالَ مُنْذِرٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهم قَوْمُ عادٍ.
و"الأيْكَةِ" شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ مِن "الأيْكَةِ" غَيْرُ مُعَرَّفَتَيْنِ لِأنَّ، "أيْكَةَ" اسْمٌ عَلَمٌ كَطَلْحَةَ، يُقالُ: أيْكَةُ ولَيْكَةُ، فَهي كالألِفِ واللامِ في الشَمْسِ والقَمَرِ وفي الصِفاتِ الغالِبَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ: "الأيْكَةَ" بِالهَمْزِ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ.
و"قَوْمُ تُبَّعٍ" هم حَمِيرٌ، و"تُبَّعٍ" اسْمٌ فِيهِمْ، يَذْهَبُ تَبَعٌ ويَجِيءُ تَبَعٌ، مِثْلُ كِسْرى في الفَرَسِ وقَيْصَرَ في الرُومِ، وكانَ أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ أحَدُ التَبابِعَةِ رَجُلًا صالِحًا صَحِبَ حَبْرَيْنِ فَتَعَلَّمَ مِنهُما دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْ قَوْمَهُ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَنَدَبَهم إلى مُحاجَّةِ الحَبْرَيْنِ فَوَقَعَتْ بَيْنَهم مُجادَلَةٌ عَظِيمَةٌ، واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعُهُمُ النارَ الَّتِي في القُرْبانِ فَمَن أكَلَتْهُ فَهو المُبْطِلُ، فَدَخَلُوا فاحْتَرَقَ قَوْمُ تُبَّعٍ وخَرَجَ الحَبْرانِ تَعْرَقُ جِباهُهُما، فَهَلَكَ القَوْمُ المُخالِفُونَ وآمِنَ سائِرُ قَوْمِ تُبَّعٍ بِدِينِ الحِبْرَيْنِ، وفي الحَدِيثِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ أثْبَتُّ أصَحَّ ذَلِكَ عَلى ما في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لا تَلْعَنُوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ"،» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا كانَ نَبِيًّا.
(p-٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: "كُلٌّ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ: كُلُّهُمْ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ "كُلٍّ" عَلَيْهِ إيجازًا والوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ: هو ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ وإهْلاكِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَفي هَذا تَخْوِيفُ مَن كَذَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ تَوْقِيفٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ الواضِحَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ جَوابَهم عَلى هَذا التَوْقِيفِ هُوَ: لَمْ يَقَعْ عِيٌّ، ثُمَّ هم مَعَ ذَلِكَ في لَبْسٍ مِنَ الإعادَةِ، وهَذا تَناقُضٌ، يُقالُ: عَيِيَ يَعْيا إذا عَجَزَ عَنِ الأمْرِ، ويُدْغَمُ هَذا الفِعْل الماضِي مِن هَذا الفِعْلِ، ولا يُدْغَمُ المُسْتَقْبَل مِنهُ، فَيُقالُ: عَيَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَيُّوا بِأمْرِهِمْ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ
و"الخَلْقُ الأوَّلُ" إنْشاءُ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ عَلى التَدْرِيجِ المَعْلُومِ، وقالَ الحَسَنُ: الخَلْقُ الأوَّلُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكاهُ الرُمّانِيُّ، و"اللَبْسُ": الشَكُّ والرَيْبُ واخْتِلاطُ النَظَرِ، و"الخَلْقُ الجَدِيدُ": البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences