Ibn 'AtiyyaAdh-Dhariyat · 51:17–36

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:17–36

51:17–26Page 521

كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧

They used to sleep but little of the night,1

وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨

And in the hours before dawn they would ask forgiveness,

وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩

And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.

وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠

And on the earth are signs for the certain [in faith]

وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٢١

And in yourselves. Then will you not see?

وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢

And in the heaven is your provision and whatever you are promised.

فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣

Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤

Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥

When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."

فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦

Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.

قوله عزّ وجلّ:

﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَفِي السَماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ ﴿فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾

مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أنَّ نَوْمَهم كانَ قَلِيلًا لِاشْتِغالِهِمْ بِالصَلاةِ والعِبادَةِ، فالمُرادُ مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، و"الهُجُوعُ": النَوْمُ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: "لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ"، وهَذا إنْصافٌ مِنهُ، وقِيلَ لِبَعْضِ التابِعِينَ: مَدَحَ اللهُ تَعالى امْرَأً رَقَدَ، إذا نَعِسَ، وأطاعَ رَبَّهُ إذا اسْتَيْقَظَ، وفَسَّرَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: كانُوا يُصِيبُونَ مِنَ اللَيْلِ حَظًّا، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَلَّ لَيْلَةَ أتَتْ عَلَيْهِمْ هُجُعُوها كُلُّها، وقالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ ومُجاهِدٌ: فالمُرادُ عِنْدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ الَّيْلِ" أيْ: مِنَ اللَيالِي، وظاهِرُ الآيَةِ عِنْدِي أنَّهم كانُوا يَقُومُونَ الأكْثَرَ مِن لَيْلِهِمْ، أيْ: مِن كُلِّ لَيْلَةٍ، وقَدْ قالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: كابَدُوا قِيامَ اللَيْلِ، لا يَنامُونَ مِنهُ إلّا قَلِيلًا.

وأمّا إعْرابُ الآيَةِ فَقالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى: كانُوا قَلِيلًا في عَدَدِهِمْ، وتَمَّ خَبَرُ "كانَ"، ثُمَّ ابْتَدَأ "مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ"، فـَ "ما" نافِيَةٌ، و"قَلِيلًا" وقْفٌ حَسَنٌ. وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "ما" زائِدَةٌ، و"قَلِيلًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِـ "يَهْجَعُونَ"، وقالَ جُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، و"قَلِيلًا" خَبَرُ "كانَ"، والمَعْنى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ هُجُوعُهُمْ، و"الهُجُوعُ" مُرْتَفِعٌ بِـ "قَلِيلًا" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَجِيءُ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ -وَهُوَ الظاهِرُ عِنْدِي- أنَّ المُرادَ: كانَ هُجُوعُهم مِنَ اللَيْلِ قَلِيلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ والضِحّاكُ "يَسْتَغْفِرُونَ" بـِ "يَصِلُونَ"، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَدَّعُونَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ، والأسْحارُ مَظِنَّةُ الِاسْتِغْفارِ، ويُرْوى أنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تُفْتَحُ فَجْرَ كُلِّ يَوْمٍ، وفي قِصَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم (p-٦٨)إلى السِحْرِ، قالَ أبُو زَيْدٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: السِحْرُ السُدْسُ الآخِيرُ مِنَ اللَيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾، الصَحِيحُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ هَذا الحَقَّ هو عَلى وجْهِ النَدْبِ لا عَلى وجْهِ الفَرْضِ، و"مَعْلُومٌ" يُرادُ بِهِ: مُتَعارَفٌ، وكَذَلِكَ قِيامُ اللَيْلِ الَّذِي مَدَحَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الفَرائِضِ، وأكْثَرُ ما تَقَعُ الفَرِيضَةُ بِفِعْلِ المَندُوباتِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ بِالمَدِينَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ بِالزَكاةِ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ، وما شَرَعَ اللهُ تَعالى وجَلَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ شَيْئًا مِن أخْذِ الأمْوالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المَحْرُومِ" اخْتِلافًا هو عِنْدِي تَخْلِيطٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ؛ إذِ المَعْنى واحِدٌ، وإنَّما عَبَّرَ عُلَماءُ السَلَفِ في ذَلِكَ العِباراتِ عَلى جِهَةِ المُثُلاتِ فَجَعَلَها المُتَأخِّرُونَ أقْوالًا، وحَصَرَها مَكِّيٌّ ثَمانِيَةً، و"المَحْرُومِ" هو الَّذِي تَبْعُدُ عنهُ مُمَكِّناتُ الرِزْقِ بَعْدَ قُرْبِها مِنهُ فَيَنالُهُ حِرْمانٌ وفاقَةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يُسْألُ، فَهَذا هو الَّذِي لَهُ حَقٌّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ كَما لِلسّائِلِ حَقٌّ، قالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما "المَحْرُومِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَحْرُومُ: المُحارِبُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الإسْلامِ سَهْمُ مالٍ، فَهو ذُو الحِرْفَةِ المَحْدُودِ، وقالَ أبُو قُلابَةَ: جاءَ سَيْلٌ بِاليَمامَةِ فَذَهَبَ بِمالِ رَجُلٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ: هَذا المَحْرُومُ، وقالَ زَيْدٌ: هو الَّذِي أُصِيبَ ثَمَرَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو الَّذِي ماتَتْ ماشِيَتُهُ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الكَلْبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ يَكُونُ الكَلْبُ مَحْرُومًا في بَعْضِ الأوقاتِ والحالاتِ، ألّا تَرى إلى الَّذِي يَأْكُلُ الثَرى مِنَ العَطَشِ.. الحَدِيثُ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي إنَّما ذَكَرَتْ مِثالًا، (p-٦٩)كَأنَّهُ يَقُولُ: الَّذِي أُصِيبَتْ ثَمَرَتُهُ مِنَ المَحْرُومِينَ، والمَعْنى الجامِعُ لِهَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ الَّذِي لا مالَ لَهُ لِحِرْمانٍ أصابَهُ، وإلّا فالَّذِي تُصابُ ثَمَرَتُهُ ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ غَيْرُها فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ بِإجْماعٍ.

وبَعْدَ هَذا مُقَدَّرٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَكُونُوا مِثْلَهم أيُّها الناسُ وعَلى طَرِيقِهِمْ فَإنَّ النَظَرَ المُؤَدِّيَ إلى ذَلِكَ مُتَّجِهٌ فَفي الأرْضِ آياتٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ وأيْقَنَ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى لَطائِفِ الحِكْمَةِ وعَجائِبِ الخِلْقَةِ الَّتِي في الأرَضِينَ والجِبالِ والمَعادِنِ والعُيُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ: "آيَةً" عَلى الإفْرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِي أنْفُسِكُمْ" إحالَةٌ عَلى النَظَرِ في شَخْصِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا عِبْرَةٌ لِما جَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن تُرابٍ- مِن لَطائِفِ الحَواسِّ، ومِن أمْرِ النَفْسِ وحَياتِها ونُطْقِها، واتِّصالِ هَذا الجُزْءِ مِنها بِالعَقْلِ، ومِن هَيْئَةِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها لِتَنْفَعَ أو تَحْمِلَ أو تُعِينَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما القَلْبُ مُضْغَةٌ في جَوْفِ ابْنِ آدَمَ جَعَلَ اللهُ فِيهِ العَقْلَ، أفَيَدْرِي أحَدٌ ما ذاكَ العَقْلُ؟ وما صِفَتُهُ؟ وكَيْفَ هُوَ؟ وقالَ الرُمّانِيُّ: النَفْسُ خاصَّةً الشَيْءُ الَّتِي لَوْ بَطَلَ ما سِواها مِمّا لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً بِهِ لَمْ تُبْطِلْ، وهَذا تَعَمُّقٌ لا أحْمَدُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا تُبْصِرُونَ" تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ﴾، قالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ تَعالى المَطَرَ والثَلْجَ، وقالَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: أرادَ القَضاءَ والقَدَرَ، أيْ: الرِزْقَ عِنْدَ اللهِ تَعالى يَأْتِي بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، لا رَبَّ غَيْرَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَفِي السَماءِ رازِقُكُمْ".

و"تُوعَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَعِيدِ، والكُلُّ في السَماءِ، قالَ الضَحّاكُ: المُرادُ: مِنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الساعَةُ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِنَفْسِهِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ والخَبَرِ، وشَبَّهَهُ في اليَقِينِ بِهِ بِالنُطْقِ مِنَ الإنْسانِ، وهو عِنْدُهُ في غايَةِ الوُضُوحِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ اللَبْسِ ما يَقَعُ في الرُؤْيَةِ والسَمْعِ، بَلِ النُطْقُ أشَدُّ تَخَلُّصًا مِن هَذِهِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِثْلَ ما"، -فَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ (p-٧٠)أبِي بَكْرٍ -: "مَثَلٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وجُلُّ الناسِ: "مُثُلَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الأُولى الرَفْعُ عَلى النَعْتِ لـِ "حَقَّ"، وجازَ نَعْتُ النَكِرَةِ بِهَذا الَّذِي قَدْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ كانَ "مِثْلُ" شائِعًا عامًّا لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَهو لا تَعْرِفُهُ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "رَأيْتُ مِثْلَ زَيْدٍ" فَلَمْ تَعْرِفْ شَيْئًا لِأنَّ وُجُوهَ المُماثَلَةِ كَثِيرَةٌ، فَلَمّا بَقِيَ الشِياعُ جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ النَكِرَةِ فَنُعِتَتْ بِهِ النَكِرَةُ، و"ما" زائِدَةٌ تُعْطِي تَأْكِيدًا، وإضافَةُ "مِثْلُ" قَدْ بَنى لِما أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الصِفَةِ لـِ"حَقَّ"، ولَحِقَهُ البَناءُ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ قَدْ يُكْسِبُ المُضافَ بَعْضَ صِفاتِهِ كالتَأْنِيثِ في قَوْلِهِ:

؎ .....................شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ....

وكالتَعْرِيفِ في "غُلامِ زَيْدٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْرِي "مِثْلَ" حِينَئِذٍ مَجْرى "عَذابِ يَوْمِئِذٍ" عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗..................

(p-٧١)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ لَمْ يَمْنَعِ الشُرْبَ مِنها غَيْرُ أنْ هَتَفَتْ ∗∗∗.....................

فَـ "غَيْرُ" فاعِلَةٌ ولَكِنَّهُ فَتَحَها.

والوَجْهُ الثانِي -وَهُوَ قَوْلُ المازِنِيِّ- إنَّ "مِثْلَ" بُنِيَ لِكَوْنِهِ مَعَ "ما" شَيْئًا واحِدًا، وتَجِيءُ -عَلى هَذا- في مِضْمارٍ: "وَيْحَما، وأيْنَما"، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:

؎ ألا هَيَّما مِمّا لَقِيتُ وهَيَّما ∗∗∗ ووَيْحٌ لِمَن لَمْ يَدْرِ ما هُنَّ ويْحَما

(p-٧٢)فَلَوْلا البِناءُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَوَّنًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ................... ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِنا خالًا وأكْرِمْ بِنا ابْنَما

والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تُنْصَبَ "مِثْلَ" عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ" وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ، وفِيهِ خِلافٌ، ولَكِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الجَرْمِيُّ، وأمّا غَيْرُهُ فَيَراهُ حالًا مِنَ الذِكْرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَحَقٌّ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ لَحَقٌّ هُوَ، وفي هَذا نَظَرٌ، و"النُطْقُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكَلامُ بِالحُرُوفِ والأصْواتِ في تَرْتِيبِ المَعانِي، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ الفُصَحاءِ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يَحْلِفَ؟ والحِكايَةُ وقَعَتْ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ و"سُبُلُ الخَيْراتِ" مُتَمِّمَةٌ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "قاتَلَ اللهُ قَوْمًا أقْسَمَ لَهم رَبُّهم بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ"»، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ (p-٧٣)النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "لَوْ فَرَّ أحَدُكم مِن رِزْقِهِ لِتَبِعَهُ كَما يَتْبَعُهُ المَوْتُ"،» وأحادِيثُ الرِزْقِ والأشْعارِ فِيهِ كَثِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: "هَلْ أتاكَ" تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ، وهَذا كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرَهُ: هَلْ سَمِعَ مِنكَ أمْ لا؟ فَكَأنَّهُ تَقْتَضِي مِنهُ أنْ يَقُولَ: لا، ويَسْتَطْعِمُكَ الحَدِيثَ. و"ضَيْفِ" اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْجَمِيعِ والواحِدِ، ورُوِيَ أنَّ أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَؤُلاءِ هم جِبْرِيلُ ومِكائِيلُ وإسْرافِيلُ وأتْباعٌ لَهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجَعَلَهم تَعالى مُكَرَّمِينَ إمّا لِأنَّهم عِنْدَهُ كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإمّا مِن حَيْثُ أكْرَمَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَدَمَهم هو وسارَّةُ وذَبَحَ لَهُمُ العِجْلَ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ رَفَعَ مَجالِسَهم. و"سَلامًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: نُسَلِّمُ سَلامًا، أو سَلَّمْتُ سَلامًا، ويَتَّجِهُ فِيهِ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالُوا" عَلى أنْ يَجْعَلَ "سَلامًا" بِمَنزِلَةِ "قَوْلًا"، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهم قالُوا تَحِيَّةً وقَوْلًا مَعْناهُ سَلامًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ أمْرِي سَلامٌ، أو واجِبٌ لَكم سَلامٌ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ حَيّا بِأحْسَنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم دُعاءٌ وقَوْلُهُ واجِبٌ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "قالَ سِلْمٌ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، والمَعْنى: نَحْنُ سَلامٌ، أو أنْتُمْ سَلامٌ وقَوْلُهُ تَعالى: "قَوْمٌ مُنْكَرُونَ" مَعْناهُ: لا نُمَيِّزُهم ولا عَهْدَ لَنا بِهِمْ، وهَذا أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْكَرَ سَلامَهم في تِلْكَ الأرْضِ وذَلِكَ الزَمَنِ.

و"راغَ" مَعْناهُ: مَضى أثْناءَ حَدِيثِهِ مُخْفِيًا زَوالَهُ مُسْتَعْجِلًا كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يُفارِقَهم فَمَضى إلى ناحِيَةٍ مِن دارِهِ مُسْتَعْجِلًا ورَجَعَ لِحِينِهِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالرَوَغانِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الرائِغَ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ، و"العِجْلُ" هو الَّذِي حَنَذَهُ لَهُمْ، وحَسْبُكَ أنَّهُ (p-٧٤)عَلَيْهِ السَلامُ أوقَفَ لِلضِّيافَةِ أوقافًا تُمْضِيها الأُمَمُ عَلى اخْتِلافِ أدْيانِها وأجْناسِها.

51:27–36Page 521

فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧

And placed it near them; he said, "Will you not eat?"

فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨

And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.

فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩

And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"

قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠

They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."

۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1

لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣

To send down upon them stones of clay,

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤

Marked in the presence of your Lord for the transgressors."

فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥

So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.

فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦

And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿فَأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مَن المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

المَعْنى: فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ فَأمْسَكُوا عنهُ فَقالَ: ألا تَأْكُلُونَ؟ فَيُرْوى في الحَدِيثِ «أنَّهم قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ إلّا ما أدَّيْنا ثَمَنَهُ، فَقالَ لَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ: وأنا لا أُبِيحُهُ لَكم إلّا بِثَمَنٍ، قالُوا: وما هُوَ؟ قالَ: أنْ تُسَمُّوا اللهَ تَعالى عِنْدَ الِابْتِداءِ، وتَحْمَدُوهُ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ الأكْلِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِحَقٍّ اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا،» فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى تَرْكِ الأكْلِ أوجَسَ مِنهم خِيفَةً، و"الوَجْسُ": تَحَسُّسُ النَفْسِ وخَواطِرُها في الحَذَرِ، وذَلِكَ أنَّ أكْلَ الضَيْفِ أمَنَةٌ ودَلِيلٌ عَلى انْبِساطِ نَفْسِهِ، والطَعامُ حُرْمَةٌ وذِمامٌ، والِامْتِناعُ عن ذَلِكَ وحْشَةٌ، فَخَشِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ امْتِناعَهم مِن أكْلِ طَعامِهِ إنَّما هو لِشَرٍّ يُرِيدُونَهُ، فَقالُوا لَهُ: لا تَخَفْ، وعَرَّفُوهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وبَشَّرُوهُ وبَشَّرُوا سارَّةَ مَعَهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ، أيْ: عالَمٍ في حالِ تَكْلِيفِهِ وتَحْصِيلِهِ، أيْ سَيَكُونُ عَلِيمًا، و"عَلِيمٍ" بِناءُ مُبالَغَةٍ. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ الغُلامَ هَنا إسْحاقُ ابْنُ سارَةَ عَلَيْهِ السَلامُ الَّذِي ذُكِرَتِ البِشارَةُ بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الغُلامُ هو إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، والأوَّلُ أرْجَحُ، وهَذا وهْمٌ، ويُرْوى أنَّهُ عَرَفَ كَوْنَهم مَلائِكَةً اسْتِدْلالًا مِن بِشارَتِهِمْ إيّاهُ بِالغَيْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: قَرُبَتْ إلَيْهِمْ مِن ناحِيَةٍ مِن نَواحِي المَنزِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الإقْبالُ كَما تَقُولُ: أقْبَلَ فُلانٌ يَشْتُمُنِي أو يَفْعَلُ كَذا إذا جَدَّ في ذَلِكَ وتَلَبَّسَ بِهِ. و"الصُرَّةُ": الصَيْحَةُ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسُفْيانُ، والضَحّاكُ، والمُضْطَرُّ الَّذِي يَصِيحُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: في رَنَّةٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ بَعْضُهُمْ: قالَتْ: أوَّهْ، بِصِياحٍ وتَعَجُّبٍ، وقالَ النَحّاسُ: وقِيلَ: "فِي (p-٧٥)صَرَّةٍ": في جَماعَةِ نِسْوَةٍ يَتَبادَرْنَ نَظَرًا إلى المَلائِكَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَكَّتْ وجْهَها" مَعْناهُ: ضَرَبَتْ وجْهَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَطَمَتْ، وهَذا مِمّا يَفْعَلُهُ الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِ أمْرٌ يَسْتَهْوِلُهُ، وقالَ سُفْيانُ، والسُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: ضَرَبَتْ بِكَفَّيْها وجْهَها، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الناسِ حَتّى الآنَ، وقَوْلُها: "عَجُوزٌ عَقِيمٌ" إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: إنّى عَجُوزٌ عَقِيمٌ فَكَيْفَ ألِدُ؟ وإمّا أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: عَجُوزٌ عَقِيمٌ تَكُونُ مِنها وِلادَةٌ؟ وقَدَّرَهُ الطَبَرِيُّ: أتَلِدُ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، ويُرْوى أنَّها كانَتْ لَمْ تَلِدْ قَطُّ، و"العَقِيمُ" مِنَ النِساءِ الَّتِي لا تَلِدُ، ومِنَ الرِياحِ الَّتِي لا تُلَقِّحُ شَجَرًا فَهي لا بَرَكَةَ فِيها. وقَوْلُهُمْ: ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ أيْ كَقَوْلِنا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ قالَ رَبُّكَ أنْ يَكُونَ، و"الحَكِيمُ" ذُو الحِكْمَةِ، و"العَلِيمُ" مَعْناهُ: بِالمَصالِحِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَعْلُوماتِ.

ثُمَّ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمَلائِكَةِ: "فَما خَطْبُكُمْ" والخَطْبُ: الأمْرُ المُبْهَمُ، وقِيلَ إنَّما يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الشَدائِدِ والمَكارِهِ غالِبًا حَتّى قالُوا: "خُطُوبُ الزَمانِ" وغَيْرُ ذَلِكَ وكَأنَّهُ يَقُولُ: ما هَذِهِ الطامَّةُ الَّتِي جِئْتُمْ لَها؟ فَأخْبَرُوهُ حِينَئِذٍ أنَّهم أرْسَلُوا إلى سُدُومِ قَرْيَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإهْلاكِ أهْلِها الكَفَرَةِ العاصِينَ المُجْرِمِينَ، و"المُجْرِمُ": فاعِلُ الجَرائِمِ وهي صِفاتُ المَعاصِي مِن كُفْرٍ ونَحْوِهِ، واحِدَتُها جَرِيمَةٌ. وقَوْلُهم "لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ" أيْ: لِنُهْلِكَهم بِهَذِهِ الحِجارَةِ، ومَتى اتَّصَلَتْ "أرْسَلَ" بِـ "عَلى": فَهي في مَعْنى المُبالَغَةِ في المُباشَرَةِ والعَذابِ. ومَتى اتَّصَلَتْ بـِ "إلى" فَهي أخَفُّ، وانْظُرْ ذَلِكَ تَجِدْهُ مُطَّرِدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ بَيانٌ تَخَرَّجَ عن مُعْتادِ حِجارَةِ البَرَدِ الَّتِي هي مِن ماءٍ، ويُرْوى أنَّهُ طِينٌ طُبِخَ في نارِ جَهَنَّمَ حَتّى صارَ حِجارَةً كالآجُرِّ، و"مُسَوَّمَةً" نَعْتٌ لِـ "حِجارَةً"،وَقِيلَ: مَعْناهُ: مَتْرُوكَةٌ. وسَوْمُها مِنَ الإهْلاكِ والإصابَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ؛ مُعَلَّمَةٌ بِعَلامَتِها مِنَ السَماءِ، والسَوْمى: العَلامَةُ، أيْ: إنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُنْيا، وقالَ الزَهْراوِيُّ والرُمّانِيُّ: قِيلَ: مَعْناهُ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ المَضْرُوبِ بِهِ، قالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَسْوِيمُها إنْ كانَ في الحِجارَةِ السُودِ نُقَطٌ بِيضٌ، وفي البِيضِ سُودٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّها بِجُمْلَتِها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ رَبِّكَ لِهَذا المَعْنى مُعَلَّمَةٌ لَهُ، عَلامَةً خاصَّةً بِهِ و"المُسْرِفُ": (p-٧٦)الَّذِي يَتَعَدّى الطَوْرَ، فَإذا جاءَ مُطابِقًا فَهو لِأبْعَدِ غاياتِ الكُفْرِ فَما دُونَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخْرَجَ بِأمْرِهِ مَن كانَ في قَرْيَةِ لُوطٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُنَجِّيًا لَهُمْ، وأعادَ الضَمِيرُ عَلى القَرْيَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ لَها قَبْلَ ذَلِكَ بِذِكْرٍ لِشُهْرَةِ أمْرِها، ولِأنَّ القَوْمَ المُجْرِمِينَ مَعْلُومٌ أنَّهم في قَرْيَةٍ ولا بُدَّ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ولا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وتَأخُّرِهِ، وإنَّما هُما وصْفانِ، ذَكَرَهم أوَّلًا بِأحَدِهِما ثُمَّ آخِرًا بِالثانِي، قالَ الرُمّانِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ إلَيَّ أنَّ في المَعْنى زِيادَةً تُحْسِنُ التَقْدِيمَ لِلْإيمانِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَهُ مَعَ الإخْراجِ مِنَ القَرْيَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَقَدْ أمَرَنا بِإخْراجِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ولا يَشْتَرِطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ عامِلًا بِالطاعاتِ بَلِ التَصْدِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُوَحِّدِينَ ذَكَرَهم بِالصِفَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وهي الكامِلَةُ التَصْدِيقِ والأعْمالِ. والبَيْتُ مِنَ المُسْلِمِينَ هو بَيْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ وكانَ هو وابْنَتاهُ، وقِيلَ: وبِنْتَهُ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: وقِيلَ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وهَلَكَتِ امْرَأتُهُ فِيمَن هَلَكَ. وهَذِهِ القِصَّةُ بِجُمْلَتِها ذُكِرَتْ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ أنَّهم إذا كَفَرُوا أصابَهم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском