Ibn 'AtiyyaAl‑Hashr · 59:14–24

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:14–24

59:14–17Page 547

لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤

They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.

كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥

[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.

كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."

فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧

So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أو مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾

(p-٢٧١)الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يُقاتِلُونَكُمْ" لَبَنِي النَضِيرِ وجَمِيعِ اليَهُودِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اليَهُودُ والمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ دُخُولَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ مُتَمَكِّنٌ بَيِّنٌ، ومَعْنى الآيَةِ: لا يُقاتِلُونَكم في جَيْشٍ بِفَحْصٍ، و"القُرى": المُدُنُ، قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَمْعٌ شاذٌّ، قالَ الزَجّاجُ: ما في القُرْآنِ فَلَيْسَ بِشاذٍّ، وهو مِثْلُ: ضَيْعَةٌ وضِيَعٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وكَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ: "جِدًّا" عَلى مَعْنى الجِنْسِ، وقَرَأ كَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ، وهارُونُ عَنِ ابْنِ كَثِرٍ: "جُدْ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدالِ، ومَعْناهُ: أصْلُ بُنْيانٍ كالسُورِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ القُرّاءِ: "جُدُرٌ" بِضَمِّ الجِيمِ والدالِ، وهو جَمْعُ جِدارٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو حَيْوَةَ: "جُدْرٌ" بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الدالِ، وهو تَخْفِيفٌ في جَمْعِ جِدارٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُدُرِ النَخِيلِ، أيْ: مِن وراءِ نَخْلِهِمْ إذْ هي مِمّا يُتَّقى بِهِ عِنْدَ المُضايَقَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ أيْ: في غائِلَتِهِمْ وأحِبَّتِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم أشَتُّ"، وهَذِهِ حالُ الجَماعاتِ المُتَخاذِلَةِ، وهي المَغْلُوبَةُ أبَدًا في كُلِّ ما تُحاوِلُ، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَتاتِ وهو التَفَرُّقُ ونَحْوُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مَعْناهُ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم بَنُو قَيْنُقاعٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ أجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ قَبْلَ بَنِي النَضِيرِ، وكانُوا مَثَلًا لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ ؛ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلُ بَدْرٍ الكُفّارُ؛ فَإنَّهم قَبْلَهم ومَثَلٌ لَهم في أنْ غَلَبُوا وقَهَرُوا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، وهم مُنافِقُوا الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وذَلِكَ أنَّهم غُلِبُوا ونالَتْهُمُ الذِلَّةُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ، فَهم مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ، ولَكِنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "قَرِيبًا" إمّا أنْ يَكُونَ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإلّا فالتَأْوِيلُ المَذْكُورُ يُضْعِفُ، إلّا أنْ يَجْعَلَ "قَرِيبًا" (p-٢٧٢)ظَرْفًا لِلذَّوْقِ، فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ قَرِيبًا مِن عِصْيانِهِمْ وبِحِدْثانِهِ، ولا يَكُونُ المَعْنى أنَّ المَثَلَ قَرِيبٌ في الزَمَنِ مِنَ المُمَثِّلِ لَهُ، وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَـ "قَرِيبًا" ظَرْفٌ أو نَعْتٌ لِظَرْفٍ. و"الوَبالُ": الشِدَّةُ والمَكْرُوهُ وعاقِبَةُ السُوءِ، و"العَذابُ الألِيمُ" هو في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَمَثَلِ الشَيْطانِ" مَعْناهُ: مَثَلُ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ وبَنِي النَضِيرِ كَمَثَلِ الشَيْطانِ والإنْسانِ، فالمُنافِقُونَ مَثَلُهُمُ الشَيْطانُ، وبَنُو النَضِيرِ مَثَلُهُمُ الإنْسانُ، وذَهَبَ مُجاهِدٌ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ الشَيْطانَ والإنْسانَ في هَذِهِ الآيَةِ أسْماءُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ العُرْفَ أنْ يَعْمَلَ هَذا شَياطِينٌ بِناسٍ، كَما يَغْوِي الشَيْطانُ الإنْسانَ ثُمَّ يَفِرُّ مِنهُ بَعْدَ أنْ يُوَرِّطَهُ، كَذَلِكَ أغْوى المُنافِقُونَ بَنِي النَضِيرِ وحَرَّضُوهم عَلى الثُبُوتِ ووَعَدُوهُمُ النَصْرَ، فَلَمّا غَدَرَ بَنُو النَضِيرِ وكَشَفُوا عن وُجُوهِهِمْ، تَرَكَهُمُ المُنافِقُونَ في أسْوَأِ حالٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن رُواةِ القِصَصِ أنَّ هَذا في شَيْطانٍ مَخْصُوصٍ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ اسْمَهُ بَرْصِيصا، قالُوا: إنَّهُ اسْتَوْدَعَ امْرَأةً، وقِيلَ: سِيقَتْ إلَيْهِ لِيَشْفِيَها بِدُعائِهِ مِنَ الجُنُونِ، فَسَوَّلَ لَهُ الشَيْطانُ الوُقُوعَ عَلَيْها، فَحَمَلَتْ، فَخَشِيَ الفَضِيحَةَ، فَسَوَّلَ لَهُ قَتْلُها ودَفْنُها، فَفَعَلَ، ثُمَّ شَهَرَهُ، فَلَمّا اسْتَخْرَجَتِ المَرْأةُ وحُمِلَ العابِدُ شَرَّ حَمْلٍ، وهو قَدْ قالَ: إنَّها ماتَتْ فَقُمْتُ عَلَيْها ودَفَنْتُها، فَلَمّا وُجِدَتْ مَقْتُولَةً عَلِمُوا كَذِبَهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ الشَيْطانُ وقالَ لَهُ: اكْفُرْ واسْجُدْ لِي وأُنْجِيكَ، فَفَعَلَ، وتَرَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ. وهَذا كُلُّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ هو وجْهُ الكَلامِ، وقَوْلُ الشَيْطانِ "إنِّي أخافُ اللهَ" رِياءٌ وسُمْعَةٌ، ولَيْسَتْ عَلى ذَلِكَ عَقِيدَتُهُ، ولا يَعْرِفُ اللهُ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا يَحْجِزُهُ خَوْفُهُ عن سُوءٍ يُوقِعُ فِيهِ ابْنَ آدَمَ مِن أوَّلٍ إلّا آخِرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى المَخْصُوصِينَ المَذْكُورِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمَيِ الجِنْسَيْنِ، أيْ: هَذا هو عاقِبَةُ كُلِّ شَيْطانٍ وإنْسانٍ يَكُونُ أمْرُهُما هَكَذا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "عاقِبَتُهُما" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "عاقِبَتَهُما" بِالنَصْبِ، ومَوْضِعُ "أنْ" يُخالِفَ إعْرابَ "العاقِبَةِ" في القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "خالِدانِ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ "أنَّ"، والظَرْفُ مُلْغًى، ويَلْحَقُ هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ الِاعْتِراضِ إلْغاءُ الظَرْفِ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى التَأْكِيدِ.

59:18–21Page 548

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩

And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.

لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].

لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.

(p-٢٧٣)قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

هَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وتَقْرِيبٍ لِلْآخِرَةِ، وتَحْذِيرٍ مِمَّنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلْتَنْظُرْ" بِسُكُونِ اللامِ وجَزْمِ الراءِ عَلى أصْلِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ الأمْرُ، إلّا أنَّها كُسِرَتْ عَلى أصْلِ لامَ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَلِتَنْظُرَ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى لامِ "كَيْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأمَرْنا بِالتَقْوى لِتَنْظُرُوا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اتَّقُوا اللهَ ولْتَكُنْ تَقْواكم لِتَنْظُرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِغَدٍ" يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ قَتادَةُ: قَرَّبَ اللهُ تَعالى القِيامَةَ حَتّى جَعَلَها غَدًا، وذَلِكَ لِأنَّها آتِيَةٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ:"لِغَدٍ" لِيَوْمِ المَوْتِ لِأنَّهُ لِكُلِّ إنْسانٍ كَغَدِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: ما قَدَّمْتَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا نَظَرَها الإنْسانُ تَزِيدُ مِنَ الصالِحاتِ وكَفَّ عَنِ السَيِّئاتِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الأمْسُ الدُنْيا وغَدٌ الآخِرَةُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَكُونُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَةِ جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَكُونُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، كِنايَةٌ عن "نَفْسِ" الَّتِي هي اسْمُ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ نَسُوا اللهَ" هُمُ الكُفّارُ، والمَعْنى: تَرَكُوا اللهَ وغَفَلُوا عنهُ حَتّى كانُوا كالناسِينَ، وعَبَّرَ تَعالى عَمّا حَفَّهم بِهِ مِنَ الضَلالَةِ بـ "فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ"، سَمّى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ بِوَجْهٍ ما، وهَذا أيْضًا هو الجَزاءُ بِالذَنْبِ عَلى الذَنْبِ، فَكَسَبُوا هم نِسْيانَ جِهَةِ اللهِ تَعالى. فَعاقَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَهم يَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: حَظُّ أنْفُسِهِمْ، ويُعْطِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ ولَمْ يُنْسِها عَرَفَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورَوى عنهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أصْحابَ الجَنَّةِ" بِزِيادَةِ "لا".

(p-٢٧٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... مَوْعِظَةٌ لِلْإنْسانِ، أو ذَمٌّ لِأخْلاقِهِ في غَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ عن داعِيَةِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وفَهِمُوهُ وأعْرَضُوا عنهُ، وهو لَوْ نَزَلَ عَلى جَبَلٍ وفَهِمَ الجَبَلُ مِنهُ ما فَهِمَ الإنْسانُ لَخَشَعَ واسْتَكانَ وتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وإذا كانَ الجَبَلُ عَلى عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ يَفْعَلُ هَذا فَما عَسى أنْ يَحْتاجَ ابْنُ آدَمَ يَفْعَلُ، لَكِنَّهُ يُعْرِضُ ويَصُدُّ عَلى حَقارَتِهِ وضَعْفِهِ، وضَرَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذا المَثَلَ لِيَتَفَكَّرَ فِيهِ العاقِلُ ويَخْشَعَ ويَلِينَ قَلْبُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مُصَّدِّعًا" عَلى إدْغامِ التاءِ في الصادِ.

59:22–24Page 548

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣

He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤

He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5

قوله عزّ وجلّ:

﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿هُوَ اللهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

لَمّا قالَ تَعالى: ﴿مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر: ٢١] جاءَ بِالأوصافِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَخْلُوقاتِهِ هَذِهِ الخَشْيَةُ، و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، و"الشَهادَةُ": ما شاهَدُوهُ، وقالَ حَرْبُ المَكِّيُّ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَهادَةُ الدُنْيا، قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القُدُّوسُ" بِضَمِّ القافِ، وهو فِعْلٌ مِن تَقَدَّسَ إذا تَطَهَّرَ، وحَظِيرَةُ القُدْسِ الجَنَّةُ لِأنَّها طاهِرَةٌ، ومِنهُ: رُوحُ القُدُسِ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، بَيْتُ المَقْدِسِ، ورُوِيَ عن أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "القُدُّوسُ" بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةٌ. و"السَلامُ" مَعْناهُ: الَّذِي سُلِمَ مِن جَوْرِهِ، وهَذا اسْمٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُو السَلامِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ وتَوْحِيدَهُ وأفْعالَهُ هي لِمَن آمَنَ سَلامٌ كُلُّها. و"المُؤْمِنُ" اسْمُ فاعِلٍ مِن "آمَنَ" بِمَعْنى "أمَّنَ" وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبُ مَعْناهُ: المُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ في أنَّهم آمَنُوا، قالَ النَحّاسُ: أو في شَهادَتِهِمْ عَلى الناسِ في القِيامَةِ، وقالَ ناسٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: المُصَدِّقُ نَفْسَهُ في أقْوالِهِ الأزَلِيَّةِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، و"المُهَيْمِنُ" مَعْناهُ: الأمِينُ والحَفِيظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُؤَرَّجٌ: المُهَيْمِنُ: الشاهِدُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وهَذا بِناءٌ لَمْ يَجِئْ مِنهُ في الصِفاتِ إلّا مُهَيْمِنٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُبَيْطِرٌ، وجاءَ مِنهُ في الأسْماءِ "مُحَيْمِرٌ" وهو اسْمُ وادٍ و"مُدَيْبِرٌ". و"الجَبّارُ" هو الَّذِي لا يُدانِيهِ شَيْءٌ ولا يَلْحَقُ رُتْبَتَهُ، ومِنهُ "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا لَمْ تَلْحَقْ، وأنْشَدَ الزَهْراوِيُّ: (p-٢٧٥)

؎ أطافَتْ بِهِ جِيلانُ عِنْدَ قِطافِهِ ورَدَّتْ إلَيْهِ الماءَ حَتّى تُجَبَّرا

و"المُتَكَبِّرُ" مَعْناهُ: الَّذِي لَهُ التَكَبُّرُ حَقًّا.

ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعالى نَفْسَهُ عن إشْراكِ الكَفّارِ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي لَيْسَ لَها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الصِفاتِ، و"البارِئُ" بِمَعْنى: الخالِقُ، بَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ، أيْ: أوَجَدَهُمْ، و"المُصَوِّرُ" هو الَّذِي يُوجِدُ الصُوَرَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُصَوِّرُ"، عَلى إعْمالِ "البارِئِ" فِيهِ، وهي حَسَنَةٌ، يُرادُ بِها الحَسَنُ في الصُوَرِ، وقالَ قَوْمٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ قَرَأ: "المُصَوَّرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى قَوْلِهِمْ: "الحَسَنُ الوَجْهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ: ذاتُ الحُسْنِ في مَعانِيها القائِمَةِ بِذاتِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وهَذِهِ الأسْماءُ هي الَّتِي حَصَرَها رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"،»، وقَدْ ذَكَرَها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مُسْنَدَةً، واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِها، ولَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ إلّا إحْصاؤُها دُونَ تَعْيِينٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحَشْرِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском