Ibn 'AtiyyaAl‑An'am · 6:136–143

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:136–143

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

(p-٤٦٦)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

اَلضَّمِيرُ في "وَجَعَلُوا"؛ عائِدٌ عَلى كُفّارِ العَرَبِ العادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الأوثانَ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ الرَدُّ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُورَةِ.

و"ذَرَأ"؛ مَعْناهُ: "خَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ وبَثَّ في الأرْضِ"؛ يُقالُ: "ذَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ؛ يَذْرَؤُهُمْ؛ ذَرْءًا؛ وذُرُوءًا"؛ أيْ: "خَلَقَهُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَجَعَلُوا - مِن كَذا وكَذا - نَصِيبًا"؛ يَتَضَمَّنُ بَقاءَ نَصِيبٍ آخَرَ؛ لَيْسَ بِداخِلٍ في حُكْمِ الأوَّلِ؛ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: "فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَهم أثْناءَ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ زَعْمٌ؛ وتَقَوُّلٌ؛ و"اَلزَّعْمُ"؛ في كَثِيرِ كَلامِ العَرَبِ أقْرَبُ إلى غَيْرِ اليَقِينِ والحَقِّ؛ يُقالُ: "زَعْمٌ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وبِهِ قَرَأتِ الجَماعَةُ؛ و"زُعْمٌ"؛ بِضَمِّها؛ و[بِها] قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"زِعْمٌ" بِكَسْرِ الزايِ؛ ولا أحْفَظُ أحَدًا قَرَأ بِهِ.

و"اَلْحَرْثُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ يُرِيدُ بِهِ الزَرْعَ والأشْجارَ؛ وما يَكُونُ مِنَ الأرْضِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِشُرَكائِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ الأصْنامَ والأوثانَ؛ وسَمَّوْهم "شُرَكاءَ" عَلى مُعْتَقَدِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم يُساهِمُونَهم في الخَيْرِ؛ والشَرِّ؛ ويُكْسِبُونَهم ذَلِكَ.

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ مِن غَلّاتِها؛ وزَرْعِها؛ وثِمارِها؛ ومِن أنْعامِها؛ جُزْءًا تُسَمِّيهِ لِلَّهِ تَعالى ؛ وجُزْءًا تُسَمِّيهِ لِأصْنامِها؛ وكانَتْ عادَتُها التَحَفِّي؛ والِاهْتِبالَ بِنَصِيبِ الأصْنامِ أكْثَرَ مِنها بِنَصِيبِ اللهِ تَعالى إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأصْنامَ بِها فَقْرٌ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللهِ تَعالى ؛ فَكانُوا إذا جَمَعُوا الزَرْعَ فَهَبَّتِ الرِيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الذِي لِلَّهِ تَعالى إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ أقَرُّوهُ؛ وإذا حَمَلَتْ مِنَ الذِي لِشُرَكائِهِمْ إلى اللهِ تَعالى رَدُّوهُ؛ وإذا تَفَجَّرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ؛ وإنْ بِالعَكْسِ سَدُّوهُ؛ وإذا لَمْ يُصِيبُوا في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ شَيْئًا قالُوا: لا بُدَّ لِلْآلِهَةِ مِن نَفَقَةٍ؛ فَيَجْعَلُونَ نَصِيبَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ؛ قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ هَذا ونَحْوَهُ مِنَ الفِعْلِ؛ وكَذَلِكَ في الأنْعامِ؛ وكانُوا إذا أصابَتْهُمُ السَنَةُ أكَلُوا نَصِيبَ اللهِ تَعالى وتَحامَوْا نَصِيبَ شُرَكائِهِمْ.

(p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَلا يَصِلُ"؛ وقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "يَصِلُ"؛ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن حِمايَتِهِمْ نَصِيبَ آلِهَتِهِمْ في هُبُوبِ الرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما ذَلِكَ في أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا لِلَّهِ تَعالى ذَكَرُوا آلِهَتَهم عَلى ذَلِكَ الذَبْحِ؛ وإذا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعالى ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا يَصِلُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى "؛ وقالَ: "فَهُوَ يَصِلُ إلى ذِكْرِ شُرَكائِهِمْ"؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ"؛ ولا يُتَّجَهُ عِنْدِي أنْ يُجْرى هُنا "ساءَ"؛ مُجْرى "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ هُنا مُضْمَرٌ؛ ولا بُدَّ مِن إظْهارِهِ بِاتِّفاقٍ مِنَ النُحاةِ؛ وإنَّما اتُّجِهَ أنْ تُجْرى مُجْرى "بِئْسَ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ ظاهِرٌ في الكَلامِ.

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

اَلْكَثِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ مَن كانَ يَئِدُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ والشُرَكاءُ هَهُنا الشَياطِينُ الآمِرُونَ بِذَلِكَ؛ المُزَيِّنُونَ لَهُ؛ والحامِلُونَ عَلَيْهِ أيْضًا مِن بَنِي آدَمَ؛ الناقِلِينَ لَهُ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ؛ إذْ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في قُبْحِ هَذا الفِعْلِ؛ وتَبْعاتِهِ في الآخِرَةِ؛ ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ الذَمُّ لِلْوَأْدِ والإنْحاءِ عَلى فِعْلَتِهِ.

(p-٤٦٨)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ؛ فَقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ "قَتْلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ أبْيَنُ قِراءَةٍ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ" بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ ؛ والحَسَنِ ؛ وأبِي عَبْدِ المَلِكِ - قاضِي الجُنْدِ؛ صاحِبِ ابْنِ عامِرٍ -؛ كَأنَّهُ قالَ: "زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهُمْ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا يُطِيعُ الطَوائِحُ

كَأنَّهُ قالَ: "يَبْكِيهِ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ"؛ وأجازَ قُطْرُبٌ أنْ يَكُونَ الشُرَكاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ ارْتَفَعُوا بِالقَتْلِ؛ كَأنَّ المَصْدَرَ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الفاعِلَ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أنْ قَتَلَ أولادَهم شُرَكاؤُهُمْ"؛ كَما تَقُولُ: "حَبَّبَ إلَيَّ رُكُوبَ الفَرَسِ زِيدٌ"؛ أيْ: "أنْ رَكِبَ زَيْدٌ الفَرَسَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ إذا أُضِيفَ مَصْدَرٌ إلى مَفْعُولٍ ألّا يُذْكَرَ الفاعِلُ؛ وأيْضًا فالجُمْهُورُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عَلى أنَّ الشُرَكاءَ مُزَيِّنُونَ؛ لا قاتِلُونَ؛ والتَوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هو الصَحِيحُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ"؛ بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ؛ أيْ: "يُسَبِّحُ رِجالٌ".

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِخَفْضِ الشُرَكاءِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ ورُؤَساءُ العَرَبِيَّةِ لا يُجِيزُونَ الفَصْلَ بِالظُرُوفِ في مِثْلِ هَذا؛ إلّا في الشِعْرِ؛ كَقَوْلِهِ:

؎ كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ

(p-٤٦٩)فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ في أفْصَحِ الكَلامِ؟ ولَكِنَّ وجْهَها - عَلى ضَعْفِها - أنَّها ورَدَتْ شاذَّةً في بَيْتٍ أنْشَدَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ ؛ وهُوَ:

؎ فَزَجَّجْتُها بِمِزَجَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ

وفِي بَيْتِ الطِرِمّاحِ؛ وهو قَوْلُهُ:

؎ يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَراتِعِ لَمْ تَرُعْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِوادِيهِ مِن قَرْعِ القِسِيِّ الكَنائِنِ

والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الَّذِينَ يَتَأوَّلُونَ وأْدَ بَناتِ الغَيْرِ؛ فَهُمُ القاتِلُونَ؛ والصَحِيحُ مِنَ المَعْنى أنَّهُمُ المُزَيِّنُونَ؛ لا القاتِلُونَ؛ وذَلِكَ مُضَمَّنٌ قِراءَةَ الجَماعَةِ.

وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ - ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "زِينَ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ وسُكُونِ الياءِ؛ عَلى الرُتْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِنَ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الشامِ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِالخَفْضِ؛ والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الأولادُ المَوْؤُودُونَ؛ لِأنَّهم شُرَكاءُ في النَسَبِ (p-٤٧٠)والمَوارِيثِ؛ وكَأنَّ وصْفَهم بِأنَّهم شُرَكاءُ يَتَضَمَّنُ حُرْمَةً لَهُمْ؛ وفِيها بَيانٌ لِفَسادِ الفِعْلِ؛ إذْ هو قَتْلُ مَن لَهُ حُرْمَةٌ.

و"لِيُرْدُوهُمْ"؛ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهم. مِن "اَلرَّدى"؛ و"وَلِيَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: لِيَخْلِطُوا؛ والجَماعَةُ عَلى كَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِيَلْبَسُوا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ المَخالِطِ؛ وهَذانِ الفِعْلانِ يُؤَيِّدانِ أوَّلَ قِراءَةٍ في تَرْتِيبِنا؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنْ لا شَيْءَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وفِيها رَدٌّ عَلى مَن قالَ بِأنَّ المَرْءَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَذَرْهُمْ"؛﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ و﴿ "يَفْتَرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ في تَشَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها مُباحاتٌ لَهم.

6:138Page 146

وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨

And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ ما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ والتَزَمُوهُ عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ؛ كَذِبًا مِنهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ وافْتِراءً عَلَيْهِ؛ فَوَصَفَ تَعالى أنَّهم عَمَدُوا إلى بَعْضِ أنْعامِهِمْ؛ وهِيَ: اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ؛ أوِ الإبِلُ بِانْفِرادِها؛ وأمّا غَيْرُها إذا انْفَرَدَ فَلا يُقالُ لَهُ أنْعامٌ؛ وإلى بَعْضِ زُرُوعِهِمْ وثِمارِها؛ وسُمِّيَ ذَلِكَ "حَرْثًا"؛ إذْ عَنِ الحَرْثِ يَكُونُ؛ وقالُوا: هَذِهِ حِجْرٌ؛ أيْ: حَرامٌ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حِجْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ ؛ والحَسَنُ ؛ والأعْرَجُ: "حُجْرٌ"؛ بِضَمِّ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأُبَيٌّ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ الزُبَيْرِ ؛ والأعْمَشُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "حِرْجٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وتَقْدِيمِ الراءِ عَلى الجِيمِ؛ وسُكُونِها؛ فالأُولى والثانِيَةُ بِمَعْنى: "اَلتَّحْجِيرُ"؛ وهو المَنعُ؛ والتَحْرِيمُ؛ (p-٤٧١)والأخِيرَةُ مِن "اَلْحِرْجُ"؛ وهو التَضْيِيقُ؛ والتَحْرِيمُ.

وكانَتْ هَذِهِ الأنْعامُ - عَلى ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - مُحَلَّلَةً لِلرِّجالِ؛ مُحَرَّمَةً عَلى النِساءِ؛ وقِيلَ: كانَتْ وقْفًا لِمَطْعَمِ سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ فَذَلِكَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن نَشاءُ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِزَعْمِهِمْ"؛﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الباطِلِ مِنهُ إلى الحَقِّ؛ وزَعْمُهم هُنا هو في قَوْلِهِمْ: "حِجْرٌ"؛ وتَحْرِيمُهم بِذَلِكَ ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِزَعَمِهِمْ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ والعَيْنِ؛ وكَذَلِكَ في الَّذِي تَقَدَّمَ.

﴿وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ ؛ كانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ؛ إذا فَعَلَتِ الناقَةُ كَذا مِن جَوْدَةِ النَسْلِ؛ والمُواصَلَةِ بَيْنَ الإناثِ؛ ونَحْوَهُ؛ حُرِّمَ ظُهُورُها فَلَمْ تُرْكَبْ؛ وإذا فَعَلَ الفَحْلُ كَذا؛ وكَذا؛ حُرِّمَ ظَهْرُهُ؛ فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ؛ إذْ شَرَعُوا ذَلِكَ بِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ.

﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ ؛ قِيلَ: كانَتْ لَهم سُنَّةٌ في أنْعامٍ ما؛ ألّا يُحَجَّ عَلَيْها؛ فَكانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ؛ إلّا في الحَجِّ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ ؛ هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عن أبِي وائِلٍ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ ذَلِكَ في الذَبائِحِ؛ يُرِيدُ أنَّهم جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ مِنها نَصِيبًا؛ لا يَذْكُرُونَ اللهَ تَعالى عَلى ذَبْحِها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "اِفْتِراءً"؛ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَفْتَرُونَ ذَلِكَ"؛ و﴿ "سَيَجْزِيهِمْ"؛﴾ وعِيدٌ بِمُجازاةِ الآخِرَةِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ"؛ عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ و﴿ "يَفْتَرُونَ"؛﴾ [الأنعام: ١٣٧] أيْ: "يَكْذِبُونَ ويَخْتَلِقُونَ.

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وكانَتْ سُنَّتُهم في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ يُحَرِّمُوا ما ولَدَتْ عَلى نِسائِهِمْ؛ ويُخَصِّصُونَهُ لِذُكُورِهِمْ؛ والهاءُ في "خالِصَةٌ"؛ قِيلَ: هي (p-٤٧٢)لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما هي في "راوِيَةٌ"؛ وغَيْرِها؛ وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ خالِصَتِي"؛ وإنْ كانَ بابُ هاءِ المُبالَغَةِ أنْ يَلْحَقَ بِناءَ مُبالَغَةٍ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ و"بَصِيرَةٌ"؛ ونَحْوِهُ؛ وقِيلَ: هي لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ؛ إذْ ما في بُطُونِها أنْعامٌ أيْضًا؛ وقِيلَ: هي عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ "ما"؛ لِأنَّ "ما"؛ واقِعَةٌ في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِعَ قَوْلِكَ: "جَماعَةً"؛ و"جُمْلَةً".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ والأعْمَشُ: "خالِصٌ"؛ دُونَ هاءٍ؛ ورَفْعُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ - والأعْرَجُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - فِيما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ -: "خالِصًا"؛ ونَصْبُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فِي بُطُونِ"؛﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: "وَقالُوا: ما اسْتَقَرَّ هو في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وحُمِّلَ المَجْرُورُ الضَمِيرَ؛ والحالُ مِنَ الضَمِيرِ؛ والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "ما"؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والزُهْرِيُّ: "خالِصُهُ"؛ بِإضافَةِ "خالِصُ"؛ إلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى "ما"؛ ومَعْناهُ: "ما خَلُصَ وخَرَجَ حَيًّا"؛ والخَبَرُ - عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لِذُكُورِنا"؛ والمَعْنى المُرادُ بِـ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ما في بُطُونِ"؛ قالَ السُدِّيُّ: هي الأجِنَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والشَعْبِيُّ: هو اللَبَنُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَمُحَرَّمٌ"؛﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهاءَ في "خالِصَةٌ"؛ لِلْمُبالَغَةٍ؛ ولَوْ كانَتْ (p-٤٧٣)لِتَأْنِيثٍ لَقالَ: "وَمُحَرَّمَةٌ"؛ و"أزْواجِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ جَماعَةَ النِساءِ؛ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَكُونَ أزْواجًا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِـ "أزْواجِنا": اَلْبَناتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَبْعُدُ تَحْلِيقُهُ عَلى المَعْنى؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ ؛ كانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ ما خَرَجَ مِنَ الأجِنَّةِ مَيْتًا مِن تِلْكَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ؛ فَهو حَلالٌ لِلرِّجالِ والنِساءِ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ ما ماتَ مِنَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ نَفْسِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإنْ يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَلَمْ يُلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ تَأْنِيثُ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ والمَعْنى: "وَإنْ وقَعَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَ مَيْتَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإنْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ الفاعِلُ في اللَفْظِ مُؤَنَّثًا؛ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَيْتَةِ؛ كَما فَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عنهُ: "تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَأنَّثَ؛ وإنْ كانَ المُتَقَدِّمُ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالتَقْدِيرُ: "وَإنْ تَكُنِ النَسَمَةُ - أو نَحْوُها - مَيْتَةً"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَذَكَّرُوا الفِعْلَ؛ لِأنَّهم أسْنَدُوهُ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ ؛ وهو مُذَكَّرٌ؛ وانْتَصَبَتِ المَيْتَةُ عَلى الخَبَرِ؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَهم فِيهِ"؛﴾ ولَمْ يَقُلْ: "فِيها"؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَإنْ تَكُنْ مَيِّتَةً"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَهم فِيهِ سَواءٌ".

ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى بِوَعِيدِهِمْ عَلى ما وصَفُوا أنَّهُ مِنَ القُرُباتِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وشَرَعُوهُ مِنَ الباطِلِ؛ والإفْكِ؛ "إنَّهُ حَكِيمٌ"؛ أيْ: "فِي عَذابِهِمْ؛ عَلى ذَلِكَ"؛ "عَلِيمٌ"؛ بِقَلِيلِ ما تَقَوَّلُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وكَثِيرِهِ.

6:140–141Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.

(p-٤٧٤)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلى اللهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾

هَذا لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَشْنِيعَ بِقُبْحِ فِعْلِهِمْ؛ والتَعَجُّبَ مِن سُوءِ حالِهِمْ؛ في وأْدِهِمُ البَناتِ؛ وحَجْرِهِمُ الأنْعامَ والحَرْثَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ الوَأْدُ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَفْعَلُهُ؛ ثُمَّ إنَّ فاعِلِيهِ كانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ؛ وكانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَةً؛ مَخافَةَ السِباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "قَتَّلُوا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "قَتَلُوا"؛ بِتَخْفِيفِها.

و﴿ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ ؛ هي تِلْكَ الأنْعامُ؛ والغَلّاتُ الَّتِي تُوقَفُ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ ولا مَثُوبَةٍ في مَعادٍ؛ بَلْ بِالِافْتِراءِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ والكَذِبِ؛ و"قَدْ ضَلُّوا"؛ إخْبارٌ عنهم بِالحَيْرَةِ؛ وهو مِنَ التَعْجِيبِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى "قَدْ خَسِرَ"؛ "وَما كانُوا"؛ يُرِيدُ: "فِي هَذِهِ الفِعْلَةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَما كانُوا قَبْلَ ضَلالِهِمْ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مُهْتَدِينَ"؛ ولَكِنَّهم زادُوا بِهَذِهِ الفِعْلَةِ ضَلالًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَواضِعِ الِاعْتِبارِ؛ و"أنْشَأ"؛ مَعْناهُ: خَلَقَ؛ واخْتَرَعَ؛ والجَنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ؛ و"مَعْرُوشاتٍ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في ثَمَرِ العِنَبِ؛ ومِنها ما عُرِّشَ وسُمِّكَ؛ ومِنها ما لَمْ يُعَرَّشْ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمَعْرُوشاتُ؛ ما عَرَّشَ -كَهَيْئَةِ الكَرْمِ؛ وغَيْرِهِ - البَساتِينَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ هو ما يَعْتَرِشُهُ بَنُو آدَمَ مِن أنْواعِ الشَجَرِ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما يَحْدُثُ في الجِبالِ؛ والصَحْراءِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ: ما حُلِّقَ بِحائِطٍ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما لَمْ يُحَلَّقْ؛ و"مُخْتَلِفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في ثَمَرِها؛ لِأنَّها حِينَ الإنْشاءِ لا ثَمَرَةَ فِيها؛ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ تَجِيءُ بَعْدَ الإنْشاءِ. (p-٤٧٥)وَ"مُتَشابِهًا"؛ يُرِيدُ: في المَنظَرِ؛ و"غَيْرَ مُتَشابِهٍ"؛ في المَطْعَمِ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ ؛ نَفْسُ الإباحَةِ؛ وهو مُضَمَّنٌ الإشارَةَ إلى النِعْمَةِ بِذَلِكَ؛ ويُقْرَأُ: "مِن ثُمُرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ ؛ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وطاوُسٌ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ وابْنُهُ؛ وقالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ؛ وحَكى الزَجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومُعْتَرَضٌ أيْضًا بِأنَّهُ لا زَكاةَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الرُمّانِ؛ وجَمِيعِ ما هو في مَعْناهُ.

وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى إعْطاءِ حُقُوقٍ مِنَ المالِ؛ غَيْرَ الزَكاةِ؛ والسُنَّةُ أنْ يُعْطِيَ الرَجُلُ مِن زَرْعِهِ عِنْدَ الحَصادِ؛ وعِنْدَ الذَرْوِ؛ وعِنْدَ تَكْدِيسِهِ في البَيْدَرِ؛ فَإذا صَفّى؛ وكالَ؛ أخْرَجَ مِن ذَلِكَ الزَكاةَ؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَقُّهُ: إباحَةُ لَقْطِ السُنْبُلِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ هَذا حُكْمَ صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ؛ فَنَسَخَتْها؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ في هَذِهِ السُورَةِ: (p-٤٧٦)مَكِّيَّةٌ؛ نَسَخَتْها الزَكاةُ؛ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: عَمَّنْ؟ قالَ: عَنِ العُلَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وآيَةَ الزَكاةِ؛ لا [تَتَعارَضانِ]؛ بَلْ تَنْبَنِي هَذِهِ عَلى النَدْبِ؛ وتِلْكَ عَلى الفَرْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حِصادِهِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "حَصادِهِ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في المَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ جَعَلَ هَذا النَهْيَ عَنِ الإسْرافِ؛ إمّا لِلنّاسِ عَنِ التَمَنُّعِ عن أدائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وإمّا لِلْوُلاةِ عَنِ التَشَطُّطِ عَلى الناسِ؛ والإذايَةِ لَهُمْ؛ فَذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ ومَن جَعَلَ الآيَةَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى حُقُوقٍ غَيْرِ الزَكاةِ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ عَنِ الإسْرافِ في تِلْكَ الحُقُوقِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإجْحافِ بِالمالِ؛ وإضاعَتِهِ.

ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ حَصَدَ غَلَّةً لَهُ؛ فَقالَ: "واللهِ لا جاءَنِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ"؛ فَأمْسى ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الحَصادِ؛ ثُمَّ تَبارَوْا؛ وأسْرَفُوا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ في وقْتِ حُكْمِ الآيَةِ.

6:142–143Page 146

وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.

ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

(p-٤٧٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

"حَمُولَةً"؛ عُطِفَ عَلى ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] ؛ واَلتَّقْدِيرُ: "وَأنْشَأْنا مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً"؛ والحَمُولَةُ: ما تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ عِنْدَ مَن عادَتُهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها؛ والهاءُ في "حَمُولَةً"؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ والفَرْشُ: ما لا يَحْمِلُ ثِقْلًا؛ كالغَنَمِ؛ وصِغارِ البَقَرِ والإبِلِ؛ هَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُقالُ لَهُ: "اَلْفَرْشُ"؛ و"اَلْفَرِيشُ"؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ تَسْمِيَتَهُ "فَرْشًا"؛ إنَّما هي لِوَطاءَتِهِ؛ وأنَّهُ مِمّا يُمْتَهَنُ ويُتَوَطَّأُ؛ ويُتَمَكَّنُ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ؛ إذْ قَرُبَ جِسْمُهُ مِنَ الأرْضِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: اَلْحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ؛ والخَيْلُ؛ والبِغالُ؛ والحَمِيرُ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِنهُ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ اللَفْظَةِ؛ لا مِن حَيْثُ هي في هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا تَدْخُلُ في الآيَةِ لِغَيْرِ الأنْعامِ؛ وإنَّما خُصَّتْ بِالذِكْرِ مِن جِهَةِ ما شَرَعَتْ فِيها العَرَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ نَصُّ إباحَةِ وإزالَةِ ما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ تابَعَ النَهْيَ عن تِلْكَ السُنَنِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ ؛ وهي جَمْعُ "خُطْوَةٌ"؛ أيْ: "لا تَمْشُوا في طُرُقِهِ المُضِلَّةِ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" اِخْتِلافُ القُرّاءِ في "خُطُواتِ"؛ ومِن شاذِّها قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والأعْرَجُ ؛ وعَمْرُو (p-٤٧٨)بْنُ عُبَيْدٍ: "خُطُؤاتِ"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ والطاءِ؛ وبِالهَمْزَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ جَمْعُ "خَطْأةٌ"؛ مِن "اَلْخَطَأُ"؛ ومِنَ الشاذِّ قِراءَةُ أبِي السَمّالِ: "خَطَواتِ"؛ بِالواوِ دُونَ هَمْزَةٍ؛ وهو جَمْعُ "خَطْوَةٌ"؛ وهي ذَرْعُ ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِيَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عن ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ عَداوَةِ الشَيْطانِ لِابْنِ آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى "ثَمانِيَةَ"؛ اِخْتُلِفَ في نَصْبِها؛ فَقالَ الأخْفَشُ؛ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ والمُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقِيلَ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ ؛ وهَذا أصْوَبُ الأقْوالِ؛ وأجْراها مَعَ مَعْنى الآيَةِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَها "أنْشَأ"؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلذَّكَرُ؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلْأُنْثى؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ صاحِبِهِ؛ وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ؛ فَتَجِيءُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.

و"اَلضَّأْنُ": جَمْعُ "ضائِنَةٌ"؛ و"ضائِنٌ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والحَسَنُ: "مِنَ الضَأنِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيِّ: "وَمِنَ المَعْزِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهو جَمْعُ "ماعِزٌ"؛ و"ماعِزَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَمِنَ المَعَزِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فَـ "ضَأْنٌ"؛ و"مَعْزٌ"؛ كَـ "راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ و"تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"ضَأنٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ كَـ "خادِمٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: "مِنَ الضَأْنِ اثْنانِ"؛ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ؛ ويُقالُ في جَمْعِ "ماعِزٌ": "مَعْزٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ و"مَعِيزٌ"؛ و"مِعْزى"؛ و"أمْعُوزٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ ؛ هَذا تَقْسِيمٌ عَلى الكُفّارِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ أيْ: "لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَرَّمَ الذَكَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُكُورِ؛ أوِ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ؛ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ الجَمِيعِ؛ وأنْتُمْ لَمْ تَلْتَزِمُوا شَيْئًا مِمّا يُوجِبُهُ هَذا التَقْسِيمُ"؛ وفي هَذِهِ السُؤالاتِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.

ثُمَّ أتْبَعَ تَقْرِيرَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى "نَبِّئُونِي"؛ أخْبِرُونِي؛ "بِعِلْمٍ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ نُبُوءَةٍ؛ أو كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ؛ و"إنْ"؛ شَرْطٌ؛ وجَوابُهُ في (p-٤٧٩)"نَبِّئُونِي"؛ وجازَ تَقْدِيمُ جَوابِ هَذا الشَرْطِ؛ لَمّا كانَتْ "إنْ"؛ لا يَظْهَرُ لَها عَمَلٌ في الماضِي؛ ولَوْ كانَتْ ظاهِرَةَ العَمَلِ لَما جازَ تَقَدُّمُ الجَوابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском