Ibn 'AtiyyaAl‑An'am · 6:22–30

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:22–30

6:22–24Page 130

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."

ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ (p-٣٣٤)نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".

وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.

و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ (p-٣٣٥)بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".

والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا﴾ [ص: ٣٤] ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".

وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:

؎ ................. ∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ

ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.

(p-٣٣٦)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ:(p-٣٣٧)

؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا

يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".

﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".

6:25Page 130

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥

And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَضَمَّنَهم قَبْلُ قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] ؛ وأفْرَدَ "يَسْتَمِعُ"؛ وهو فِعْلُ جَماعَةٍ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "مَن"؛ و"أكِنَّةً"؛ جَمْعُ "كِنانٌ"؛ وهو الغِطاءُ الجامِعُ؛ ومِنهُ كِنانَةُ السِهامِ؛ والَكِنُّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ ∗∗∗ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها

و"فِعالٌ" و"أفْعِلَةٌ"؛ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ.

و"أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: "كَراهِيَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "ألّا يَفْقَهُوهُ"؛ ويَلْزَمُ هَذا القَوْلَ إضْمارُ حَرْفِ النَفْيِ؛ و"يَفْقَهُوهُ"؛ مَعْناهُ: "يَفْهَمُوهُ"؛ ويُقالُ: "فَقِهَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ إذا فَهِمَ الشَيْءَ؛ و"فُقُهَ"؛ بِضَمِّها؛ إذا صارَ فَقِيهًا لَهُ مَلَكَةٌ؛ و"فَقَهَ"؛ إذا غَلَبَ في الفِقْهِ غَيْرَهُ.

(p-٣٣٨)والوَقْرُ: اَلثِّقْلُ في السَمْعِ؛ يُقالُ: "وَقِرَتْ أُذُنُهُ"؛ و"وَقَرَتْ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِها؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وكَلامٍ سَيِّئٍ قَدْ وقِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُذُنِي مِنهُ وما بِي مِن صَمَمْ

وقَدْ سُمِعَ: "أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ"؛ فالفِعْلُ عَلى هَذا "وُقِرَتْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وِقْرًا"؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى آذانِهِمْ؛ وقُرَّتْ بِالصَمَمِ؛ كَما تُوقَرُ الدابَّةُ مِنَ الحَمْلِ؛ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وهَذا عِبارَةٌ عَمّا جَعَلَ اللهُ تَعالى في نُفُوسِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِنَ الغَلَطِ والبُعْدِ عن قَبُولِ الخَيْرِ؛ لا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا سامِعِينَ لِأقْوالِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلرُّؤْيَةُ هُنا: رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ يُرِيدُ كانْشِقاقِ القَمَرِ؛ وشِبْهِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم في أعْجَزِ دَرَجَةٍ؛ وحاوَلُوا رَدَّ الحَقِّ بِالدَعْوى المُجَرَّدَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْنا"؛ واوُ الحالِ؛ والبابُ أنْ يُصَرَّحَ مَعَها بِـ "قَدْ"؛ وقَدْ تَجِيءُ أحْيانًا مُقَدَّرَةً؛ وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ومِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُكَ وهو مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ قَلْبِهِ في كِنانٍ؛ وأُذُنُهُ صَمّاءُ؛ وهو يَرى الآياتِ فَلا يُؤْمِنُ بِها؛ لَكِنَّهُ مَعَ بُلُوغِهِ الغايَةَ مِن هَذا القُصُورِ إذا جاءَ لِلْمُجادَلَةِ قابَلَ بِدَعْوًى مُجَرَّدَةٍ.

والمُجادَلَةُ: اَلْمُقابَلَةُ في الِاحْتِجاجِ؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَدَلُ"؛ و"هَذا"؛ في قَوْلِهِمْ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.

و"اَلْأساطِيرُ": جَمْعُ "أسْطارٌ"؛ كَـ "أقْوالٌ"؛ و"أقاوِيلُ"؛ ونَحْوِهِ؛ و"أسْطارٌ": جَمْعُ "سَطْرٌ"؛ أو "سَطَرٌ"؛ وقِيلَ: اَلْأساطِيرُ: جَمْعُ "إسْطارَةٌ"؛ وهي التُرَّهاتُ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "أُسْطُورَةٌ"؛ (p-٣٣٩)كَـ "أُعْجُوبَةٌ"؛ و"أُضْحُوكَةٌ"؛ وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "عَبابِيدُ"؛ و"شَمامِيطُ"؛ والمَعْنى: "أخْبارُ الأوَّلِينَ؛ وأقاصِيصُهُمْ؛ وأحادِيثُهُمُ الَّتِي تُسَطَّرُ؛ وتُحْكى؛ ولا تُحَقَّقُ؛ كالتَوارِيخِ؛ وإنَّما شَبَّهَها الكُفّارُ بِأحادِيثِ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ وأبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ عن رُسْتُمَ؛ والسِنْدِبادِ؛ ومُجادَلَةُ الكُفّارِ كانَتْ مُرادَّتَهم نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمُ المُبْطِلَةِ؛ وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَثَّلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: "إنَّكم أيُّها المُتَّبِعُونَ مُحَمَّدًا تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ بِذَبْحِكُمْ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ"؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَخْلِيطِ الَّذِي لا تَتَرَكَّبُ مِنهُ حُجَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا جِدالٌ في حُكْمٍ؛ والَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو جِدالٌ في مُدافَعَةِ القُرْآنِ؛ فَلا تُتَفَسَّرُ الآيَةُ عِنْدِي بِأمْرِ الذَبْحِ.

6:26–27Page 130

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ ويَنْأونَ عنهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ؛ والضَمِيرُ في "عنهُ"؛ قالَ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: "أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمَعْنى أنَّهم يَنْهَوْنَ غَيْرَهُمْ؛ ويَبْعُدُونَ هم بِأنْفُسِهِمْ؛ و"اَلنَّأْيُ": اَلْبُعْدُ.

"وَإنْ يُهْلِكُونَ"؛ مَعْناهُ: ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ الَّذِي يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ؛ وقالَ ابْنُ (p-٣٤٠)عَبّاسٍ أيْضًا؛ والقاسِمُ ؛ وحَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ؛ وعَطاءُ بْنُ دِينارٍ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ﴾ ؛ أبُو طالِبٍ؛ ومَن كانَ مَعَهُ؛ عَلى حِمايَةِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعَلى الدَوامِ في الكُفْرِ؛ والمَعْنى: "وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ مَن يُرِيدُ إذايَتَهُ؛ ويَنْأونَ عنهُ بِإيمانِهِمْ؛ واتِّباعِهِمْ؛ فَهم يَفْعَلُونَ الشَيْءَ وخِلافَهُ"؛ ويُقْلِقُ هَذا القَوْلَ رَدُّ قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عَلى جَماعَةِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها؛ لِأنَّ جَمِيعَهم لَمْ يَكُنْ يَنْهى عن إذايَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ؛ ويَحْسُنُ عَلى أنْ تُقَدِّرَ القَصْدَ ذِكْرَ ما يُنْعى عَلى فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي هي كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الكُفْرِ؛ فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ بِلَفْظٍ يَعُمُّ الجَماعَةَ؛ لِأنَّ التَوْبِيخَ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ أغْلَظُ عَلَيْهِمْ؛ كَما تَقُولُ - إذا شَنَّعْتَ عَلى جَماعَةٍ فِيها زُناةٌ؛ وسَرَقَةٌ؛ وشَرَبَةُ خَمْرٍ -: "هَؤُلاءِ يَزْنُونَ؛ ويَسْرِقُونَ؛ ويَشْرَبُونَ الخَمْرَ"؛ وحَقِيقَةُ كَلامِكَ أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ وبَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُ وهم يَنْهَوْنَ عن إذايَتِهِ؛ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ"؛ أيْ: "مِنهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ".

"وَما يَشْعُرُونَ"؛ مَعْناهُ: "ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حِسٍّ"؛ وهو مَأْخُوذٌ مِن "اَلشِّعارُ"؛ اَلَّذِي يَلِي بَدَنَ الإنْسانِ؛ و"اَلشِّعارُ": مَأْخُوذٌ مِن "اَلشَّعْرُ"؛ ونَفْيُ الشُعُورِ مَذَمَّةٌ بالِغَةٌ؛ إذِ البَهائِمُ تَشْعُرُ؛ وتُحِسُّ؛ فَإذا قُلْتَ: "فُلانٌ لا يَشْعُرُ"؛ فَقَدْ نَفَيْتَ عنهُ العِلْمَ؛ النَفْيَ العامَّ الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَعْلَمُ؛ ولا المَحْسُوساتِ.

(p-٣٤١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَنَوْنَ عنهُ"؛ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ عَلى النُونِ؛ عَلى التَسْهِيلِ القِياسِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمُخاطَبَةُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وجَوابُ "وَلَوْ" مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: "لَرَأيْتَ هَوْلًا؛ أو مَشَقّاتٍ"؛ أو نَحْوُ هَذا؛ وحَذْفُ جَوابِها في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ.

ووَقَعَتْ "إذْ"؛ في مَوْضِعِ "إذا"؛ اَلَّتِي هي لِما يُسْتَقْبَلْ؛ وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ المُتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ يُعَبَّرُ عنهُ كَما يُعَبَّرُ عَنِ الماضِي الوُقُوعِ؛ و"وُقِفُوا"؛ مَعْناهُ: "حُبِسُوا"؛ ولَفْظُ هَذا الفِعْلِ مُتَعَدِّيًا؛ وغَيْرَ مُتَعَدٍّ؛ سَواءٌ؛ تَقُولُ: "وَقَفْتُ أنا"؛ و"وَقَفْتُ غَيْرِي"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ؛ فَفي المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُهُ وقْفًا"؛ وفي غَيْرِ المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُ وُقُوفًا"؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ أسْمَعْ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ "أوقَفْتُ فُلانًا"؛ إلّا أنِّي لَوْ لَقِيتُ رَجُلًا واقِفًا؛ فَقُلْتُ لَهُ: "ما أوقَفَكَ هَهُنا؟"؛ لَكانَ عِنْدِي حَسَنًا؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ: "دَخَلُوها"؛ فَكانَ وُقُوفُهم عَلَيْها؛ أيْ: فِيها؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: "أشْرَفُوا عَلَيْها؛ وعايَنُوها".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ "وَنَكُونُ"؛ بِالرَفْعِ في كُلِّها؛ وذَلِكَ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ في قَوْلِهِ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ" أيْ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ونَحْنُ عَلى كُلِّ حالٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فَأخْبَرُوا أنْفُسَهم بِهَذا؛ ولِهَذا الإخْبارِ صَحَّ تَكْذِيبُهم بَعْدَ هَذا؛ ورَجَّحَ هَذا سِيبَوَيْهِ ؛ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِكَ: "دَعْنِي؛ ولا أعُودُ"؛ أيْ: "وَأنا لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ"؛ ويُخْرَجُ ذَلِكَ عَلى قَوْلٍ آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ"؛ داخِلًا في التَمَنِّي؛ عَلى حَدِّ ما دَخَلَتْ فِيهِ "نُرَدُّ"؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ؛ ولَيْتَنا نَكُونُ"؛ ويُعْتَرَضُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا لا يُقالُ: "إنَّهُ كاذِبٌ"؛ وإنَّما يَكْذِبُ مَن أخْبَرَ.

(p-٣٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُنْفَصَلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ حِكايَةً عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ كَلامًا مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ؛ وبِوَجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّ المُتَمَنِّيَ إذا كانَتْ سَجِيَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ مُخالِفَةً لِما تَمَنّى؛ بَعِيدَةً مِنهُ؛ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ"؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ وذَلِكَ أنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا فَتَمَنِّيهِ يَتَضَمَّنُ إخْبارًا أنَّ تِلْكَ الأُمْنِيَّةَ تَصْلُحُ لَهُ؛ ويَصْلُحُ لَها؛ فَيَقَعُ التَكْذِيبُ في ذَلِكَ الإخْبارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ التَمَنِّي؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ رَجُلٌ شِرِّيرٌ: "لَيْتَنِي أحُجُّ؛ وأُجاهِدُ؛ وأقُومُ اللَيْلَ"؛ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ لِهَذا - عَلى تَجَوُّزٍ -: "كَذَبْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ لا تَصْلُحُ لِهَذا؛ ولا يَصْلُحُ لَكَ".

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ باءَ "نُكَذِّبَ"؛ في الباءِ الَّتِي بَعْدَها؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "وَلا نُكَذِّبَ"؛ و"وَنَكُونَ"؛ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ؛ وذَلِكَ كَما تَنْصِبُ الفاءُ في جَوابِ التَمَنِّي؛ فالواوُ في ذَلِكَ؛ والفاءُ؛ بِمَنزِلَةٍ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ مَصْدَرِ الفِعْلِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا كانَ لَنا رَدٌّ؛ وعَدَمُ تَكْذِيبٍ؛ وكَوْنٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - في رِوايَةِ هِشامِ بْنِ عَمّارٍ ؛ عن أصْحابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "وَنَكُونَ"؛ بِالنَصْبِ؛ ويُتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا وتَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا ونَكُونَ"؛ وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: "بِآياتِ رَبِّنا ونَحْنُ نَكُونُ".

وقَوْلُهُ: "نُرَدُّ"؛ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها؛ مَعْناهُ: إلى الدُنْيا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ؛ وهُوَ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الآخِرَةِ"؛ أيْ: "نُبْعَثُ؛ ونُوقَفُ عَلى النارِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها مُكَذِّبِينَ؛ لَيْتَ ذَلِكَ ونَحْنُ في حالَةٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فالمَعْنى: "يا لَيْتَنا نُوقَفُ هَذا الوُقُوفَ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ بِآياتِ رَبِّنا كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن غَيْرِ وجْهٍ؛ ويُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا (p-٣٤٣)عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ ولا يَصِحُّ أيْضًا التَكْذِيبُ في هَذا التَمَنِّي؛ لِأنَّهُ تَمَنِّي ما قَدْ مَضى؛ وإنَّما يَصِحُّ التَكْذِيبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ قَبْلَ هَذا عَلى تَجَوُّزٍ في تَمَنِّي المُسْتَقْبَلاتِ.

6:28–30Page 131

بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟ ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في (p-٣٤٤)الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.

وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.

وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".

(p-٣٤٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ (p-٣٤٦)الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском