Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:30–52
68:30–38Page 565
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦
What is [the matter] with you? How do you judge?
أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧
Or do you have a scripture in which you learn
إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨
That indeed for you is whatever you choose?
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبُّنا راغِبُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾
"يَتَلاوَمُونَ" مَعْناهُ: يَجْعَلُ كُلُّ واحِدٍ اللَوْمَ في حَيِّزِ صاحِبِهِ ويُبَرِّئُ نَفْسَهُ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم طَغَوْا، أيْ تَعُدُّوا ما يَلْزَمُ مِن مُواساةِ المَساكِينِ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى رَجاءِ اللهِ تَعالى وانْتِظارِ الفَرَجِ مِن لَدُنْهُ في أنْ يُبَدِّلَهم بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ خَيْرًا مِن تِلْكَ الجَنَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "يُبْدِلَنا" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، (p-٣٧٦)وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَثْقِيلِ وفَتْحِ الباءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ العَذابُ" ابْتِداءُ مُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ في أمْرِ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ بـ "ذَلِكَ" إلى العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِالجَنَّةِ أيْ: كذَلِكَ العَذابُ هو العَذابُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقُرَيْشٍ بَغْتَةً، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُنْيا، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ النازِلُ بِقُرَيْشٍ المُماثِلُ لِأمْرِ الجَنَّةِ هو الجَدْبُ الَّذِي أصابَهم سَبْعَ سِنِينَ حَتّى رَأوُا الدُخانَ وأكَلُوا الجُلُودَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى: أنّ المُتَّقِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَتْ ثُمَّ جَنّاتُ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فَنَزَلَتْ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ آخَرُ، ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ كَذَلِكَ، و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـ "تَحْكُمُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" هي المَقَدَّرَةُ بِـ "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"كِتابٌ" مَعْناهُ: مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِئْنافُ قَوْلٍ عَلى مَعْنى: إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ مُتَخَيِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ: "إنَّ" مَعْمُولَةٌ لـِ "تَدْرُسُونَ"، أيْ: في الكِتابِ: إنَّ لَكم ما تَخْتارُونَ مِنَ النَعِيمِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" لِدُخُولِ اللامِ في الخَبَرِ، وهي في مَعْنى: "أنْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، والضَحّاكُ: "أنَّ لَكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ.
68:39–45Page 565
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١
Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَلْ أقْسَمْنا لَكم قَسَمًا فَهو عَهْدٌ لَكم بِأنّا نُنَعِّمُكم في يَوْمِ القِيامَةِ وما بَعْدَهُ؟ وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بالِغَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِـ "أيْمانٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بالِغَةً" بِالنَصْبِ (p-٣٧٧)عَلى الحالِ، وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ مُخَصَّصَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: "عَلَيْنا"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ"، وكَذَلِكَ في الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨].
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ -عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- أنْ يَسْألَهم عَنِ الزَعِيمِ لَهم بِذَلِكَ مَن هُوَ؟ والزَعِيمُ: الضامِنُ لِلْأمْرِ والقائِمُ بِهِ.
ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ الشُرَكاءِ عَسى أنْ يَظُنُّوا أنَّهم يَنْفَعُونَهم في شَيْءٍ مِن هَذا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أمْ لَهم شِرْكٌ فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ" بِكَسْرِ الشِينِ دُونَ ألِفٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الأصْنامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ قِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ في الدُنْيا، أيْ: لِيَحْضُرُوهم حَتّى نَرى هَلْ هم بِحالِ مَن يَضُرُّ ويَنْفَعُ أمْ لا، وقِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أنْ يَأْتُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: هي أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ القِيامَةِ، وهي أفْظَعُها، وتَظاهُرُ حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّهُ يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، قالَ: فَيَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الشَمْسَ الشَمْسَ، ويَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وكَذَلِكَ كَلُّ عابِدٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ تَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ وغَبَراتُ أهْلِ الكِتابِ مَعَهم مُنافِقُوهم وكَثِيرٌ مِنَ الكَفَرَةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ما شَأْنُكُمْ؟ لِمَ تَقِفُونَ وقَدْ ذَهَبَ الناسُ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنا، قالَ: فَيَجِيئُهُمُ اللهُ في غَيْرِ الصُورَةِ الَّتِي عَرِفُوهُ بِها، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنكَ، قالَ: فَيَقُولُ: أتَعْرِفُونَهُ بِعَلامَةٍ تَرَوْنَها؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَكْشِفُ لَهم عن ساقٍ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ أنْتَ رَبُّنا، ويَخِرُّونَ لِلسُّجُودِ، فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وتَرْجِعُ أصْلابُ المُنافِقِينَ والكُفّارِ كَصَياصِي البَقَرِ عَظْمًا واحِدًا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا".» هَكَذا هو الحَدِيثُ وإنِ اخْتَلَفَتْ مِنهُ ألْفاظٌ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ، وعَلى كُلِّ (p-٣٧٨)وَجْهٍ مِمّا ذَكَرْتُهُ فِيهِ كَشْفُ الساقِ وما في الآيَةِ أيْضًا مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ وعِظَمِ القُدْرَةِ الَّتِي يَرى اللهُ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ، حَتّى يَقَعَ العِلْمُ أنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الحَرْبِ:
؎ كَشَفَتْ لَهم عن ساقِها وبَدا عَنِ الشَرِّ البَراحُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ قَدْ شَمَّرَتْ عن ساقِها فَشَدُّوا ∗∗∗...............
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ في سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عن ساقِها ∗∗∗ حَمْراءَ تَبْرِي اللَحْمَ عن عِراقِها
(p-٣٧٩)وَأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ مَن أرادَ الجِدَّ في أمْرٍ يُحاوِلُهُ فَإنَّهُ يَكْشِفُ عن ساقِهِ تَشْمِيرًا وجِدًّا، وقَدْ مَدَحَ الشُعَراءُ بِهَذا المَعْنى، فَمِنهُ قَوْلُ دُرَيْدٍ:
؎ كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ صَبُورٌ عَلى الأعْداءِ طَلّاعُ أنْجَدُ
وعَلى هَذا مَن أرادَ الجِدَّ والتَشْمِيرَ في طاعَةِ اللهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إزْرَةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقِهِ".»
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُكْشَفُ" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَكْشِفُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى مَعْنى: يَكْشِفُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَكْشِفُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّ القِيامَةَ هى الكاشِفَةُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "تُكْشَفُ" بِضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: تُكْشَفُ القِيامَةُ والشِدَّةُ الحالُ الحاضِرَةُ، وحَكى الأخْفَشُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "نَكْشِفُ" بِالنُونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ثَمَّ دُعاءٌ إلى سُجُودٍ، وهَذا يَرُدُّهُ ما قَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، وأنَّها لا تَكْلِيفَ فِيها، فَإذا كانَ هَذا فَإنَّما الداعِي ما يَرَوْنَهُ مِن سُجُودِ المُؤْمِنِينَ فَيُرِيدُونَ هم أنْ يَسْجُدُوا عِنْدَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، وخَرَجَ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، (p-٣٨٠)وَعَقِيدَةُ الأشْعَرِيَّةِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ التَلَبُّسِ بِالفِعْلِ لا قَبْلَهُ، وهَذا القَدْرُ كافٍ مِن هَذِهِ المَسْألَةِ هاهُنا.
و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ، وجَوارِحُهم كُلُّها خاشِعَةٌ، أيْ: ذَلِيلَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى خَصَّ الأبْصارَ بِالذِكْرِ لِأنَّ الخُشُوعَ فِيها أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ جارِحَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ مَعْناهُ: تُزْعِجُ نُفُوسَهم وتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ظُهُورًا يُخْزِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ﴾ يُرِيدُ في دارِ الدُنْيا وهم سالِمُونَ مِمّا نالَ عِظامُ ظُهُورِهِمْ مِنَ الِاتِّصالِ والعُتُوِّ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السُجُودُ هُنا عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الطاعاتِ، وخَصَّ السُجُودَ بِالذِكْرِ مِن حَيْثُ هو عِظَمُ الطاعاتِ، ومِن حَيْثُ بِهِ وقَعَ امْتِحانُهم في الآخِرَةِ، وقالَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، والشَعْبِيُّ: أرادَ بِالسُجُودِ الصَلَواتِ المَكْتُوبَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كانُوا يَسْمَعُونَ النِداءَ لِلصَّلاةِ و"حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا يُجِيبُونَ، وفَلَجَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ فَكانَ يُهادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلى المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَمَعْذُورٌ، فَقالَ: مَن سَمِعَ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلْيُجِبْ ولَوْ حَبْوًا،وَقِيلَ لِابْنِ المُسَيِّبِ: إنَّ طارِقًا يُرِيدُ قَتْلَكَ فاجْلِسْ في بَيْتِكَ، فَقالَ: أسْمَعُ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا أُجِيبُ؟ واللهِ لا فَعَلْتُ. وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ وعِيدٌ، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ مانِعٌ ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: "دَعْنِي مَعَ فُلانٍ"، أيْ: سَأُعاقِبُهُ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ فِي: "ذَرْنِي"، أو نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، و"الحَدِيثُ" المُشارُ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُخْبِرُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ. و"الِاسْتِدْراجُ" هو الحَمْلُ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتّى يَصِيرَ المَحْمُولُ إلى شَرٍّ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ الِاسْتِدْراجُ في الشَرِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُرْجِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: تُسْبَغُ (p-٣٨١)عَلَيْهِمُ النِعَمُ، ويَمْنَعُونَ الشُكْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلَّما زادُوا ذَنْبًا زِيدُوا نِعْمَةً، وفي مَعْنى الِاسْتِدْراجِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"،» وقالَ الحَسَنُ: "كَمْ مِن مُسْتَدْرِجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِالسَتْرِ عَلَيْهِ".
و"أُمْلِي لَهُمْ" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الزَمانِ، وهي البُرْهَةُ والقِطْعَةُ، يُقالُ: مُلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، و"الكَيْدُ" عِبارَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِالكَفّارِ مِن حَيْثُ هي عَلى كَيْدٍ مِنهُمْ، فَسَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، و"المَتِينُ": القَوِيُّ الَّذِي لَهُ مَتانَةٌ، ومِنهُ المَتْنُ: الظَهْرُ.
68:46–52Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠
And his Lord chose him and made him of the righteous.
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١
And indeed, those who disbelieve would almost make you slip with their eyes [i.e., looks] when they hear the message, and they say, "Indeed, he is mad."
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢
But it is not except a reminder to the worlds.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وَما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾
هَذِهِ "أمْ" الَّتِي تَتَضَمَّنُ الإضْرابَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ لا عَلى جِهَةِ الرَفْضِ لَهُ، لَكِنَّ عَلى جِهَةِ التَرْكِ والإقْبالِ عَلى سِواهُ، وهَذا التَوْقِيفُ هو لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِهِ تَوْبِيخُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سَألَهم أجْرًا فَأثْقَلَهم عَدَمُ ذَلِكَ لَكانَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ في إعْراضِهِمْ وقَرارِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مَعْناهُ: هَلْ لَهم عِلْمٌ بِما يَكُونُ فَيَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ الأمْرَ عَلى اخْتِيارِهِمْ جارٍ؟
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِهِ، وأنْ يَمْضِيَ لِما أمَرَ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ واحْتِمالِ الأذى والمَشَقَّةِ، ونَهى عَنِ الضَجَرِ والعَجَلَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى القِصَّةَ بِاقْتِضابٍ وذَكَرَ ما وقَعَ في آخِرِها مِن نِدائِهِ مِن بَطْنِ الحُوتِ وهو مَكْظُومٌ، أيْ: غَيْظُهُ في صَدْرِهِ، وحَقِيقَةُ "الكَظْمِ" هو الغَيْظُ والحُزْنُ والنَدَمُ، فَحَمَلَ المَكْظُومَ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا، وهو في الحَقِيقَةِ كاظِمٌ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: (p-٣٨٢)
؎ وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَنًا عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ
وقالَ النَقّاشُ: المَكْظُومُ الَّذِي أخَذَ بِكَظْمِهِ وهو مُجارِي القَلْبِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ "الكاظِمَةُ" وهي القَناةُ في جَوْفِ الأرْضِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ" أسْنَدَ الفِعْلَ دُونَ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ لِأنَّ تَأْنِيثَ النِعْمَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ" عَلى إظْهارِ العَلامَةِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ" بِشَدِّ الدالِ عَلى مَعْنى: تَتَدارَكَهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ تَأتِي فَلِذَلِكَ جاءَ بِالفِعْلِ مُسْتَقْبَلًا. بِمَعْنى: لَوْلا أنْ يُقالَ فِيهِ: تَتَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَلانِ )، فَهَذا وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ. و"النِعْمَةُ" هي الصَفْحُ والتَوْبُ، والِاجْتِباءُ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ، و"العَراءُ": الأرْضُ الواسِعَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَيْءٌ يُوارى مِن بِناءٍ أو نَباتٍ أو غَيْرِهِ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَرَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالأرْضِ العَراءَ ثِيابِي
وقَدْ نَبَذَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ بِالأرْضِ العَراءَ غَيْرَ مَذْمُومٍ. و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ. (p-٣٨٣)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِحالِ نَظَرِ الكُفّارِ إلَيْهِ، وأنَّهم يَكادُونَ مِنَ الغَيْظِ والعَداوَةِ يَزْلِقُونَهُ فَيُذْهِبُونَ قَدَمَهُ مِن مَكانِها ويُسْقِطُونَهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَيَزْلِقُونَكَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن "أزَلَقَ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيَزْلِقُونَكَ" بِفَتْحِ الياءِ مِن "زَلِقَتِ الرِجْلُ"، يُقالُ: زَلِقَتِ الرِجْلُ -بِكَسْرِ اللامِ- وزَلَقَتْهُ بِفَتْحِها-، مِثْلُ: "حَزَنَ" و"حَزَنَتْهُ"، و"شَتَرَتِ العَيْنُ" و"شَتَرَتْها"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيَزْهِقُونَكَ" بِالهاءِ، ورَوى النَخْعِيُّ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيَنْفِدُونَكَ"، وفي هَذا المَعْنى الَّذِي في نَظَرِهِمْ مِنَ الغَيْظِ والعَداوَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَكَرَهُ الفَرّاءُ - إلى أنَّ المَعْنى: يَأْخُذُونَكَ بِالعَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ اللَقْعَ بِالعَيْنِ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ رَجُلٌ يَتَجَوَّعُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ لا يَتَكَلَّمُ عَلى شَيْءٍ إلّا أصابَهُ بِالعَيْنِ، فَسَألَهُ الكُفّارُ أنْ يُصِيبَ النَبِيَّ ﷺ فَأجابَهم إلى ذَلِكَ لَكِنْ عَصَمَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، وقالَ الزَجّاجُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَعْتانَ أحَدًا تَجَوَّعَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقالَ الحَسَنُ: دَواءُ مَن أصابَتْهُ العَيْنُ أنْ يَقْرَأ هَذِهِ الآيَةَ، و"الذِكْرُ" في الآيَةِ القُرْآنُ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ هَذا القُرْآنَ العَزِيزَ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ووَعْظٌ لَهُمْ، وحَجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْنا بِهِ، وجَعَلَنا أهْلَهُ وحَمَلَتَهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَلَمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences