Ibn 'AtiyyaAl‑A'raf · 7:164–170

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:164–170

7:164–166Page 172

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ (p-٧٢)فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ. ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ. و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ. و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﷺ « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"». وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها (p-٧٣)أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ. وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً. ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ:

؎ لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ. ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ. وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ:

؎ حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا

(p-٧٤)وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ:

؎ كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا

فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ. وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ. (p-٧٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.

والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ ﷺ في الضَبِّ. (p-٧٦)وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.

7:167–168Page 172

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبُّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

بِنْيَةُ "تَأذَّنَ" هي الَّتِي تَقْتَضِي التَكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ، وآذَنَ أيْ أعْلَمَ، مِثْلُ كَرُمَ وأكْرَمَ وتَكَرَّمَ، إلّا أنَّ تَعَلَّمَ (وَما جَرى مَجْرى هَذا الفِعْلِ) إذا كانَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَلْحَقْهُ مَعْنى التَكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ بِمَعْنى عِلْمِ صِفَةٍ لا بِتَكَسُّبٍ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِالذاتِ، وإلى هَذا المَعْنى يَنْحُو الشاعِرُ بِقَوْلِهِ:

؎ تَعَلَّمْ أبَيْتَ اللَعْنَ

لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَعَلُّمِ الَّذِي يَقْتَضِي جَهالَةً، وإنَّما أرادَ أنْ يُوقِفَهُ عَلى قُوَّةِ عِلْمِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎ تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ الناسِ حَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ يُنادى في شِعارِهِمُ يَسارُ

فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذْ عَلِمَ اللهُ لِيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: "عَلِمَ اللهُ لِأفْعَلَنَّ كَذا"، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: أعْلَمَ، وهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ "تَأذَّنَ" إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ "أعْلَمَ"، وتَبَيُّنُ ذَلِكَ (p-٧٧)مِنَ التَعَدِّي وغَيْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: قالَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "تَأذَّنَ": تَأْلّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللامِ في الجَوابِ، وأمّا اللَفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عن هَذا.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" لِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا لِلضَّمِيرِ في "لَهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي إشارَةٌ إلى العَذابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والصَحِيحُ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن حالُ اليَهُودِ مَعَهُ هَذِهِ الحالُ، ويَسُومُهم مَعْناهُ: يُكَلِّفُهم ويُحَمِّلُهُمْ، و﴿سُوءَ العَذابِ﴾ الظاهِرُ مِنهُ الجِزْيَةُ والإذْلالُ، وقَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذا وحَطَّ مُلْكَهُمْ، فَلَيْسَ في الأرْضِ رايَةٌ لِيَهُودِيٍّ، وقالابْنُ المُسَيِّبِ: فَيُسْتَحَبُّ أنْ تُتْعَبَ اليَهُودُ في الجِزْيَةِ، ولَقَدْ حَدَّثَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُومِ أمَلَكَتْ في صُقْعِها، فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهُمُ الساكِنَةَ مَعَهم وتَمَلَّكُوهم.

ثُمَّ حَسُنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ -لِتَضَمُّنِها الإيقاعَ بِهِمْ والوَعِيدَ- أنْ يُنَبِّهَ عَلى سُرْعَةِ عِقابِ اللهِ ويُخَوِّفَ بِذَلِكَ تَخْوِيفًا عامًّا لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ رَجّى ذَلِكَ لُطْفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ وتَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْناهم في الأرْضِ، قالَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ما في الأرْضِ بُقْعَةٌ إلّا وفِيها مَعْشَرٌ مِنَ اليَهُودِ، والظاهِرُ في المُشارِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَعَدَ سُلَيْمانَ وقْتَ زَوالِ مُلْكِهِمْ، والظاهِرُ أنَّهُ قَبْلَ مُدَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صالِحٌ بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِعِيسى ﷺ، وفي التَوارِيخِ في هَذا الفَصْلِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ، والصالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ يُرادَ بِها صَلاحُ الإيمانِ، فَـ "دُونَ" بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ فَـ "دُونَ ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِينَ.

(p-٧٨)﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّاهُمْ، والحَسَناتُ: الصِحَّةُ والرَخاءُ ونَحْوُ هَذا مِمّا هو بِحَسَبِ رَأْيِ ابْنِ آدَمَ ونَظَرِهِ، والسَيِّئاتُ: مُقابَلاتُ هَذِهِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُمْ" أيْ بِحَسَبِ رَأْيِكم لَوْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الطاعَةِ ويَتُوبُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

7:169–170Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾

"خَلَفَ" مَعْناهُ: حَدَثَ خَلْفَهم وبَعْدَهم "خَلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ، يُسْتَعْمَلُ في الأشْهَرِ في الذَمِّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:

؎ لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ

والخَلَفُ -بِفَتْحِ اللامِ- يُسْتَعْمَلُ -فِي الأشْهَرِ- في المَدْحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الذَمِّ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٧٩)

؎ ألّا ذَلِكَ الخَلَفُ الأعْوَرُ

وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالخَلْفِ هاهُنا النَصارى، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "وُرِّثُوا الكِتابَ" بِضَمِّ الواوِ وشَدِّ الراءِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ إشارَةٌ إلى الرِشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ: ما يُعْرَضُ ويَعِنُّ ولا يَثْبُتُ، و"الأدْنى" إشارَةٌ إلى عَيْشِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ذَمٌّ لَهم بِاغْتِرارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: "سَيُغْفَرُ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِ اللهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِمْ وأنَّهم إذا أمْكَنَتْهم ثانِيَةً ارْتَكَبُوها فَهَؤُلاءِ عَجَزَةٌ، كَما قالَ ﷺ: "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"، وهم مُصِرُّونَ، وإنَّما يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنا مَن أقْلَعَ ونَدِمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، تَشْدِيدٌ في لُزُومِ قَوْلِ الحَقِّ عَلى اللهِ في الشَرْعِ والأحْكامِ بَيْنَ الناسِ، وأنْ لا تَمِيلَ الرِشا بِالحُكّامِ إلى الباطِلِ، و"الكِتابُ" يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ، ومِيثاقُها: الشَدائِدُ الَّتِي فِيها في هَذا المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلَهُمُ الباطِلَ في حُكُومَةٍ مِمّا يَقَعُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَهُمْ: "سَيُغْفَرُ لَنا" وهم قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ في نَهْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَقُولُوا" بِياءٍ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تَقُولُوا" بِتاءٍ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَرَسُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ويُقَدَّرُ: ألَيْسَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ ودَرَسُوا ما فِيهِ؟ وبِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمُ الباطِلَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "وادّارَسُوا ما فِيهِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾.

(p-٨٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا نَظَرٌ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" يَزُولُ مِنهُ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ بِالتَقْدِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "ألَمْ" ثُمَّ وعَظَ وذَكَّرَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ). وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "يُمَسِّكُونَ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ وحْدَهُ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يُمْسِكُونَ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وكُلُّهم خَفَّفَ "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ"، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ قَرَأ: "وَلا تُمَسِّكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "والَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا" وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "والَّذِينَ مَسَكُوا"، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

؎ فَما تَمَسَّكَ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ

أمّا إنْ شَدَّ السِينَ يَجْرِي مَعَ التَعَدِّي بِالباءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском