Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:33–39
7:33–36Page 154
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣
Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤
And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥
O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦
But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.
و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ (p-٥٥٣)بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎ قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................
وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿الفَواحِشَ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.
و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............
(p-٥٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛﴾ [البقرة: ٢١٩] مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.
و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".
﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ (p-٥٥٥)أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".
(p-٥٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؛ ثُمَّ بَثَّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في (p-٥٥٧)جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: ٣٧] ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.
7:37Page 154
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنَ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
(p-٥٥٨)هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ واسْتِفْهامٍ؛ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ؛ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ وهَذِهِ - وإنْ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها؛ أيْ: "كَيْفَ يَجْعَلُونَ الرُسُلَ مُفْتَرِينَ؟ ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى؛ ولا حَظَّ لِلرُّسُلِ إلّا أنْ يُرْحَمَ مَنِ اهْتَدى؛ ويُعَذَّبَ مَن كَفَرَ" - فَهي أيْضًا مُشِيرَةٌ بِالمَعْنى إلى كُلِّ مُفْتَرٍ؛ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿واللهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨].
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ فالكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ؛ والسُخْطُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ ؛ يُرِيدُ: مِنَ الشَقاءِ؛ والسَعادَةِ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الحَدِيثُ المَشْهُورُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ أنَّ المَلَكَ يَأْتِي إذا خُلِقَ الجَنِينَ في الرَحِمِ؛ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ؛ وأجَلَهُ؛ وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: اَلْكِتابِ يُرادُ بِهِ الَّذِي تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ مِن أعْمالِ الخَلِيقَةِ؛ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَيَنالُ هَؤُلاءِ نَصِيبَهم مِن ذَلِكَ؛ وهو الكُفْرُ؛ والمَعاصِي؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ والضَحّاكُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرادُ بِهِ: "مِنَ القُرْآنِ"؛ وحَظُّهم فِيهِ أنَّ وُجُوهَهم تُسَوَّدُ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنِيُّ بِالنَصِيبِ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ؛ مِن رِزْقٍ؛ وعُمْرٍ ؛ وخَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في الدُنْيا؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا؛ واحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ ؛ أيْ: "عِنْدَ انْقِضاءِ ذَلِكَ"؛ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: "أُولَئِكَ يَتَمَتَّعُونَ؛ ويَتَصَرَّفُونَ مِنَ الدُنْيا؛ بِقَدْرِ ما (p-٥٥٩)كُتِبَ لَهُمْ؛ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا لِمَوْتِهِمْ..."؛ وهَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ في مَجِيءِ الرُسُلِ لِلتَّوَفِّي؛ وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ تَرْجِيحُ الطَبَرِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "رُسُلُنا"؛ يُرِيدُ بِهِمْ: مَلائِكَةَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَتَوَفَّوْنَهُمْ"؛ مَعْناهُ: "يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا؛ في السَوْقِ إلى جَهَنَّمَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ التَأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ ؛ لِأنَّ النَصِيبَ عَلى تِلْكَ التَأْوِيلاتِ إنَّما يَنالُهم في الآخِرَةِ؛ وقَدْ قُضِيَ مَجِيءُ رُسُلِ المَوْتِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُسُلِ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ ؛ اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ وتَوْبِيخٍ؛ وتَوْقِيفٍ عَلى خِزْيٍ؛ وهو إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ والأوثانِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: "تَعْبُدُونَ؛ وتُؤَمِّلُونَ"؛ وقَوْلُهُمْ: "ضَلُّوا"؛ مَعْناهُ: هَلَكُوا؛ وتَلَفُوا؛ وفُقِدُوا؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما شاكَلَها؛ تُعارِضُ في الظاهِرِ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ؛ واجْتِماعُهُما إمّا أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ؛ أو في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ يَقُولُونَ في حالِ كَذا؛ وحالِ كَذا.
7:38–39Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِن الجِنِّ والإنْسِ في النارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِن النارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ حِكايَةُ ما يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ بِوَساطَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ؛ وعَبَّرَ عن "يَقُولُ"؛ بِـ "قالَ"؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ وصِدْقِ القِصَّةِ؛ وهَذا كَثِيرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فِي أُمَمٍ"؛﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كائِنِينَ - أو: "ثابِتِينَ" - في أُمَمٍ..."؛ فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "اُدْخُلُوا"؛ (p-٥٦٠)وَقِيلَ: "فِي"؛ بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هي عَلى بابِها؛ وهو أصْوَبُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛﴾ صِفَةٌ لِـ "أُمَمٍ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي النارِ"؛﴾ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "أُمَمٍ"؛ أيْ: في أُمَمٍ ثابِتَةٍ؛ أو مُسْتَقِرَّةٍ؛ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالذِكْرِ الَّذِي في "خَلَتْ"؛ ومَعْنى ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛﴾ عَلى هَذا التَعَلُّقِ؛ أيْ: "قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ ومَضى عَلَيْها الزَمَنُ؛ وعَرَفَها فِيما تَطاوَلَ مِنَ الآبادِ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ وإنْ لَمْ يَطُلِ الوَقْتُ؛ إذْ أصْلُها فِيمَن ماتَ مِنَ الناسِ؛ أيْ: "صارُوا إلى خَلاءٍ مِنَ الأرْضِ"؛ وعَلى التَعْلِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿ "فِي النارِ"؛﴾ فَإنَّما "خَلَتْ"؛ حِكايَةٌ عن حالِ الدُنْيا؛ أيْ: "اُدْخُلُوا في النارِ؛ في جُمْلَةِ الأُمَمِ السالِفَةِ لَكم في الدُنْيا؛ الكافِرَةِ"؛ وقَدَّمَ ذِكْرَ "اَلْجِنِّ"؛ لِأنَّهم أعْرَقُ في الكُفْرِ؛ وإبْلِيسُ أصْلُ الضَلالِ؛ والإغْواءِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ كَفَرَةَ الجِنِّ في النارِ؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَظَرُ أنَّ مُؤْمِنِيهِمْ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم عُقَلاءُ؛ مُكَلَّفُونَ؛ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ؛ آمَنُوا؛ وصَدَّقُوا؛ وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: "بابٌ في ذِكْرِ الجِنِّ وثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ"؛ وذَكَرَ عَبْدُ الجَلِيلِ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ يَكُونُونَ تُرابًا؛ كالبَهائِمِ؛ وذَكَرَ في ذَلِكَ حَدِيثًا مَجْهُولًا؛ وما أراهُ يَصِحُّ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
والأُخُوَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ أُخُوَّةُ المِلَّةِ والشَرِيعَةِ؛ قالَ السُدِّيُّ: يَتَلاعَنُ آخِرُها؛ وأوَّلُها؛ ﴿ "ادّارَكُوا"؛﴾ مَعْناهُ: تَلاحَقُوا؛ ووَزْنُهُ "تَفاعَلُوا"؛ أصْلُهُ: "تَدارَكُوا"؛ أُدْغِمَ؛ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "اِدّارَكُوا"؛ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ؛ ولا يَسُوغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا؛ فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ؛ وسُكُونِ الدالِ "اِدْرَكُوا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وبِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الدالِ؛ بِمَعْنى: "أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا"؛ وقَرَأحُمَيْدٌ: "أُدْرِكُوا"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ أيْ: "أُدْخِلُوا في إدْراكِها"؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها "اِدَّرَكُوا"؛ بِشَدِّ الدالِ؛ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ قالَ: وأصْلُهُ: "إدْتَرَكُوا"؛ ووَزْنُها "اِفْتَعَلُوا"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَدارَكُوا"؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَتّى إذا ادّارَكُوا"؛ [وَقُرِئَ] بِحَذْفِ ألِفِ "إذا"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.
(p-٥٦١)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: "قالَتِ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ؛ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً؛ وسُنَنًا كاذِبَةً مُسْتَعْمَلَةً لِلْأُولى الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ؛ وافْتَرَتْ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَلالِ ابْتِداءً: رَبَّنا هَؤُلاءِ طَرَقُوا طُرُقَ الضَلالِ وسَبَّبُوا ضَلالَنا؛ فَآتِهِمْ عَذابًا مُضاعَفًا - أيْ: ثانِيًا؛ زائِدًا عَلى عَذابِنا - إذْ هم كافِرُونَ؛ ومُسَبِّبُونَ لِكُفْرِنا"؛ وتَقُولُ: "ضاعَفْتُ كَذا"؛ إذا جَعَلْتَهُ مِثْلَ الأوَّلِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ "لأُولاهُمْ"؛﴾ كَأنَّها لامُ سَبَبٍ؛ إذِ القَوْلُ إنَّما هو لِلرَّبِّ تَعالى ؛ ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - مُخْبِرًا لَهُمْ: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛﴾ أيْ: "اَلْعَذابُ مُشَدَّدٌ عَلى الأوَّلِ والآخِرِ"؛ ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أيْ: اَلْمَقادِيرَ؛ وصُوَرَ التَضْعِيفِ؛ وهَذا رَدٌّ لِكَلامِ هَؤُلاءِ؛ إذْ لَيْسَ لَهم كَرامَةٌ فَيَظْهَرَ إسْعافُهم.
وأمّا المَعْنى الَّذِي دَعَوْا فِيهِ؛ فَظاهِرُ حَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ حاصِلٌ؛ وأنَّ كُلَّ مَن سَنَّ كُفْرًا؛ أو مَعْصِيَةً؛ فَعَلَيْهِ كِفْلٌ مِن جِهَةِ كُلِّ مَن عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ؛ ومِنهُ حَدِيثُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ: « "ما مِن داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ إلّا كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ ووِزْرُ مَنِ اتَّبَعَهُ؛ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوزارِهِمْ شَيْئًا..."؛» اَلْحَدِيثَ؛ ذَكَرَهُ اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ؛ مِن آخِرِ الجُزْءِ الرابِعِ مِن حَدِيثِهِ؛ وذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ غَيْرَ مُسْنَدٍ؛ مُوصَلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ما تُقْتَلُ نَسْمَةٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» أما إنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا في دُعائِهِمُ الضِعْفَ؛ وقَدْ يَكُونُ الكِفْلُ أقَلَّ؛ أو أكْثَرَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِعْفَ؛ هَهُنا: اَلْأفاعِي والحَيّاتُ.
وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ؛ غَيْرَ عاصِمٍ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ"؛ بِالتاءِ؛ ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ؛ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - لَهُمْ: "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ"؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ (p-٥٦٢)مِثْلَ قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وإخْبارٌ عَنِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُشَدَّدَ العَذابُ عَلى أُولاها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطائِفَتَيْنِ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظَةِ "كُلٍّ"؛ أيْ: "لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ".
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "وَقالَتِ الأُمَّةُ الأُولى المُبْتَدِعَةُ؛ لِلْأُمَّةِ الأخِيرَةِ المُتَّبِعَةِ: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا؛ ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ النُذُرُ؛ والرُسُلُ؛ بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكُمْ؛ وتَرَكْتُمُ النَظَرَ؛ واسْتَوَتْ حالُنا وحالُكُمْ؛ فَذُوقُوا العَذابَ بِاجْتِرامِكُمْ"؛ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وغَيْرِهِما؛ فَقَوْلُهُ "فَذُوقُوا" - عَلى هَذا - مِن كَلامِ الأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ؛ وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ "فَذُوقُوا"؛﴾ هو مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِهِمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ومَعْنى قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "مِن فَضْلٍ"؛﴾ أيْ مِنَ التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْناهُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛﴾ قالَ الأوَّلُونَ لِلْآخِرِينَ: لَمْ تَبْلُغُوا أمَلًا في أنْ يَكُونَ عَذابُكم أخَفَّ مِن عَذابِنا؛ ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ؛ والنَصِّ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences