Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:11–18
8:11–12Page 178
إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢
[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عنكم رِجْزَ الشَيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾
العامِلُ في "إذْ" هو العامِلُ الَّذِي عَمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ﴾ [الأنفال: ٧] بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ، لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ فَقالَ: "واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا".
(p-١٤٥)وَقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ [الأنفال: ١٠].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، ولَوْ جُعِلَ العامِلُ في "إذْ" شَيْئًا قَرِيبًا مِمّا قَبْلَها لَكانَ الأولى في ذَلِكَ أنْ يَعْمَلَ في "إذْ" "حَكِيمٌ"، لِأنَّ إلْقاءَ النُعاسِ عَلَيْهِمْ وجَعْلَهُ أمَنَةً حِكْمَةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْشِيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الغَيْنِ. وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي حَفْصٍ، وابْنِ نَصاحٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يُغَشِّيكُمْ" بِفَتْحِ الغَيْنِ وشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وهي قِراءَةُ عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يَغْشاكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وألِفٍ بَعْدَ الشِينِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأهْلِ مَكَّةَ "النُعاسُ" بِالرَفْعِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ "يَغْشاكُمْ" إجْماعُهم في آيَةِ (أُحُدٍ) عَلى ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وحُجَّةُ مَن قَرَأ "يُغَشِّيكُمْ" أنْ يَجِيءَ الكَلامُ مُتَّسِقًا مَعَ "يُنَزِّلُ"، ومَعْنى "يُغَشِّيكُمُ": يُغَطِّيكم بِهِ ويُفْرِغُهُ عَلَيْكُمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ.
والنُعاسَ: أخَفُّ النَوْمِ، وهو الَّذِي قَدْ يُصِيبُ الإنْسانَ وهو واقِفٌ أو ماشٍ، ويَنُصُّ عَلى ذَلِكَ قَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنَّما كانَ بِهِمْ خَفْقٌ في الرُؤُوسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إذا نَعَسَ أحَدُكم في صَلاتِهِ"،» ويَنُصُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ
(p-١٤٦)وَقَوْلُهُ: ﴿أمَنَةً﴾ مَصْدَرٌ مِن أمِنَ الرَجُلُ يَأْمَنُ أمْنًا وأمَنَةً وأمانًا، والهاءُ فِيها لِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ كَما هي في المَساءَةِ والمَشَقَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أمْنَةً" بِسُكُونِ المِيمِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "النُعاسُ عِنْدَ حُضُورِ القِتالِ عَلامَةُ أمْنٍ مِنَ العَدُوِّ، وهو مِنَ اللهِ، وهو في الصَلاةِ مِنَ الشَيْطانِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا طَرِيقُهُ الوَحْيُ فَهو لا مَحالَةَ إنَّما يُسْنِدُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَماءِ ماءً﴾ تَعْدِيدٌ أيْضًا لِهَذِهِ النِعْمَةِ في المَطَرِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ، وقالَهُ الزَجّاجُ -: إنَّ لْكَفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بَدْرٍ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهُمْ، فَوَجَسَتْ نُفُوسُهم وعَطِشُوا وأجْنَبُوا وصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم في نُفُوسِهِمْ -بِإلْقاءِ الشَيْطانِ إلَيْهِمْ-: نَزْعُمُ أنّا أولِياءُ اللهِ وفِينا رَسُولُ اللهِ ﷺ وحالُنا هَذِهِ والمُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَأنْزَلَ اللهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السابِعَةَ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ حَتّى سالَتِ الأودِيَةُ، فَشَرِبَ الناسُ وتَطَهَّرُوا وسَقَوُا الظَهْرَ، وتَدَمَّثَتِ السَبْخَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ حَتّى ثَبَتَتْ فِيها أقْدامُ المُسْلِمِينَ وقْتَ القِتالِ، وكانَتْ قَبْلَ المَطَرِ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، فَلَمّا نَزَلَ الطَشُّ تَلَبَّدَتْ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: (p-١٤٧)مِنَ الجَنابَةِ ﴿وَيُذْهِبَ عنكم رِجْزَ الشَيْطانِ﴾ أيْ: عَذابَهُ لَكم بِوَساوِسِهِ المُتَقَدِّمَةِ الذِكْرِ. والرِجْزُ: العَذابُ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "رِجْسَ" بِالسِينِ، أيْ: وساوِسَهُ الَّتِي تُمْقَتُ وتُتَقَذَّرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رِجْزَ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَيُذْهِبْ" بِجَزْمِ الباءِ. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: بِتَنْشِيطِها وإزالَةِ الكَسَلِ عنها وتَشْجِيعِها عَلى العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "رابِطُ الجَأْشِ"، أيْ: ثابِتُ النَفْسِ عِنْدَ جَأْشِها في الحَرْبِ، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ أيْ: في الرَمْلَةِ الدَهْسَةِ الَّتِي كانَ المَشْيُ فِيها صَعْبًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَحِيحُ مِنَ القَوْلِ -وَهُوَ الَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِها- أنَّ المُؤْمِنِينَ سَبَقُوا إلى الماءِ بِبَدْرٍ، وفي هَذا كَلامُ حُبابِ بْنِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ «حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى أوَّلِ ماءٍ، فَقالَ لَهُ حُبابٌ: "أبِوَحْيٍ يا رَسُولَ اللهِ هو المَنزِلُ فَلَيْسَ لَنا أنْ نَتَقَدَّمَهُ ولا نَتَأخَّرَ عنهُ أمْ هو عِنْدَكَ الرَأْيُ والمَكِيدَةُ؟"» الحَدِيثُ المُسْتَوْعَبُ في السِيرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَكِنَّ نُزُولَ المَطَرِ كانَ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلى الماءِ، وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَحِقَتْهم في سَفَرِهِمُ الجَناباتُ وعَدِمُوا الماءَ قَرِيبَ بَدْرٍ فَصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَوَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ، ووَسْوَسَ الشَيْطانُ لَهم في ذَلِكَ مَعَ تَخْوِيفِهِ لَهم مِن كَثْرَةِ العَدُوِّ وقَتْلِهِمْ، وهَذا قَبْلَ التَرائِي بِالأعْيُنِ، وأيْضًا فَكانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ ماءِ بَدْرٍ مَسافَةٌ طَوِيلَةٌ مِن رَمْلٍ (p-١٤٨)دَهِسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، وكانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَسْبِقَهُمُ الكُفّارُ إلى ماءِ بَدْرٍ فَتَحَرَّضُوا هم أنْ يَسْبِقُوهم إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللهُ تِلْكَ المَطَرَةَ فَسالَتِ الأودِيَةُ فاغْتَسَلُوا وطَهَّرَهُمُ اللهُ فَذَهَبَ رِجْزُ الشَيْطانِ، ودَمِثَتِ الطَرِيقُ وتَلَبَّدَتْ تِلْكَ الرَمْلَةُ فَسَهُلَ المَشْيُ فِيها وأمْكَنَهُمُ الإسْراعُ حَتّى سَبَقُوا إلى الماءِ، ووَقَعَ في السِيرَةِ أنَّ ما أصابَ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ المَطَرِ بِعَيْنِهِ صَعَّبَ عَلَيْهِمْ طَرِيقَهُمْ، فَسُرَّ المُؤْمِنُونَ وتَبَيَّنُوا مِن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ قَصْدَ المَعُونَةِ لَهم فَطابَتْ نُفُوسُهُمْ، واجْتَمَعَتْ وتَشَجَّعَتْ، فَذَلِكَ الرَبْطُ عَلى قُلُوبِهِمْ وتَثْبِيتُ الأقْدامِ مِنهم عَلى الرَمْلَةِ اللَيِّنَةِ، فَأمْكَنَهم لِحاقُ الماءِ قَبْلَ المُشْرِكِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذا أحَدُ ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾، والضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عائِدٌ عَلى الماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى رَبْطِ القُلُوبِ، فَيَكُونُ تَثْبِيتُ الأقْدامِ عِبارَةً عَنِ النَصْرِ والمَعُونَةِ في مَوْطِنِ الحَرْبَشِ وبَيَّنَ أنَّ الرابِطَ الجَأْشِ تَثْبُتُ قَدَمُهُ عِنْدَ مُكافَحَةِ الهَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونُزُولُ الماءِ كانَ في الزَمَنِ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُعاسِ ولَمْ يَتَرَتَّبْ ذَلِكَ في الآيَةِ إذِ القَصْدُ فِيها تَعْدِيدُ النِعَمِ فَقَطْ، وحَكى أبُو الفَتْحِ أنَّ الشَعْبِيَّ قَرَأ "وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَماءِ ما" ساكِنَةَ الألِفِ ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: وهي بِمَعْنى: الَّذِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ ابْنُ المُسَيِّبِ: "لِيُطَهِّرَكُمْ" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذْ" العامِلُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، ولَوْ قَدَّرْناهُ قَرِيبًا لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ عَلى تَأْوِيلِ عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الرَبْطِ، وأمّا (p-١٤٩)عَلى عَوْدِهِ عَلى الماءِ فَيُقْلِقُ أنْ تَعْمَلَ "وَيُثَبِّتَ" في "إذْ".
ووَحْيُ اللهِ إلى المَلائِكَةِ إمّا بِإلْهامٍ أو بِإرْسالِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُ- "إنِّي مَعَكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ إيجادِ القِصَّةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِـ "يُوحِي"، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّ الوَحْيَ في مَعْنى القَوْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالقِتالِ مَعَهم عَلى ما رُوِيَ. ويَحْتَمِلُ بِالحُضُورِ في حَيِّزِهِمْ والتَأْنِيسِ لَهم بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَثَبِّتُوهم بِأقْوالٍ مُؤْنِسَةٍ مُقَوِّيَةٍ لِلْقَلْبِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ كانَ في صُورَةِ الآدَمِيِّينَ، فَكانَ أحَدُهم يَقُولُ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ: لَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ الكُفّارَ قالُوا: "لَئِنْ حَمَلَ المُسْلِمُونَ عَلَيْنا لَنَنْكَشِفَنَّ"، ويَقُولُ آخَرُ: ما أرى الغَلَبَةَ والظَفَرَ إلّا لَنا. ويَقُولُ آخَرُ: أقْدِمْ يا فُلانُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ المُثَبَّتَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَثْبِيتُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ما يُلْقِيهِ المَلَكُ في قَلْبِ الإنْسانِ بِلَمَّتِهِ مِن تَوَهُّمِ الظَفَرِ واحْتِقارِ الكُفّارِ، ويَجْرِي عَلَيْهِ مِن خَواطِرِ تَشْجِيعِهِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ مُطابَقَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾، وإنْ كانَ إلْقاءُ الرُعْبِ يُطابِقُ التَثْبِيتَ عَلى أيِّ صُورَةٍ كانَ التَثْبِيتُ، ولَكِنَّهُ أشْبَهُ بِهَذا إذْ هي مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن صُورَةِ الحالِ، كَما تَقُولُ -إذا وصَفْتَ حَرْبًا- لِمَن تُخاطِبُهُ: "لَقِينا (p-١٥٠)القَوْمَ وهَزَمْناهُمْ، فاضْرِبْ بِسَيْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ واقْتُلْ وخُذْ أسِيرَكَ"، أيْ هَذِهِ كانَتْ صِفَةَ الحالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "سَأُلْقِي" إلى آخِرِ الآيَةِ خَبَرًا يُخاطِبُ بِهِ المُؤْمِنِينَ عَمّا يَفْعَلُهُ في الكُفّارِ في المُسْتَقْبَلِ كَما فَعَلَهُ في الماضِي، ثُمَّ أمَرَهم بِضَرْبِ الرِقابِ والبَنانِ تَشْجِيعًا لَهم وحَضًّا عَلى نُصْرَةِ الدِينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ "الرُعُبَ" بِضَمِّ العَيْنِ، والناسُ عَلى تَسْكِينِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ فَقالَ الأخْفَشُ: "فَوْقَ" زِيادَةٌ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عن عَطِيَّةَ أنَّ المَعْنى: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وقالَ غَيْرُهُ: هي بِمَعْنى: عَلى، وقالَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي عَلى بابِها وأرادَ الرُؤُوسَ إذْ هي فَوْقَ الأعْناقِ. وقالَ المُبَرِّدُ: وفي هَذا إباحَةُ ضَرْبِ الكافِرِ في الوَجْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا التَأْوِيلُ أنْبَلُها.
ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ وصْفَ أبْلَغِ ضَرَباتِ العُنُقِ وأحْكَمِها، وهي الضَرْبَةُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ عَظْمِ العُنُقِ ودُونَ عَظْمِ الرَأْسِ، في المَفْصِلِ.
ويُنْظَرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ الجُشَمِيِّ لِابْنِ الدُغُنَّةِ السُلَمِيِّ حِينَ قالَ لَهُ: "خُذْ سَيْفِي وارْفَعْ بِهِ عَنِ العَظْمِ واخْفِضْ عَنِ الدِماغِ فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ جَعَلْتُ السَيْفَ بَيْنَ الجِيدِ مِنهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَيْنَأسِيلِ خَدَّيْهِ عِذارا
(p-١٥١)فَيَجِيءُ عَلى هَذا ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ مُتَمَكِّنًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "فَوْقَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: دُونَ. وهَذا خَطَأٌ بَيِّنٌ، وإنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ اللَبْسُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] أيْ: فَما دُونَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَتْ "فَوْقَ" هُنا بِمَعْنى دُونَ، وإنَّما المُرادُ: فَما فَوْقَها في القِلَّةِ والصِغَرِ، فَأشْبَهَ المَعْنى دُونَ، والبَنانُ: قالَتْ فِرْقَةٌ: هي المَفاصِلُ حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأعْضاءِ، فالمَعْنى عَلى هَذا: "واضْرِبُوا مِنهم في كُلِّ مَوْضِعٍ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: البَنانُ: الأصابِعُ، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ -وَإنْ كانَ الضَرْبُ في كُلِّ مَوْضِعٍ مُباحًا- فَإنَّما قُصِدَ أبْلَغُ المَواضِعِ لِأنَّ المُقاتِلَ إذا قُطِعَ بَنانُهُ اسْتَأْسَرَ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن أعْضائِهِ في مُكافَحَةٍ وقِتالٍ.
8:13–16Page 178
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.
ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤
"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥
O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].
وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦
And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النارِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ فِيهِ بِالمَعْنى، والضَمِيرُ في "بِأنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، و﴿شاقُّوا﴾ مَعْناهُ: خالَفُوا ونابَذُوا وقَطَعُوا، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِقِّ وهو القَطْعُ والفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ، فَكَأنَّ اللهَ لَمّا شَرَعَ شَرْعًا وأمَرَ بِأوامِرَ وكَذَّبُوا هم وصَدُّوا تَباعَدَ ما بَيْنَهم وانْفَصَلَ وانْشَقَّ، مَأْخُوذٌ مِن هَذا لِأنَّهُ (p-١٥٢)مَعَ شِقِّهِ الآخَرِ تَباعَدا وانْفَصَلا. وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شاقُّوا﴾ أيْ: صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وإنْ كانَ مَعْناهُ صَحِيحًا فَتَحْرِيرُ الِاشْتِقاقِ إنَّما هو ما ذَكَرْناهُ، والمِثالُ الأوَّلُ إنَّما هو الشَقُّ بِفَتْحِ الشِينِ، وأجْمَعُوا عَلى الإظْهارِ في "يُشاقِقِ" اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ. وقَوْلُهُ: ﴿فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ جَوابُ الشَرْطِ تَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ المُخاطَبَةُ لِلْكُفّارِ، أيْ: ذَلِكُمُ الضَرْبُ والقَتْلُ وما أوقَعَ اللهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وكَذا فَسَّرَهُ سِيبَوَيْهِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِهِ: "زَيْدًا فاضْرِبْهُ". وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَإمّا عَلى تَقْدِيرِ: "وَحَتْمٌ أنَّ"، فَيُقَدَّرُ عَلى ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ "أنَّ" خَبَرَهُ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ "واعْلَمُوا أنَّ" فَهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ. ورَوى سُلَيْمانُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "وَإنَّ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآيَةُ. "زَحْفًا" يُرادُ بِهِ: مُتَقابِلِي الصُفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وأصْلُ الزَحْفِ الِانْدِفاعُ عَلى الألْيَةِ ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ إلى آخَرَ في الحَرْبِ رُوَيْدًا زاحِفًا، إذْ في مِشْيَتِهِ مِنَ التَماهُلِ والتَباطُؤِ ما في مَشْيِ الزاحِفِ، ومِنَ الزَحْفِ الَّذِي هو الِانْدِفاعُ قَوْلُهم لِنارِ العَرْفَجِ وما جَرى مَجْراهُ في سُرْعَةِ الِاتِّقادِ: نارُ الزَحْفَتَيْنِ. ومِنَ التَباطُؤِ في المَشْيِ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٥٣)
؎ كَأنَّهُنَّ بِأيْدِي القَوْمِ في كَبَدٍ ∗∗∗ طَيْرُ تَكَشَّفُ عن جَوْنٍ مَزاحِيفِ
ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ عَلى عَمائِمِنا تُلْقى وأرْجُلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى زَواحِفَ نُزْجِيها مَحاسِيرَ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ لِمَنِ الظَعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ∗∗∗ ∗∗∗..................
ومِنَ التَزَحُّفِ بِمَعْنى التَدافُعِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:(p-١٥٤)
؎ كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُبْحِ آثارُ السِياطِ
وأمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوَلِّيَ المُؤْمِنُونَ أمامَ الكُفّارِ، وهَذا الأمْرُ مُقَيَّدٌ بِالشَرِيطَةِ المَنصُوصَةِ في مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا لَقِيَتْ فِئَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِئَةً هي ضِعْفُ المُؤْمِنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فالفَرْضُ ألّا يَفِرُّوا أمامَهُمْ، فالفِرارُ هُناكَ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ والحَدِيثِ وإجْماعِ أكْثَرِ الأُمَّةِ، والَّذِي يُراعى العَدَدُ حَسَبَ ما في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الماجِشُونَ في "الواضِحَةِ": يُراعى أيْضًا الضَعْفُ والقُوَّةُ والعِدَّةُ، فَيَجُوزُ -عَلى قَوْلِهِمْ- أنْ يَفِرَّ مِائَةُ فارِسٍ إذا عَلِمُوا أنَّ عِنْدَ المُشْرِكِينَ مِنَ العُدَّةِ والنَجْدَةِ والبَسالَةِ ضِعْفَ ما عِنْدَهُمْ، وأمامَ أقَلَّ أو أكْثَرَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فَلا يَحِلُّ فِرارُ مِائَةٍ إلّا أمامَ ما زادَ عَلى مِائَتَيْنِ.
والعِبارَةُ بِالدُبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةُ الفَصاحَةِ لِأنَّها بَشِعَةٌ عَلى الفارِّ ذامَّةٌ لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "دُبُرَهُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "دُبْرَهُ" بِسُكُونِ الباءِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ وما ولِيَهُ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ -بَعْدَ ذَلِكَ- حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَعْفِ وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَحْفِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وقَدْ فَرَّ الناسُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعَفا اللهُ عنهُمْ، وقالَ فِيهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ: الإشارَةُ بِـ "يَوْمَئِذٍ" إلى يَوْمِ اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: (p-١٥٥)﴿إذا لَقِيتُمُ﴾، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِشَرْطِ الضِعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ الناسُ مِن أكْثَرَ مِن ضِعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِمْ وفِرارِهِمْ عنهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنٍ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَثْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللهِ عَمَّنْ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عن كَبِيرَةٍ.
ومُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ
يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَرِّ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ نَصْبُ "مُتَحَيِّزًا". وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم "مَن"، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَوَلِّي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَوْ كانَ كَذَلِكَ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ: "إلّا تَحَرُّفًا وتَحَيُّزًا".
والفِئَةُ هاهُنا-: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ. هَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ كَبِيرَةٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَتَكُونُ "الفِئَةُ": المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانُوا، رُوِيَ هَذا القَوْلُعن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ قالَ: أنا فِئَتُكم أيُّها المُسْلِمُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الحَيْطَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ كانُوا في ذَلِكَ الزَمَنِ يَثْبُتُونَ لِأضْعافِهِمْ مِرارًا، وفي مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِجَماعَةٍ فَرَّتْ في سَرِيَّةٍ مِن سَراياهُ: "أنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ" حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ.» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن (p-١٥٦)حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ"، وعَدَّدَ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ.»
و"باءَ" بِمَعْنى نَهَضَ مُتَحَمِّلًا لِلثِّقْلِ المَذْكُورِ في الكَلامِ غَضَبًا كانَ أو نَحْوَهُ، والغَضَبُ مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إذا أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهي صِفَةُ ذاتٍ، وإذا أُخِذَ بِمَعْنى إظْهارِ أفْعالِ الغاضِبِ عَلى العَبْدِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ، وهَذا المَعْنى أشْبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ.
8:17–18Page 179
فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧
And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨
That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكم وأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أعْلَمَ اللهُ بِها أنَّ القَتَلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا هم مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ بِالإقْدارِ عَلَيْهِ، والخَلْقُ والِاخْتِراعُ في جَمِيعِ حالاتِ القاتِلِ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، وإنَّما يُشارِكُهُ بِتَكَسُّبِهِ وقَصْدِهِ، وهَذِهِ الألْفاظُ تَرُدُّ عَلى مَن يَقُولُ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ -فِيما رُوِيَ- أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمّا صَدَرُوا عن بَدْرٍ ذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ما فَعَلَ، فَقالَ: قَتَلْتُ كَذا وفَعَلْتُ كَذا، فَجاءَ مِن ذَلِكَ تَفاخُرٌ ونَحْوُ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ يُرادُ بِهِ ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أخَذَ قَبَضاتٍ مِن حَصًى وتُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ وتِلْقاءَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فانْهَزَمُوا عِنْدَ آخِرِ رَمْيَةٍ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "شاهَتِ الوُجُوهُ". وهَذِهِ الفِعْلَةُ أيْضًا كانَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِلا خِلافٍ، ورُوِيَ أنَّ التُرابَ الَّذِي رَمى بِهِ (p-١٥٧)لَمْ يَبْقَ كافِرٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، ورُوِيَ أنَّهُ رَمى بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ مَعَ الحَجَرِ الثالِثِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ وذَلِكَ مَنصُوصٌ في الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ، وهو خارِجٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنى: وما رَمَيْتَ الرَمْيَ الكافِيَ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُ قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎ .................. ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
أيْ: لَنْ أُعْطَ شَيْئًا مُرْضِيًا.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما رَمَيْتَ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ حَصَياتَكَ، ولَكِنَّ اللهَ رَماهُ، وهَذا أيْضًا مَنصُوصٌ في المَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما أغْنَيْتَ إذْ رَمَيْتَ حَصَياتَكَ، ولَكِنَّ اللهَ رَمى، أيْ: أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ في الدُعاءِ: رَمى اللهُ لَكَ، أيْ: أعانَكَ وصَنَعَ لَكَ، وحَكى هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ اللهَ رَمى" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وفِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ اللهُ رَمى" بِتَخْفِيفِها ورَفِعِ الهاءِ مِنَ "اللهِ".
و﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ أيْ: لِيُصِيبَهم بِبَلاءٍ حَسَنٍ، فَظاهِرُ وصْفِهِ بِالحُسْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ أرادَ الغَنِيمَةَ والظَفَرَ والعِزَّةَ، وقِيلَ: أرادَ الشَهادَةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ، مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومَهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ، وغَيْرُهم.
﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِاسْتِغاثَتِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ لا إلَهَ إلّا هو. (p-١٥٨)وَحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ رَمْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الحَرْبَةَ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وما بَعْدَها وذَلِكَ بَعِيدٌ. وحُكِيَ أيْضًا أنَّ المُرادَ السَهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، فَقَتَلَهُ وهو عَلى فِراشِهِ. وهَذا فاسِدٌ، وخَيْبَرُ فَتْحُها أبْعَدُ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ، والصَحِيحُ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا. فَهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ لِما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللهِ ورَمْيِهِ إيّاهُمْ، ومَوْضِعُ "ذَلِكُمْ" مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكُمْ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ، "وَأنَّ" مَعْطُوفٌ عَلى "ذَلِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ ونَحْوُ هَذا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. و﴿مُوهِنُ﴾ مَعْناهُ: مُضْعِفُ مُبْطِلٍ، يُقالُ وهَنَ الشَيْءُ، مِثْلُ: وعَدَ يَعِدُ. ويُقالُ: وهِنَ مِثْلُ: ولِي يَلِي. وقُرِئَ "فَما وهِنُوا لِما أصابَهُمْ" بِكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "مُوهِنُ كَيْدِ" مِن أوهَنَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: (p-١٥٩)"مُوَهِّنُ كَيْدِ" مِن وهَّنَ. وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مُوهِنِ كَيْدِ" بِكَسْرِ الدالِ والإضافَةِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ فِيها أرْبَعَةَ أوجُهٍ؛ فَذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ الثَلاثَ، وزادَ "مُوَهِّنِ كَيْدِ" بِتَشْدِيدِ الهاءِ والإضافَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنُصَّ أنَّها قِراءَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences