Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:35–40
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ "وَما كانَ صَلاتُهُمْ" بِالرَفْعِ، "عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً" بِالنَصْبِ، "وَتَصْدِيَةً" كَذَلِكَ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "صَلاتَهُمْ" بِالنَصْبِ، "إلّا مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ" بِالرَفْعِ، ورُوِيَتْ عن سُلَيْمانَ الأعْمَشِ بِخِلافٍ عنهُ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قالَ في قِراءَةِ عاصِمٍ: أفَإنْ لَحَنَ عاصِمٌ تَلْحَنُ أنْتَ؟ قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَدْ رُوِيَ الحَرْفُ كَذَلِكَ عن أبانَ بْنِ تَغْلِبَ، قالَ قَوْمٌ: وهَذِهِ القِراءَةُ خَطَأٌ لِأنَّهُ جَعَلَ الِاسْمَ نَكِرَةً والخَبَرَ مَعْرِفَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: فَإنْ قِيلَ: "إنَّ (المُكاءَ والتَصْدِيَةَ) (p-١٨١)اسْمُ جِنْسٍ واسْمُ الجِنْسِ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا واحِدٌ في التَعْرِيفِ"، قِيلَ: إنَّ اسْتِعْمالَهُ هَكَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ، كَما قالَ حَسّانُ:.
؎ كَأنَّ سَبِيئَةً مِن بَيْتِ رَأسٍ ∗∗∗ يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
ولا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ.
فَأمّا أبُو الفَتْحِ فَوَجَّهَ هَذِهِ القِراءَةَ بِما ذَكَرْناهُ مِن تَعْرِيفِ اسْمِ الجِنْسِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُرَجِّحُ قِراءَةَ الناسِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنَّما ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى هَذِهِ القِراءَةِ لَمّا رَأى الفِعْلَ أنَّ "الصَلاةَ" مُؤَنَّثَةٌ، ورَأى المُسْنَدَ إلَيْها لَيْسَ فِيهِ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ فَأرادَ تَعْلِيقَهُ بِمُذَكَّرٍ وهو "المُكاءُ"، وأخْطَأ في ذَلِكَ، فَإنَّ العَرَبَ تُعَلِّقُ الفِعْلَ لا عَلامَةَ فِيهِ بِالمُؤَنَّثِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، و( كَيْفَ كانَ عاقِبَةَ المُفْسِدِينَ ) ونَحْوُ هَذا مِمّا أُسْنِدَ فِيهِ الفِعْلُ دُونَ عَلامَةٍ إلى المُؤَنَّثِ.
والمُكاءُ عَلى وزْنِ الفِعالِ: الصَفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والجُمْهُورُ، (p-١٨٢)فَقَدْ يَكُونُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ: وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُقالُ: مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ:
؎ وحَلِيلِ غانِيَّةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا ∗∗∗ ∗∗∗ تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَكَأنَّما يَمْكُو بِأعْصَمَ عاقِلِ ∗∗∗ ∗∗∗...................
يَصِفُ رَجُلًا فَرَّ لَهُ حَيَوانٌ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ:
؎ فَنَحا لِأُولاها بِطَعْنَةِ مُحْفَظٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمْكُو جَوانِبُها مِنَ الإنْهارِ
ومَكَتِ اسْتُ الدابَّةِ إذا صَفَّرَتْ، يُقالُ: ولا تَمْكُو إلّا اسْتٌ مَكْشُوفَةٌ، ومِن هَذا قِيلَ لِلِاسْتِ: مَكْوَةٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالهَمْزَةُ في مُكاءٍ مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ.
(p-١٨٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن هَذا قِيلَ لِلطّائِرِ: المُكّاءُ، لِأنَّهُ يَمْكُو أيْ يُصَفِّرُ في تَغْرِيدِهِ، ووَزْنُهُ فُعّالٌ بِشَدِّ العَيْنِ كَخُطّافِ، والأصْواتُ في الأكْثَرِ تَجِيءُ عَلى فُعالٍ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ كالبُكاءِ والصُراخِ والدُعاءِ والجُؤارِ والنُباحِ ونَحْوِهِ. ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ المُكاءَ صَوْتُ الأيْدِي، وذَلِكَ ضَعِيفٌ. ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "إلّا مَكا" بِالقَصْرِ.
و"التَصْدِيَةُ" عَبَّرَ عنها أكْثَرُ الناسِ بِأنَّها التَصْفِيقُ. وقَتادَةُ بِأنَّها الضَجِيجُ والصِياحُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِأنَّها الصَدُّ والمَنعُ، ومَن قالَ "إنَّها التَصْفِيقُ" قالَ: "إنَّما كانَ لِلْمَنعِ عن ذِكْرِ اللهِ ومُعارَضَةً لِقِراءَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ"، والتَصْدِيَةُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مِن صَدى يَصْدى إذا صَوَّتَ، والصَدى: الصَوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ يَصِفُ الأرْوِيَةَ:
؎ لَها كُلَّما رِيعَتْ صَداةٌ ورَكْدَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمِصْرانَ أعْلى ابْنَيْ شَمامِ البَوائِنِ
فَيَلْتَئِمُ -عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ- قَوْلُ مَن قالَ: هو التَصْفِيقُ، وقَوْلُ مَن قالَ: الضَجِيجُ، ولا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: هو الصَدُّ والمَنعُ إلّا أنْ يُجْعَلَ التَصْوِيتُ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ المَنعُ، فَفُسِّرَ اللَفْظُ بِالمَقْصُودِ لا بِما يَخُصُّهُ مِن مَعْناهُ.
ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "التَصْدِيَةُ" مِن صَدَّ يَصُدُّ، اسْتُعْمِلَ الفِعْلُ مُضَعَّفًا لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ لا لِيُعَدّى فَقِيلَ: صَدَّدَ، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يَتَعَدّى إذا ضُعِّفَ فَإنَّما يُضَعَّفُ لِلتَّكْثِيرِ، إذِ التَعَدِّي حاصِلٌ قَبْلَ التَضْعِيفِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، والَّذِي يُضَعَّفُ لِيُعَدّى هو كَقَوْلِهِمْ عَلَّمَ وغَرَّمَ، فَإذا قُلْنا في صَدَّ: صَدَّدَ، فَفِعْلٌ في الصَحِيحِ (p-١٨٤)يَجِيءُ مَصْدَرُهُ في الأكْثَرِ عَلى تَفْعِيلٍ، وفي الأقَلِّ عَلى تَفْعِلَةٍ، مِثْلُ كَمَّلَ تَكْمِيلًا وتَكْمِلَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، بِخِلافِ المُعْتَلِّ فَإنَّهُ يَجِيءُ في الأكْثَرِ عَلى تَفْعِلَةٍ، مِثْلُ عَزّى وتَعْزِيَةً، وفي الشاذِّ عَلى تَفْعِيلٍ مِثْلُ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ باتَ يُنْزِي دَلْوَهُ تَنَزِّيًا ∗∗∗ ∗∗∗...............
وإذا كانَ فِعْلٌ في الصَحِيحِ يَتَّسِقُ فِيهِ المَثَلانِ رُفِضَ فِيهِ تَفْعِلَةٌ مِثْلُ قَوْلِنا: تَصْدِيَةٌ، وصُيِّرَ إلى تَفْعِيلٍ لِتَحُولَ الياءُ بَيْنَ المِثْلَيْنِ كَتَخْفِيفٍ وتَشْدِيدٍ، فَلَمّا سَلَكُوا مَصْدَرَ صَدَّدَ المَسْلَكَ المَرْفُوضَ أُصْلِحَ ذَلِكَ بِأنْ أُبْدِلَ أحَدُ المِثْلَيْنِ ياءً كَبَدَلِهِمْ فِي: تَظَنَّنْتُ ونَحْوِهِ، فَجاءَ: تَصْدِيَةً، فَعَلى هَذا الِاشْتِقاقِ يَلْتَئِمُ قَوْلُ مَن قالَ: التَصْدِيَةُ: الصَدُّ عَنِ البَيْتِ والمَنعُ.
ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ التَصْدِيَةُ مِن صَدَّ يَصِدُّ -بِكَسْرِ الصادِ في المُسْتَقْبَلِ- إذا ضَجَّ، ويُبَدِّلُ أيْضًا عَلى هَذا أحَدِ المِثْلَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] بِكَسْرِ الصادِ، ذَكَرَهُ النَحّاسُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُكاءَ والتَصْدِيَةَ إنَّما أحْدَثَها الكُفّارُ عِنْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِتَقْطَعَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ قِراءَتَهم وصَلاتَهُمْ، ويُخَلَّطَ عَلَيْهِمْ، فَكانَ (p-١٨٥)المُصَلِّي إذا قامَ يَقْرَأُ مِنَ المُؤْمِنِينَ اكْتَنَفَهُ مِنَ الكُفّارِ عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ مَن يَمْكُو ويُصَدِّي حَتّى تَخْتَلِطَ عَلَيْهِ قِراءَتُهُ، فَلَمّا نَفى اللهُ وِلايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: وكَيْفَ لا نَكُونُ أولِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ؟ فَقَطَعَ اللهُ هَذا الِاعْتِراضَ بِأنْ قالَ: "وَما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَصْدِيَةَ"، وهَذا كَما يَقُولُ الرَجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشَرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما يُدَوَّنُ أنَّ المُكاءَ والتَصْدِيَةَ كانَ مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَقَرُّبِ بِهِ والتَشَرُّعِ، ورَأيْتُ عن بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ كانَ يَمْكُو عَلى الصَفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءَ، وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنَقُّصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزايَدُونَ فِيها وقْتَ النَبِيِّ ﷺ لِيَشْغَلُوهُ وأُمَّتَهُ عَنِ القِراءَةِ والصَلاةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عَذابِهِمْ بِبَدْرٍ بِالسَيْفِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والحَسَنُ، والضَحّاكُ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ ولابُدَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأشْبَهُ أنَّ الكُلَّ نَزَلَ بَعْدَ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا مَضى. واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ.
8:36Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
(p-١٨٦)قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾
قالَ بَعْضً الرُواةِ، مِنهُمُ ابْنُ أبْزى وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أبا سُفْيانَ أنْفَقَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى الأحابِيشِ وغَيْرِهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَهَبِ أو نَحْوِ هَذا، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ شِهابٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حَيّانَ وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، والحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ: إنَّهُ لَمّا قُتِلَ مِن قُتِلٍ بِبَدْرٍ اجْتَمَعَ أبْناؤُهم وقَرابَتُهم وقالُوا لِمَن خَلُصَ مالُهُ في العِيرِ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ نالَ مِنّا ما تَرَوْنَ، ولَكِنْ أعِينُونَنا بِهَذا المالِ الَّذِي كانَ سَبَبَ الواقِعَةِ، فَلَعَلَّنا أنْ نَنالَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى القَوْلَيْنِ فَإنَّما أُنْفِقَ المالُ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خَبْرًا لَفْظُهُ عامُّ في الكُفّارِ، والإشارَةُ بِهِ إلى مَخْصُوصِينَ أنَّهم يُنْفِقُونَ أمْوالَهم يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الصَدَّ عن سَبِيلِ اللهِ والدَفْعَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ خَبَرًا يَخُصُّ المُشارَ إلَيْهِمْ أنَّهم يُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، إذْ لا تَتِمُّ لَهم إرادَةٌ ويَذْهَبُ المالُ باطِلًا، والحَسْرَةُ: التَلَهُّفُ عَلى الفائِتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الحَسْرَةُ في يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وإنْ كانَتْ حَسْرَةُ القِيامَةِ راتِبَةً عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن إخْبارِ القُرْآنِ بِالغُيُوبِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، فَكانَ كَما أخْبَرَ، قالَ ابْنُ سَلامٍ: بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يُغْلَبُونَ قَبْلَ أنْ يُقاتِلُوا بِسَنَةٍ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ أنَّهم يُجْمَعُونَ إلى جَهَنَّمَ، والحَشْرُ: جَمْعُ الناسِ والبَهائِمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُجْمَعُ ويُحْضَرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ [الأنعام: ١١١]، ومِنهُ في التَفْسِيرِ أنَّ السَلْوى طائِرٌ كانَتِ الجَنُوبُ تَحْشُرُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْمُ الَّذِينَ جَلَبَهم أبُو سُفْيانَ وأنْفَقَ المالَ عَلَيْهِمْ هُمُ الأحابِيشُ مِن كِنانَةَ، ولَهم يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:(p-١٨٧)
؎ وجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسَطَهُ ∗∗∗ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ
؎ ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نِصَيَّةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنَ فَأرْبَعُ
وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ الخارِجِينَ إلى بَدْرٍ الَّذِينَ كانُوا يَذْبَحُونَ يَوْمًا عَشْرًا ويَوْمًا تِسْعًا مِنَ الإبِلِ، وحَكى نَحْوَ هَذا النَقّاشُ.
8:37–40Page 181
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَصِيرُ﴾
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَمِيزَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ، وشِبْلٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، تَقُولُ: مِزْتُ الشَيْءَ، والعَرَبُ تَقُولُ: مِزْتُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ لِي، حَكاهُ يَعْقُوبُ، وفي شاذِّ القِراءَةِ: "وانْمازُوا اليَوْمَ"، وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎ لَمّا ثَنى اللهُ عَنِّي شَرَّ عَدُوَّتِهِ ∗∗∗ وانْمَزْتُ لا مُنْشِئًا ذُعْرًا ولا وجِلا
وهُوَ مُطاوِعُ: مازَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيًّ: "لِيُمَيِّزَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الياءِ، وهي قِراءَةُ (p-١٨٨)قَتادَةَ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشِ، والحَسَنِ أيْضًا، وعِيسى البَصَرِيِّ، تَقُولُ: مَيَّزَتْ أُمَيِّزُ إذا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا، وفي القُرْآنِ ﴿تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] فَهو مُطاوِعُ مَيَّزَ ومَعْناهُ: تَنْفَصِلُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والسُدِّيُّ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الكُفّارُ، وبِالطَيِّبِ المُؤْمِنُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واللامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، والمَعْنى أنَّ اللهَ يَحْشُرُ الكافِرِينَ إلى جَهَنَّمَ لِيَمِيزَ الكافِرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْمَعَ الكافِرِينَ جَمِيعًا فَيُلْقِيَهم في جَهَنَّمَ.
ثُمَّ أخْبَرَ عنهم أنَّهم هُمُ الخاسِرُونَ، أيِ:الَّذِينَ خابَتْ سِعايَتُهم وتَبَّتْ أيْدِيهِمْ وصارُوا إلى النارِ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ، والزَجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في الصَدِّ عن سَبِيلِ اللهِ، والطَيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واللامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ مَعَ نَفَقَتِها، وذَلِكَ لِيَمِيزَ اللهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَيِّبِ فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَيِّبِ، وقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ الأمْوالِ ما كانَ صَدَقَةً أو قُرْبَةً يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِسائِرِ ذَلِكَ فَيُلْقى في النارِ"،» وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِذَلِكَ المالِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]، وقالَهُ الزَجّاجُ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ إنَّما هي عِبارَةٌ عن جَمْعِ ذَلِكَ وضَمِّهِ وتَأْلِيفِ أشْتاتِهِ وتَكاثُفِهِ بِالِاجْتِماعِ. (p-١٨٩)وَ"يَرْكُمُهُ" في كَلامِ العَرَبِ: يُكَثِّفُهُ، ومِنهُ: ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] ورُكامٌ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ ................... ∗∗∗ ∗∗∗ زُعْ بِالزِمامِ وجَوْزُ اللَيْلِ مَرْكُومُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ﴾ بِمَعْنى يُلْقِي، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. و﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفّارِ، ولَفْظَةُ الخَسارَةِ تَلِيقُ بِهِمْ مِن جِهَةِ المالِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجِهاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةُ، أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ ألْفاظُ قَوْلِهِ ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾، وسَواءٌ قالَهُ النَبِيُّ ﷺ في هَذِهِ العِبارَةِ أو غَيْرِها، ولَوْ كانَ الكَلامُ كَما ذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" لَما تَأدَّتِ الرِسالَةُ إلّا بِتِلْكَ الألْفاظِ بِعَيْنِها، هَذا بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ يُرِيدُ بِهِ: عَنِ الكَفْرِ ولابُدَّ، والحامِلُ عَلى ذَلِكَ جَوابُ الشَرْطِ بِـ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾، ومَغْفِرَةُ ما قَدْ سَلَفَ لا تَكُونُ إلّا لِمُنْتَهٍ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ( إنْ يَعُودُوا ) يُرِيدُ بِهِ: إلى القِتالِ، لِأنَّ لَفْظَةَ "عادَ يَعُودُ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما تَتَضَمَّنُ الرُجُوعَ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ الإنْسانُ عَلَيْها، ثُمَّ تَنَقَّلَ عنها، ولَسْنا نَجْدُ في هَذِهِ الآيَةِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ حالَةً تُشْبِهُ ما ذَكَرْنا، إلّا القِتالَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَتَأوَّلَ: "وَإنْ يَعُودُوا إلى الكُفْرِ" لِأنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عنهُ، وإنَّما قُلْنا في "عادَ": "إذا كانَتْ مُطْلَقَةً" لِأنَّها قَدْ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ داخِلَةً عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ بِمَنزِلَةِ "صارَ"، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "عادَ زَيْدٌ مَلِكًا" تُرِيدُ: صارَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الصَلْتِ:(p-١٩٠)
؎ تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالًا
وهَذِهِ لا تَتَضَمَّنُ الرُجُوعَ لِحالَةٍ قَدْ كانَ العائِدُ عَلَيْها قَبْلُ، لَكِنَّها مُقَيَّدَةٌ بِخَبَرِها لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ دُونَهُ، فَحُكْمُها حُكْمُ "صارَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ تَجَمَّعَ الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ والتَمْثِيلُ بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ في سالِفِ الدَهْرِ بِعَذابِ اللهِ حِينَ صَدَّ في وجْهِ نَبِيِّهِ، وبِمَن هَلَكَ في يَوْمِ بَدْرٍ بِسَيْفِ الإسْلامِ والشَرْعِ، والمَعْنى: فَقَدْ رَأيْتُمْ وسَمِعْتُمْ عَنِ الأُمَمِ ما حَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَخْوِيفُ عَلَيْهِمْ بِقِصَّةٍ بَدْرٍ أشَدُّ إذْ هي القَرِيبَةُ مِنهم والمُعايَنَةُ عِنْدَهُمْ، وعَلَيْها نَصَّ ابْنُ إسْحاقَ، والسُدِّيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فُرِضَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلُوا الكُفّارَ، والفِتْنَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناها: الشِرْكُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناها: حَتّى لا يُفْتَنَ أحَدٌ عن دِينِهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ بِمَكَّةَ بِمَن أسْلَمَ كَبِلالٍ وغَيْرِهِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ في جَوابِهِ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ حِينَ سَألَهُ عن خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: لا يُشْرَكُ مَعَهُ صَنَمٌ ولا وثَنٌ، ولا (p-١٩١)يُعْبَدُ غَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ: حَتّى تَسْتَوْسِقَ كَلِمَةُ الإخْلاصِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ المَعانِي تَتَلازَمُ كُلُّها، وقالَ الحَسَنُ: حَتّى لا يَكُونَ بَلاءٌ، وهَذا يَلْزَمُ عَلَيْهِ القِتالُ -فِي فِتَنِ المُسْلِمِينَ- الفِئَةَ الباغِيَةَ، عَلى سائِرِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ المُعْتَزِلُ في فُسْحَةٍ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أمّا نَحْنُ فَقَدَ قاتَلْنا حَتّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وأمّا أنْتَ وأصْحابُكَ فَتُرِيدُونَ أنْ نُقاتِلَ حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَمَذْهَبُ عُمَرَ أنَّ الفِتْنَةَ: الشِرْكُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو الظاهِرُ، وفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أُمِرْتَ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها، وحِسابُهم عَلى اللهِ"». ومَن قالَ: المَعْنى: حَتّى لا يَكُونَ شِرْكٌ فالآيَةُ عِنْدَهُ يُرِيدُ بِها الخُصُوصَ فِيمَن لا يُقْبَلُ مِنهُ جِزْيَةٌ، قالَ ابْنُ سَلامٍ: وهي في مُشْرِكِي العَرَبِ.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ فَإنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهِمْ مُجازٍ عَلَيْهِ، عِنْدَهُ ثَوابُهُ وجَمِيلُ المُقارَضَةِ عَلَيْهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ، وسَلامُ بْنُ سُلَيْمانَ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، أيْ: في قِتالِكم وجِدِّكم وجِلادِكم عن دِينِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ الآيَةُ، مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾، والمَعْنى: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ فاللهُ مُجازِيهِمْ -أو مُجازِيكم عَلى قِراءَةِ "تَعْمَلُونَ"-، وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، وهَذا وعْدٌ مَحْضٌ بِالنَصْرِ والظَفَرِ، أيْ فَجِدُّوا.
والمَوْلى هاهُنا: المُوالِي والمُعِينُ، والمَوْلى في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ هَذا هو الَّذِي يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنها، والمَوْلى الَّذِي هو السَيِّدُ المُقْتَرِنُ بِالعَبْدِ يَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences