Ibn 'AtiyyaAl‑Anfal · 8:43–52

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:43–52

8:43–44Page 182

إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣

[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللهُ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾

قالَ المَهْدَوِيُّ: "إذْ" نَصْبٌ بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ.

(p-٢٠٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو بَدَلٌ مِن "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ، وهو أحْسَنُ.

وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رُؤْيا رَآها رَسُولُ اللهِ ﷺ، رَأى فِيها عَدَدَ الكُفّارِ قَلِيلًا فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وحُرِّضُوا عَلى اللِقاءِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَنامِكَ﴾ أيْ: في نَوْمِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي مَنامِكَ﴾ أيْ: في عَيْنِكَ إذْ هي مَوْضِعُ النَوْمِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الرِوايَةُ في اليَقَظَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ النَقّاشُ وذَكَرَهُ عَنِ المازِنِيِّ.

والضَمِيرُ عَلى التَأْوِيلَيْنِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يُرِيكَهُمُ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومِمّا يَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَتَكَرَّرُ في الَّتِي بَعْدَها لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ مُخاطَبٌ في الثانِيَةِ أيْضًا، وقَدْ تَظاهَرَتِ الرِوايَةُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ انْتَبَهَ وقالَ لِأصْحابِهِ: « "أبْشِرُوا فَلَقَدْ نَظَرْتُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ"،» ونَحْوُ هَذا، وقَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، فَكَيْفَ يَراهم بِبَصَرِهِ بِخِلافِ ما عَلِمَ؟ والظاهِرُ أنَّهُ رَآهم في نَوْمِهِ قَلِيلًا قَدْرُهم وحالُهم وبِأسْهُمِ مَهْزُومِينَ مَصْرُوعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رَآهم قَلِيلًا عَدَدُهُمْ، فَكانَ تَأْوِيلُ رُؤْياهُ انْهِزامَهُمْ، فالقِلَّةُ والكَثْرَةُ عَلى الظاهِرِ مُسْتَعارَةٌ في غَيْرِ العَدَدِ، كَما قالُوا: "المَرْءُ كَثِيرٌ بِأخِيهِ"، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، والفَشَلُ: الخَوَرُ عَنِ الأمْرِ، إمّا بَعْدَ التَلَبُّسِ وإمّا بَعْدَ العَزْمِ عَلى التَلَبُّسِ. و﴿وَلَتَنازَعْتُمْ﴾ أيْ: لَتَخالَفْتُمْ، و﴿فِي الأمْرِ﴾ يُرِيدُ: في اللِقاءِ والحَرْبِ. و﴿سَلَّمَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مُتَخَوِّفٍ اتَّصَلَ بِالأمْرِ أو عَرَضَ في وجْهِهِ فَسَلَّمَ اللهُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ أنْ قالَ: "سَلَّمَ لَكم أمْرَكُمْ" ونَحْوَ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ أيْ: بِإيمانِكم وكُفْرِكم فَيُجازِي بِحَسَبِ ذَلِكَ. (p-٢٠٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ" بِشَدِّ النُونِ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ اللهُ" بِرَفْعِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ﴾ الآيَةُ، "وَإذْ" عَطْفٌ عَلى الأولى، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ هي في اليَقَظَةِ بِإجْماعٍ، وهي الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ حِينَ التَقَوْا ووَقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ في نُصْرَةِ الإسْلامِ وإظْهارِهِ قَلَّلَ كُلَّ طائِفَةٍ في عُيُونِ الأُخْرى، فَوَقَعَ الخَلَلُ في التَخْمِينِ والحَزْرِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الناسُ في هَذا التَجَسُّسِ كُلُّ طائِفَةٍ عَلى الأُخْرى وتَتَسَبَّبُ أسْبابُ الحَرْبِ، ورُوِيَ في هَذا عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ قُلْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَظُنُّهم سَبْعِينَ؟ قالَ: بَلْ هم مِائَةٌ. قالَ: فَلَمّا هَزَمْناهم أسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ ألْفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَرُدُّ عَلى هَذا المَعْنى في التَقْلِيلِ ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ سَألَ عَمّا يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ، فَأُخْبِرَ أنَّهم يَوْمًا عَشْرًا ويَوْمًا تِسْعًا، قالَ: "هم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ"،» فَإمّا أنَّ عَبْدَ اللهِ ومَن جَرى مَجْراهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَقالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وإمّا أنْ نَفْرِضَ التَقْلِيلَ الَّذِي في الآيَةِ تَقْلِيلَ القَدْرِ والمَهابَةِ والمَنزِلَةِ مِنَ النَجْدَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾، والأمْرُ المَفْعُولُ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ هو لِلْقِصَّةِ بِأجْمَعِها، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما المَعْنَيَيْنِ مِن مَعانِي القِصَّةِ، والعُمُومُ أولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحَوْلَ بِأجْمَعِهِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنَّ كُلَّ أمْرٍ فَلَهُ وإلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: "تَرْجِعُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ عامَّةِ الناسِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ وغَيْرُهُمْ: "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ.

8:45–47Page 182

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦

And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.

(p-٢٠٧)قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ الناسِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ واللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

هَذا أمْرٌ بِما فِيهِ داعِيَةُ النَصْرِ وسَبَبُ العِزِّ، وهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ مُتَوَجِّهَةٌ بِحَسَبِ التَقْيِيدِ الَّذِي في آيَةِ الضَعْفِ، ويَجْرِي مَعَ مَعْنى الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، واسْألُوا اللهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُسْلِمُ في وِلايَةِ الإمارَةِ والقَضاءِ لا يَطْلُبُ ولا يَتَمَنّى، فَإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ عَلى إقامَةِ الحَقِّ.

و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ، أصْلُها فِئْوَةٌ وهي مِن فَأوتُ أيْ جَمَعْتُ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِإكْثارِ ذِكْرِهِ هُنالِكَ إذْ هو عِصْمَةُ المُسْتَنْجِدِ ووَزَرُ المُسْتَعِينِ، قالَ قَتادَةُ: افْتَرَضَ اللهُ ذِكْرَهُ عِنْدَ أشْغَلِ ما يَكُونُونَ، عِنْدَ الضِرابِ بِالسُيُوفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ذِكْرٌ خَفِيٌّ لِأنَّ رَفْعَ الأصْواتِ في مَوْطِنِ القِتالِ رَدِيءٌ مَكْرُوهٌ إذا كانَ إلْفاظًا. (p-٢٠٨)فَأمّا إنْ كانَ مِنَ الجَمِيعِ عِنْدَ الحَمْلَةِ فَحَسَنٌ فاتٌّ في عَضُدِ العَدُوِّ، وقالَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَوْتَ عِنْدَ ثَلاثٍ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، وعِنْدَ الجِنازَةِ، والقِتالِ. وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اطْلُبُوا إجابَةَ الدُعاءِ عِنْدَ القِتالِ، وإقامَةِ الصَلاةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُكْرَهُ التَلَثُّمُ عِنْدَ القِتالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولِهَذا -واللهُ أعْلَمُ- يَتَسَنَّنُ المُرابِطُونَ بِطَرْحِهِ عِنْدَ القِتالِ عَلى ضَنانَتِهِمْ بِهِ.

و﴿تُفْلِحُونَ﴾: تَنالُونَ بُغْيَتَكم وتَبْلُغُونَ آمالَكُمْ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ لَبِيدٍ:

؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، اسْتِمْرارٌ عَلى الوَصِيَّةِ والأخْذِ عَلى أيْدِيهِمْ في اخْتِلافِهِمْ في أمْرِ بَدْرٍ وتَنازُعِهِمْ، و﴿فَتَفْشَلُوا﴾ نَصْبٌ بِالفاءِ في جَوابِ النَهْيِ، قالَ أبُو حاتِمٍ في كِتابِ "إبْراهِيمَ": "فَتَفْشَلُوا" بِكَسْرِ الشِينِ، وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَتَذْهَبَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الباءِ، وقَرَأ هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ: "وَتَذْهَبْ" بِالتاءِ وجَزْمِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَيَذْهَبْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وبِجَزْمِ "يَذْهَبْ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "وَيَذْهَبَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ ونَصْبِ الباءِ، ورَواها أبانُ، وعِصْمَةُ عن عاصِمٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الرِيحَ هُنا مُسْتَعارَةٌ (p-٢٠٨)والمُرادُ بِها النَصْرُ والقُوَّةُ، كَما تَقُولُ: "الرِيحُ لِفُلانٍ" إذا كانَ غالِبًا في أمْرٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ وهو عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ:

؎ كَما حَمَيْناكَ يَوْمَ النَعْفِ مِن شَطِبِ ∗∗∗ ∗∗∗ والفَضْلُ لِلْقَوْمِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ

وقالَ مُجاهِدٌ: الرِيحُ: النَصْرُ والقُوَّةُ، وذَهَبَتْ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نازَعُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ مَعْناهُ: الرُعْبُ مِن قُلُوبِ عَدُوِّكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا حَسَنٌ بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمَ العَدُوُّ بِالتَنازُعِ، وإذا لَمْ يَعْلَمْ فالذاهِبُ قُوَّةُ المُتَنازِعِينَ فَيَنْهَزِمُونَ، وقالَ شاعِرُ الأنْصارِ:

؎ قَدْ عَوَّدَتْهم ظُباهم أنْ تَكُونَ لَهم ∗∗∗ ∗∗∗ رِيحُ القِتالِ وأسْلابُ الَّذِينَ لَقُوا

ومِنِ اسْتِعارَةِ الرِيحِ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها ∗∗∗ ∗∗∗ فَإنْ لِكُلِّ عاصِفَةٍ سُكُونُ

وهَذا كَثِيرٌ مُسْتَعْمَلٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: الرِيحُ عَلى بابِها، ورُوِيَ أنَّ النَصْرَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ تَهُبُّ فَتَضْرِبُ في وُجُوهِ الكُفّارِ، واسْتَنَدَ بَعْضُهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى قَوْلِهِ ﷺ: « "نُصِرْتُ بِالصَبا"». وقالَ الحَكَمُ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ يَعْنِي: الصَبا إذْ بِها نَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ.

(p-٢١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا إنَّما كانَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، تَتْمِيمٌ في الوَصِيَّةِ وعِدَةٌ مُؤْنِسَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ الآيَةُ، آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الطَعْنَ عَلى المُشارِ إلَيْهِمْ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ النَهْيِ عن سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ، والإشارَةُ هي إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِإجْماعٍ، والبَطَرُ: الأشَرُ وغَمْطُ النِعْمَةِ والشُغْلُ بِالمَرَحِ فِيها عن شُكْرِها، والرِياءُ: المُباهاةُ والتَصَنُّعُ بِما يَراهُ غَيْرُكَ، وهو فِعالٌ مِن: رائى يُرائِي، سُهِّلَتْ هَمْزَتُهُ، ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أحَسَّ أنَّهُ تَجاوَزَ بَعِيرُهُ الخَوْفَ مِنَ النَبِيِّ ﷺ، وأصْحابِهِ بَعَثَ إلى قُرَيْشٍ فَقالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ سَلَّمَ عِيرَكُمُ الَّتِي خَرَجْتُمْ إلى نُصْرَتِها فارْجِعُوا سالِمِينَ قَدْ بَلَغْتُمْ مُرادَكُمْ"، فَأتى رَأْيُ الجَماعَةِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللهِ لا نَفْعَلُ حَتّى نَأْتِيَ بَدْرًا، -وَكانَتْ بَدْرٌ سُوقًا مِن أسْواقِ العَرَبِ لَها يَوْمُ مَوْسِمٍ- فَنَنْحَرَ عَلَيْها الإبِلَ، ونَشْرَبَ الخَمْرَ، وتُعْزَفَ عَلَيْنا القِيانُ، ويَسْمَعَ بِنا العَرَبُ، ويَهابَنا الناسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرِئاءَ الناسِ﴾ ولِهَذا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "اللهُمَّ، إنَّ قُرَيْشًا أقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائِها تُحادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللهُمَّ، فَأحِنْها الغَداةَ"»، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: خَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِالقِيانِ والدُفُوفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: غَيْرَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّهم أحْرى بِذَلِكَ مِن أنْ يَقْتَصِرَ صَدُّهم عَلى أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ بِما يَعْمَلُونَ (p-٢١١)مُحِيطٌ﴾ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ لِمَن بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ، ونُفُوذَ القَدَرِ فِيمَن مَضى بِالقَتْلِ.

8:48–49Page 183

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللهَ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَإنَّ اللهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

التَقْدِيرُ: واذْكُرُوا إذْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والشَيْطانُ: إبْلِيسُ نَفْسُهُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ التَزْيِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ هو بِالوَسْوَسَةِ والمُحادَثَةِ في النُفُوسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُضْعِفُ هَذا القَوْلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ لَيْسَ مِمّا يُلْقى بِالوَسْوَسَةِ. وقالَ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ بِما رُوِيَ وتَظاهَرَ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَفي السِيَرِ لِابْنِ هِشامٍ أنَّهُ جاءَهم بِمَكَّةَ، وفي غَيْرِها أنَّهُ جاءَهم وهم في طَرِيقِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقَدْ لَحِقَهم خَوْفٌ مِن بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ لِحُرُوبٍ كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَجاءَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ وهو سَيِّدٌ مِن ساداتِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: "إنِّي جارٌ لَكُمْ، ولَنْ تُخافُوا مِن قَوْمِي وهم لَكم أعْوانٌ عَلى مَقْصِدِكُمْ، ولَنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ"، فَسُرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ ومَضَوْا لِطَيَّتِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: "أنْتُمْ تُقاتِلُونَ عن دِينِ الآباءِ ولَنْ تُعْدَمُوا نَصْرًا". فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا التَقى الجَمْعانِ كانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: أتَفِرُّ يا سُراقَةُ ؟ فَلَمْ يَلْوِ عَلَيْهِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُ ما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ وهْبٍ -أوِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ - قالَ لَهُ: أيْنَ يا سُراقَ؟ فَلَمْ يَلْوِ ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وذَهَبَ فَوَقَعَتِ الهَزِيمَةُ، فَتُحُدِّثَ أنَّ سُراقَةَ فَرَّ بِالناسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-٢١٢)سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ، فَأتى مَكَّةَ فَقالَ لَهُمْ: "واللهِ ما عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِن أمْرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكُمْ، ولا رَأيْتُكم ولا كُنْتُ مَعَكُمْ"، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: جاءَ إبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ في جُنْدٍ مِنَ الشَياطِينِ مَعَهُ، رَأيْتُهُ في صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، فَقالَ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ﴾ الآيَةُ.

و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى نَفْيِ الغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مُتَعَلَّقَ "لَكُمْ" ومُمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ "غالِبَ" لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ: "لا غالِبًا".

وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: فَأنْتُمْ في ذِمَّتِي وحِمايَتِي.

و"تَراءَتْ": تَفاعَلَتْ مِنَ الرُؤْيَةِ، أيْ رَأى هَؤُلاءِ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "تَرَأتْ" مَقْصُورَةً، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ أمالَ والراءُ مُرَقَّقَةٌ ثُمَّ رَجَعَ عن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ مَعْناهُ: رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، وأصْلُ النُكُوصِ في اللُغَةِ: الرُجُوعُ القَهْقَرى، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ هم يَضْرِبُونَ حَبِيكَ البَيْضِ إذْ لَحِقُوا ∗∗∗ لا يَنْكِصُونَ إذا ما اسْتُلْحِمُوا وحَمُوا

كَذا أنْشَدَ الطَبَرِيُّ، وفي رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ: اسْتَلْأمُوا، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ، وإنَّما رُجُوعُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُشَبَّهٌ بِالنُكُوصِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ اللُغَوِيُّونَ: النُكُوصُ، الإحْجامُ عَنِ الشَيْءِ، يُقالُ: أرادَ أمْرًا ثُمَّ نَكَصَ عنهُ، وقالَ تَأبَّطَ شَرًّا:

؎ لَيْسَ النُكُوصُ عَلى الأدْبارِ مَكْرُمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ المَكارِمَ إقْدامٌ عَلى الأسَلِ

(p-٢١٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَلَيْسَ هاهُنا قَهْقَرى، بَلْ هو فِرارٌ، وقالَ مُؤَرِّجٌ: نَكَصَ هي رَجَعَ بِلُغَةِ سُلَيْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ يُبَيِّنُ أنَّهُ إنَّما أرادَ الِانْهِزامَ والرُجُوعَ في ضِدِّ إقْبالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ هو خِذْلانُهُ لَهم وانْفِصالُهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وهو الخَبِيثُ إنَّما شَرَطُ أنْ لا غالِبَ مِنَ الناسِ فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ وخَرْقَ العادَةِ خافَ وفَرَّ، وفي المُوَطَّإ وغَيْرِهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ما رُئِيَ الشَيْطانُ في يَوْمٍ أقَلَّ ولا أحْقَرَ ولا أصْغَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِن نُزُولِ الرَحْمَةِ إلّا ما رَأى يَوْمَ بَدْرٍ "، قِيلَ: وما رَأى يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "رَأى المَلائِكَةَ يَزْعُمُها جِبْرِيلُ"». وقالَ الحَسَنُ: رَأى إبْلِيسُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ يَقُودُ فَرَسَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ ﷺ، وهو مُعْتَجِرٌ بِبُرْدَةٍ وفي يَدِهِ اللِجامُ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ اللهَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَعْذِرَةٌ كاذِبَةٌ ولَمْ تَلْحَقْهُ قَطُّ مَخافَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ الكَلْبِيِّ، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلْ خافَ مِمّا رَأى مِنَ الأمْرِ وهَوْلِهِ، وأنَّهُ يَوْمُهُ الَّذِي أُنْظِرَ إلَيْهِ، ويُقَوِّي هَذا أنَّهُ رَأى خَرْقَ العادَةِ ونُزُولَ المَلائِكَةِ لِلْحَرْبِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدِهِ أنَّهُ «لَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَمى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَبْضَةٍ مِنَ التُرابِ وُجُوهَ الكُفّارِ أقْبَلَ جِبْرِيلُ ﷺ إلى إبْلِيسَ، فَلَمّا رَآهُ إبْلِيسُ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ انْتَزَعَ يَدَهُ ثُمَّ ولّى مُدْبِرًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أيْ سُراقَةُ تَزْعُمُ أنَّكَ لَنا جارٌ؟ فَقالَ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ ذَهَبَ.»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في (p-٢١٤)"إذْ" "زَيَّنَ" أو "نَكَصَ" لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ كانَ ظَرْفًا لِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها، وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِالنِفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ إنَّما هم مِن أهْلِ عَسْكَرِ الكُفّارِ لَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوا قِلَّتَهم وقِلَّةَ عَدَدِهِمْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى المُسْلِمِينَ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ أيِ:اغْتَرُّوا فَأدْخَلُوا نُفُوسَهم فِيما لا طاقَةَ لَهم بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والنِفاقُ أخَصُّ مِن مَرَضِ القَلْبِ لِأنَّ مَرَضَ القَلْبِ يُطْلَقُ عَلى الكافِرِ وعَلى مَنِ اعْتَرَضَتْهُ شُبْهَةٌ وعَلى مَن بَيْنَهُما، وكُنِّيَ بِالقُلُوبِ عَنِ الِاعْتِقاداتِ إذِ القُلُوبُ مَحَلُّها، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا التَأْوِيلِ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّ قَوْمًا مِمَّنْ كانَ الإسْلامُ داخَلَ قُلُوبَهم خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ، مِنهم مَن أُكْرِهَ، ومِنهم مَن داجى وداهَنَ، فَلَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوا قِلَّتَهُمُ ارْتابُوا واعْتَقَدُوا أنَّهم مَغْلُوبُونَ، فَقالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: مِنهم قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِي بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الحَجّاجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا بِنِفاقٍ إلّا ما ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَإنَّهُ القائِلُ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنافِقُو المَدِينَةِ لَمّا وصَلَهم خُرُوجُ قُرَيْشٍ في قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ قالُوا عَنِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأخْبَرَ اللهُ بِها نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللهِ واسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَإنَّ عِزَّةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وحِكْمَتَهُ كَفِيلَةٌ بِنَصْرِهِ وشَدِّ أعَضادِهِ، وخَرَجَتِ العِبارَةُ عن هَذا المَعْنى بِأوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِهِ.

8:50–52Page 183

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.

(p-٢١٥)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأخَذَهُمُ اللهِ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللهِ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ التَعْجِيبَ مِمّا حَلَّ بِالكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِمَن بَقِيَ مِنهُمْ، وحَذْفُ جَوابِ "لَوْ" إبْهامٌ بَلِيغٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسِ: "يَتَوَفّى" بِالياءِ فَأُسْنِدَ فِعْلٌ فِيهِ عَلّامَةُ التَذْكِيرِ إلى مُؤَنَّثٍ في اللَفْظِ، وساغَ ذَلِكَ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وارْتَفَعَتِ "المَلائِكَةُ" بِـ "يَتَوَفّى"، وقالَ بَعْضُ مَن قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ: إنَّ المَعْنى: إذْ يَتَوَفّى اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، و"المَلائِكَةُ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَضْرِبُونَ: خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ سُقُوطُ واوِ الحالِ، فَإنَّها في الأغْلَبِ تَلْزَمُ مِثْلَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ، والأعْرَجُ: "تَتَوَفّى" بِالتاءِ عَلى الإسْنادِ إلى لَفْظِ "المَلائِكَةِ"، و"يَضْرِبُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: يُرِيدُ أسْتاهَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ ظُهُورَهم وما أُدْبَرَ مِنهُمْ، ومَعْنى هَذا أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَلْحَقُهم في حالِ الإدْبارِ فَتَضْرِبُ أدْبارَهُمْ، فَأمّا في حالِ الإقْبالِ فَبَيِّنٌ تَمَكُّنُ ضَرْبِ الوُجُوهِ.

ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، رَأيْتُ في ظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشِراكِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ"»، وعَبَّرَ بِجَمْعِ المَلائِكَةِ، ومَلَكُ المَوْتِ واحِدٌ إذْ لَهُ عَلى ذَلِكَ أعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حِينَئِذٍ هَذا اللَفْظَ (p-٢١٦)فَحُذِفَ "يَقُولُونَ" اخْتِصارًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: وحالُهم يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، والحَرِيقُ: فَعِيلٌ مِنَ الحَرْقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ في وقْتِ تَوْفِيَتِهِمْ لَهم عَلى الصُورَةِ المَذْكُورَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا تَقْرِيعًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْكافِرِينَ حَيِّهِمْ ومَيِّتِهِمْ، "وَأنَّ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: والحُكْمُ أنَّ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾، وقالَ مَكِّيٌّ، والزَهْراوِيُّ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الباءِ، وتَقْدِيرُهُ: "بِأنَّ" فَلَمّا حُذَفَتِ الباءُ حَصَلَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا غَيْرُ مُتَّجِهٍ ولا بَيِّنٍ إلّا أنْ تُنْصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةُ، الدَأْبُ: العادَةُ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ∗∗∗ وجارَتِها أمِّ الرَبابِ بِمَأْسَلِ

ويُرْوى: كَدِينِكَ، ومِنهُ قَوْلُ خِراشِ بْنِ زُهَيْرٍ العامِرِيِّ:

؎ فَما زالَ ذاكَ الدَأْبُ حَتّى تَخاذَلَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوازِنُ وارْفَضَّتْ سُلَيْمٌ وعامِرُ

وهُوَ مَأْخُوذٌ مِن: "دَأبَ عَلى العَمَلِ" إذا لَزِمَهُ، ومِنهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِصاحِبِ الجَمَلِ الَّذِي هَشَّ إلَيْهِ وأقْبَلَ نَحْوَهُ وقَدْ ذَلَّ ودَمَعَتْ عَيْناهُ: "إنَّهُ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ"،» فَكَأنَّ العادَةَ دُؤُوبٌ ما. (p-٢١٧)وَقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: المَعْنى: كَسَنَنِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ عادَةَ الأُمَمِ بِجُمْلَتِها لا عَلى انْفِرادِ أُمَّةٍ، إذْ آلُ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكْفُرُوا وأُهْلِكُوا مِرارًا بَلْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: كَعادَةِ اللهِ فِيهِمْ، فَأضافَ العادَةَ إلَيْهِمْ إذْ لَهم نِسْبَةٌ إلَيْها يُضافُ المَصْدَرُ إلى الفاعِلِ وإلى المَفْعُولِ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذُوقُوا﴾، وفِيهِ بُعْدٌ، والكافُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ ومَوْضِعُها أيْضًا -عَلى هَذا- نَصْبٌ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الكَلامِ: الأمْرُ مِثْلُ دَأْبِ فِرْعَوْنَ، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ مَعْناهُ: أهْلَكَهم وأتى عَلَيْهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِقُوَّةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وشِدَّةِ عِقابِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском