Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:102–107
9:102–103Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
المَعْنى: ومِن هَذِهِ الطَوائِفِ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ (p-٣٩٦)فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو عُثْمانَ: هي في الأعْرابِ، وهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فِيمَن لَهُ أعْمالٌ صالِحَةٌ وسَيِّئَةٌ، فَهي آيَةٌ تَرَجٍّ عَلى هَذا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا عن حَجّاجِ بْنِ أبِي زَيْنَبَ قالَ: سَمِعْتُ أبا عُثْمانَ يَقُولُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ الأنْصارِيِّ خاصَّةً في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كَلَّمَهم في النُزُولِ عَلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ، وأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ يُرِيدُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتُضِحَ تابَ ونَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللهُ عنهُ أو يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللهُ عنهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَلِّهِ، ذَكَرَ هَذا الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في كِتابِ السِيَرِ أوعَبَ وأتْقَنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ المُتَخَلِّفِينَ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكانَ "عَمَلُهُمُ السَيِّئُ" التَخَلُّفَ بِإجْماعٍ مِن أهْلٍ هَذِهِ المَقالَةِ، واخْتَلَفُوا في "الصالِحِ" فَقالَ (p-٣٩٧)الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الِاعْتِرافُ والتَوْبَةُ والنَدَمُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ "الصالِحُ" غَزْوُهم فِيما سَلَفَ مِن غَزْوِ النَبِيِّ ﷺ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في عَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ رَبَطَ مِنهم أنْفُسَهم سَبْعَةٌ، وبَقِيَ الثَلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا دُونَ رَبْطٍ المَذْكُورُونَ بَعْدَ هَذا، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً مِنهم كَرَدْمُ، ومِرْداسٌ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا سَبْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وفِرْقَةٌ: كانُوا خَمْسَةً، وكُلُّهم قالَ: كانَ فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ، وذَكَرَ قَتادَةُ فِيهِمُ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وهو -فِيما أعْلَمُ- وهْمٌ لِأنَّ الجِدَّ لَمْ يَكُنْ تُرْوَ لَهُ تَوْبَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَآخَرَ" فَهو بِمَعْنى "بِآخَرَ" وهُما مُتَقارِبانِ. و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.
ورُوِيَ في خَبَرِ الَّذِينَ رَبَطُوا أنْفُسَهم «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ فَرَآهم قالَ: "ما بالُ هَؤُلاءِ؟" فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم تابُوا وأقْسَمُوا ألّا يَنْحَلُّوا حَتّى يَحُلَّهم رَسُولُ اللهِ ﷺ ويَعْذُرَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "وَأنا واللهِ لا أحُلُّهم ولا أعْذُرُهم إلّا أنْ يَأْمُرَنِي اللهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا عَنِّي وتَرَكُوا جِهادَ الكُفّارِ مَعَ المُؤْمِنِينَ"»، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾
الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ أبا لُبابَةَ والجَماعَةَ التائِبَةَ الَّتِي رَبَطَتْ أنْفُسَها وهي المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ جاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تِيبَ عَلَيْها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنّا نُرِيدُ أنْ نَتَصَدَّقَ بِأمْوالِنا زِيادَةً في تَوْبَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنِّي لا أعْرِضُ لِأمْوالِكم إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللهِ"، فَتَرَكَهم حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَهُمُ المُرادُ بِها، فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أخَذَ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ مُراعاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أمْوالِهِمْ﴾، فَهَذا هو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.
(p-٣٨٩)وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ ضَمِيرُهُ لِجَمِيعِ الناسِ، وهو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ إذْ يَخْرُجُ مِنَ الأمْوالِ الأنْواعُ الَّتِي لا زَكاةَ فِيها كالثِيابِ والرُباعِ ونَحْوِهِ، والضَمِيرُ الَّذِي في "أمْوالِهِمْ" أيْضًا كَذَلِكَ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ خُصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِنهُ العَبِيدُ وسِواهُمْ، وقَوْلُهُ: "صَدَقَةً" مُجْمَلٌ يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الإمامَ يَتَوَلّى أخْذَ الصَدَقاتِ ويَنْظُرُ فِيها، و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، هَذا أقْوى وُجُوهِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ أحْسَنُ ما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأفْعالُ مُسْنَدَةً إلى ضَمِيرِ النَبِيِّ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِفَةِ الصَدَقَةِ، وهَذا مُتَرَجِّحٌ بِحَسَبِ رَفْعِ الفِعْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ "بِها" أيْ: بِنَفْسِها، أيْ: يَقَعُ تَطْهِيرُهم مِن ذُنُوبِهِمْ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" صِفَةً "لِلصَّدَقَةِ"، و"تُزَكِّيهِمْ" مُسْنَدًا إلى النَبِيِّ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصَدَقَةِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ لِأنَّها حالُ نَكِرَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" مِن صِفَةِ الصَدَقَةِ، وقَوْلُهُ: "وَتُزَكِّيهِمْ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَرْدُودٌ لِمَكانِ واوِ العَطْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّرُ: "خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً ومُزَكِّيًا بِها"، وهَذا فاسِدُ المَعْنى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ واوُ العَطْفِ جازَ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُطْهِرْهُمْ" بِسُكُونِ الطاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ: ادْعُ لَهم فَإنَّ في دُعائِكَ لَهم سُكُونًا لِأنْفُسِهِمْ (p-٣٩٩)وَطُمَأْنِينَةً ووَقارًا، فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن صَلاحِ المُعْتَقَدِ. وحَكى مَكِّيٌّ، والنَحّاسُ، وغَيْرُهُما أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وهْمٌ بَعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ الكافِرِينَ، وهَذِهِ في التائِبِينَ مِنَ التَخَلُّفِ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ المُؤْمِنِينَ، فَلا تَناسُخَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "إنَّ صَلَواتِكَ" بِالجَمْعِ، وكَذَلِكَ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ صَلاتَكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ عاصِمٌ في "المُؤْمِنَيْنِ" وحْدَها جَمْعًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في سُورَةِ "الأنْعامِ" و"سَألَ سائِلٌ"، وهو مَصْدَرٌ أفْرَدَتْهُ فِرْقَةٌ وجَمَعَتْهُ فِرْقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: سَمِيعٌ أيْ: لِدُعائِكَ، عَلِيمٌ أيْ بِمَن يَهْدِي ويَتُوبُ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقْتَضِيهِ هاتانِ الصِفَتانِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الدُعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾: رَحْمَةٌ لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أيْ: وقارٌ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما مَعْناهُ أنَّ مَن يَدْعُو لَهُ النَبِيُّ ﷺ فَإنَّهُ تَطِيبُ نَفْسُهُ ويَقْوى رَجاؤُهُ، ويُرْوى أنَّهُ قَدْ (p-٤٠٠)صَحَّتْ وسِيلَتُهُ إلى اللهِ تَعالى وهَذا بَيِّنٌ.
9:104–105Page 203
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَدَقاتِ وأنَّ اللهَ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألَمْ يَعْلَمُوا" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "ألَمْ تَعْلَمُوا" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ألَمْ تَعْلَمُوا؟، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا تِيبَ عَلى بَعْضِهِمْ قالَ الغَيْرُ: ما هَذِهِ الخاصَّةُ الَّتِي خُصَّ بِها هَؤُلاءِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَعْلَمُوا" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ تابُوا ورَبَطُوا أنْفُسَهم.
وقَوْلُهُ: "هُوَ" تَأْكِيدٌ لِانْفِرادِ اللهِ بِهَذِهِ الأُمُورِ وتَحْقِيقٌ لِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: "أنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ" لاحْتَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَبُولُ رَسُولِهِ قَبُولًا مِنهُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْخُذُ الصَدَقاتِ﴾ مَعْناهُ: يَأْمُرُ بِها ويُشَرِّعُها كَما تَقُولُ: أخَذَ السُلْطانُ مِنَ الناسِ كَذا، إذا حَمَلَهم عَلى أدائِهِ. وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: ويَقْبَلُ الصَدَقاتِ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في أخْذِ اللهِ صَدَقَةً مِن عَبِيدِهِ، مِنها قَوْلُهُ ﷺ الَّذِي رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ المُحارِبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عنهُ: "إنَّ العَبْدَ إذا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وقَعَتْ في يَدِ اللهِ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السائِلِ"، ومِنها قَوْلُهُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ: "إنَّ الصَدَقَةَ تَكُونُ قَدْرَ اللُقْمَةِ يَأْخُذُها اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها لِأحَدِكم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ"، وغَيْرُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ والتَحَفِّي بِصَدَقَةِ العَبْدِ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تُخَرَّجَ لَفْظَةُ "وَيَأْخُذُ" عَلى هَذا. (p-٤٠١)وَيَتَعَلَّقُ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ في قَبُولِ التَوْبَةِ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنَّ قَبُولَ التَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ يَقْطَعُ بِهِ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إجْماعًا، وهَذِهِ نازِلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ التائِبَةُ مِنَ النِفاقِ تائِبَةٌ مِن كُفْرٍ، وأمّا قَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ المَعاصِي فَيَقْطَعُ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ مِن طائِفَةٍ مِنَ الأُمَّةِ تَوْبَتَهُمْ، واخْتُلِفَ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الجَمِيعِ؟،وَأمّا إذا عُيِّنَ إنْسانٌ تائِبٌ فَيُرْجى قَبُولُ تَوْبَتِهِ ولا يَقْطَعُ بِها عَلى اللهِ. وأمّا إذا فَرَضْنا تائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَوْبَةِ، فَهَلْ يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ أمْ لا؟ فاخْتُلِفَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ فِيها الفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ- وهو كانَ مَذْهَبَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ-: يَقْطَعُ عَلى اللهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِذَلِكَ عن نَفْسِهِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التائِبِينَ، وذَهَبَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْطَعُ بِهِ عَلى اللهِ تَعالى، بَلْ يَقْوى فِيهِ الرَجاءُ، ومِن حُجَّتِهِمْ أنَّ الإنْسانَ إذا قالَ في الجُمْلَةِ: إنِّي لا أغْفِرُ لِمَن ظَلَمَنِي، ثُمَّ جاءَ مَن قَدْ سَبَّهُ وآذاهُ، فَلَهُ تَعَقُّبُ حَقِّهِ، وبِالغُفْرانِ لِقَوْمٍ يَصْدُقُ وعْدُهُ ولا يَلْزَمُهُ الغُفْرانُ لِكُلِّ ظالِمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن عِبادِهِ﴾ هي بِمَعْنى "مِن"، وكَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ بِهَذِهِ وهَذِهِ، تَقُولُ: لا صَدَقَةَ إلّا عن غِنًى، ومِن غِنًى، وفَعَلَ فُلانٌ ذَلِكَ مِن أشَرِهِ وبَطَرِهِ، وعن أشَرِهِ وبَطَرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: حُقَّ لَهم أنْ يَعْلَمُوا، وقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ الآيَةُ، صِيغَةُ أمْرٍ مُضَمَّنُها الوَعِيدُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وتابُوا.
(p-٤٠٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الَّذِينَ اعْتَذَرُوا ولَمْ يَتُوبُوا، وهُمُ المُتَوَعَّدُونَ، وهُمُ الَّذِينَ في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ إلّا عَلى الِاحْتِمالِ الثانِي مِن أنَّ الآياتِ كُلَّها في الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، ومَعْنى ﴿فَسَيَرى اللهُ﴾ أيْ مَوْجُودًا مُعَوَّضًا لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ فَرُؤْيَتُهم رُؤْيَةُ حَقِيقَةٍ لا تَجَوُّزٍ، وقالَ ابْنُ المُبارَكُ: رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ هي شَهادَتُهم عَلى المَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهي ثَناؤُهم عِنْدَ الجَنائِزِ. وقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ أنَّهم حَذَّرُوا مِن فِراسَةِ المُؤْمِنِ الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ ﷺ: « "اتَّقَوْا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، ومَعْنى الغَيْبِ والشَهادَةِ: ما غابَ وما شُوهِدَ، وهي حالَتانِ تَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: فَيُنَبِّئُكم عِبارَةٌ عن حُضُورِ الأعْمالِ وإظْهارِها لِلْجَزاءِ عَلَيْها وهَذا وعِيدٌ.
9:106–107Page 203
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: وآخَرُونَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: وآخَرُونَ، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ نَصاحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وأهْلُ الحِجازِ: "مُرْجَوْنَ" مِن أرْجى يُرْجى دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأهْلُ البَصْرَةِ: "مُرْجَؤُونَ" مِن أرْجَأ يُرْجِئُ بِالهَمْزِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما (p-٤٠٣)التَأْخِيرُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ لِأنَّهم أخَّرُوا الأعْمالَ، أيْ أخَّرُوا حُكْمَها ومَرْتَبَتَها، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخِيرِ، ولَيْسَ كَما قالَ.
والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ -فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ - الثَلاثَةُ الَّذِينَ خَلِّفُوا، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومَرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ التَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مُعَرَّضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدِ الضِرارِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ بِإسْقاطِ واوِ العَطْفِ بَدَلًا مِن ﴿آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- فِيها تَرَجٍّ لَهم واسْتِدْعاءٌ إلى الإيمانِ والتَوْبَةِ، وعَلِيمٌ مَعْناهُ: بِمَن يَهْدِي إلى الرُشْدِ، وحَكِيمٌ فِيما يُنَفِّذُهُ مِن تَنْعِيمِ مَن شاءَ وتَعْذِيبِ مَن شاءَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وعَوامُّ القُرّاءِ، والناسُ في كُلِّ قُطْرٍ إلّا بِالمَدِينَةِ: "والَّذِينَ اتَّخَذُوا"، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" بِإسْقاطِ الواوِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِهِمْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ بِغَيْرِ واوٍ. فَأمّا مَن قَرَأ بِالواوِ فَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرُونَ" أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، وأمّا مَن قَرَأ بِإسْقاطِها فَرَفَعَ الَّذِينَ بِالِابْتِداءِ. واخْتُلِفَ في الخَبَرِ فَقِيلَ: الخَبَرُ: "لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا"، قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَتَّجِهُ بِإضْمارٍ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ وإمّا في آخِرِها بِتَقْدِيرِ: "لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ"، وقِيلَ: الخَبَرُ: "لا يَزالُ بُنْيانُهُمْ"، قالَهُ النَحّاسُ، وهَذا أفْصَحُ، وقَدْ ذَكَرْتُ كَوْنَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِن "آخَرُونَ"، آنِفًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مُعَذَّبُونَ" أو نَحْوُهُ.
وأمّا الجَماعَةُ المُرادَةُ بِـ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" فَهم مُنافِقُو بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُهْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ -بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ- وقَدْ كانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ (p-٤٠٤)بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا أقْبَلَ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ مالِكَ بْنَ الدُخْشُمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فانْطَلَقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلا، وحَرَّقاهُ بِنارٍ في سَعَفٍ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ لِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ». وكانَ بانُوهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُتْعَبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حَنِيفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وابْناهُ: مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ وهو كانَ إمامَهُمْ، وحَلَفَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في خِلافَتِهِ أنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأمْرِهِمْ، وزَيْدُ بْنُ جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ مِن بَنِي ضَبِيعَةَ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. وبَحْزَجُ مِنهم هو الَّذِي حَلَفَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى والتَوْسِعَةَ عَلَيْنا وعَلى مَن عَجَزَ أو ضَعُفَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما أرَدْنا إلّا الحُسْنى".
والآيَةُ تَقْتَضِي شَرْحَ شَيْءٍ مِن أمْرِ هَذِهِ المَساجِدِ، فَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وقْتَ الهِجْرَةِ بَنى مَسْجِدًا في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ،» وقِيلَ: (p-٤٠٥)وَجَدَهُ مَبْنِيًّا قَبْلَ وُرُودِهِ، وقِيلَ: وجَدَهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ فَبَناهُ، وتَشَرَّفَ القَوْمُ بِذَلِكَ فَحَسَدَهم مِن حِينِئِذٍ رِجالٌ مِن بَنِي عَمِّهِمْ مِن بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَكانَ فِيهِمْ نِفاقٌ، وكانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ قُباءٍ مَرْبَطًا لِحِمارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ اسْمُها لِيَةُ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: واللهِ لا نَصْبِرُ عَلى الصَلاةِ في مَرْبَطِ حِمارِ لِيَةَ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ، وكانَ أبُو عامِرٍ عَبْدُ عَمْرٍو المَعْرُوفُ بِالراهِبِ مِنهُمْ، وكانَتْ أُمُّهُ مِنَ الرُومِ، فَكانَ يَتَعَبَّدُ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّي الراهِبَ، وهو أبُو حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ سَيِّدًا نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، فَلَمّا جاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الفاسِقَ، ثُمَّ خَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحِزَّبَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ مَظْهِرًا لِعَداوَتِهِ، فَلَمّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ هَرَبَ إلى الطائِفِ. فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطائِفِ خَرَجَ هارِبًا إلى الشامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ المُنافِقِينَ مِنهم أنِ ابْنُوا مَسْجِدًا مُقاوَمَةً لِمَسْجِدِ قُباءٍ وتَحْقِيرًا لَهُ، فَإنِّي سَآتِي بِجَيْشٍ مِنَ الرُومِ أُخْرِجُ بِهِ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ فَبَنَوْهُ وقالُوا: سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ ويُصَلِّي فِيهِ ويَتَّخِذُهُ مُتَعَبَّدًا ويُسَرُّ بِهِ، ثُمَّ إنَّ أبا عامِرٍ هَلَكَ عِنْدَ قَيْصَرَ. ونَزَلَ القُرْآنُ في أمْرِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي أبا عامِرٍ وقَوْلُهُمْ: "سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ "، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِلَّذِينِ حارَبُوا اللهَ" وقَوْلُهُ: ﴿ضِرارًا﴾ أيْ داعِيَةً لِلتَّضارِّ بَيْنَ جَماعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: "ضِرارًا" وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ما يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ كانَ المَصْدَرُ المُلازِمُ لِذَلِكَ مُفاعَلَةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ونُصِبَ "ضِرارٌ" وما بَعْدَهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُرِيدُ: بَيْنَ الجَماعَةِ الَّتِي كانَتْ تُصَلِّي في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ مَن جاوَزَ مَسْجِدَهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: (p-٤٠٦)﴿بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ جَماعَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ في المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى، وسَيَأْتِي ذَلِكَ، قالَ النَقّاشُ: يَلْزَمُ مِن هَذا ألّا يُصَلّى عَلَيْهِ في كَنِيسَةٍ ونَحْوِها لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى شَرٍّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَدْ قِيلَ في هَذا: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَفَقُّهٌ غَيْرُ قَوِيٍّ.
والإرْصادُ: الإعْدادُ والتَهْيِئَةُ، والَّذِي حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ: هو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُ: في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، والحالِفُ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ هو بَحْزَجٌ ومَن حَلَفَ مِن أصْحابِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّهم لَكاذِبُونَ" لِأنَّ الشَهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شَقِيقٍ أنَّهُ جاءَ لِيُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ بُنِيَ غاضِرَةً فَوَجَدَ الصَلاةَ قَدْ فاتَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مَسْجِدَ بَنِي فُلانٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ بَعْدُ، فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإنَّهُ بُنِيَ عَلى ضِرارٍ، وكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرارًا ورِياءً وسُمْعَةً فَهو في حُكْمِ مَسْجِدِ الضِرارِ، ورُوِيَ أنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَمّا هُدِمَ وأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً تُرْمى فِيهِ الأقْذارُ والقِماماتُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences