Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:29–33
9:29Page 191
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾
(p-٢٨٩)تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى حَتّى يَقْتُلُوا أو يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ: وعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في غَزْوِ الرُومِ، ومَشى نَحْوَ تَبُوكَ، ومَن جَعَلَ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكِينَ فَهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهُ ناسِخَةٌ بِما فِيها مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ونَفى عنهُمُ الإيمانَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن حَيْثُ تَرَكُوا شَرْعَ الإسْلامِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُخُولُ فِيهِ، فَصارَ جَمِيعُ ما لَهم وفي اللهِ عَزَّ وجَلَّ وفي البَعْثِ مِن تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعْنى لَها، إذْ تَلَقَّوْها مِن غَيْرِ طَرِيقِها، وأيْضًا فَلَمْ تَكُنِ اعْتِقاداتُهم مُسْتَقِيمَةً، لِأنَّهم تَشَعَّبُوا وقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، واللهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَهم أيْضًا في البَعْثِ آراءٌ كَثِيرَةٌ، كَشِراءِ مَنازِلِ الجَنَّةِ مِنَ الرُهْبانِ، وقَوْلِ اليَهُودِ في النارِ: نَكُونُ فِيها أيّامًا بِعَدَدٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾ فَبَيَّنَ ونَصَّ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَدِينُونَ﴾ فَمَعْناهُ: ولا يُطِيعُونَ ويَمْتَثِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ما عَقَلْتُ أبَوَيَّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِينَ، والدِينُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وهي هاهُنا: الشَرِيعَةُ، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَنَصٌّ في بَنِي إسْرائِيلَ وفي الرُومِ، وأجْمَعَ الناسُ في ذَلِكَ، وأمّا المَجُوسُ فَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ"،» فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ (p-٢٩٠)العُلَماءِ: مَعْنى ذَلِكَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، ولَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ، فَعَلى هَذا لَمْ يَتَعَدَّ التَشْبِيهُ إلى ذَبائِحِهِمْ ومَناكِحِهِمْ، وهَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ".
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ إذْ هم أهْلُ كِتابٍ، فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ التَشْبِيهُ في ذَبائِحِهِمْ وغَيْرِها، والأوَّلُ هو قَوْلُ مالِكٍ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ قَدْ كانَ بُعِثَ في المَجُوسِ نَبِيٌّ اسْمُهُ زَرادِشْتُ، وأمّا مَجُوسُ العَرَبِ فَقالَ ابْنُ وهْبٍ: لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا بُدَّ مِنَ القِتالِ أوِ الإسْلامِ، وقالَ سِحْنُونُ، وابْنُ القاسِمِ، وأشْهَبُ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن مَجُوسِ العَرَبِ والأُمَمِ كُلِّها، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللهُ فِيهِمْ جِزْيَةً، ولا بَقِيَ مِنهم عَلى الأرْضِ بَشَرٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإنَّما لَهُمُ القِتالُ أوِ الإسْلامُ، وهو قَوْلُ أبُو حَنِيفَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُوجَدُ لِابْنِ القاسِمِ أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أيْضًا في "التَفْرِيعِ" لِابْنِ الجَلّابِ، وهو احْتِمالٌ لا نَصٌّ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وأشارَ إلى المَنعِ مِن ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، وأمّا السامِرَةُ والصابِئَةُ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ وتُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم وعَلى هَذا لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنهُمْ، ومَنَعَ بَعْضُهُمُ الذَبِيحَةَ مَعَ إباحَةِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ والنِيرانِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى قَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ"، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: "لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَصارى والمَجُوسِ فَقَطْ" ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ الرِجالِ البالِغِينَ الأحْرارِ العُقَلاءِ، وهو قَوْلُ الشافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، ولا تُضْرَبُ عَلى الصِبْيانِ والنِساءِ والمَجانِينِ، ولا تُضْرَبُ عَلى رُهْبانِ الدِياراتِ والصَوامِعِ المُنْقَطِعِينَ، قالَ مالِكٌ في "الواضِحَةِ": "وَأمّا إنْ كانَتْ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْقَطَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَسْقُطُ عنهُمْ"، وأمّا رُهْبانُ الكَنائِسِ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِمْ، واخْتُلِفَ في الشَيْخِ الفانِي، ومَن راعى أنَّ عِلَّتَها الإذْلالُ (p-٢٩١)أمْضاها في الجَمِيعِ، وقالَ النَقّاشُ: "العُقُوبَةُ الشَرْعِيَّةُ تَكُونُ في الأمْوالِ والأبْدانِ، فالجِزْيَةُ مِن عُقُوباتِ الأمْوالِ".
وأمّا قَدْرُها فَذَهَبَ رَحِمَهُ اللهُ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى ما فَرَضَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وذَلِكَ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلٍ الفِضَّةِ، وفَرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ ضِيافَةً وأرْزاقًا وكُسْوَةً، قالَ مالِكٌ في "الواضِحَةِ": ويُحَطُّ ذَلِكَ عنهُمُ اليَوْمَ لِما عَلَيْهِمْ مِنَ اللَوازِمِ" فَهَذا أحَدُ ما ذُكِرَ عن عُمَرَ، وبِهِ أخْذَ مالِكٌ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: "رُوِيَتْ عن عُمَرَ ضَرائِبُ مُخْتَلِفَةٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأظُنُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يُسْرِهِمْ وعُسْرِهِمْ.
وقالَ الشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ: قَدْرُ الجِزْيَةِ دِينارٌ عَلى الرَأْسِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ أمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعاذًا بِذَلِكَ، وأخْذُهُ جِزْيَةَ اليَمَنِ كَذَلِكَ أو قِيمَتُهُ مُعافِرَ، وهي ثِيابٌ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لِذَلِكَ في الشَرْعِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وإنَّما ذَلِكَ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في كُلِّ وقْتٍ، وبِحَسَبِ قَوْمٍ قَوْمٍ، وهَذا كُلُّهُ في العنوَةِ، وأمّا الصُلْحُ فَهو ما صُولِحُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، واخْتُلِفَ في المَذْهَبِ في العَبْدِ الَّذِي يُعْتِقُهُ الذِمِّيُّ أوِ المُسْلِمُ، هَلْ يَلْزَمُهُ جِزْيَةٌ أمْ لا؟ وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يُنْقَصُ أحَدٌ مِن أرْبَعَةِ (p-٢٩٢)دَنانِيرَ كانَ فَقِيرًا أو غَنِيًّا، وقالَ أصْبَغُ: يُحَطُّ الفَقِيرُ بِقَدْرِ ما يُرى مِن حالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجِشُونَ: لا يُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ شَيْءٌ.
والجِزْيَةُ وزْنُها فِعْلَةٌ مَن جَزى يَجْزِي إذا كافَأ عَمّا أُسْدِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءَ ما مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وهي كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يَجْزِيكَ أو يُثْنِي عَلَيْكَ وإنَّ مَن ∗∗∗ أثْنى عَلَيْكَ بِما فَعَلْتَ كَمَن جَزى
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن يَدٍ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ، مِنها أنْ يُرِيدَ سَوْقَ الذِمِّيِّ لَها بِيَدِهِ لا مَعَ رَسُولٍ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إذْلالٌ لَهُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عن نِعْمَةٍ مِنكم قِبَلَهم في قَبُولِها مِنهم وتَأْمِينِهِمْ، واليَدُ في اللُغَةِ: النِعْمَةُ والصُنْعُ الجَمِيلُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عن قُوَّةٍ مِنكم عَلَيْهِمْ وقَهْرٍ لا تَبْقى لَهم مَعَهُ رايَةٌ ولا مَعْقِلٌ، واليَدُ في كَلامِ العَرَبِ: القُوَّةُ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو يَدٍ، ويُقالُ: لَيْسَ لِي بِكَذا وكَذا يَدٌ، أيْ: قُوَّةٌ. ومِنها أنْ يُرِيدَ: أنْ يُنْقِدُوها ولا يُؤَخِّرُوها، كَما تَقُولُ: بِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ، ومِنها أنْ يُرِيدَ: عَنِ اسْتِسْلامٍ مِنهم وانْقِيادٍ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "ألْقى فُلانٌ بِيَدِهِ" إذا عَجَزَ واسْتَسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ وُجُوهًا لا تَنْحَصِرُ لِكَثْرَتِها، ذُكِرَ مِنها -عن عِكْرِمَةَ - أنْ يَكُونَ قابِضُها جالِسًا والدافِعُ مِن أهْلِ الذِمَّةِ قائِمٌ، وهَذا ونَحْوُهُ داعٍ إلى صَغارِهِمْ.
9:30Page 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهِ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾
الَّذِي كَثُرَ في كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ فِرْقَةً مِنَ اليَهُودِ تَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ (p-٢٩٣)يَقُلْها إلّا فِنْحاصُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَها أرْبَعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ، سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ، وقالَ النَقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها بَلِ انْقَرَضُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإذا قالَها واحِدٌ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يَلْزَمَ الجَماعَةَ شُنْعَةُ المَقالَةِ لِأجْلِ نَباهَةِ القائِلِ فِيهِمْ، وأقْوالُ النُبَهاءِ أبَدًا مَشْهُورَةٌ في الناسِ يُحْتَجُّ بِها، فَمِن هُنا صَحَّ أنْ تَقُولَ الجَماعَةُ قَوْلَ نَبِيِّها.
وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ" بِتَنْوِينِ "عُزَيْرٍ"، والمَعْنى أنَّ "ابْنًا" -عَلى هَذا- خَبَرُ ابْتِداءٍ عن "عُزَيْرٌ"، وهَذا هو أصَحُّ المَذاهِبِ لِأنَّهُ المَعْنى المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ. و"عُزَيْرٌ" ونَحْوُهُ- يَنْصَرِفُ عَجَمِيًّا كانَ أو عَرَبِيًّا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ" دُونَ تَنْوِينِ "عُزَيْرٌ"، فَقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" خَبَرٌ عن "عُزَيْرٌ"، وإنَّما حُذِفَ التَنْوِينُ مِن "عُزَيْرٌ" لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، ونَحْوُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أحَدُ اللهُ الصَمَدُ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو كَثِيرٌ في الشِعْرِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ:
؎ لِتَجِدَنِّي بِالأمِيرِ بَرّا وبِالقَناةِ مِدْعَسًا مِكَرّا
إذا عُطَيْفُ السُلَمِيُّ فَرّا
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالألِفُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ- ثابِتَةٌ في "ابْنِ"، وقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" صِفَةٌ لِـ (p-٢٩٤)"عُزَيْرٌ"، كَما تَقُولُ: "زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو "، وجُعِلَتِ الصِفَةُ والمَوْصُوفُ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وحُذِفَ التَنْوِينُ إذا جاءَ الساكِنانِ كَأنَّهُما التَقَيا مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ مَعْبُودُنا وإلَهُنا، أوِ المَعْنى: مَعْبُودُنا أو إلَهُنا عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ أنْ يُحْذَفَ الألِفُ مِنِ "ابْنُ" لَكِنَّها تَثْبُتُ في خَطِّ المُصْحَفِ، فَيَتَدَرَّجُ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ قِراءَةَ التَنْوِينِ في "عُزَيْرٌ" أقْواها.
وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أصابَتْهم فِتَنٌ وبَلاءٌ -وَقِيلَ مَرَضٌ- وأذْهَبَ اللهُ عنهُمُ التَوْراةَ في ذَلِكَ ونَسُوها، وكانَ عُلَماؤُهم قَدْ دَفَنُوها أوَّلَ ما أحَسُّوا بِذَلِكَ البَلاءِ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ فُقِدَتِ التَوْراةُ جُمْلَةً فَحَفَّظَها اللهُ عُزَيْرًا كَرامَةً مِنهُ لَهُ، فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ حَفَّظَنِي التَوْراةَ فَجَعَلُوا يَدْرُسُونَها مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ إنَّ التَوْراةَ المَدْفُونَةَ وُجِدَتْ فَإذا هي مُساوِيَةٌ لِما كانَ عُزَيْرٌ يَدْرُسُ، فَضَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: إنَّ هَذا لَنْ يَتَهَيَّأ إلّا وهو ابْنُ اللهِ، وظاهِرُ قَوْلِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ أنَّها بُنُوَّةُ النَسْلِ كَما قالَتِ العَرَبُ في المَلائِكَةِ، وكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَوْلُ الضَحّاكِ والطَبَرِيِّ وغَيْرِهِما، وهَذا أشْنَعُ في الكُفْرِ، قالَ أبُو المَعالِي: أطْبَقَتِ النَصارى عَلى أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ وأنَّهُ ابْنُ الإلَهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ: إنَّ بَعْضَهم يَعْتَقِدُها بُنُوَّةَ حُنُوٍّ ورَحْمَةٍ، وهَذا المَعْنى أيْضًا لا يُحِلُّ أنْ تُطْلَقَ البُنُوَّةُ عَلَيْهِ، وهو كُفْرٌ لِمَكانِ الإشْكالِ الَّذِي يَدْخُلُ مِن جِهَةِ التَناسُلِ، وكَذَلِكَ كَفَرَتِ اليَهُودُ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ، وإنَّما تُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ اسْتِعارَةُ البُنُوَّةِ عِبارَةً عن نَسَبٍ ومُلازِماتٍ تَكُونُ بَيْنَ الأشْياءِ إذا لَمْ يُشْكِلِ الأمْرُ وكانَ أمْرُ النَسْلِ مِنَ الِاسْتِحالَةِ، زَمَنَ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: وقَدْ زَبَنَتْنا الحَرْبُ وزَبَنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا. يُرِيدُ المُلازَمَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حُرَيْثِ بْنِ مِحْصَنٍ:
؎ بَنُو المَجْدِ لَمْ تَقْعُدْ بِهِمْ أُمَّهاتُهم ∗∗∗ ∗∗∗ وآباؤُهم أبْناءُ صِدْقٍ فَأنْجَبُوا
(p-٢٩٥)وَمِن ذَلِكَ: ابْنُ نَعْشٍ، وابْنُ ماءٍ، وابْنُ السَبِيلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
والأرْضُ تَحْمِلُنا وكانَتْ أُمَّنا
ومِنهُ أحَدُ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنى"» أيْ مُلازِمُهُ، والتَأْوِيلُ الآخَرُ: أنْ لا يَدْخُلَها مُشْكَلُ الأمْرِ، والتَأْوِيلانِ في قَوْلِ النَصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الصِفَةِ والخَبَرِ إلّا أنَّ شَغَبَ التَنْوِينِ ارْتَفَعَ هاهُنا، وعُزَيْرٌ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: إلْزامُهُمُ المَقالَةَ والتَأْكِيدُ في ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، والمَعْنى الثانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ هو ساذَجٌ لا حُجَّةَ عَلَيْهِ ولا بُرْهانَ، غايَةُ بَيانِهِ أنْ يُقالَ بِالأفْواهِ قَوْلًا مُجَرَّدًا نَفْسَ دَعْوى.
و"يُضاهُونَ" قِراءَةُ الجَماعَةِ، ومَعْناهُ: يُحاكُونَ ويُبارُونَ ويُماثِلُونَ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُضاهِئُونَ" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مِن "ضاهَأ" وهي لُغَةُ ثَقِيفٍ بِمَعْنى "ضاهى".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَن قالَ إنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ: "امْرَأةٌ ضَهْياءُ" وهي الَّتِي لا تَحِيضُ، وقِيلَ: (p-٢٩٦)الَّتِي لا ثَدْيَ لَها، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشَبَهِها بِالرِجالِ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، لِأنَّ الهَمْزَةَ في "ضاهَأ" أصْلِيَّةٌ، وفي "ضَهْياءَ" زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ في "يُضاهِئُونَ" لِلْيَهُودِ والنَصارى جَمِيعًا فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ هي إمّا لِمُشْرِكِي العَرَبِ إذْ قالُوا: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، وهم أوَّلُ كافِرٍ، وهو قَوْلُ الضَحّاكِ، وإمّا لِأُمَمٍ سالِفَةٍ قَبْلَهُما، وإمّا لِلصَّدْرِ الأوَّلِ مِن كَفَرَةِ اليَهُودِ والنَصارى، ويَكُونُ "يُضاهِؤُونَ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ في "يُضاهِئُونَ" لِلنَّصارى فَقَطْ كانَتِ الإشارَةُ بِـ "الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ" إلى اليَهُودِ، وعَلى هَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ عامٌّ لِأنْواعِ الشَرِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن قاتَلَهُ اللهُ فَهو المَغْلُوبُ المَقْتُولُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَعْنى: لَعَنَهُمُ اللهُ. و﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مَقْصِدُهُ: أنّى تَوَجَّهُوا وأنّى ذَهَبُوا، وبُدِّلَ مَكانَ هَذا الفِعْلِ المَقْصُودِ فِعْلُ سُوءٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وذَلِكَ فَصِيحٌ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: "لَعَنَ اللهُ الكافِرَ أنّى هَلَكَ" كَأنَّكَ تُحَتِّمُ عَلَيْهِ بِهَلاكٍ، وكَأنَّهُ حَتْمٌ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم يُؤْفَكُونَ، ومَعْناهُ: يُحْرَمُونَ ويُصْرَفُونَ عَنِ الخَيْرِ، والأرْضُ المَأْفُوكَةُ الَّتِي لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( يُؤْفَكُونَ ) مَعْناهُ: يَحُدُّونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُرِيدُ: مِن قَوْلِكَ: "رَجُلٌ مَحْدُودٌ" أيْ: مَحْرُومٌ لا يُصِيبُ خَيْرًا، وكَأنَّهُ مِنَ الإفْكِ الَّذِي هو الكَذِبُ، فَكَأنَّ المَأْفُوكَ هو الَّذِي تُكَذِّبُهُ أراجِيهِ فَلا يَلْقى خَيْرًا. ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٢٩٧)يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ابْتِداءُ تَقْرِيرٍ، أيْ: بِأيِّ سَبَبٍ ومِن أيِّ جِهَةٍ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُمْ؟
و"قاتَلَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "قَتَلَ"، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ، وهَذا كُلُّهُ بَيِّنٌ.
9:31–33Page 191
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾
واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، (p-٢٩٨)وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ (p-٢٩٩)الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ والمِلَّةِ بِجَمْعِها وهي الحَنِيفِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "لِيُظْهِرَهُ" قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الدِينِ، وإظْهارُهُ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وكَوْنُ الأدْيانِ كُلِّها راجِعَةً إلى دِينِ الإسْلامِ، فَذَلِكَ إظْهارُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَكَأنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ رَأتِ الإظْهارَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: حَتّى لا يَبْقى مَعَهُ دِينٌ آخَرُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ﴾ أيْ لِيَجْعَلَهُ أعْلاها وأظْهَرَها، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ كانَ دُونَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ عِيسى، بَلْ كانَ هَذا في صَدْرِ الأُمَّةِ وهو حَتّى الآنَ إنْ شاءَ اللهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَسُولِ، ومَعْنى "لِيُظْهِرَهُ" لِيُطْلِعَهُ ويُعْلِّمَهُ الشَرائِعَ كُلَّها والحَلالَ والحَرامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا التَأْوِيلُ وإنْ كانَ صَحِيحًا جائِزًا فالآخَرُ أبْرَعُ مِنهُ وألْيَقُ بِنِظامِ الآيَةِ وأجْرى مَعَ كَراهِيَةِ المُشْرِكِينَ، وخَصَّ المُشْرِكُونَ هُنا بِالذِكْرِ لَمّا كانَتْ كَراهِيَةً مُخْتَصَّةً بِظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَذُكِرَ العُظْمُ والأُوَّلُ مِمَّنْ كَرِهَ وصَدَّ فِيهِ، وذُكِرَ الكافِرُونَ في الآيَةِ قَبْلُ لِأنَّها كَراهِيَةُ إتْمامِ نُورِ اللهِ في قَدِيمِ الدَهْرِ وفي باقِيهِ فَعَمَّ الكُفْرُ مِن لَدُنْ خَلْقِ الدُنْيا إلى انْقِراضِها إذْ قَدْ وقَعَتِ الكَراهِيَةُ والإتْمامُ مِرارًا كَثِيرَةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences