Ibn 'AtiyyaAt‑Tawbah · 9:70–78

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:70–78

9:70–72Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ (p-٣٦٠)المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِن اللهُ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ألَمْ يَأْتِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ خَبَرُ الأُمَمِ السالِفَةِ الَّتِي عَصَتِ اللهَ بِتَكْذِيبِ رُسُلِهِ فَأهْلَكَها؟ وعادٌ وثَمُودُ قَبِيلَتانِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ: نَمْرُودٌ وأصْحابُهُ وتُبّاعُ دَوْلَتِهِ، وأصْحابُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، والمُؤْتَفِكاتُ: أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ، وقِيلَ: السَبْعَةُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ ﷺ، ومَعْنى المُؤْتَفِكاتِ: المُنْصَرِفاتُ والمُنْقَلِباتُ، أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ لِأنَّهُ جَعَلَ أعالِيَها أسافِلَها، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حَطّانِ:

؎ بِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ ∗∗∗ بِهِ اللِسانُ وإنِّي غَيْرُ مُؤْتَفِكِ

أيْ: غَيْرُ مُنْقَلِبٍ مُنْصَرِفٍ مُضْطَرِبٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ: ( أنّى يُؤْفَكُونَ )، والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وجَعَلَ لَهم رُسُلًا وإنَّما كانَ نَبِيُّهم واحِدًا لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللهِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ في عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ يُرِيدُ: بِالمُعْجِزاتِ، وهي بَيِّنَةٌ في نَفْسِها بِالإضافَةِ إلى الحَقِّ لا بِالإضافَةِ إلى المُكَذِّبِينَ بِها.

ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَصْرِفَ عَنِ النِفاقِ وتَنْهى عنهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي تُرَغِّبُ في الإيمانِ وتُنَشِّطُ إلَيْهِ تَلَطُّفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِبادِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذُكِرَتْ هُنا الوِلايَةُ إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ، ولا شَفاعَةَ لَهُمْ، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وكَأنَّ المُرادَ هُنا الوِلايَةُ في اللهِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ يُرِيدُ: بِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِ: ﴿عَنِ المُنْكَرِ﴾ يُرِيدُ عن عِبادَةِ الأوثانِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كَلُّ (p-٣٦١)ما ذَكَرَ اللهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِرْكِ إلى الإسْلامِ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَهْيُ عن عِبادَةِ الأوثانِ والشَياطِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ﴾ هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَوافِلَ أحْرى بِإقامَةِ الفَرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ﴾ مَدْخَلٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُفُوسُ تَنْعَمُ بِرَجائِهِ، وفَضْلُهُ تَعالى زَعِيمٌ بِالإنْجازِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةُ، وعْدُهُ في هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ نَصٌّ في الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ إمّا مِن تَحْتِ أشْجارِها، وإمّا مِن تَحْتِ عُلِّيّاتِها، وإمّا مِن تَحْتِ مَجالِسِها بِالإضافَةِ إلى هَذا، كَما تَقُولُ في دارَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيِ المَكانَ: هَذِهِ تَحْتَ هَذِهِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ عنها عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عنها رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: "قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا"،» ونَحْوُ هَذا مِمّا يُشْبِهُ هَذِهِ الألْفاظَ أو يَقْرُبُ مِنها فاخْتَصَرْتُها طَلَبَ الإيجازِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ فَمَعْناهُ: في جَنّاتِ إقامَةٍ وثُبُوتٍ، يُقالُ: عَدَنَ الشَيْءُ في المَكانِ إذا أقامَ بِهِ وثَبَتَ، ومِنهُ المَعْدِنُ، أيْ مَوْضِعُ ثُبُوتِ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ

(p-٣٦٢)هَذا الكَلامُ اللُغَوِيُّ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: جَنّاتُ عَدْنٍ هي بِالفارِسِيَّةِ: جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأظُنُّ هَذا وهْمًا اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ، وقالَ الضَحّاكُ: جَنّاتُ عَدْنٍ هِيَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعُظْمُها، فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والناسُ حَوْلَهم بَعْدُ والجَنّاتُ حَوْلَها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجَنَّةِ وسُرَّتُها، وقالَ عَطاءٌ: عَدْنٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ جَنّاتُهُ عَلى حافَّتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: عَدْنٌ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ أو حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والآيَةُ تَأْبى هَذا التَخْصِيصَ إذْ قَدْ وعَدَ اللهُ بِها جَمْعَ المُؤْمِنِينَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ﴾ فَرُوِيَ فِيهِ «أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا؟ فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ، رِضْوانِي، أرْضى عَلَيْكُمْ، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا".» الحَدِيثُ. وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ﴾ يُرِيدُ: أكْبَرَ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، ومَعْنى الآيَةِ والحَدِيثِ مُتَّفِقٌ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللهِ مِنَ اللَذَّةِ والسُرُورِ (p-٣٦٣)ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ﴾ إشارَةً إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشارِبِينَ مِن تَسْنِيمِ الَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مُتَّسِعٌ، والفَوْزُ: النَجاةُ والخَلاصُ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والمُقَرَّبُونَ هم في الفَوْزِ العَظِيمِ، والعِبارَةُ عِنْدِي عن حالِهِمْ بِسُرُورٍ وكَمالٍ أجْوَدُ مِنَ العِبارَةِ عنها بِلَذَّةٍ، واللَذَّةُ أيْضًا مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا.

9:73–74Page 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

قَوْلُهُ: "جاهِدْ" مَأْخُوذٌ مِن بُلُوغِ الجَهْدِ، وهي مَقْصُودٌ بِها المُكافَحَةُ والمُخالَفَةُ، وتَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ المُجاهِدِ، فَجِهادُ الكافِرِ المُعْلِنِ بِالسَيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِ المُتَسَتِّرِ بِاللِسانِ والتَعْنِيفِ، والِاكْفِهْرارِ في وجْهِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

ألا تَرى أنَّ مِن ألْفاظِ الشَرْعِ قَوْلَهُ ﷺ: « "والمُجاهِدٌ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللهِ"»، فَجِهادُ النَفْسِ إنَّما هو مُصابَرَتُها بِاتِّباعِ الحَقِّ وتَرْكِ الشَهَواتِ، فَهَذا الَّذِي (p-٣٦٤)يَلِيقُ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنّا نَجْلِبُ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ نَصًّا لِتَكُونَ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، قالَ الزَجّاجُ (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ في ذَلِكَ بِألْفاظِ ابْنِ مَسْعُودٍ ): أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِجِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِالسَيْفِ، وأُبِيحَ لَهُ فِيها قَتْلُ المُنافِقِينَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنْ قَدَرَ وإلّا فَبِاللِسانِ، وإلّا فَبِالقَلْبِ والِاكْفِهْرارِ في الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والقَتْلُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَجْلِيحِ، ومَن جَلَحَ خَرَجَ عن رُتْبَةِ النِفاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِاللِسانِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: جاهِدِ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، قالَ: وأكْثَرُ ما كانَتِ الحُدُودُ يَوْمَئِذٍ تُصِيبُ المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ووَجْهُ تَرْكِ النَبِيِّ ﷺ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجَلِّحِينَ، بَلْ كانَ كُلُّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ إذا وقَفَ ادَّعى الإسْلامَ، فَكانَ في تَرْكِهِمْ إبْقاءٌ وحِياطَةٌ لِلْإسْلامِ، ومَخافَةٌ أنْ تَنْفِرَ العَرَبُ إذا سَمِعَتْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَقْتُلُ مَن يُظْهِرُ الإسْلامَ، وقَدْ أوعَبْتُ هَذا المَعْنى في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَذْهَبُ الطَبَرِيِّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يَعْرِفُهم ويَسْتُرُهم.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فَلَفْظَةٌ عامَّةٌ تَتَصَرَّفُ في الأفْعالِ والأقْوالِ واللَحَظاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ومِنهُ قَوْلُ النِسْوَةِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ومَعْنى الغِلَظِ: (p-٣٦٥)خُشُونَةُ الجانِبِ، فَهي ضِدُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، ثُمَّ خَبَّرَتِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في عَقِبِ الأمْرِ بِإخْبارِهِ أنَّهم في جَهَنَّمَ، والمَعْنى: هم أهْلٌ لِجَمِيعِ ما أُمِرْتَ أنْ تَفْعَلَ بِهِمْ، والمَأْوى: حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوِيدِ بْنِ الصامِتِ، وذَلِكَ كَأنَّهُ كانَ يَأْتِي مِن قُباءٍ ومَعَهُ ابْنُ امْرَأتِهِ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ -فِيما قالَ ابْنُ إسْحاقَ - وقالَ عُرْوَةُ: اسْمُهُ مُصْعَبٌ، وقالَ غَيْرُهُ: وهُما عَلى حِمارَيْنِ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ سَمّى قَوْمًا مِمَّنِ اتَّهَمَهم بِالنِفاقِ، وقالَ: "إنَّهم رِجْسٌ"، فَقالَ الجُلاسُ لِلَّذِي كانَ يَسِيرُ مَعَهُ: واللهِ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّى مُحَمَّدٌ إلّا كُبَراؤُنا وسادَتُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِن حُمُرِنا هَذِهِ، فَقالَ لَهُ رَبِيبُهُ أوِ الرَجُلُ الآخَرُ: واللهِ إنَّهُ لَحَقٌّ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِن حِمارِكَ، ثُمَّ خَشِيَ الرَجُلُ مِن أنْ يَلْحَقَهُ في دِينِهِ دَرْكٌ، فَخَرَجَ وأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالقِصَّةِ، فَأرْسَلَ النَبِيُّ ﷺ في أثَرِ الجُلاسِ فَقَرَّرَهُ فَحَلَفَ بِاللهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»

والإشارَةُ بِـ كَلِمَةِ الكُفْرِ إلى قَوْلِهِ: "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، لِأنَّ التَكْذِيبَ في قُوَّةِ هَذا الكَلامِ. قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ الجُلاسُ لَمّا قالَ لَهُ صاحِبُهُ: "إنِّي سَأُخْبِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِقَوْلِكَ هَذا"، هَمَّ بِقَتْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ عَجْزًا عن ذَلِكَ، فَإلى هَذا هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دُعامَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ «أنَّ سِنانَ بْنَ وبَرَةَ الأنْصارِيَّ والجَهْجاهَ الغِفارِيَّ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَثارُوا، فَصاحَ جَهْجاهُ بِالأنْصارِ وصاحَ سِنانٌ بِالمُهاجِرِينَ، فَثارَ الناسُ فَهَدَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ (p-٣٦٦)عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَقَفَهُ فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لَهُ،» والإشارَةُ بِـكَلِمَةِ الكُفْرِ إلى تَمْثِيلِهِ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، قالَ قَتادَةُ: والإشارَةُ بِـ "هَمُّوا" إلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨]. وقالَ الحَسَنُ: هُمُ المُنافِقُونَ مِن إظْهارِ الشِرْكِ ومُكابَرَةِ النَبِيِّ ﷺ بِما لَمْ يَنالُوا، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْفَذَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ دِيَةً كانَتْ قَدْ تَعَطَّلَتْ لَهُ، ذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّها كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ لِلْجُلاسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ فِيمَن نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها، وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في "نَقَمُوا" في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَرَأها أبُو حَيَوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِكَسْرِ القافِ، وهي لُغَةٌ، وقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، كَما قالَ النابِغَةُ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم... بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

فَكَأنَّ الكَلامَ: وما نَقَمُوا إلّا ما حَقُّهُ أنْ يُشْكَرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يُناسِبُ الآيَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الجُلاسَ هو الَّذِي هَمَّ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، (p-٣٦٧)وَهَذا يُشْبِهُ الآيَةَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ قَوِيِّ السَنَدِ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في إغْنائِهِمْ مِن حَيْثُ كَثُرَتْ أمْوالُهم مِنَ الغَنائِمِ، فَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَبَبٌ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْأنْصارِ: « "كُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللهُ بِي"»، ثُمَّ فَتَحَ عَزَّ وجَلَّ لَهم بابَ التَوْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ ولُطْفًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾. ورُوِيَ أنَّ الجُلاسَ تابَ مِنَ النِفاقِ فَقالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ تَرَكَ لِي بابَ التَوْبَةِ" فاعْتَرَفَ وأخْلَصَ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، والعَذابُ الألِيمُ اللاحِقُ بِهِمْ في الدُنْيا هو المَقْتُ والخَوْفُ والهُجْنَةُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ.

9:75–78Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦

But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨

Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مَن الصالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الأنْصارِيِّ، وقالَ الحَسَنُ: وفي مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ مَعَهُ، واخْتِصارُ ما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أمْرِهِ «أنَّهُ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لِي مالًا فَإنِّي لَوْ كُنْتُ ذا مالٍ لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ وفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرادَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: "قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ"، فَعاوَدَ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "ألا تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، لَوْ دَعَوْتُ اللهَ أنْ تَسِيرَ الجِبالُ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ؟"، فَأعادَ عَلَيْهِ حَتّى دَعا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عنها، وكَثُرَتْ غَنَمُهُ، فَكانَ لا يُصَلِّي إلّا (p-٣٦٨)الجُمْعَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَتّى تَنَحّى بَعِيدًا ونَجَمَ نِفاقُهُ، ونَزَلَ خِلالَ ذَلِكَ فَرْضُ الزَكاةِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُصَدِّقِينَ بِكِتابِهِ في أخْذِ زَكاةِ الغَنَمِ، فَلَمّا بَلَغُوا ثَعْلَبَةَ وقَرَأ الكِتابَ قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: دَعُونِي حَتّى أرى رَأْيِي، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وأخْبَرُوهُ، قالَ: "وَيْحَ ثَعْلَبَةَ" ثَلاثًا، ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وحَضَرَ القِصَّةَ قَرِيبٌ لِثَعْلَبَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ: أدْرِكْ أمْرَكَ، فَقَدْ نَزَلَ كَذا وكَذا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتّى أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَغِبَ أنْ يُؤَدِّيَ زَكاتَهُ، فَأعْرَضَ عنهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ لا آخُذَ زَكاتَكَ"، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ ورَدَ ثَعْلَبَةُ عَلى أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلى عُمْرَ ثُمَّ عَلى عُثْمانَ يَرْغَبُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَأْخُذَ مِنهُ الزَكاةَ، فَكُلَّهم رَدَّ ذَلِكَ وأباهُ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَقِيَ ثَعْلَبَةُ كَذَلِكَ حَتّى هَلَكَ في مُدَّةِ عُثْمانَ».

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ نَصُّ المُعاقَبَةِ عَلى الذَنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَقْتَضِي مُوافاتَهم عَلى النِفاقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ الخُلَفاءُ رَضِيَ اللهُ عنهم رُجُوعَ ثَعْلَبَةَ لِشَهادَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ، ولَوْلا الِاحْتِمالُ في أنَّهُ نِفاقُ مَعْصِيَةٍ لَوَجَبَ قَتْلُهُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِنَصَّدَّقَنَّ" بِالنُونِ الثَقِيلَةِ مِثْلَ الجَماعَةِ، "وَلَنَكُونَنْ" خَفِيفَةَ النُونِ.

والضَمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: "فَأعْقَبَهُمْ" يَعُودُ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى البُخْلِ المُضَمَّنِ في الآيَةِ، ويَضْعُفُ ذَلِكَ الضَمِيرُ في "يَلْقَوْنَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ ويَكُونُ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نِفاقًا﴾ يُرِيدُ بِهِ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تُرِكَ في أوَّلِ الزَكاةِ عِقابًا لَهُ ونَكالًا. وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ ألّا يُؤَدِّيَ الزَكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ: لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ. (p-٣٦٩)وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وسائِرُهُمْ: "يَكْذِبُونَ" خَفِيفَةً، قَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يُكَذِّبُونَ" مُشَدَّدَةً.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُناسِبُها مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، إذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ"» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "وَإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ"» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ، ويَظْهَرُ مِن مَذْهَبِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الخِلالَ الذَمِيمَةَ مُنافِقٌ مَنِ اتَّصَفَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ورُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ لَمّا احْتُضِرَ قالَ: "زَوِّجُوا فُلانًا فَإنِّي قَدْ وعَدْتُهُ، لا ألْقى اللهَ بِثُلْثِ النِفاقِ"، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الخِلالَ إخْوَةُ يُوسُفَ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانُوا أنْبِياءَ"، وهَذِهِ الأحادِيثُ إنَّما هي في المُنافِقِينَ في عَصْرِ النَبِيِّ ﷺ، الَّذِينَ شَهِدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الخِصالُ في سائِرِ الأُمَّةِ مَعاصٍ لا نِفاقٌ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الحَسَنَ رَجَعَ إلى هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا مَحالَةَ أنَّها كانَتْ مَعَ التَوْحِيدِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعاصٍ، لَكِنَّها مِن قَبِيلِ النِفاقِ اللُغَوِيِّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: كانَ العَهْدُ الَّذِي عاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. (p-٣٧٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآيَةُ، لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: إنَّ العَهْدَ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ بِالنِيَّةِ لا بِالقَوْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْلَمُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُناسِبُ حالَهُمْ، وذَلِكَ أنَّها تَضَمَّنَتْ إحاطَةَ عِلْمِ اللهِ بِهِمْ وحَصْرِهِ لَهُمْ، وفِيها تَوْبِيخُهُمْ، عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَحَدُّثِ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى ثَلْبِ الإسْلامِ، وراحَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في جِهَةِ النَبِيِّ ﷺ وشَرْعِهِ، فَهي تَعُمُّ المُنافِقِينَ أجْمَعَ، وقائِلُ المَقالَةِ المَذْكُورَةِ ذَهَبَ إلى أنَّها تَخْتَصُّ بِالفِرْقَةِ الَّتِي عاهَدَتْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском