Al-Jaza'iriYusuf · 12:68–101

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:68–101

12:68–72Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

شرح الكلمات:

إلا حاجة في نفس يعقوب: هي إرادة دفع العين عن أولاده شفقة عليهم.

آوى إليه أخاه: أي ضمه إليه أثناء الأكل وأثناء المبيت.

فلا تبتئس: أي لا تحزن.

جعل السقاية: أي صاع الملك وهو من ذهب كان يشرب فيه ثم جعله مكيالاً يكيل به.

أذن مؤذن: نادى مناد.

أيتها العير: أي القافلة.

صواع الملك: أي صاع الملك. فالصاع والصواع بمعنى واحد.

وأنا به زعيم: أي بالحمل كفيل.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن إخوة يوسف فقد عهد إليهم إذا هم وصلوا إلى ديار مصر أن لا يدخلوا من باب واحد بل من أبواب متعددة خشية العين عليهم، وقد وصلوا وعملوا بوصية أبيهم فقد قال تعالى مخبراً عنهم ﴿ولَمّا دَخَلُواْ مِن حَيْثُ أمَرَهُمْ أبُوهُم مّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ أي دخولهم من أبواب متفرقة ﴿مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي من قضائه ﴿مِن شَيْءٍ إلاَّ حاجَةً﴾ أي لكن حاجة ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ وهي خوف العين عليهم ﴿قَضاها﴾ أي لا غير.

وقوله تعلى: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّما عَلَّمْناهُ﴾ ثناء على يعقوب أي إنه لصاحب علم وعمل لتعليمنا إياه وقوله: ﴿ولَٰكِنَّ أكْثَرَ ٱلنّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ هو كما أخبر عز وجل أكثر الناس لا يعلمون عن الله تعالى صفات جلاله وكماله ومحابه ومساخطه وأبواب الوصول إلى مرضاته والحصول على رضاه ومحبته، وما يتقي مما يحرم على العبد من ذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٦٨].

أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى أن إخوة يوسف لما دخلوا عليه في منزله آوى إليه أخاه أي شقيقه وهو بنيامين، وذلك لما جاء وقت النوم جعل كل اثنين في غرفة وهم أحد عشر رجلاً بقي بنيامين فقال هذا ينام معي، وأنه لما آواه إليه في فراشه أعلمه أنه أخوه يوسف، وأعلمه أن لا يحزن بسبب ما كان إخوته قد عملوه مع أبيهم ومع أخيهم يوسف وأعلمه أنه سيحتال على بقائه معه فلا يكترث بذلك ولا يخبر إخوته بشيء من هذا. هذا ما دلت عليه الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُواْ عَلىٰ يُوسُفَ آوىۤ إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّيۤ أناْ أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

أما الآية الثالثة [٧٠] فقد تضمنت الإخبار عن تدبير يوسف لبقاء أخيه معه دونهم وذلك أنه لما جهزهم بجهازهم أي كال لهم الطعام وزودهم بما يحتاجون إليه بعد إكرامه لهم جعل بطريق خفيّ لم يشعروا به سقاية الملك وهي الصاع أو الصواع وهي عبارة عن إناء من ذهب كان يشرب فيه ثم جعل آلة كيل خاصة بالملك عرفت بصواع الملك أو صاعه. جعلها في رحل أخيه بنيامين.

ثم لما تحركت القافلة وسارت خطوات نادى منادٍ قائلاً أيتها العير أي يا أهل القافلة إنكم لسارقون. هذا ما تضمنته الآية الكريمة إذ قال تعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقايَةَ فِي رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها ٱلْعِيرُ إنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾. قال تعالى إخباراً عنهم: ﴿قالُواْ وأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مّاذا تَفْقِدُونَ﴾ فأجابوا بقولهم: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ ٱلْمَلِكِ ولِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي مكافأة له ﴿وأَناْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي وأنا بإعطائه حمل البعير كفيل.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان فضل العلم وأهله.

٢- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس لا يعلمون.

٣- حسن تدبير يوسف للإبقاء على أخيه معه بعد ذهاب إخوته.

٤- مشروعية إعطاء المكافآت لمن يقوم بعمل معين وهي الجعالة في الفقه.

٥- مشروعية الكفالة والكفيل غارم.

12:73–76Page 244

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣

They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤

They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"

قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."

فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1

شرح الكلمات:

تالله: أي والله.

لنفسد في الأرض: أي بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب.

وما كنا سارقين: أي لم نسرق الصواع كما أنا لم نسرق من قبل متاع أحد.

من وجد في رحله فهو جزاؤه: أي يأخذ بالسرقة رقيقاً.

كذلك نجزي الظالمين: أي في شريعتنا.

في وعاء أخيه: أي في وعاء أخيه الموجود في رحله.

كذلك كدنا ليوسف: أي يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود.

في دين الملك: أي في شرعه إذ كان يضرب السارق ويغرم بمثل ما سرق.

نرفع درجات من نشاء: أي كما رفع يوسف عليه السلام.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن يوسف وإخوته، إنه لما أعلن عن سرقة صواع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش، وأعلن عن الجائزة لمن يأتي بالصواع وأنها مضمونة هنا قال إخوة يوسف ما أخبر تعالى به عنهم: ﴿قالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي بالسرقة وغشيان الذنوب وإنما جئنا للميرة ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ أي في يوم من الأيام، وهنا قال رجال الملك رداً على مقاتلهم بما أخبر تعالى به: ﴿قالُواْ فَما جَزَآؤُهُ إن كُنتُمْ كاذِبِينَ﴾ فأجاب الإخوة بما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿قالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ يريدون أن السارق يُسترق أي يملك بالسرقة وقوله ﴿كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظّالِمِينَ﴾ أي في شريعتنا. وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد وآخر وعاء وعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله، هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَها مِن وِعَآءِ أخِيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَذٰلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي هكذا يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم. وقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾ أي لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة بل السارق يضرب ويغرم فقط، ﴿إلاَّ أن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ أمراً فإنه يكون. وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ أي في العلم كما رفعنا يوسف ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من الناس ﴿عَلِيمٌ﴾ إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فهو العليم الذي لا أعلم منه بل العلم كله له ومنه ولولاه لما علم أحد شيئاً.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- جواز الحلف بالله تعالى للحاجة.

٢- مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة.

٣- معرفة حكم السرقة في شرعة يعقوب عليه السلام.

٤- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه.

٥- بيان حكم السرقة في القانون المصري على عهد يوسف عليه السلام.

٦- علوّ مقام يوسف عليه السلام في العلم.

٧- تقرير قاعدة (وفوق كل ذي علم عليم): إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى.

12:77–79Page 244

۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."

قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨

They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩

He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

شرح الكلمات:

إن يسرق: أي يأخذ الصواع خفية من حرزه.

فقد سرق أخ له: أي يوسف في صباه.

فأسرها يوسف: أي أخفى هذه التهمة في نفسه.

ولم يبدها لهم: أي لم يظهرها لهم.

أنتم شر مكاناً: أي منزلةً ممن رميتموه بالسرقة.

بما تصفون: أي بحقيقة ما تصفون أي تذكرون.

أباً شيخاً كبيراً: أي يعقوب عليه السلام.

معاذ الله: أي نعوذ بالله من أن نأخذ من لم نجد متاعنا عنده.

متاعنا: أي الصواع.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث مع يوسف عليه السلام وإخوته، إنه بعد أن استخرج يوسف الصواع من متاع أخيه وتقرر ظاهراً أن بينامين قد سرق، قال إخوته ما أخبر به تعالى عنهم في قوله: ﴿قالُوۤاْ إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي إن يكن بنيامين قد سرق كما قررتم فلا عجب فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف أيام صباه، كان يسرق الطعام ويعطيه للمساكين وسرق صنماً لأبي أمه فكسره حتى لا يعبده، وليس هذا من السرقة المحرمة ولا المذمومة بل هي محمودة. وقوله تعالى ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أي أسر يوسف قولتهم ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ولم يظهرها لهم وقال رداً لقولتهم الخاطئة: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَّكاناً﴾ أي شر منزلة ممن رميتموه بالسرقة ﴿وٱللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أي بحقيقة ما تذكرون. ولما سمعوا قول يوسف وكان فيه نوع من الصرامة والشدة قالوا مستعطفين يوسف مسترحمينه بما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿قالُواْ يٰأيُّها ٱلْعَزِيزُ إنَّ لَهُ أباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ أي لأخينا والداً كبير السن يعز عليه فراقه ولا يطيقه. ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي واحداً منا بدلاً عنهُ ومثلك يفعل ذلك لأنه إحسان وأنت من المحسنين. فأجابهم بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿قالَ مَعاذَ ٱللَّهِ﴾ أي نعوذ بالله ﴿أن نَّأْخُذَ إلاَّ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِندَهُ إنَّآ إذاً لَّظالِمُونَ﴾ أي إذا أخذنا من لم يَجْنِ ونترك من جنى أي سرق فقد كنا بذلك ظالمين وهذا ما لا نرضاه ولا نوافق عليه.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- مشروعية الاعتذار عن الخطأ.

٢- قد يضطر الحليم إلى أن يقول ما لم يكن يقوله لولا ما وُوجِهَ به من السوء.

٣- مشروعية الاسترحام والاستعطاف لمن احتاج إلى ذلك رجاء أن يرحم ويعطف عليه.

٤- حرمة ترك الجاني وأخذ غيره بدلا منه إذ هذا من الظلم المحرم.

12:80–84Page 245

فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.

ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١

Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1

وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"

قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."

وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2

شرح الكلمات:

خلصوا نجياً: أي اعتزلوا يناجي بعضهم بعضاً.

أخذ عليكم موثقاً: أي عهداً وميثاقاً لتأتن به إلا أن يحاط بكم.

ومن قبل ما فرطتم: أي ومن قبل إضاعتكم لبنْيامين فرضتم في يوسف كذلك.

فلن أبرح الأرض: أي لن أفارق الأرض، أي أرض مصر.

وما كنا للغيب حافظين: أي لما غاب عنا ولم نعرفه حافظين.

العير التي أقبلنا فيها: أي أصحاب القافلة التي جئنا معها وهم قوم كنعانيون.

سولت لكم أنفسكم: أي زينت وحسنت لكم أمراً ففعلتموه.

أن يأتيني بهم جميعا: أي بيوسف وأخويه بنيامين وروبيل.

وتولى عنهم: أي معرضاً عن حديثهم.

وقال يا أسفى: أي يا حزني أحضر هذا أوان حضورك.

فهو كظيم: أي مغموم مكروب لا يظهر كربه.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث على قصة يوسف وإخوته، إنه بعد أن أخذ يوسف أخاه بالسرقة ولم يقبل استرحامهم له بأخذ غيره بدلاً عنه انحازوا ناحية يفكرون في أمرهم وهو ما أخبر به تعالى عنه في قوله: ﴿فَلَمّا ٱسْتَيْأَسُواْ﴾ أي يئسوا ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ أي اعتزلوا يتناجون في قضيتهم ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو روبيل مخاطباً إياهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوۤاْ أنَّ أباكُمْ قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً﴾ يذكرهم بالميثاق الذي أخذه يعقوب عليهم لما طلبوا منه أن يرسل معهم بنيامين لأن عزيز مصر طلبه. ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي وذكرهم بتفريطهم في يوسف يوم ألقوه في غيابة الجب وباعوه بعد خروجه من الجب. ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ ٱلأَرْضَ﴾ أي أرض مصر حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه ﴿أوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي﴾ بما هو خير ﴿وهُوَ خَيْرُ ٱلْحاكِمِينَ﴾.

ولما أقنعهم بتخلفه عنهم أخذ يرشدهم إلى ما يقولونه لوالدهم وهو ما أخبر تعالى به في قوله عنه: ﴿ٱرْجِعُوۤاْ إلىٰ أبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأبانا إنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنَآ إلاَّ بِما عَلِمْنا﴾ أي حيث رأينا الصواع يستخرج من رحل أخينا ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أي ولو كنا نعلم أن أخانا يحدث له هذا الذي حدث ما أخذناه معنا. كما أننا ما شهدنا بأن السارق يؤخذ بالسرقة إلا بما علمنا منك ﴿وسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنّا فِيها﴾ وهي عاصمة مصر ﴿وٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أقْبَلْنا فِيها﴾ إذ فيها كنعانيون من جيرانك ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في كل ما أخبرناك به. هذا ما أرشد به روبيل إخوته، ولما ذهبوا به واجتمعوا بأبيهم وحدثوه بما علمهم روبيل أن يقولوه فقالوه لأبيهم. رد عليهم يعقوب عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه في قوله: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنفُسُكُمْ أمْراً﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمراً ففعلتموه ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي فصبري على ما أصابني صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية لأحد غير الله ﴿عَسى ٱللَّهُ أن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ أي يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ بفقري إليه وحاجتي عنده ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لأوليائه وصالحي عباده ﴿وتَوَلّىٰ عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عن مخاطبتهم ﴿وقالَ يَٰأسَفىٰ﴾ أي يا أسفي وشدة حزني أحضر فهذا أوان حضورك ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ قال تعالى مخبراً عن حاله بعد ذلك ﴿وٱبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ﴾ فغلب بياضهما على سوادهما ومعنى هذا أنه فقد الإبصار بما أصاب عينيه من البياض.

﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي ممتلىء من الهم والكرب والحزن مكظوم لا يبثه لأحد ولا يشكوه لغير ربه تعالى.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- مشروعية المناجاة للتشاور في الأمر الهام.

٢- مشروعية التذكير بالالتزامات والعهود والمحافظة على ذلك.

٣- قد يغلب الحياء على المؤمن فيمنعه من أمور هي خير له.

٤- مشروعية النصح وتزويد المنصوح له بما يقوله ويعمله.

٥- جواز اتهام البريء لملابسات أو تهمة سابقة.

٦- إظهار التأسف والحزن والشكوى لله تعالى.

12:85–88Page 245

قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥

They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.

يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."

شرح الكلمات:

تالله تفتؤا تذكر: أي والله لا تزال تذكر يوسف.

حرضاً: أي مشرفاً على الهلاك لطول مرضك.

أشكو بثي: أي عظيم حزني إذ البث الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الغير.

فتحسسوا: أي اطلبوا خبرهما بلطف حتى تصلوا إلى النتيجة.

من روح الله: أي من رحمة الله.

ببضاعة مزجاة: أي بدراهم مدفوعة لا يقبلها الناس لرداءتها.

يجزي المتصدقين: أي يثيب المتصدقين بثواب الدنيا والآخرة.

معنى الآيات:

ما زال السياق فيما جرى من حديث بين يعقوب عليه السلام وبنيه أنه بعدما ذكروا له ما جرى لهم في مصر أعرض عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. قالوا له ما أخبر به تعالى في قوله: ﴿قالُواْ تاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي والله لا تزال تذكر يوسف حتى تصبح حرضاً مشرفاً على الموت أو تكون من الهالكين أي الميتين. أجابهم بما أخبر تعالى به عنه: ﴿قالَ إنَّمَآ أشْكُو بَثِّي﴾ أي همي ﴿وحُزْنِي إلى ٱللَّهِ وأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يريد أن رجاءه في الله كبير وأنَ الله لا يخيب رجاءه وأن رؤيا يوسف صادقة وأن الله تعالى سيجمع شمله به ويسجد له كما رأى. ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ﴾ أي التمسوا أخبارهما بحواسكم بالسؤال عنهما والنظر إليهما، ﴿ولا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾ أي لا تقنطوا من فرج الله ورحمته وعلل للنهي فقال: ﴿إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾ أي من فرجه ورحمته ﴿إلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكافِرُونَ﴾.

وامتثل الأبناء أمر الوالد وذهبوا إلى مصر وانتهوا إليها ونزلوا بها وأتوا الى دار العزيز ﴿فَلَمّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قالُواْ﴾ ما أخبر تعالى به عنهم ﴿يٰأيُّها ٱلْعَزِيزُ مَسَّنا وأَهْلَنا ٱلضُّرُّ﴾ أي من الجدب والقحط والمجاعة ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُّزْجاةٍ﴾ أي دراهم رديئة مدفوعة لا تقبل كما تقبل الجيدة منها ﴿فَأَوْفِ لَنا ٱلْكَيْلَ﴾ بها ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ بقبولها على رداءتها ﴿إنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أي يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به خيراً.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- شدة الحزن تعرض صاحبها للحرض أو الموت.

٢- تحرم الشكوى لغير الله عز وجل.

٣- حرمة اليأس من الفرج عند الشدة والرحمة عند العذاب.

٤- جواز الشكوى إذا كان المراد بها الكشف عن الحال للاصلاح أو العلاج كأن يقول المحتاج إني جائع أو عار مثلاً وكأن يقول المريض للطبيب أشكوا ألماً في بطني أو رأسي مثلاً.

٥- فضل الصدقة وثواب المتصدقين.

12:89–93Page 246

قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠

They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١

They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.

ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

شرح الكلمات:

إذ أنتم جاهلون: أي لا تعلمون ما يؤول إليه أمر يوسف.

قد منّ الله علينا: أي أنعم علينا بأن جمع بيننا بعد افتراق طويل أنتم سببه.

من يتق ويصبر: أي يتق الله فيخافه فلا يعصيه ويصبر على ما يناله من وصب ونصب.

لقد آثرك الله علينا: أي فضلك علينا بما منّ عليك من الإنعام والكمال.

لا تثريب عليكم: أي لا عتب عليكم ولا لوم.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث مع يوسف وإخوته، إنه لما وصلوا إليه من أرض كنعان بأمر والدهم وشكوا إليه ما هم فيه من ضيق الحال إذ قالوا له: قد مسنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة، لما سمع منهم ذلك رق قلبه وارفَضَّت عيناه بالدموع وأراد أن ينهي التكتم الذي كان عليه وهو إخفاء حاله عليهم فقال لهم: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وأَخِيهِ﴾ ذكرهم بما صنعوا به من إلقائه في الجب وبيعه عبداً وبذلك فرقوا بينه وبين والده وأخيه شقيقه وقوله: ﴿إذْ أنتُمْ جاهِلُونَ﴾ أي بما يصير إليه أمر يوسف وهنا قالوا في اندهاش وتعجب: ﴿أءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فأجابهم قائلاً بما أخبر تعالى به عنه ﴿قالَ أناْ يُوسُفُ وهَٰذا أخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ أي أنعم علينا فجمع بيننا على أحسن حال ثم قال: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَِصْبِرْ﴾ أي يتق الله يخافه فيقيم فرائضه ويتجنب نواهيه ويصبر على ذلك وعلى ما يبتليه به ﴿فَإنَّ ٱللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي في طاعة ربهم والإسلام له ظاهراً وباطناً. وهنا قالوا له ما أخبر به تعالى عنهم: ﴿قالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنا﴾ أي بالعلم والعمل والفضل ﴿وإن كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ فيما فعلنا بك، فكان هذا توبة منهم فقال لهم: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ أي لا عتب ولا لوم ولا ذكر لما صنعتم لأنه يؤذي ﴿يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أرْحَمُ ٱلرّاحِمِينَ﴾ سأل الله تعالى له ولهم المغفرة وأثنى على الله تعالى بأنه أرحم الراحمين متعرضاً لرحمته تعالى له ولإخوته. ثم سألهم عن والده فأخبروه أنه قد عمي من الحزن عليه فقال: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذا فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ أي يرجع بصيراً كما كان ﴿وأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أجْمَعِينَ﴾ يريد أبويه والنساء والأطفال والأحفاد. وهو تحول كامل للأسرة الشريفة من أرض كنعان إلى أرض مصر تدبيراً من الله العزيز الحكيم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير مبدأ أن المعاصي لن تكون إلا نتيجة للجهل بالله تعالى وجلاله وشرائعه ووعده ووعيده.

٢- فضل التقوى والصبر وما لهما من حسن العاقبة.

٣- فضل الصفح والعفو وترك عتاب القريب إذا أساء.

12:94–100Page 246

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤

And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥

They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."

وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

شرح الكلمات:

ولما فصلت العير: أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى أرض فلسطين.

إني لأجد ريح يوسف: أشتمها لأن الريح حملتها إليه بأمر الله تعالى.

لولا أن تفندّون: أي تسفّهون، لصدقتموني فإني وجدت ريح يوسف.

إنك لفي ضلالك القديم: أي خطإك بإفراطك في حب يوسف.

فلما أن جاء البشير: هو يهودا الذي حمل إليه القميص الملطخ بالدم الكذب.

فارتد بصيراً: أي رجع بصيراً.

سوف استغفر لكم ربي: أجَّلَ الاستغفار لهم إلى آخر الليل أو إلى ليلة الجمعة.

على العرش: أي السرير.

وخروا له سجداً: أي سجدو له تحية وتعظيماً.

من البدو: أي البادية، بادية الشام.

من بعد أن نزغ: أي أفسد.

لطيف لما يشاء: أي لطيف في تدبيره لمن يشاء من عباده كما لطف بيوسف.

معنى الآيات:

هذه أواخر قصة يوسف عليه السلام، إنه بعد أن بعث بقميصه إلى والده وحمله أخوه يهودا ضمن القافلة المتجهة إلى أرض كنعان، ولما فصلت العير من عريش مصر حملت ريح الصبا ريح يوسف إلى أبيه قال: ﴿إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أن تُفَنِّدُونِ﴾ أي تسفهون لصدقتموني فإني أجدها فقال الحاضرون مجلسه من أفراد الأسرة والذين لم يعلموا بخبر يوسف بمصر قالوا له: ﴿إنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾ أي من خطإك بإفراطك في حب يوسف. وواصلت العير سيرها وبعد أيام وصلت وجاء يهودا يحمل القميص فألقاه على وجه يعقوب فارتد بصيراً كما أخبر يوسف إخوته بمصر. وهنا واجه أبناءه بالخطاب الذي أخبر تعالى به في قوله: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَّكُمْ إنِّيۤ أعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من لطف الله وحسن تدبيره ورحمته وإفضاله ما لا تعلمون. وهنا طلبوا من والدهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ربهم فقالوا ما أخبر تعالى به: ﴿قالُواْ يٰأبانا ٱسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنَآ إنّا كُنّا خاطِئِينَ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾. أجَّلَ لهم طلب المغفرة إلى ساعة الاستجابة كآخر الليل وقت السحر أو يوم الجمعة. وتنفيذاً لأمر يوسف إخوته بأن يأتوه بأهلهم أجمعين تحملت الأسرة بسائر أفرادها مهاجرين إلى مصر. وكان يوسف وملك مصر وألوف من رجال الدولة وأعيان البلاد في استقبالهم، وكان يوسف قد ضربت له خيمة أو فسطاط، ووصلت المهاجرة إلى مشارف الديار المصرية وكان يوسف في فسطاطه ﴿فَلَمّا دَخَلُواْ عَلىٰ يُوسُفَ آوىٰ إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ أي ضمّهما إلى موكبه ﴿وقالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾ ولما انتهوا إلى القصر ودخلوا ﴿ورَفَعَ﴾ يوسف ﴿أبَوَيْهِ﴾ أمه وأباه ﴿عَلى ٱلْعَرْشِ﴾ سرير الملك ﴿وخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً﴾ تحية وتشريفاً. وهنا قال يوسف ﴿يٰأبَتِ هَٰذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقّاً﴾ إذ رأى في صباه أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين.

وقوله ﴿وقَدْ أحْسَنَ بَيۤ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أن نَّزغَ ٱلشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِيۤ﴾ هذا ثناء على الله بنعمه وتذكير للحاضرين بالحادثة والطاف الله تعالى فيها. ومن كرم نفس يوسف وسمو آدابه لم يقل قد أحسن بي إذ أخرجني من الجب فيذكرهم بما يؤلمهم بل قال من السجن. ويعني بقوله وجاء بكم من البدو أي من أرض كنعان. ونسب الإساءة التي كانت من إخوته إلى الشيطان تلطيفاً للجو ومبالغة في إذهاب الهم من نفس إخوته، وختم حديث النعمة في أعظم فرحة ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّما يَشَآءُ إنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي بخلقه ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره وصنعه.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- آية عظيمة هي حمل الريح ريح يوسف على مسافات بعيدة.

٢- آية أخرى هي ارتداد بصر يعقوب بعد العمى بمجرد أن أُلِقيَ القميص على وجهه.

٣- كرم يعقوب وحسن عفوه وصفحه على أولاده إذ استغفر لهم ربهم فغفر لهم.

٤- مشروعية الخروج خارج المدينة لاستقبال أهل الكمال والفضل كالحجاج مثلا.

٥- صدق رؤيا يوسف عليه السلام إذ تمت حرفياً فجلس يوسف على عرشه وخر له أبواه وإخوته ساجدين.

٦- قد يتأخر تأويل الرؤيا عشرات السنين إذ تأخرت رؤيا يوسف أربعين سنة.

٧- تجليات الألطاف الإلهية والرحمات الربانية في هذه القصة في مظاهر عجيبة.

12:101Page 247

۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

شرح الكلمات:

رب: أي يا رب خالقي ورازقي ومالك أمري ومعبودي الذي ليس لي معبود سواه.

من الملك: أي من بعض الملك إذ أصبح ملكاً لمصر فقط.

تأويل الأحاديث: تعبير الرؤا.

فاطر السماوات والأرض: أي خالقهما على غير مثال سابق.

أنت وليّ: أي متولي أمري في الحياتين الدنيا والآخرة.

معنى الآية الكريمة:

هذا آخر الحديث عن قصة يوسف، إنه بعد أن جمع الله تعالى شمله بكافة أفراد أسرته وفتح عليه من خزائن رحمته ما فتح، وانقلبت الإحراقات: إحراقات الإلقاء في الجب، والبيع رقيقاً بثمن بخس، وفتنة امرأة العزيز، والسجن سبع سنين، انقلبت إلى اشراقات ملكاً ودولة، عزاً ورفعة، مالاً وثراء، اجتماعاً ووئاماً، وفوق ذلك العلم اللدني والوحي الإلهي وتأويل الأحاديث. وبعد أن قبض الله تعالى والده وتاب على إخوته وهيأهم للنبوة ونبأهم. تاقت نفس يوسف إلى الملكوت الأعلى إلى الجيرة الصالحة إلى رفقة الأخيار آبائه الأطهار إبراهيم وإسحاق ويعقوب رفع يديه إلى ربه وقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحادِيثِ فاطِرَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ أنتَ ولِيِّي فِي ٱلدُّنُيا وٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وأَلْحِقْنِي بِٱلصّالِحِينَ﴾ واستجاب الله تعالى دعاءه فلم يلبث إلا قليلاً حتى وافاه الأجل فارتحل والتحق بأبائه وصالحي إخوانه فسلام عليه وعليهم وعلى كل صالح في الأرض والسماء، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

هداية الآية

من هداية الآية:

١- مشروعية دعاء الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته.

٢- مشروعية العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند حصولها والتمكن منها.

٣- فضل الشوق إلى الله والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى.

٤- مشروعية سؤال الموت إن لم يكن لضر أو ملل من العبادة، أو رغبة في الراحة لحديث «لا يسألن أحدكم الموت لضر نزل به» وهو صحيح. ولكن شوقاً إلى الله تعالى والالتحاق بالصالحين. عزوفاً عن هذه الدار وشوقاً إلى الأخرى دار السلام.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском