Al-Jaza'iriAn‑Nahl · 16:26–56

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:26–56

16:26–34Page 269

قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.

ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧

Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨

The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.

فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩

So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠

And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١

Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢

The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣

Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤

So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.

شرح الكلمات:

من قبلهم: أي من قبل كفار قريش بمكة كالنمرود وغيره.

فأتى الله بنيانهم: أي قصد إليه ليدمره فسلط عليه الريح والزلزلة فسقط من أسسه.

وخر عليهم السقف: أي سقط لتداعي القواعد وسقوطها.

كنتم تشاقون فيهم: أي تخالفون المؤمنين فيهم بعبادتكم إياهم وجدالكم عنه، وتشاقون الله بمخالفتكم إياه بترك عبادته إياها.

وقال الذين أوتوا العلم: أي الأنبياء والمؤمنون.

ظالمي أنفسهم: بالشرك والمعاصي.

فألقوا السلم: أي استسلموا وانقادوا.

فلبئس مثوى المتكبرين: مثوى المتكبرين: أي قبح منزل المتكبرين في جهنم مثلاً.

وقيل للذين اتقوا: أي اتقوا الشرك والمعاصي.

للذين أحسنوا: أي أعمالهم وأقوالهم ونياتهم فأتوْا بها وفق مراد الله تعالى.

حسنة: أي الحياة الطيبة حياة العز والكرامة.

ولنعم دار المتقين: أي الجنة دار السلام.

طيبين: أي الأرواح بما زكوها به من الإيمان والعمل الصالح. وبما أبعدوها عنه من الشرك والمعاصي.

يقولون سلام عليكم: أي يقول لهم ملك الموت «عزرائيل» وأعوانه.

هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة: أي لقبض أرواحهم وعند ذلك يؤمنون.

أو يأتي أمر ربك: أي بالعذاب أو بقيام الساعة وحشرهم إلى الله عز وجل.

وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: أي نزل بهم العذاب وأحاط بهم وقد كانوا به يستهزئون.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم مع كفار قريش في تذكيرهم وتبصرهم بما هم فيه من الجهالة والضلالة. فيقول تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل مكر كفار قريش وذلك كالنمرود وفرعون وغيرهم من الجبابرة الذين تطاولوا على الله عز وجل ومكروا برسلهم، فالنمرود ألقى بإبراهيم في النار، وفرعون قال ذروني اقتل موسى وليدع ربه.. وقوله: ﴿فَأَتى ٱللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَواعِدِ﴾ أي أتاه أمر الله بهدمه وإسقاطه على الظلمة الطغاة ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأَتاهُمُ ٱلْعَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾. وذهب باطلهم وزال مكرهم. ألم يتعظ بهذا كفرة قريش وهم يمكرون بنبيهم ويبيِّتون له السوء بالقتل أو النفي أو الحبس؟ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي يهينهم ويذلهم ويوبخهم بقوله: ﴿أيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أي أصنامكم وأوثانكم الذين كنتم تخالفوني بعبادتكم إياهم دوني كما تشاقون أوليائي المؤمنين أي تخالفونهم بذلك وتحاربونهم فيه. وهنا يقول الأشهاد والذين أوتوا العلم من الأنبياء والعلماء الربانيين: ﴿إنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وٱلْسُّوۤءَ عَلى ٱلْكافِرِينَ﴾ أي إن الذل والهون والدون على الكافرين. وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ بالشرك والمعاصي ومن جملة المعاصي ترك الهجرة والبقاء بين ظهراني الكافرين والفساق المجرمين حيث لا يتمكن المؤمن من عبادة الله تعالى بترك المعاصي والقيام بالعبادات. وقوله ﴿فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ﴾ أي عند معاينتهم ملك الموت وأعوانه أي استسلموا وانقادوا وحاولوا الإعتذار بالكذب وقالوا ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ﴾ فترد عليهم الملائكة قائلين: ﴿بَلىٰ﴾ أي كنتم تعملون السوء ﴿إنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويقال لهم أيضاً ﴿فَٱدْخُلُوۤاْ أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أي أبواب طبقاتها ﴿خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ﴾ جهنم ﴿مَثْوى﴾ أي مقاماً ومنزلاً ﴿ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن عبادة الله وحده.

وقوله تعالى: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ﴾ أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه في أمره ولا نهيه وأطاعوا رسوله كذلك: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي إذا سألهم من أتى مكة يتعرف على ما بلغه من دعوة الإسلام فيقولون له: ﴿خَيْراً﴾ أي أنزل خيراً لأن القرآن خير وبالخير نزل بخلاف تلاميذ المشركين يقولون أساطير الأولين كما تقدم في هذا السياق.

كما ذكر تعالى جزاء الكافرين وما يلقونه من العذاب في نار جهنم وهم الذين أساءوا في هذه الحياة الدنيا إلى أنفسهم بشركهم بالله ومكرهم وظلمهم للمؤمنين، ذكر جزاء المحسنين. فقال: ﴿لِّلَّذِينَ أحْسَنُواْ﴾ أي آمنوا وعملوا الصالحات متبعين شرع الله في ذلك فأخلصوا عبادتهم لله تعالى ودعوا الناس إلى عبادة الله وحثوهم على ذلك فكانوا بذلك محسنين لأنفسهم ولغيرهم لهؤلاء الذين أحسنوا في الدنيا ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهي الحياة الطيبة حياة الطهر والعزة والكرامة، ولدار الآخرة خيرٌ لهم من دار الدنيا مع ما فيها من حسنة وقوله تعالى: ﴿ولَنِعْمَ دارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ ثناء ومدح لتلك الدار الآخرة لما فيها من النعيم المقيم وإضافتها إلى المتقين باعتبار أنهم أهلها الجديرون بها إذ هي خاصة بهم ورثوها بإيمانهم وصالح أعمالهم بتركهم الشرك والمعاصي.

وقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها ٱلأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشَآؤونَ﴾ هو وصف وبيان لدار المتقين فأخبر أنها جنات جمع جنة وهي البستان المشتمل على الأشجار والأنهار والقصور وما لذ وطاب من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمراكب وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشَآؤونَ﴾ هذا نهاية لإكرام والإنعام إذ كون العبد يجد كل ما يشتهي ويطلب هو نعيم لا مزيد عليه وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ أي كهذا الجزاء الحسن العظيم يجزي الله المتقين في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ أي طاهري الأرواح لأرواحهم ريح طيبة ثمرة إيمانهم وصالح أعمالهم ونتيجة بعدهم عما يدنس أنفسهم من أوضار الشرك وعفن المعاصي وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي تقول لهم المكلائكة وهم ملك الموت وأعوانه ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ تحييهم وفي ذلك بشارة لهم برضا ربهم وجواره الكريم. ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ بأرواحهم اليوم وبأجسامهم غداً يوم القيامة. وقوله ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي بسبب ما كنتم تعملونه من الطاعات والمسابقة في الخيرات بعد عمل قلوبكم بالايمان واليقين والحب في الله والبغض فيه عز وجل والرغبة والتوكل عليه. هذا ما تضمنته الآيات [٣١، ٣٢] وأما الآيات بعد ذلك فيقول الله مستبطئاً إيمان قريش وتوبتهم بعد تلك الحجج والبراهين والدلائل والبينات على صدق نبوة محمد ﷺ وعلى وجوب التوحيد وبطلان الشرك وعلى الإيمان باليوم الآخر.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ﴾ أي ما ينظرون بعد هذا إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ بإبادتهم واستئصالهم، إذ لم يبق ما ينتظرونه إلا أحد هذين الأمرين وكلاهما مر وشر لهم. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم السابقة فحلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فأهلكهم. ﴿وما ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ﴾ تعالى في ذلك أبداً ﴿ولٰكِن كانُواْ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإصرارهم على الشرك والعناد والمجاحدة والمكابرة ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ﴾ أي جزاء سيئات ﴿ما عَمِلُواْ﴾ من الكفر والظلم ﴿وحاقَ بِهِم﴾ أي نزل بهم وأحاط بهم ﴿مّا كانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إذ كانت رسلهم إذا خوفتهم من عذاب الله سخروا منهم واستهزأوا بالعذاب واستخفوا به حتى نزل بهم والعياذ بالله تعالى.

من هداية الآيات:

١- سوء عاقبة المكر وأنه يحيق بأهله لا محالة والمراد به المكر السيء.

٢- بيان خزي الله تعالى يوم القيامة لأهل الشرك به والمعاصي له ولرسوله.

٣- فضل أهل العلم إذ يتخذ منهم شهداء يوم القيامة ويشمتون بأهل النار.

٤- بيان استسلام الظلمة عند الموت وانهزامهم وكذبهم.

٥- تقرير معتقد البعث والحياة الآخرة بأروع أسلوب وأحكمه وأمتنه.

٦- إطلاق لفظ خير على القرآن وهو حق خير فالذي أوتي القرآن أوتي الخير كله، فلا ينبغي أن يرى أحداً من أهل الدنيا خيراً منه وإلا سخط نعمة الله تعالى عليه.

٧- سعادة الدارين لأهل الإحسان وهم أهل الإيمان والإسلام والإحسان في إيمانهم بالإخلاص وفي إسلامهم بموافقة الشرع ومراقبة الله تعالى في ذلك.

٨- بشرى أهل الإيمان والتقوى عند الموت، وعند القيام من القبور بالنعيم المقيم في جوار رب العالمين.

٩- إعمال القلوب والجوارح سبب في دخول الجنة وليست ثمناً لها لغلائها، وإنما الأعمال تزكي النفس وتطهر الروح وبذلك يتأهل العبد لدخول الجنة.

١٠- ما ينتظر المجرمون بإصرارهم على الظلم والشر والفساد إلا العذاب، عاجلاً أو آجلاً فهو نازل بهم حتماً مقضياً إن لم يبادروا إلى التوبة الصادقة.

16:35–40Page 271

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥

And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?

وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦

And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.

إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧

[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨

And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

شرح الكلمات:

وقال الذين أشركوا: هم كفار قريش ومشركوها.

ولا حرمنا من دونه من شيء: كالسوائب والبحائر والوصائل والحامات.

فهل على الرُّسل إلا البلاغ: أي ما على الرُّسل إلا البلاغ فالإستفهام للنفي.

واجتنبوا الطاغوت: أي عبادة الأصنام والأوثان.

حقت عليه الضلالة: أي وجبت في علم الله أزلاً.

جهد أيْمانهم: أي غايتها حيث بذلوا جهدهم فيها مبالغة منهم.

بلى وعداً عليه حقاً: أي بلى يبعث من يموت وقد وعد به وعداً وأحقه حقاً. فهو كائنٌ لا محالة.

يختلفون فيه: أي بين المؤمنين من التوحيد والشرك.

أنهم كانوا كاذبين: أي في قولهم «لا نُبعث بعد الموت».

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحجاج مع مشركي قريش فيقول تعالى مُخْبراً عنهم ﴿وقالَ ٱلَّذِينَ أشْرَكُواْ﴾ أي مع الله آلهة أخرى وهي أصنامهم كهبل واللات والعُزّى وقالوا لو شاء الله عدم إشراكنا به ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دون تحريمه شيئاً فهل قالوا هذا إيمانا بمشيئة الله تعالى، أو قالوه استهزاء وسخرية دفاعاً عن شركهم وشرعهم الباطل في التحريم والتحليل بالهوى، والأمران محتملان. والرد عليهم بأمرين أولهما ما دام الله قد نهاهم عن الشرك والتشريع فإن ذلك أكبر دليل على تحريمه تعالى لشركهم ومحرماتهم من السوائب والبحائر وغيرها وثانيهما كونه لم يعذبهم عليها بعد ليس دليلاً على رضاه بها بدليل أن من سبقهم من الأمم والشعوب الكافرة قالوا قولتهم هذه محتجين به على باطلهم فلم يلبثوا حتى أخذهم الله، فدل ذلك قطعاً على عدم رضاه بشركهم وشرعهم إذ قال تعالى في سورة الأنعام رداً على هذه الشبهة كذلك قال الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا أي عذاب انتقامنا منهم لما كذبوا رسلنا وافتروا علينا. وقوله تعالى: ﴿كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم السابقة قالوا هؤلاء لرسلهم وفعلوا فعلهم حتى أخذهم الله بالعذاب. وقوله ﴿فَهَلْ عَلى ٱلرُّسُلِ إلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ﴾ أي ليس على الرسول إكراه المشركين على ترك الشرك ولا إلزامهم بالشرع وإنما عليه أن يبلغهم أمر الله تعالى ونهيه لا غير. فلذا كان في الجملة تسلية رسول الله ﷺ وحمله على الصبر حتى يبلغ دعوة ربه وينصره على أعدائه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق [٣٥] وقوله في الآية الثانية [٣٦] ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وٱجْتَنِبُواْ ٱلْطّاغُوتَ﴾ فأخبر تعالى بأنه ما أخلى أمة من الأمم من إرسال رسول إليها لهدايتها وبيان سبيل نجاتها وتحذيرها من طرق غوايتها وهلاكها. كما أخبر عن وحدة الدعوة بين الرسل وهي لا إله إلا الله المفسرة بعبادة الله تعالى وحده، واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله مما دعا الشيطان إلى عبادته بالتزيين والتحسين عن طريق الوسواس من جهة ومن طريق أوليائه من الناس من جهةٍ أخرى.

وقوله تعالى: ﴿فَمِنهُم﴾ أي من الأمم المرسل إليهم ﴿مَّنْ هَدى ٱللَّهُ﴾ فعرف الحق واعتقده وعمل به فنجا وسعد، ﴿ومِنهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ﴾ أزلاً في كتاب المقادير لأنه أصر على الضلال وجادل عنه وحارب من أجله باختياره وحريته فحرمه الله لذلك التوفيق فضلَّ ضلالاً لا أمل في هدايته. وقوله تعالى: ﴿فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ أمرٌ لكفار قريش المجادلين بالباطل المحتجين على شركهم وشرعهم الباطل أمرٌ لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً فينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين أمثالهم من أمة عاد في الجنوب وثمود في الشمال، ومدين ولوط وفرعون في الغرب. وقوله تعالى في تسلية رسوله والتخفيف من الهمِّ عنه: ﴿إن تَحْرِصْ﴾ يا رسولنا ﴿عَلىٰ هُداهُمْ﴾ أي هدايتهم إلى الحق ﴿فَإنَّ ٱللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ فخفف على نفسك وهون عليها فلا تأسف ولا تحزن وادع إلى ربك في غير حرص يضر بك وقوله ﴿لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ أي لا يقدر أحد أن يهدي من أضله الله، لأن اضلال الله تعالى يكون على سنن خاصة لا تقبل التبديل ولا التغيير لقوة سلطانه وسعة عمله. وقوله ﴿وما لَهُمْ مِّن نّاصِرِينَ﴾ أي وليس لأولئك الضلال الذين أضلهم الله حسب سنته من ناصرين ينصرونهم على ما سينزل بهم من العذاب وما سيحل بهم من خسرانٍ وحرمان، وقوله تعالى في الآية [٣٨] ﴿وأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ اخبار عن قول المشركين والمكذبين باليوم الآخر أصحاب القلوب المنكرة، ومعنى ﴿وأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أي حلفوا أشد الأيمان إذ كانوا في الأمور التافهة يحلفون بآلهتهم وآبائهم. وإذا كان الأمر ذا خطر وشأن أقسموا بالله وبالغوا في الإقسام حتى يبلغوا جهد أيمانهم والمحلوف عليه هو أنهم إذا ماتوا لا يبعثون أحياء فيحاسبون ويجزون فرد الله تعالى عليهم بقوله ﴿بَلىٰ﴾ أي تبعثون وعد الله حقاً فلا بد ناجز ﴿ولٰكِنَّ أكْثَرَ ٱلْنّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلذا ينفون البعث وينكرونه لجهلهم بأسرار الكون والحياة وعِلَلَ الوجود والعمل فيه فلذا أشار الله تعالى إلى بعض تلك العلل في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فلولا البعث الآخر ما عرف المُحق من المبطل في هذه الحياة والخلاف سائد ودائم بين الناس. هذا أولاً. وثانياً: ﴿ولِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أنَّهُمْ كانُواْ كاذِبِينَ﴾ في اعتقاداتهم وأعمالهم ونفيهم الحياة الثانية للجزاء على العمل في دار العمل هذه أما استبعادهم البعث بعد الموت نظراً إلى وسائلهم ووسائطهم الخاصة بهم فقد أخبرهم تعالى بأن الأمر ليس كما تقدرون أنتم وتفكرون: إنه مجرد ما تتعلق إرادتنا بشيء نريد أن يكون، نقول له كن فيكون فوراً، والبعث الآخر من ذلك، هذا ما دل عليه قوله في الآية [٤٠] ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذَآ أرَدْناهُ أن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولا يقولن قائل كيف يخاطب غير الموجود فيأمره ليوجد فإن الله تعالى إذا أراد شيئاً علمه أولاً ثم قال له كن فهو يكون.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- الرد على شبهة المشركين في احتجاجهم بالمشيئة الإلهية.

٢- تفسير لا إله إلا الله.

٣- التحذير من تعمد الضلال وطلبه والحرص عليه فإن من طلب ذلك وأضله الله لا ترجى هدايته.

٤- بيان بعض الحكم في البعث الآخر.

٥- لا يستعظم على الله خلق شيء وإيجاده، لانه يوجد بكلمة التكوين فقط.

16:41–44Page 271

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

شرح الكلمات:

والذين هاجروا في الله: أي خرجوا من مكة في سبيل الله نصرةً لدينه وإقامته بين الناس.

لنبوئنهم في الدنيا حسنة: أي لننزلنهم داراً حسنة هي المدينة النبوية هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية.

الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون: أي على أذى المشركين وهاجروا متوكلين على ربهم في دار هجرتهم.

فاسألوا أهل الذكر: أي ايها الشاكّون فيما جاء به محمد ﷺ فاسألوا أهل التوراة والإنجيل لإزالة شككم ووقوفكم على الحقيقة وأن ما جاء به محمد حق وأن الرسل قبله كلهم كانوا بشراً مثله.

بالبينات والزبر: أي أرسلناهم بشراً بالبينات والزبر لهداية الناس.

وأنزلنا إليك الذكر: أي القرآن.

لتبين للناس ما نزل إليهم: علة لإنزال الذكر إذ وظيفة الرسل، البيان.

معنى الآيات:

إنه بعد اشتداد الأذى على المؤمنين لعناد المشركين وطغيانهم، أذن الله تعالى على لسان رسوله للمؤمنين بالهجرة من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر رجال ونساء فذكر تعالى ثناء عليهم وتشجيعاً على الهجرة من دار الكفر فقال عز وجل ﴿وٱلَّذِينَ هاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ﴾ أي في ذات الله ومن أجل عبادة الله ونصرة دينه ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُواْ﴾ أي من قبل المشركين ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أي لننزلهم ولنسكننهم ﴿فِي ٱلدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي المدينة النبوية ولنرزقنهم فيها رزقاً حسناً هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية، وإلا فكل من هاجر في الله ينجز له الرب هذا الوعد كما قال تعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] أي في العيش والرزق ﴿ولأَجْرُ ٱلآخِرَةِ﴾ المعد لمن هاجر في سبيل الله ﴿أكْبَرُ لَوْ كانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. هذا ترغيب في الهجرة وتشجيع للمتباطئين على الهجرة وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بيان لحالهم وثناء عليهم بخير لأنهم صبروا أولاً على الأذى في مكة لما أذن لهم بالهجرة هاجروا متوكلين على الله تعالى مفوضين أمورهم إليه، واثقين في وعده. هذا ما دلت عليه الآيتان [٤١]، [٤٢]. وأما الآية الثالثة [٤٣] والرابعة من هذا السياق فهما تقرير حقيقة علمية بعد إبطال شبهة المشركين القائلين كيف يرسل الله محمداً رسولاً وهو بشر مثلنا لم يرسل ملكاً.. وهو ما أخبر الله تعالى في قوله ﴿ومَآ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ أي من الرسل ﴿إلاَّ رِجالاً﴾ لا ملائكة ﴿نُّوحِيۤ إلَيْهِمْ﴾ بأمرنا وقوله: ﴿فَٱسْأَلُواْ﴾ أيها المشركون المنكرون أن يكون الرسول بشراً، اسألوا أهل الذكر وهو الكتاب الأول أي أسألوا علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى هل كان الله تعالى يرسل الرسل من غير البشر ﴿إن كُنْتُم لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنهم يخبرونكم. وما موسى ولا عيسى إلا بشر، وقوله: ﴿بِٱلْبَيِّناتِ وٱلزُّبُرِ﴾ أي أرسلنا أولئك الرسل من البشر بالبينات أي الحجج والدلائل الدالة على وجوب عبادتنا وترك عبادة من سوانا. والزبر أي الكتب. ثم يقول تعالى لرسوله: ﴿وأَنْزَلْنا إلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وفي هذا تقرير لنبوته وقوله: ﴿ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعرفون صدق ما جئتهم به فيؤمنوا. ويتوبوا إلى ربهم فينجوا ويسعدوا.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- فضل الهجرة ووجوبها عند اضطهاد المؤمن وعدم تمكنه من عبادة الله تعالى.

٢- وجوب سؤال أهل العلم على كل من لا يعلم أمور دينه من عقيدة وعبادة وحكم.

٣- السنة لا غنى عنها لأنها المبينة لمجمل القرآن والموضحة لمعانيه.

16:45–50Page 272

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨

Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩

And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

شرح الكلمات:

مكروا السيئات: أي مكروا المكرات السيئات فالسيئات وصف للمكرات التي مكروها.

في تقلبهم: أي في البلاد مسافرين للتجارة وغيرها.

على تخوف: أي تنقص.

يتفيئوا ظلاله: أي تتميل من جهةٍ إلى جهة.

سجداً لله: أي خضعاً لله كما أراد منهم.

داخرون: أي صاغرون ذليلون.

من فوقهم: من أعلى منهم إذ هو تعالى فوق كل شيء ذاتاً وسلطاناً وقهراً.

ما يؤمرون: أي ما يأمرهم ربهم تعالى به.

معنى الآيات:

ما زال السياق في تخويف المشركين وتذكيرهم لعلهم يرجعون بالتوبة من الشرك والجحود للنبوة والبعث والجزاء. قال تعالى: ﴿أفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ﴾ المكرات ﴿ٱلسَّيِّئاتِ﴾ من محاولة قتل النبي ﷺ والشرك والتكذيب بالنبوة والبعث وظلم المؤمنين وتعذيب بعضهم، أفامنوا ﴿أن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ﴾ من تحتهم فيقرون في أعماقها، ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ولا يتوقعون من ريح عاصف تعصف بهم أو وباء يشملهم أو قحط يذهب بمالهم. وقوله تعالى: ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي في تجارتهم وأسفارهم ذاهبين آيبين من بلدٍ إلى بلد. ﴿فَما هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ له تعالى لو أراد أخذهم وإهلاكهم. وقوله تعالى: ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ عَلىٰ تَخَوُّفٍ﴾ أي تنقص بأن يهلكهم واحداً بعد واحد أو جماعة بعد جماعة حتى لا يبقى منهم أحداً، وقد أخذ منهم ببدر من أخذ وفي أحد. وقوله تعالى: ﴿فَإنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ تذكير لهم برأفته ورحمته إذ لولاهما لأنزل بهم نقمته وأذاقهم عذابه بدون إنظار لتوبةٍ أو إمهال لرجوع إلى الحق. وقوله تعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْاْ إلىٰ ما خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ من شجرٍ وجبل وإنسانٍ وحيوان ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلالُهُ﴾ بالصباح والمساء ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وٱلْشَّمَآئِلِ﴾ «جمع شمال» ﴿سُجَّداً لِلَّهِ﴾ خضعاً بظلالهم ﴿وهُمْ داخِرُونَ﴾ أي صاغرون ذليلون. أما يكفيهم ذلك دلالةً على خضوعهم لله وذلتهم بين يديه، فيؤمنوا به ويعبدونه ويوحدوه فينجوا من عذابه ويفوزوا برحمته. وقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وما فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ﴾ أي ولله لا لغيره يسجد بمعنى يخضع وينقاد لما يريده الله تعالى من إحياء أو إماتة أو صحة أو مرض أو خير أو غيره من دابةٍ من كل ما يدب من كائن على هذه الأرض ﴿وٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ على شرفهم يسجدون ﴿وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن عبادة ربهم ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾ إذ هو العلي الأعلى وكل الخلق تحته. ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فلا يعصون ربهم ما أمرهم. إذا كان هذا حال الملائكة فما بال هؤلاء المشركين يلجون في الفساد والاستكبار والجحود والمكابرة وهم أحقر سائر المخلوقات، وشر البريات إن بقوا على كفرهم وشركهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- حرمة الأمن من مكر الله.

٢- كل شيء ساجد لله، أي خاضع لما يريده منهم، إلا أن السجود الطوعي الاختياري هو الذي يثاب عليه العبد، أما الطاعة اللا إرادية فلا ثواب فيها ولا عقاب.

٣- فضل السجود الطوعي الاختياري.

٤- مشروعية السجود عند هذه الآية: إذا قرأ القارئ أو المستمع: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، عليه أن يسجد إن كان متطهراً إلى القبلة إن أمكن ويسبح في السجود ويكبر في الخفض والرفع ولا يسلم، ولا يسجد عند طلوع الشمس ولا عند غروبها.

16:51–56Page 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?

وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣

And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦

And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.

شرح الكلمات:

لا تتخذوا إلهين: أي تعبدونهما إذ ليس لكم إلا إله واحد.

وله ما في السماوات والأرض: أي خلقاً وملكاً، إذاً فما تعبدونه مع الله هو لله ولم يأذن بعبادته.

وله الدين واصباً: أي خالصاً دائماً واجباً.

فإليه تجأرون: أي ترفعون أصواتكم بدعائه طالبين الشفاء منه.

فتمتعوا فسوف تعلمون: تهديدٌ على كفرهم وشركهم ونسيانهم دعاء الله تعالى.

ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً: أي يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام.

عما كنتم تفترون: أي تختلفون بالكذب وتفترون على الله عز وجل.

معنى الآيات:

بعد إقامة الحجج على التوحيد وبطلان الشرك أخبرهم أن الله ربهم رب كل شيء قد قال لهم: أيها الناس ﴿وقالَ ٱللَّهُ لا تَتَّخِذُواْ إلٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾ فلفظ اثنين توكيد للفظ إلهين أي لا تعبدوا إلهين بل اعبدوا إلهاً واحداً وهو الله إذ ليس من إله إلا هو فكيف تتخذون إلهين والحال أنه ﴿إلٰهٌ واحِدٌ﴾ لا غير وهو الله الخالق الرازق المالك، ومن عداه من مخلوقاته كيف تُسوّى به وتُعبَد معه؟ وقوله تعالى: ﴿فَإيّايَ فَٱرْهَبُونِ﴾ أي ارهبوني وحدي ولا ترهبوا سواي إن بيدي كل شيء، وليس لغيري شيء فأنا المحيي المميت، الضار النافع، يوبخهم على رهبتهم غيره سبحانه وتعالى من لا يستحق أن يُرهب لعجزه وعدم قدرته على أن ينفع أو يضر. وقوله تعالى: ﴿ولَهُ ما فِي ٱلْسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ برهان على بطلان رهبة غيره أو الرغبة في سواه ما دام له ما في السماوات والأرض خلقاً وملكاً. وقوله ﴿ولَهُ ٱلدِّينُ واصِباً﴾ أي العبادة والطاعة دائماً ثابتاً واجباً، ألا لله الدين الخالص. وقوله تعالى: ﴿أفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ يوبخهم على خوف سواه وهو الذي يجب أن يرهب ويخاف لأنه الملك الحق القادر على إعطاء النعم وسبلها، فكيف يُتقى من لا يملك ضراً ولا نفعاً ويُعصى من بيده كل شيء وإليه مرد كل شيء، وما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. وقوله ﴿وما بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾ يخبرهم تعالى بالواقع الذي يتنكرون له فيخبرهم أنه ما بهم من نعمة جلت أو صغرت من صحةٍ أو مالٍ أو ولد فهي من الله تعالى خالقهم وواهبهم حياتهم، وليست من أحدٍ غيره، ودلل على ذلك شعورهم الفطري وهو أنهم إذا مسهم الضر من فقرٍ أو مرض أو تغير حال كخوف غرقٍ في البحر فإنهم يرفعون أصواتهم إلى أعلاها مستغيثين بالله سائلينه أن يكشف ضرهم أو ينجيهم من هلكتهم المتوقعة لهم فقال عزوجل: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإلَيْهِ﴾ دون غيره ﴿تَجْأَرُونَ﴾ برفع أصواتكم بالدعاء والإستغاثة به سبحانه وتعالى وقوله: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إذا فَرِيقٌ﴾ كبير ﴿مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فيعبدون غيره بأنواع العبادات متناسين الله الذي كشف ضرهم وأنجاهم من هلكتهم.

وقوله: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْناهُمْ﴾ أي ليؤول أمرهم إلى كفران ونسيان ما آتاهم الله من نعمٍ وما أنجاهم من محن. أفهكذا يكون الجزاء؟ أينعم بكل أنواع النعم وينجي من كل كرب ثم ينسى له ذلك كله، ويعبد غيره؟ بل ويحارب دينه ورسوله؟ إذاً ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ أيها الكافرون ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفركم وإعراضكم عن طاعة الله وذكره وشكره. وقوله تعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْناهُمْ﴾ وهذا ذكرٌ لعيب آخر من عيوبهم وباطلٍ من باطلهم أنهم يجعلون لأوثانهم التي لا يعلمون عنها شيئاً من نفعٍ أو ضر أو إعطاء أو منع أو إماتة أو إحياء يجعلونها لها طاعةً للشيطان نصيباً وحظاً من أموالهم يتقربون به إليها فسيبوا لها السوائب، وبحروا لها البحائر من الأنعام، وجعلوا لها من الحرث والغرس كذلك كما جاء ذلك في سورة الأنعام والمائدة قبلها: وقوله تعالى: ﴿تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أقسم الجبار لهم تهديداً لهم وتوعداً أنهم سيسألون يوم القيامة عما كانوا يفترون أي من هذا التشريع الباطل حيث يحرمون ويحللون ويعطون آلهتهم ما شاءوا وسوف يوبخهم عليه ويجزيهم به جهنم وبئس المهاد.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير التوحيد بعبادة الله تعالى وحده.

٢- وجوب الرهبة من الله دون سواه.

٣- وجوب الدين لله إذ هو الإله الحق دون غيره.

٤- كل نعمة بالعبد صغرت أو كبرت فهي من الله سبحانه وتعالى.

٥- تهديد المشركين إن أصروا على شركهم وعدم توبتهم.

٦- التنديد بالمشركين وتشريعهم الباطل بالتحليل والتحريم والإعطاء والمنع.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском