Al-Jaza'iriAn‑Nahl · 16:79–109

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:79–109

16:79–83Page 275

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠

And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١

And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢

But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.

يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣

They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.

شرح الكلمات:

مسخراتٍ في جو السماء: أي مذللات في الفضاء بين السماء والأرض وهو الهواء.

ما يمسكهن: أي عند قبض أجنحتها وبسطها إلا الله تعالى بقدرته وسننه في خلقه.

من بيوتكم سكناً: أي مكاناً تسكنون فيه وتخلدون للراحة.

من جلود الأنعام بيوتاً: أي خياماً وقباباً.

يوم ظعنكم: أي ارتحالكم في أسفاركم.

أثاثاً ومتاعاً إلى حين: كبُسط وأكسية تبلى وتتمزق وتُرمى.

ظلالاً ومن الجبال أكناناً: أي ما تستظلون به من حر الشمس، وما تسكنون به في غيران الجبال.

وسرابيل: أي قمصاناً تقيكم الحر والبرد.

وسرابيل تقيكم بأسكم: أي دروعاً تقيكم الضرب والطعان في الحرب.

لعلكم تسلمون: أي رجاء أن تسلموا له قلوبكم ووجوهكم فتعبدوه وحده.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك وتركه فيقول تعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْاْ إلىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلاَّ ٱللَّهُ﴾ فإن في خلق الطير على اختلاف أنواعه وكثرة أفراده، وفي طيرانه في جو السماء، أي في الهواء وكيف يقبض جناحيه وكيف يبسطها ولا يقع على الأرض فمن يمسكه غير الله بما شاء من تدبيره في خلقه وأكوانه إن في ذلك المذكور لآياتٍ عدة تدل على الخالق وقدرته وعلمه وتوجب معرفته والتقرب إليه وطاعته بعبادته وحده، كما تدل على بطلان تأليه غيره وعبادة وسواه، وكون الآيات لقوم يؤمنون هو باعتبار أنهم أحياء القلوب يدركون ويفهمون بخلاف الكافرين فإنهم أموات القلوب فلا إدراك ولا فهم لهم، فلم يكن لهم في ذلك آية.. وقوله: ﴿وٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ أي موضع سكونٍ وراحة، ﴿وجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿بُيُوتاً﴾ أي خياماً وقباباً ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ أي تجدونها خفيفة المحمل ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ أي ارتحالكم في أسفاركم وتنقلاتكم ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ في مكان واحد كذلك. وقوله: ﴿ومِن أصْوافِها وأَوْبارِها وأَشْعارِهَآ﴾ أي جعل لكم منه ﴿أثاثاً﴾ كالبسط الفرش والأكسية ﴿ومَتاعاً﴾ أي تتمتعون بها إلى حين بلاها وتمزقها وقوله: ﴿وٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمّا خَلَقَ﴾ من أشياء كثيرة ﴿ظِلالاً﴾ تستظلون بها من حر الشمس ﴿وجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبالِ أكْناناً﴾ تكنون فيها أنفسكم من المطر والبرد أو الحر وهي غيران وكهوف في الجبال ﴿وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ﴾ قمصان ﴿تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ﴾ والبرد ﴿وسَرابِيلَ﴾ هي الدروع ﴿تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ في الحرب تتقون بها ضرب السيوف وطعن الرماح. أليس الذي جعل لكم هذه كلها أحق بعبادتكم وطاعتكم، وهكذا ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فبعث إليكم رسوله وأنزل عليكم كتابه لِيُعِدّكم للإسلام فتسلموا. وهنا وبعد هذا البيان الواضح والتذكير البليغ يقول لرسوله ﴿فَإن تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا عما ذكرتهم به فلا تحزن ولا تأسف اذ ليس عليك هداهم ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ﴾ وقد بلغت وبينت.

فلا عليك بعد شيء من التبعة والمسؤولية. وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي نعمة الله عليهم كما ذكَّرناهم بها ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَها﴾ فيعبدون غير المُنعم بها ﴿وأَكْثَرُهُمُ ٱلْكافِرُونَ﴾ أي الجاحدون المكذبون بنبوتك ورسالتك والإسلام الذي جئت به.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- لا ينتفع بالآيات إلا المؤمنون لحياة قلوبهم، أما الكافرون فهم في ظلمة الكفر لا يرون شيئاً من الآيات ولا يبصرون.

٢- مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته ونعمه تتجلى في هذه الآيات الأربع ومن العجب أن المشركين كالكافرين عمي لا يبصرون شيئاً منها وأكثرهم الكافرون.

٣- مهمة الرسول ﷺ ليست هداية القلوب وإنما هي بيان الطريق بالبلاغ المبين.

16:84–89Page 276

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤

And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥

And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦

And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."

وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧

And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1

شرح الكلمات:

ويوم نبعث: أي اذكر يوم نبعث.

شهيداً: هو نبيها.

لا يؤذن للذين كفروا: أي بالاعتذار فيتعذرون.

ولا هم يستعتبون: أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل ما يرضي الله عنهم.

وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم: أي الذين كانوا يعبدونهم من دون الله كالأصنام والشياطين.

فألقوا إليهم القول: أي ردوا عليهم قائلين لهم إنكم لكاذبون.

وألقوا إلى الله يومئذ السلم: أي ذلوا له وخضعوا لحكمه واستسلموا.

وضل عنهم ما كانوا يفترون: من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وتنجيهم من عذابه، ومعنى ضل غاب.

عذاباً فوق العذاب: أنه عقارب وحيات كالنِّخل الطوال والبغال الموكفة.

ونزلنا عليك الكتاب: أي القرآن.

تبياناً لكل شيء: أي لكل ما بالأمة من حاجة إليه في معرفة الحلال والحرام والحق والباطل والثواب والعقاب.

معنى الآيات:

انحصر السياق الكريم في هذه الآيات الست في تقرير البعث والجزاء مع النبوة فقوله تعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ أي اذكر يا رسولنا محمد يوم نبعث ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم ﴿شَهِيداً﴾ هو نبيها الذي نبئ فيها وأرسل إليها ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي بالاعتذار فيعتذرون ﴿ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل يرضي الله عنهم أي اذكر هذا لقومك، علهم يذكرون فيتعظون، فيتوبون، فينجون ويسعدون. وقوله في الآية الثانية [٨٥] ﴿وإذا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذابَ﴾ أي يوم القيامة ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ولا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي يمهلون. اذكر هذا أيضاً تذكيراً وتعليماً، واذكر لهم ﴿وإذا رَأى ٱلَّذِينَ أشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ في عرصات القيامة أو في جهنم صاحوا قائلين ﴿رَبَّنا﴾ أي يا ربنا ﴿هَٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنا ٱلَّذِينَ كُنّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ﴾ أي نعبدهم بدعائهم والإستغاثة بهم، ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ﴾ فوراً ﴿إنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾. ﴿وأَلْقَوْاْ إلىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ﴾ أي الإستسلام فذلوا لحكمه ﴿وضَلَّ عَنْهُم مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا من ألوان الكذب والترهات كقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأنهم ينجون من النار بشفاعتهم، وأنهم وسيلتهم إلى الله كل ذلك ضل أي غاب عنهم ولم يعثروا منه على شيء. وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ غيرهم بالدعوة إلى الكفر وأسبابه والحمل عليه أحياناً بالترهيب والترغيب ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ ٱلْعَذابِ﴾ الذي استوجبوه بكفرهم. ورد أن هذه الزيادة من العذاب أنها عقارب كالبغال الدهم، وأنها حيات كالنخل الطوال والعياذ بالله تعالى من النار وما فيها من أنواع العذاب، وقوله تعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم نبعث ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ أي يوم القيامة ﴿عَلَيْهِمْ مِّنْ أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلىٰ هَٰؤُلآءِ﴾ أي على من أرسلت إليهم من أمتك.

فكيف يكون الموقف إذ تشهد على أهل الإيمان بالإيمان وعلى أهل الكفر بالكفر. وعلى أهل التوحيد بالتوحيد، وعلى أهل الشرك بالشرك إنه لموقف صعب تعظم فيه الحسرة وتشتد الندامة.. وقوله تعالى في خطاب رسوله مقرراً نبوته والوحي إليه ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ ٱلْكِتابَ﴾ أي القرآن ﴿تِبْياناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ الأمة في حاجة إلى معرفته من الحلال والحرام والأحكام والأدلة ﴿وهُدًى﴾ من كل ضلال ﴿ورَحْمَةً﴾ خاصة بالذين يعملون به ويطبقونه على أنفسهم وحياتهم فيكون رحمة عامة بينهم ﴿وبُشْرىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي المنقادين لله في أمره ونهيه بشرى لهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل يوم القيامة، وبالنصر والفوز والكرامة في هذه الدار. وبعد إنزالنا عليك هذا الكتاب فلم يبق من عذر لمن يريد أن يعتذر يوم القيامة ولذا ستكون شهادتك على أمتك أعظم شهادة وأكثرها أثراً على نجاة الناجين وهلاك الهالكين ولا يهلك على الله إلا هالك.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير عقيدة البعث الآخر بما لا مزيد عليه لكثرة ألوان العرض لما يجرى في ذلك اليوم.

٢- براءة الشياطين والأصنام الذين أشركهم الناس في عبادة الله من المشركين بهم والتبرؤ منهم وتكذيبهم.

٣- زيادة العذاب لمن دعا إلى الشرك والكفر وحمل الناس على ذلك.

٤- لا عذر لأحد بعد أن أنزل الله تعالى القرآن تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين.

16:90–93Page 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١

And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.

شرح الكلمات:

العدل: الإنصاف ومنه التوحيد.

الإحسان: أداء الفرائض وترك المحارم مع مراقبة الله تعالى.

وإيتاء ذي القربى: أي إعطاء ذي القربى حقوقهم من الصلة والبر.

عن الفحشاء: الزنا.

يعظكم: أي يأمركم وينهاكم.

تذكرون: أي تتعظون.

توكيدها: أي تغليظها.

نقضت غزلها: أي أفسدت غزلها بعد ما غزلته.

من بعد قوة: أي أحكام له وبرم.

أنكاثاً: جمع نكث وهو ما ينكث ويحل بعد الإبرام.

كالتي نقضت غزلها: هي حمقاء مكة وتدعى رَيْطَة بنت سعد بن تيم القرشية.

دخلاً بينكم: الدخل ما يدخل في الشيء وهو ليس منه للإفساد والخديعة.

أربى من أمة: أي أكثر منها عدداً وقوة.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿إنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ﴾ أي أن الله يأمر في الكتاب الذي أنزله تبياناً لكل شيء، يأمر بالعدل وهو الإنصاف ومن ذلك أن يعبد الله بذكره وشكره لأنه الخالق المنعم وتترك عبادة غيره لأن غيره لم يخلق ولم يرزُق ولم ينعم بشيء. ولذا فسر هذا اللفظ بلا إله إلا الله، ﴿وٱلإحْسانِ﴾ وهو أداء الفرائض واجتناب المحرمات مع مراقبة الله تعالى في ذلك حتى يكون الأداء على الوجه المطلوب إتقاناً وجودة والإجتناب خوفاً من الله حياء منه، وقوله ﴿وإيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبىٰ﴾ أي ذوي القرابات حقوقهم من البر والصلة. هذا مما أمر الله تعالى به في كتابه، ومما ينهى عنه الفحشاء وهو الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه وفحش حتى البخل ﴿وٱلْمُنْكَرِ﴾ وهو كل ما أنكر الشرع وأنكرته الفطر السليمة والعقول الراجحة السديدة، وينهى عن البغي وهو الظلم والاعتداء ومجاوزة الحد في الأمور كلها، وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي أمر بهذا في كتابه رجاء أن تذكروا فتتعظوا فتمتثلوا الأمر وتجتنبوا النهي. وبذلك تكملون وتسعدون. ولذا ورد أن هذه الآية: ﴿إنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وٱلإحْسانِ﴾ إلى ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ هي أجمع آية في كتاب الله للخير والشر. وهي كذلك فما من خيرٍ إلا وأمرت به ولا من شر إلا ونهت عنه. وقوله تعالى ﴿وأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إذا عاهَدتُّمْ﴾ أمر من الله تعالى لعبادة المؤمنين بالوفاء بالعهود فعلى كل مؤمن بايع إماماً أو عاهد أحداً على شيء أن يفي له بالعهد ولا ينقصه. «إذ لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» كما في الحديث الشريف.. وقوله تعالى ﴿ولا تَنقُضُواْ ٱلأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ الأيمان جمع يمين وهو الخلف بالله وتوكيدها تغليظها بالألفاظ الزائدة ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ اي وكيلاً، أي أثناء حلفكم به تعالى، فقد جعلتموه وكيلاً، فهذه الآية حرمت نقض الأيمان وهو نكثها وعدم الإلتزام بها بالحنث فيها لمصالح مادية. وقوله تعالى ﴿إنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ فيه وعيد شديد لمن ينقض أيمانه بعد توكيدها.

وقوله تعالى ﴿ولا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾، وهي امرأة بمكة حمقاء تغزل ثم تنكث غزلها وتفسده بعد إبرامه وإحكامه فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء. وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ أي إفساداً وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرمتم من عهد وميثاق وتعاهدون جماعة أخرى لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر. هذا معنى قوله تعالى ﴿أن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبىٰ مِن أُمَّةٍ﴾ أي جماعة أكثر من جماعة رجالاً وسلاحاً أو مالاً ومنافع. وقوله تعالى: ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ﴾ أي يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الأيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم أولاً تفعلوا إيثاراً للدنيا عن الآخرة، ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ثم يحكم بينكم ويجزيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.. وقوله تعالى ﴿ولَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على التوحيد والهداية لفعل.. ولكن اقتضت حكمته العالية أن يهدي من يشاء هدايته لأنه رغب فيها وطلبها، ويضل من يشاء إضلاله لأنه رغب في الضلال وطلبه وأصر عليه بعد النهي عنه. وقوله تعالى: ﴿ولَتُسْأَلُنَّ﴾ أي سؤال توبيخ وتأنيب ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من سوء وباطل، ولازم ذلك الجزاء العادل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسئية فلا يجزى إلا بمثلها وهم لا يظلمون.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان أجمع آية للخير والشر في القرآن وهي آية ﴿إنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وٱلإحْسانِ..﴾ الآية [٩٠].

٢- وجوب العدل والإحسان وإعطاء ذوي القربى حقوقهم الواجبة من البر والصلة.

٣- تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه من الفواحش الظاهرة والباطنة.

٤- تحريم البغي وهو الظلم بجميع صوره وأشكاله.

٥- وجوب الوفاء بالعهود وحزمة نقضها.

٦- حرمة نقض الأيمان بعد توكيدها وتوطين النفس عليها لتخرج لغو اليمين.

٧- من بايع أميراً أو عاهد احداً يجب عليه الوفاء ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية أبداً.

16:94–97Page 278

وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤

And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.

وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥

And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.

مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦

Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

شرح الكلمات:

دخلاً بينكم: أي لأجل الإفساد والخديعة.

وتذوقوا السوء: أي العذاب.

ما عندكم ينفد: يفنى وينتهي.

وهو مؤمن: أي والحال أنه عندما عمل صالحاً كان مؤمناً، إذ بدون إيمان لا عمل يقبل.

حياة طيبة: في الدنيا بالقناعة والرزق الحلال وفي الآخرة هي حياة الجنة.

بأحسن ما كانوا يعملون: أي يجزيهم على كل أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب الأحسن فيها.

معنى الآيات:

ما زال السياق في تربية المؤمنين أهل القرآن الذي هو تبيان كل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وقال تعالى ﴿ولا تَتَّخِذُوۤاْ أيْمانَكُمْ دَخَلاً﴾ أي خديعة ﴿بَيْنَكُمْ﴾ لتتوصلوا بالأيمان إلى غرضٍ دنيوي سافل، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ بأن يقع أحدكم في كبيرة من هذا النوع، يحلف بالله بقصد الخداع والتضليل فتذوقوا السوء في الدنيا بسبب صدكم عن سبيل الله من تعاهدونهم أو تبايعونهم وتعطونهم أيمانكم وعهودكم ثم تنقضوها فهؤلاء ينصرفون عن الإسلام ويعرضون عنه بسبب ما رأوا منكم من النقض والنكث، وتتحملون وزر ذلك، ويكون لكم العذاب العظيم يوم القيامة. فإياكم والوقوع في مثل هذه الورطة، فاحذروا أن تزل قدم أحدكم عن الإسلام بعد أن رسخت فيه. وقوله: ﴿ولا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وكل ما في الدنيا قليل وقوله تعالى إنما عند الله هو خير لكم قطعاً، لأن ما عندكُمْ من مالٍ أو متاعٍ ينفد أي يفنى، ﴿وما عِندَ ٱللَّهِ باقٍ﴾ لانفاذ له، فاذكروا هذا ولا تبيعوا الغالي بالرخيص والباقي بالفاني، وقوله تعالى: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ﴾ على عهودهم ﴿أجْرَهُمْ﴾ على صبرهم ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي يضاعف لهم الأجر فيعطيهم سائر أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب أفضلها وأكملها حتى يكون أجر النافلة، كأجر الفريضة وهذا وعد من الله تعالى لمن يصبر على إيمانه وإسلامه ولا يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، ووعدٌ ثان في قوله: ﴿مَن عَمِلَ صالِحاً مِّن ذَكَرٍ أوْ أُنْثىٰ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُم بِأَحْسَنِ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إلا أن أصحاب هذا الوعد هم أهل الإيمان والعمل الصالح، الإيمان الحق الذي يدفع إلى العمل الصالح، ولازم ذلك أنهم تخلوا عن الشرك والمعاصي، هؤلاء وعدهم ربهم بأنه يحييهم في الدنيا حياة طيبةً لا خبث فيها قناعة وطيب طعام وشراب ورضا، هذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة والجزاء يكون بحسب أحسن عمل عملوه من كل نوع، من الصلاة كأفضل صلاة وفي الصدقات بأفضل صدقة وهكذا. ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُم بِأَحْسَنِ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وآتنا ما وعدتهم إنك برٌ رحيم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- حرمة اتخاذ الأيمان طريقاً إلى الغش والخديعة والإفساد.

٢- ما عند الله خير مما يحصل عليه الإنسان بمعصيته الرحمن من حطام الدنيا.

٣- عظم أجر الصبر على طاعة الله تعالى فعلاً وتركاً.

٤- وعد الصدق لمن آمن وعمل صالحاً من ذكر وأنثى بالحياة الطبية في الدنيا والآخرة.

16:98–102Page 278

فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].

إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.

وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢

Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

شرح الكلمات:

فإذا قرأت القرآن: أي أردت أن تقرأ القرآن.

فاستعذ بالله من الشيطان: أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لحمايتك من وسواسه.

إنه ليس له سلطان: أي قوة وتسلط على إفساد الذين آمنوا وإضلالهم، ما داموا متوكلين على الله.

وإذا بدلنا آية مكان آية: أي بنسخها وإنزاله آية أخرى غيرها لمصلحة العباد.

قل نزله روح القدس: أي جبريل عليه السلام.

ليثبت الذين آمنوا: أي على إيمانهم.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في هداية المسلمين وتكميلهم، فقوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ﴾ يا محمد أنت أو أحد من المؤمنين أتباعك ﴿فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ أي إذا كنت قارئا عازماً على القراءة فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن ذلك يقيك من وسواسه الذي قد يفسد عليك تلاوتك، وقوله: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للشيطان ﴿سُلْطانٌ﴾ يعني تسلط وغلبة وقهر ﴿عَلىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وعَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وهذه بشرى خير للمؤمنين ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ بطاعته والعمل بتزيينه للشر والباطل، ﴿وٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. هؤلاء هم الذين يتسلط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلهم حتى يهلكهم. وقوله تعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكانَ آيَةٍ﴾ أي نسخنا حكماً بحكم آخر بآية أخرى قال المشركون المكذبون بالوحي الإلهي ﴿إنَّمَآ أنتَ﴾ يا محمد ﴿مُفْتَرٍ﴾ تقول بالكذب والخرص، أي يقول اليوم شيئاً ويقول غداً خلافه. وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ فإنه ينزله لمصلحة عباده فينسخ ويثبت لأجل مصالح المؤمنين. وعلم الله تعالى رسوله كيف يرد على هذه الشبهة وقال له ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾ فلست أنت الذي تقول ما تشاء وإنما هو وحي الله وكلامه ينزل به جبريل عليه السلام من عند ربك بالحق الثابت عند الله الذي لا يتبدل ولا يتغير، وذلك لفائدة تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وإسلامهم. فكلما نزل قرآن ازداد المؤمنون إيماناً فهو كالغيث ينزل على الأرض كلما نزل ازدادت حياتها نضرة وبهجة فكذلك نزول القرآن تحيا به قلوب المؤمنين، وهو أي القرآن هدىً من كل ضلالة. وبشرى لكل المسلمين بفلاح الدنيا وفوز الآخرة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- استحباب الاستعاذة عند قراءة القرآن بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

٢- بيان أنه لا تسلط للشيطان على المؤمنين المتوكلين على ربهم.

٣- بيان أن سلطان الشيطان على أوليائه العاملين بطاعته المشركين بربهم.

٤- بيان أن القرآن فيه الناسخ والمنسوخ.

٥- بيان فائدة نزول القرآن بالناسخ والمنسوخ وهي تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وهدى من الضلالة وبشرى للمسلمين بالفوز والفلاح في الدارين.

16:103–109Page 279

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

شرح الكلمات:

بشر: يعنون قينا (حداداً) نصرانياً في مكة.

لسان الذي يلحدون إليه: أي يميلون إليه.

وهذا لسان عربي: أي القرآن فكيف يعلمه أعجمي.

إلا من أكره: أي على التلفظ بالكفر فتلفظ به.

ولكن من شرح بالكفر صدرا: أي فتح صدره الكفر وشرحه له فطابت نفسه له.

وأولئك هم الغافلون: أي عما يراد بهم.

لا جرم: أي حقاً.

هم الخاسرون: أي لمصيرهم إلى النار خالدين فيها أبدا.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين الذين اتهموا الرسول ﷺ بالافتراء فقال تعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ أي يعلم محمداً بشر أي إنسان من الناس، لا أنه وحي يتلقاه من الله. قال تعالى في الرد على هذه الفرية وإبطالها ﴿لِّسانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ﴾ أي يميلون إليه بأنه هو الذي يعلم محمد لسانه ﴿أعْجَمِيٌّ﴾ لأنه عبدٌ رومي، ﴿وهَٰذا﴾ أي القرآن ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ذو فصاحة وبلاغة وبيان فكيف يتفق هذا مع ما يقولون أنهم يكذبون لا غير، وقوله تعالى ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ ٱللَّهِ﴾ وهي نورٌ وهدى وحججٌ قواطع، وبرهان ساطع ﴿لا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ﴾ إلى معرفة الحق وسبيل الرشد لأنهم أعرضوا عن طريق الهداية وصدوا عن سبيل العرفان وقوله ﴿ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أي جزاء كفرهم بآيات الله. وقوله ﴿إنَّما يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ ٱللَّهِ وأُوْلٰئِكَ هُمُ ٱلْكاذِبُونَ﴾ أي إنما يختلق الكذب ويكذب فعلاً الكافر بآيات الله لأنه لا يرجو ثواب الله ولا يخاف عقابه، فلذا. لا يمنعه شيء عن الكذب، أما المؤمن فإنه يرجو ثواب الصدق ويخاف عقاب الكذب فلذا هو لا يكذب أبداً، وبذا تعين أن النبي لم يفتر الكذب وإنما يفتري الكذب اولئك المكذبون بآيات الله وهم حقاً الكاذبون. وقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلاَّ مَن أُكْرِهَ﴾ على التلفظ بالكفر ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإيمانِ﴾ لا يخامره شك ولا يجد اضطراباً ولا قلقاً فقال كلمة الكفر لفظاً فقط، فهذا كعمار بن ياسر كانت قريش تكرهه على كلمة الكفر فأذن الرسول ﷺ في قولها بلسانه ولكن المستحق للوعيد الآتي ﴿مَّن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً﴾ أي رضي بالكفر وطابت نفسه وهذا وأمثاله ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي باءوا بغضب الله وسخطه ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وعلل تعالى لهذا الجزاء العظيم بقوله ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَياةَ ٱلْدُّنْيا عَلىٰ ٱلآخِرَةِ﴾ بكفرهم بالله وعدم إيمانهم به لما في ذلك من التحرر من العبادات، فلا طاعة ولا حلال ولا حرام، وقوله تعالى: ﴿وأَنَّ ٱللَّهَ لا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكافِرِينَ﴾ هذا وعيد منه تعالى سبق به علمه وأن القوم الكافرين يحرمهم التوفيق للهداية عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه.

وقوه تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ وعلى سمعهم وأبصارهم أولئك الذين توعَّدهم الله بعدم هدايتهم هم الذين طبع على قلوبهم فهم لا يفهمون ﴿وسَمْعِهِمْ﴾ فهم لا يسمعون المواعظ ودعاء الدعاة إلى الله تعالى ﴿وأبصارهم﴾ فهم لا يبصرون آيات الله وحججه في الكون، وما حصل لهم من هذه الحال سببه الإعراض المتعمد وإيثار الحياة الدنيا، والعناد، والمكابرة، والوقوف في وجه دعوة الحق والصد عنها. وقوله ﴿وأُولَٰئِكَ هُمُ ٱلْغافِلُونَ﴾ أي عمّا خلقوا له، وعما يراد لهم من نكال في الآخرة وعذابٍ أليم، وقوله تعالى ﴿لا جَرَمَ﴾ أي حقاً ﴿أنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخاسِرونَ﴾ المغبونون حيث وجدوا أنفسهم في عذاب أليم دائم لا يخرجون منه ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- دفاع الله تعالى عن رسوله ودرء كل تهمة توجه إلى رسول الله ﷺ.

٢- المكذبون بآيات الله يحرمون هداية الله، لأن طريق الهداية هو الإيمان بالقرآن. فلما كفروا به فعلى أي شيء يهتدون.

٣- المؤمنون لا يكذبون لإيمانهم بثواب الصدق وعقاب الكذب، ولكن الكافرين هم الذين يكذبون لعدم ما يمنعهم من الكذب إذ لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً.

٤- الرخصة في كلمة الكفر في حال التعذيب بشرط اطمئنان القلب إلى الإيمان وعدم انشراح الصدر بكلمة الكفر.

٥- إيثار الدنيا على الآخرة طريق الكفر وسبيل الضلال والهلاك.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском