Al-Jaza'iriAl‑Isra · 17:56–84

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:56–84

17:56–60Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

شرح الكلمات:

فلا يملكون: أي لا يستطيعون.

كشف الضر: أي إزالته بشفاء المريض.

ولا تحويلا: أي للمرض من شخص مريض إلى آخر صحيح ليمرض به.

يدعون: أي ينادونهم طالبين منهم أو متوسلين بهم.

يبتغون إلى ربهم الوسيلة: أي يطلبون القرب منه باالطاعات وأنواع القربات.

كان محذورا: أي يحذره المؤمنون ويحترسون منه بترك معاصي الله تعالى.

في الكتاب مسطورا: أي في كتاب المقادير الذي هو اللوح المحفوظ مكتوباً.

أن نرسل بالآيات: أي بالآيات التي طلبها أهل مكة كتحويل الصفا إلى جبل ذهب. أو إزالة جبال مكة لتكون أرضاً زراعية وإجراء العيون فيها.

إلا أن كذب بها الأولون: إذ طالب قوم صالح بالآية ولما جاءتهم كفروا بها فأهلكهم الله تعالى.

الناقة مبصرة: أي وأعطينا ثمود قوم صالح الناقة آية مبصرة واضحة بينة.

فظلموا بها: أي كفروا بها وكذبوا فأهلكهم الله تعالى.

إلا تخويفا: إلا من أجل تخويف العباد بأنا إذا أعطيناهم الآيات ولم يؤمنوا أهلكناهم.

أحاط بالناس: أي قدرة وعلما فهم في قبضته وتحت سلطانه فلا تخفهم.

وما جعلنا الرؤيا: هي ما رآه الرسول ﷺ ليلة الإسراء والمعراج عن عجائب خلق الله تعالى.

والشجرة الملعونة: هي شجرة الزقوم الوارد لفظها في الصافات والدخان.

ونخوفهم: بعذابنا في الدنيا بالإهلاك والإبادة وفي الآخرة بالزقوم والعذاب الأليم.

فما يزيدهم: أي التخويف إلا طغينانا وكفراً.

معنى الآيات:

ما زال السياق في تقرير التوحيد فيقول تعالى لرسوله قل يا محمد ﷺ لأولئك المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله سبحانه وتعالى فإنهم لا يملكون أن يكشفوا الضر عن مريض ولا يستطيعون تحويله عنه إلى آخر عدو له يريد أن يمسه الضر لأنهم أصنام وتماثيل لا يسمعون ولا يبصرون فضلا على أن يستجيبوا دعاء من دعاهم لكشف ضر أو تحويله إلى غيره، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٥٤] ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ ولا تَحْوِيلاً﴾.

وقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾. يخبرهم تعالى بأن أولئك الذين يعبدونهم من الجن أو الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين هم أنفسهم يدعون ربهم ويتوسلون للحصول على رضاه. بشتى أنواع الطاعات والقربات فالذي يَعْبُدُ لا يُعْبَد، والذي يتقرب إلى الله بالطاعات لا يتقرب إليه وإنما يتقرب إلى من هو يتقرب إليه ليحظى بالمنزلة عنده، وقوله ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾، أي أن أولئك الذين يدعوهم الجهال من الناس ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم هم أنفسهم يطلبون الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. لأن عذابه تعالى كان وما زال يحذره العقلاء، لأنه شديد لا يطاق.

فكيف يُدعى ويُرجى ويُخاف من هو يَدعو ويَرجو ويَخاف لو كان المشركون يعقلون.

وقوله تعالى: ﴿وإن مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي مدينة من المدن ﴿إلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾ أي بعذاب إبادة قبل يوم القيامة، ﴿أوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً﴾ بمرض أو قحط أو خوف من عدو ﴿كانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ أي مكتوباً في اللوح المحفوظ، فلذا لا يستعجل أهل مكة العذاب فإنه إن كان قد كتب عليهم فإنه نازل بهم لا محالة وإن لم يكن قد كتب عليهم فلا معنى لاستعجاله فإنه غير واقع بهم وهم مرجون للتوبة أو لعذاب يوم القيامة وقوله تعالى: ﴿وما مَنَعَنَآ أن نُّرْسِلَ بِٱلآياتِ﴾ أي بالمعجزات وخوارق العادات ﴿إلاَّ أن كَذَّبَ بِها﴾ أي بالمعجزات الأولون من الأمم فأهلكناهم بتكذيبهم بها، فلو أرسلنا نبينا محمداً بمثل تلك الآيات وكذبت بها قريش لأهلكهم، وهو تعالى لا يريد أهلاكهم بل يريد هدايتهم ليهتدي على أيديهم خلقاً كثيراً من العرب والعجم والأبيض والأصفر فسبحان الله العليم الحكيم وقوله تعالى ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ ٱلنّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي آية مبصرة أي مضيئة بينة فظلموا بها أي كذبوا بها فعقروها فظلموا بذلك أنفسهم وعرضوها لعذاب الإبادة فأبادهم الله فأخذتهم الصيحة وهم ظالمون هذا دليل على أن المانع من الإرسال بالآيات هو ما ذكر تعالى في هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وما نُرْسِلُ بِٱلآياتِ إلاَّ تَخْوِيفاً﴾ يخبر تعالى أنه ما يرسل الرسل مؤيدين بالآيات التي هي المعجزات والعبر والعظات إلا لتخويف الناس عاقبة الكفر والعصيان لعلهم يخافون فيؤمنون ويطيعون قوله تعالى ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِٱلنّاسِ﴾ أي اذكر يا محمد إذ قلنا لك بواسطة وحينا هذا إن ربك أحاط بالناس. فهم في قبضته وتحت قهره وسلطانه فلا ترهبهم ولا تخش منهم أحداً فإن الله ناصرك عليهم، ومنزل نقمته بمن تمادى في الظلم والعناد، وقوله تعالى: ﴿وما جَعَلْنا ٱلرُّءْيا ٱلَّتِي أرَيْناكَ﴾ يريد رؤيا الإسراء والمعراج حيث أراه الله من آياته وعجائب صنعه وخلقه، ما أراه ﴿إلاَّ فِتْنَةً لِّلنّاسِ﴾ أي لأهل مكة اختباراً لهم هل يصدقون أو يكذبون، إذ ليس لازماً لتقرير نبوتك وإثبات رسالتك وفضلك أن نريك الملكوت الأعلى وما فيه من مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة.

وقوله تعالى: ﴿وٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ﴾ أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وهي شجرة الزقزم وأنها ﴿تَخْرُجُ فِيۤ أصْلِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] إلا فتنة كذلك لأهل مكة حيث قالوا كيف يصح وجود نخلة ذات طلع في وسط النار، كيف لا تحرقها النار قياساً للغائب على الشاهد وهو قياس فاسد، وقوله تعالى ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ بالشجرة الملعونة وأنها ﴿طَعامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤-٤٦] وبغيرها من أنواع العذاب الدنيوي والأخروي، وما يزيدهم ذلك إلا طغياناً كبيراً أي ارتفاعاً وتكبراً عن قول الحق والاستجابة له لما سبق في علم الله من خزيهم وعذابهم فاصبر أيها الرسول وامض في دعوتك فإن العاقبة لك.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير التوحيد بالحكم على عدم استجابة الآلهة المدعاة لعابديها.

٢- بيان حقيقة عقلية وهي أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم والتوسل إليهم بالذبح والنذر هو أمر باطل ومضحك في نفس الوقت، إذ الأولياء كانوا قبل موتهم يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات والقربات ومن كان يَعْبُدْ لا يُعْبَدْ. ومن كان يَتَقرب يُتقَرَّب إليه، ومن كان يَتَوَسَّلْ لا يُتَوسلْ إليه بل يعبد الذي كان يُعْبَد ويُتَوسل إلى الذي كان يُتَوسل إليه ويتقرب إلى الذي كان يتقرب إليه، وهو الله سبحانه وتعالى.

٣- تقرير عقيدة القضاء والقدر.

٤- بيان المانع من عدم إعطاء الرسول ﷺ الآيات على قريش.

٥- بيان علة الإسراء والمعراج، وذكر شجرة الزقوم في القرآن الكريم.

17:61–65Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

شرح الكلمات:

لمن خلقت طيناً: أي من الطين.

أرأيتك: أي أخبرني.

كرمت علي: أي فضَّلْته علي بالأمر بالسجود له.

لأحتنكن: لأستولين عليهم فأقودهم إلى الغواية كالدابة إذا جعل الرسن في حنكها، تُقادٍ حيث شاء راكبها!.

اذهب: أي منظراً إلى وقت النفخة الأولى.

جزاءً موفوراً: أي وافراً كاملاً.

بصوتك: أي بدعائك إياهم إلى طاعتك ومعصيتي بأصوات المزامير والأغاني واللهو.

وأجلب عليهم: أي صِحْ فيهم بركبانك ومُشاتك.

وشاركهم في الأموال: بحملهم على أكل الربا وتعاطيه.

والأولاد: بتزيين الزنا ودفعهم إليه.

وعدهم: أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء.

إلا غرورا: أي باطلاً.

ليس لك عليهم سلطان: أي إن عبادي المؤمنين ليس لك قوة تتسلط عليهم بها.

وكفى بربك وكيلاً: أي حافظاً لهم منك أيها العدوّ.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ أي اذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين الجهلة الذين أطاعوا عدوهم وعدو أبيهم من قبل، وعصوا ربهم، اذكر لهم كيف صدّقوا ظن إبليس فيهم، واذكر لهم ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ فامتثلوا أمرنا ﴿فَسَجَدُواْ إَلاَّ إبْلِيسَ﴾ قال منكراً أمرنا، مستكبراً عن آدم عبدنا ﴿أأَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِيناً﴾؟ أي لمن خلقته من الطين لأن آدم خلقه الله تعالى من أديم الأرض عذبها وملحها ولذا سمى آدم آدم ثم قال في صلفه وكبريائه ﴿أرَأَيْتَكَ﴾ أي أخبرني أهذا ﴿ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾؟! قال هذا استصغار لآدم واستخفافا بشأنه، ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ﴾ أي وعزتك لئن أخرْت موتي ﴿إلىٰ يَوْمِ ٱلْقِيامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أي لأستولين عليهم وأسوقهم إلى أودية الغواية والضلال حتى يهلكوا مثلي ﴿إلاَّ قَلِيلاً﴾ منهم ممن تستخلصهم لعبادتك فأجابه الرب تبارك وتعالى: ﴿قالَ ٱذْهَبْ﴾ أي مُنَظراً وممهلاً إلى وقت النفخة الأولى وقوله تعالى: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أي عصاني وأطاعك ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزاءً مَّوْفُوراً﴾ أي وافراً كاملاً.

وقوله تعالى: ﴿وٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال هذا لإبليس بعد أن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم أذن له في أن يعمل ما استطاع في إضلال أتباعه، ﴿وٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ أي واستخفف منهم بدعائك إلى الباطل بأصوات المزامير والأغاني وصور الملاهي وأنديتها وجمعياتها، ﴿وأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ أي صِح على خيلك ورجلك الركبان والمشاة وسقهم جميعاً على بني آدم لإغوائهم وإضلالهم ﴿وشارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوالِ﴾ بحملهم على الربا وجمع الأموال من الحرام وفي ﴿وٱلأَوْلادِ﴾ بتزيين الزنا وتحسين الفجور وعدهم بالأماني الكاذبة وبأن لا بعث يوم القيامة ولا حساب ولا جزاء قال تعالى: ﴿وما يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطانُ إلاَّ غُرُوراً﴾ أي باطلاً وكذباً وزوراً. وقوله تعالى: ﴿إنَّ عِبادِي﴾ أي المؤمنين بي، المصدقين بلقائي ووعدي ووعيدي ليس لك عليهم قوة تتسلط عليهم بها، ﴿وكَفىٰ بِرَبِّكَ وكِيلاً﴾ أي حافظاً لهم: منك فلا تقدر على إضلالهم ولا إغوائهم يا عدوي وعدوهم.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- مشروعية التذكير بالأحداث الماضية للتحذير من الوقوع في الهلاك.

٢- ذم الكبر وأنه من شر الصفات.

٣- تقرير عداوة إبليس والتحذير منها.

٤- بيان مشاركة إبليس أتباعه في أموالهم وأولادهم ونساءهم.

٥- بيان أن أصوات الأغاني والمزامير والملاهي وأندية الملاهي وجمعياتها الجميع من جند إبليس الذي يحارب به الآدمي المسكين الضعيف.

٦- بيان حفظ الله تعالى لأوليائه، وهم المؤمنون المتقون، وجعلنا الله تعالى منهم وحفظنا بما يحفظهم به إنه بر كريم.

17:66–70Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

شرح الكلمات:

يزجي لكم الفلك: أي يسوقها فتسير فيه.

لتبتغوا من فضله: أي لتطلبوا رزق الله بالتجارة من إقليم إلى آخر.

وإذا مسكم الضُر: أي الشدة والبلاء والخوف من الغرق.

ضل من تدعون إلا إياه: أي غاب عنكم من كنتم تدعونهم من آلهتكم.

أعرضتم: أي عن دعاء الله وتوحيده في ذلك.

أو يرسل عليكم حاصباً: أي ريحاً ترمي بالحصباء لشدتها.

ثم لا تجدوا لكم وكيلاً: أي حافظاً منه أي من الخسف أو الريح الحاصب.

قاصفاً من الريح: أي ريحاً شديدة تقصف الأشجار وتكسرها لقوتها.

علينا به تبيعاً: أي نصيراً ومعيناً يتبعنا ليثأر لكم منا.

ولقد كرمنا بني آدم: أي فضلناهم بالعلم والنطق واعتدال الخلق.

حملناهم في البر والبحر: في البر على البهائم والبحر على السفن.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه. فقوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ يخبرهم تعالى بأن ربهم الحق الذي يجب أن يعبدوه ويطيعوه بعد أن يؤمنوا هو الذي ﴿يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾ أي السفينة ﴿فِي ٱلْبَحْرِ﴾ أي يسوقها فتسير بهم في البحر إلى حيث يريدون من أجل أن يطلبوا رزق الله لهم بالتجارة من إقليم لآخر. هذا هو إلهكم الحق، أما الأصنام والأوثان فهي مخلوقة لله مربوية له، لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها، نفعاً ولا ضراً.

وقوله تعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ومن رحمته تعالى تسخيره البحر لهم وإزجاء السفن وسوقها فيه ليحصلوا على أقواتهم عن طريق السفر والتجارة. وقوله تعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاَّ إيّاهُ﴾ يذكرهم بحقيقة واقعة لهم وهي أنهم إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم شدة من مرض أو ضلال طريق أو عواصف بحرية اضطربت لها السفن وخافوا الغرق دعوا الله وحده ولم يبق من يدعوه سواه تعالى لكنهم إذا نجاهم من الهلكة التي خافوها ونزلوا بشاطئ السلامة أعرضوا عن ذكر الله وذكروا آلهتهم ونسوا ما كانوا يدعونه وهو الله من قبل ﴿وكانَ ٱلإنْسانُ كَفُوراً﴾ هذا طبعه وهذه حاله سرعة النسيان، وشدة الكفران وقوله تعالى: وهو يخاطبهم لهدايتهم ﴿أفَأَمِنتُمْ أن يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ ٱلْبَرِّ﴾ يقرعهم على إعراضهم فيقول ﴿أفَأَمِنتُمْ﴾ الله تعالى ﴿أن يَخْسِفَ بِكُمْ﴾ جانب الأرض الذي نزلتموه عند خروجكم من البحر ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً﴾ أي ريحاً شديدة تحمل الحصباء فيهلككم كما أهلك عاداً ﴿ثُمَّ لا تَجِدُواْ لَكُمْ﴾ من غير الله ﴿وكِيلاً﴾ يتولى دفع العذاب عنكم ويقول: ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ الله تعالى ﴿أن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ أي في البحر ﴿تارَةً أُخْرىٰ﴾ أي مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ أي ريحاً شديدة تقصف الأشجار وتحطمها ﴿فَيُغْرِقَكُم بِما كَفَرْتُمْ﴾ أي بسبب كفركم كما أغرق آل فرعون ﴿ثُمَّ لا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي تابعاً يثأر لكم منا ويتبعنا مطالباً بما نلنا منكم من العذاب.

فما لكم إذاً لا تؤمنون وتوحدون وبالباطل تكفرون. وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي ءادَمَ﴾ أي فضلناهم بالنطق والعقل والعلم واعتدال الخلق ﴿وحَمَلْناهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وٱلْبَحْرِ﴾ على ما سخرنا لهم من المراكب ﴿ورَزَقْناهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّباتِ﴾ أي المستلذات من اللحوم والحبوب والفواكه والخُضَر والمياه العذبة الفرات. وقوله تعالى: ﴿وفَضَّلْناهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ فالآدميون أفضل من الجن وسائر الحيوانات، وخواصهم أفضل من الملائكة، وعامة الملائكة أفضل من عامة الآدميين ومع هذا فإن الآدمي إذا كفر ربه وأشرك في عبادته غيره، وترك عبادته، وتخلى عن محبته ومراقبته أصبح شر الخليقة كلها. قال تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن أهْلِ ٱلْكِتابِ وٱلْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيهَآ أوْلَٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].

من هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- تعريف الله تعالى بذكر صفاته الفعلية والذاتية.

٢- تذكير المشركين بحالهم في الشدة والرخاء حيث يعرفون الله في الشدة ويخلصون له الدعاء، وينكرونه في الرخاء ويشركون به سواه.

٣- تخويف المشركين بأن الله تعالى قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يرسل عليهم حاصباً من الريح فيهلكهم أو يردهم إلى البحر مرة أخرى ويرسل عليهم قاصفاً من الريح فيغرقهم بسبب كفرهم بالله، وعودتهم إلى الشرك بعد دعائه تعالى والتضرع إليه حال الشدة.

٤- بيان منن الله تعالى على الإنسان وأفضاله عليه في تكريمه وتفضيله.

٥- حال الرخاء أصعب على الناس من حال الشدة بالقحط والمرض، أو غيرهما من المصائب.

٦- الإعلان عن كرامة الآدمي وشرفه على سائر المخلوقات الأرضية.

17:71–77Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

شرح الكلمات:

بإمامهم: أي الذي كانوا يقتدون به ويتبعونه في الخير أو الشر.

فتيلا: أي مقدار فتيل وهو الخيط الذي يوجد وسط النواة.

ومن كان في هذه أعمى: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله تعالى الدالة على وجوده وعلمه وقدرته، فلم يؤمن به ولم يعبده فهو في الآخرة أشد عمى وأضل سبيلاً.

وإن كادوا: أي قاربوا.

ليفتنونك: أي يستنزلونك عن الحق، أي يطلبون نزولك عنه.

لتفتري علينا غيره: أي لتقول علينا افتراءً غير الذي أوحينا إليك.

إذاً لاتخذوك خليلاً: أي لو فعلت الذي طلبوا منك فعله لاتخذوك خليلاً لهم.

ضعف الحياة وضعف الممات: أي لعذبناك عذاب الدنيا مضاعفاً وعذاب الآخرة كذلك.

ليستفزونك من الأرض: أي ليستخفونك من الأرض أرض مكة.

لا يلبثون خلافك: أي لا يبقون خلفك أي بعدك إلا قليلاً ويهلكهم الله.

سنة من قد أرسلنا من قبلك: أي لو أخرجوك لعذبناهم بعد خروجك بقليل، سنتنا في الأمم.

ولا تجد لسنتنا تحويلا: أي عما جرت به في الأمم السابقة.

معنى الآيات:

يقول تعالى لرسوله في تقرير عقيدة البعث والجزاء، اذكر يا رسولنا ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ الذي كانوا يقتدون به ويتبعونه فيتقدم ذلك الإمام ووراءه أتباعه وتوزع الكتب عليهم واحداً واحداً فمن أعطى كتابه بيمينه تشريفاً له وتكريماً، فأولئك الذين أكرموا بإعطائهم كتبهم بأيمانهم، يقرأون كتابهم ويحاسبون بما فيه ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا ينقصون مقدار فتيل لا تنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم. واذكر هذا لهم تعظهم به لعلهم يتعظون، وقوله تعالى: ﴿ومَن كانَ فِي هَٰذِهِ﴾ أي الدنيا ﴿أعْمىٰ﴾ لا يبصر هذه الحجج والآيات والدلائل وأصر على الشرك، والتكذيب والمعاصي ﴿فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أعْمىٰ﴾ أي أشد عمى ﴿وأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ فلا يرى طريق النجاة ولا يسلكه حتى يقع في جهنم. وقوله: ﴿وإن كادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أي يصرفونك ﴿عَنِ ٱلَّذِي أوْحَيْنَآ إلَيْكَ﴾ من توحيدنا والكفر بالباطل وأهله. ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أي لتقول علينا غير الحق الذي أوحيناه إليك، وإذاً لو فعلت بأن وافقتهم على ما طلبوا منك، من الإغضاء على شركهم والتسامح معهم إقراراً لباطلهم، ولو مؤقتاً، ﴿لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ لهم وكانوا أولياء لك، وذلك أن المشركين في مكة والطائف، واليهود في المدينة كانوا يحاولون جهدهم أن يستنزلوا الرسول على شيء من الحق الذي يأمر به ويدعو إليه مكراً منهم وخديعة سياسية إذ لو وافقهم على شيء لطالبوا بآخر، ولقالوا قد رجع إلينا، فهو إذاً يَتَقَوَّل، وليس بالذي يوحى إليه بدليل قبوله منا كذا وكذا وتنازله عن كذا وكذا، وقوله تعالى: ﴿ولَوْلا أن ثَبَّتْناكَ﴾ أي على الحق حيث عصمناك ﴿لَقَدْ كِدتَّ﴾ أي قاربت ﴿تَرْكَنُ﴾ أي تميل ﴿إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ بقبول بعض اقتراحاتهم ﴿إذاً﴾ أي لو ملت إليهم، وقبلت منهم ولو شيئاً يسيراً ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ ٱلْحَياةِ وضِعْفَ ٱلْمَماتِ﴾، أي لضاعفنا عليك العذاب في الدنيا والآخرة ثم لا تجد لك نصيراً ينصرك إذا نحن خذلناك وعذبناك وقوله تعالى في حادثة أخرى وهي أنهم لما فشلوا في المحاولات السلمية أرادوا استعمال القوة فقرروا إخراجه من مكة بالموت أو الحياة فأخبر تعالى رسوله بذلك إعلاماً وإنذاراً، فقال: ﴿وإن كادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾ أرض مكة ﴿لِيُخْرِجوكَ مِنها وإذاً﴾ أي لو فعلوا لم يلبثوا بعد إخراجك إلا زمناً قليلاً ونهلكهم كما هي سنتنا في الأمم السابقة التي أخرجت أنبياءها أو قتلتهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿وإن كادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أي يستخفونك ﴿مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنها وإذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾ اي عما جرت به في الأمم السابقة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- الترغيب في الاقتداء بالصالحين ومتابعتهم والترهيب من الاقتداء بأهل الفساد ومتابعتهم.

٢- عدالة الله تعالى في الموقف بإقامة الحجة على العبد وعدم ظلمه شيئاً.

٣- عمى الدنيا عن الحق وشواهده سبب عمى الآخرة وموجباته من السقوط في جهنم.

٤- حرمة الركون أي الميل لأهل الباطل بالتنازل عن شيء من الحق الثابت إرضاءً لهم.

٥- الوعيد الشديد لمن يرضى أهل الباطل تملقاً لهم طمعاً في دنياهم فيترك الحق لأجلهم.

٦- إمضاء سنن الله تعالى وعدم تخلفها بحال من الأحوال.

17:78–84Page 290

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨

Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩

And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3

وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠

And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."

وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١

And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢

And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣

And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.

قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤

Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."

شرح الكلمات:

لدلوك الشمس: أي زوالها من كبد السماء ودحوضها إلى جهة الغرب.

إلى غسق الليل: أي إلى ظلمة الليل، إذ الغسق الظلمة.

وقرآن الفجر: صلاة الصبح.

كان مشهوداً: تشهده الملائكة، ملائكة الليل وملائكة النهار.

فتهجد به: أي بالقرآن.

نافلة: أي زائدة عن الغرض وهي التهجد بالليل.

مقاماً محموداً: هو الشفاعة العظمى يوم القيامة حيث يحمده الأولون والآخرون.

أدخلني مدخل صدق: أي المدينة، إدخالاً مرضياً لا أرى فيه مكروهاً.

وأخرجني مخرج صدق: أي من مكة إخراجاً لا ألتفت بقلبي إليها.

وقل جاء الحق وزهق الباطل: أي عند دخولك مكة فاتحاً لها بإذن الله تعالى.

زهق الباطل: أي ذهب واضمحل.

أعرض ونأ بجانبه: أعرض عن الشكر فلم يشكر، ونأ بجانبه: أي ثنى عطفه متبختراً في كبرياء.

على شاكلته: أي طريقته ومذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلال.

معنى الآيات:

بعد ذلك العرض الهائل لتلك الأحداث الجسام أمر تعالى رسوله بإقام الصلاة فإنها مأمن الخائفين، ومنار السالكين، ومعراج الأرواح إلى ساحة الأفراح فقال: ﴿أقِمِ ٱلصَّلاةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ أي لأول دلوكها وهو ميلها من كبد السماء إلى الغرب وهو وقت الزوال ودخول وقت الظهر، وقوله ﴿إلىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ﴾ أي إلى ظلمته، ودخلت صلاة العصر فيما بين دلوك الشمس وغسق الليل، ودخلت صلاة المغرب وصلاة العشاء في غسق الليل الذي هو ظلمته، وقوله: ﴿وقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ أي صلاة الصبح وهذه هي الصلوات الخمس المفروضة على أمة الإسلام، النبي وأتباعه سواء وقوله ﴿إنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ يعني محضوراً، تحضره ملائكة النهار لتنصرف ملائكة الليل، لحديث الصحيح «يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...» وقوله ﴿ومِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَّكَ﴾ أي صلاة زائدة على الفرائض الخمس وهي قيام الليل، وهو واجب عليه ﷺ بهذه الآية، وعلى أمته مندوب إليه، مرغوب فيه.

وقوله: ﴿عَسىٰ أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحْمُوداً﴾ عسى من الله تعالى تفيد الوجوب، ولذا فقد أخبر تعالى رسوله مبشراً إياه بأن يقيمه يوم القيامة ﴿مَقاماً مَّحْمُوداً﴾ يحمده عليه الأولون والآخرون. وهو الشفاعة العظمى حيث يتخلى عنها آدم فمن دونه.. حتى تنتهي إليه ﷺ فيقول: أنالها، أنالها، ويأذن له ربه فيشفع للخليقة في فضل القضاء، ليدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتستريح الخليقة من عناء الموقف وطوله وصعوبته.

وقوله تعالى: ﴿وقُل رَّبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. هذه بشارة أخرى أن الله تعالى أذن لرسوله بالهجرة من تلقاء نفسه لا بإخراج قومه وهو كاره. فقال له: قل في دعائك ربي أدخلني المدينة دار هجرتي ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ بحيث لا أرى فيها مكروهاً، وأخرجني من مكة يوم تخرجني ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ غير ملتفت إليها بقلبي شوقاً وحنيناً إليها.

﴿وٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطاناً نَّصِيراً﴾ أي وسلني أن أجعل لك من لدني سلطاناً نصيراً لك على من بغاك بسوء، وكادك بمكر وخديعة، وحاول منعك من إقامة دينك، ودعوتك إلى ربك، وقوله تعالى: ﴿وقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وزَهَقَ ٱلْباطِلُ﴾ هذه بشارة أخرى بأن الله تعالى سيفتح له مكة، ويدخلها ظافراً منتصراً وهو يكسر الأصنام حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين صنماً! ويقول جاء الحق وزهق الباطل أي ذهب الكفر واضمحل. ﴿إنَّ ٱلْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾. لا بقاء له ولا ثبات إذا صاول الحق، ووقف في وجهه، وجائز أن يكون المراد بالحق، القرآن وبالباطل الكذب والافتراء، وجائز أن يكون الحق الإسلام والباطل الكفر والشرك وأعم من ذلك، أن الحق هو كل ما هو طاعة الله عز وجل، والباطل كل طاعة للشيطان من الشرك والظلم وسائر المعاصي. وقوله تعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ ما هُوَ شِفَآءٌ ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وننزل عليك يا رسولنا محمد من القرآن ما هو شفاء أي ما يستشفى به من مرض الجهل والضلال والشك والوساوس ورحمة للمؤمنين دون الكافرين، لأن المؤمنين يعملون به فيرحمهم الله تعالى بعملهم بكتابة، وأما الكافرون، فلا رحمة لهم فيه، لأنهم مكذبون به تاركون للعمل بما فيه. وقوله ﴿ولا يَزِيدُ ٱلظّالِمِينَ إَلاَّ خَساراً﴾ أي ولا يزيد القرآن الظالمين وهم المشركون المعاندون الذين أصروا على الباطل عناداً ومكابرة، هؤلاء لا يزيدهم ما ينزل من القرآن ويسمعونه إلا خساراً لازدياد كفرهم وظلمهم وعنادهم. وقوله تعالى: ﴿وإذَآ أنْعَمْنا عَلى ٱلإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كانَ يَئُوساً﴾ يخبر الله تعالى عن الإنسان الكافر المحروم من نور الإيمان وهداية الإسلام أنه إذا أنعم عليه بنعمة النجاة من الهلاك وقد أشرف عليه بغرق أو مرض أو جوع أو نحوه، أعرض عن ذكر الله ودعائه كما كان يدعوه في حال الشدة، ونأى بجانبه أي بعد عنا فلا يلتفت إلينا بقلبه، وذهب في خيلائه وكبريائه وقوله تعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كانَ يَئُوساً﴾ أي قنوطاً. هذا هو الكافر، ذو ظلمة النفس لكفره وعصيانه، إذا مسه الشر من جوع أو مرض أو خوف أحاط به كان يؤوساً أي كثير اليأس والقنوط تامهما، لعدم إيمانه بالله ورحمته وقدرته على إنجائه وخلاصه.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَن هُوَ أهْدىٰ سَبِيلاً﴾ أي قل يا رسولنا للمشركين، كل منا ومنكم يعمل عل طريقته ومذهبه بحسب حاله هداية وضلالاً. والله تعالى ربكم أعلم بمن هو أهدى منا ومنكم سبيلاً. ويجزي الكل بحسب عمله وسلوكه. وهذه كلمة مفاصلة قاطعة، للنزاع الناجم عن كون كل يدعي أنه على الحق وأن دينه أصوب، وطريقته أمثل وسبيله أجدى وأنفع.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- وجوب إقامة الصلاة وبيان أوقاتها المحددة لها.

٢- الترغيب في النوافل، وخاصة التهجد أي «نافلة الليل».

٣- تقرير الشفاعة العظمى للنبي ﷺ.

٤- ضعف الباطل وسرعة تلاشيه إذا صاوله الحق ووقف في وجهه.

٥- القرآن شفاء لأمراض القلوب عامة ورحمة بالمؤمنين خاصة.

٦- بيان طبع المرء الكافر وبيان حال الضعف الملازم له.

٧- تعليم الرسول ﷺ والمؤمنين كيف يتخلصون من الجدال الفارغ والحوار غير المثمر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском