Al-Jaza'iriAl‑Kahf · 18:1–26

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

الكهف

Al-Kahf

The Cave · Meccan · 110 ayahs

18:1–6Page 293

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1

قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢

[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]

مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣

In which they will remain forever

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤

And to warn those who say, "Allāh has taken a son."

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥

They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.

فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦

Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.

شرح الكلمات:

الحمد لله: الحمد الوصف بالجميل، والله عَلَم على ذات الرب تعالى.

الكتاب: القرآن الكريم.

ولم يجعل له عوجاً: أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانيه.

قيما: أي ذا اعتدال لا إفراط فيه ولا تفريط في كل ما حواه ودعا إليه من التوحيد والعبادة والآداب والشرائع والأحكام.

بأساً شديداً: عذاباً ذا شدة وقسوة وسوء عذاب في الآخرة.

من لدنه: من عنده سبحانه وتعالى.

أجراً حسنا: أي الجنة إذ هي أجر المؤمنين العاملين بالصالحات.

كبرت كلمة: أي عظمت فرية وهي قولهم الملائكة بنات الله.

إن يقولون إلا كذباً: أي ما يقولون إلا كذباً بحتاً لا واقع له من الخارج.

باخع نفسك: قاتل نفسك كالمنتحر.

بهذا الحديث أسفاً: أي بالقرآن من أجل الأسف الذي هو الحزن الشديد.

معنى الآيات:

أخبر تعالى في فاتحة سورة الكهف بأنه المستحق للحمد، وأن الحمد لله وذكر موجب ذلك، وهو إنزاله على عبده ورسوله محمد ﷺ الكتاب الفخم العظيم وهو القرآن العظيم الكريم فقال: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أنْزَلَ عَلىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتابَ﴾ وقوله تعالى، ﴿ولَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجا﴾ أي ولم يجعل لذلك الكتاب العظيم عوجاً أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانية فهو كلام مستقيم محقق للآخذ به كل سعادة وكمال في الحياتين. وقوله ﴿قَيِّماً﴾ أي معتدلا خاليا من الإفراط والتفريط قيما على الكتب السابقة مهيمناً عليها الحق فيها ما أحقه والباطل ما أبطله.

وقوله ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ أي أنزل الكتاب الخالي من العوج القيم من أجل أن ينذر الظالمين من أهل الشرك والمعاصي عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ينزل بهم من عند ربهم الذين كفروا به وأشركوا وعصوه وكذبوا رسوله وعصوه. ومن أجل أن يبشر بواسطته أيضاً ﴿ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصّالِحاتِ﴾ أي يخبرهم بما يسرهم ويفرح قلوبهم وهو أن لهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وقوله تعالى: ﴿ويُنْذِرَ﴾ بصورة خاصة أولئك المتقولين على الله المفترين عليه بنسبتهم الولد إليه فقالوا: ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ ولَداً﴾ وهم اليهود والنصارى وبعض مشركي العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله! هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ويُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ ولَداًً﴾ وهو قول تَوارَثُوهُ لا علم لأحد منهم به، وإنما هو مجرد كذب يتناقلونه بينهم لذا قبح الله قولهم هذا وعجّب منه العقلاء، فقال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أي عظم قولهم ﴿ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ ولَداً﴾ كلمة قالوها تخرج من أفواههم لا غير إذ لا واقع لها أبداً، وقرر الانكار عليهم فقال: ﴿إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً﴾ أي ما يقولون إلا الكذب البحت الذي لا يعتمد على شيء من الصحة البتة.

وقوله ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَّفْسَكَ عَلىٰ آثارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَٰذا ٱلْحَدِيثِ أسَفاً﴾ يعاتب الله تعالى رسوله ويخفف عنه ما يجده في نفسه من الحزن على عدم إيمان قومه واشتدادهم في الكفر والتكذيب وما يقترحونه عليه من الآيات أي فلعلك يا رسولنا قاتل نفسك على إثر رفض قومك للإيمان بك وبكتابك وما جئت به من الهدى، حزناً عليهم، وجزعاً منهم، فلا تفعل واصبر لحكم ربك فإنه منجز وعده لك بالنصر على قومك المكذبين لك.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- وجوب حمد الله تعالى على آلائه وعظيم نعمه.

٢- لا يحمد إلا من له ما يقتضي حمده، وإلا كان المدح كذباً وزوراً.

٣- عظم شأن القرآن الكريم وسلامته من الافراط والتفريط والانحراف في كل ما جاء به.

٤- بيان مهمة القرآن وهي البشارة لأهل الإيمان والإنذار لأهل الشرك والكفران.

٥- التنديد بالكذب على الله ونسبة ما لا يليق بجلاله وكماله إليه كالولد ونحوه.

٦- تحريم الانتحار وقتل النفس من الحزن أو الخوف ونحوه من الغضب والحرمان.

18:7–12Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢

Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.

شرح الكلمات:

صعيداً جرزاً: أي تراباً لا نبات فيه، فالصعيد هو التراب والجرز الذي لا نبات فيه.

الكهف: النقب الواسع في الجبل والضيق منه يقال له «غار».

والرقيم: لوح حجري رقمت فيه أسماء أصحاب الكهف.

أوى الفتية إلى الكهف: اتخذوه مأوى لهم ومنزلاً نزلوا فيه.

الفتية: جمع فتى وهم شبان مؤمنون.

هيئ لنا من أمرنا رشداً: أي ييسر لنا طريق رشد وهداية.

فضربنا على آذانهم: أي ضربنا على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات والحركات.

سنين عدداً: أي أعواماً عدة.

ثم بعثناهم: أي من نومهم بمعنى أيقظناهم.

أحصى لما لبثوا: أي أضبط لأوقات بعثهم في الكهف.

أمداً: أي مدة محدودية معلومة.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّها﴾ من حيوان وأشجار ونبات وأنهار وبحار، وقوله ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ أي لنختبرهم ﴿أيُّهُم أحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي أيهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا وقوله: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً﴾ أي وإنا لمخربوها في يوم، من الأيام بعد عمارتها ونضارتها وزينتها نجعلها ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ أي تراباً لا نبات فيه، إذاً فلا تحزن يا رسولنا ولا تغتم مما تلاقيه من قومك فإن مآل الحياة من أجلها عادوك وعصوننا إلى أن تصبح صعيداً جرزاً. وقوله تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ ٱلْكَهْفِ وٱلرَّقِيمِ كانُواْ مِن آياتِنا عَجَباً﴾ أي أظننت أيها النبي أن أصحاب الكهف أي الغار في الكهف والرقيم وهو اللوح الذي كتبت عليه ورقم أسماء أصحاب الكهف وأنسابهم وقصتهم ﴿كانُواْ مِن آياتِنا عَجَباً﴾ أي كان أعجب من آياتنا في خلق ومخلوقات، السماوات والأرض بل من مخلوقات الله ما هو أعجب بكثير. وقوله: ﴿إذْ أوى ٱلْفِتْيَةُ إلى ٱلْكَهْفِ﴾ هذا شروع في ذكر قصتهم العجيبة، أي اذكر للسائلين لك عن قصة هؤلاء الفتية، إذ أووا إلى الغار في الكهف فنزلوا فيه، واتخذوه مأوى لهم ومنزلاً هروباً من قومهم الكفار أن يفتنوهم في دينهم وهم سبعة شبان ومعهم كلب لهم فقالوا سائلين ربهم: ﴿رَبَّنَآ آتِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وهَيِّىءْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَداً﴾ أي أعطنا من عندك رحمة تصحبنا في هجرتنا هذه للشرك والمشركين ﴿وهَيِّىءْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَداً﴾ أي ويسر لنا من أمرنا في فرارنا من ديار المشركين خوفاً على ديننا ﴿رَشَداً﴾ أي سداداً وصلاحاً ونجاة من أهل الكفر والباطل، قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآيات وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكر الله في كتابه فقال بعضهم: كان سبب ذلك أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى وكان لهم ملك عابد وثن دعاهم إلى عبادة الأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم أو يقتلهم فاستخفوا منه في الكهف وقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلىٰ آذانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ أي فضربنا على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات والحركات فناموا في كهفهم سنين معدودة أي ثلاثمائة وتسع سنين، وكانوا يتقلبون بلطف الله وتدبيره لهم من جنب إلى جنب حتى بعثهم من نومهم وهذا استجابة الله تعالى لهم إذ دعوه قائلين: ﴿رَبَّنَآ آتِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أي من نومهم ورقادهم ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصىٰ لِما لَبِثُواْ﴾ أي في الكهف ﴿أمَداً﴾ أي لنعلم عِلْمَ مشاهدة ولينظر عبادي فيعلموا أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر لبثهم في الكهف كانت أحصى لمدة لبثهم في الكهف حيث اختلف الناس إلى حزبين حزب يقول لبثوا في كهفهم كذا سنة وآخر يقول لبثوا إلى مدى أي غاية كذا من السنين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان العلة في وجود الزينة على هذه الأرض، وهي الابتلاء والاختبار للناس ليظهر الزاهد فيها، العارف بتفاهتها وسرعة زوالها، وليظهر الراغب فيها المتكالب عليها الذي عصى الله من أجلها.

٢- تقرير فناء كل ما على الأرض حتى تبقى صعيداً جرزاً وقاعاً صفصفاً لا يرى فيها عوج ولا أمت.

٣- تقرير نبوة الرسول ﷺ بإجابة السائلين عن أصحاب الكهف بالايجاز والتفصيل.

٤- تقرير التوحيد ضِمْنَ قصة أصحاب الكهف إذ فروا بدينهم خوفاً من الشرك والكفر.

٥- استجابة الله دعاء عباده المؤمنين الموحدين حيث استجاب للفتية فآواهم الغار ورعاهم حتى بعثهم بعد تغير الأحوال وتبدل العباد والبلاد.

18:13–16Page 294

نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣

It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.

وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤

And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.

هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥

These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"

وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."

شرح الكلمات:

نبأهم بالحق: أي خبرهم العجيب بالصدق واليقين.

وزنادهم هدى: أي إيماناً وبصيرة في دينهم ومعرفة ربهم حتى صبروا على الهجرة.

وربطنا على قلوبهم: أي شددنا عليها فقويت عزائمهم حتى قالوا كلمة الحق عند سلطان جائر.

لن ندعوا من دونه إلها: لن نعبد من دونه إلهاً آخر.

لولا يأتون عليهم بسلطان: أي هلا يأتون بحجة قوية تثبت صحة عبادتهم.

على الله كذباً: أي باتخاذ آلهة من دونه تعالى يدعوها ويعبدها.

فأووا إلى الكهف: أي انزلوا في الكهف تستترون به على أعين أعدائكم المشركين.

ينشر لكم ربكم من رحمته: أي يبسط من رحمته عليكم بنجاتكم مما فررتم منه.

ويهيء لكم من أمركم: وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغم والكرب.

مرفقا: أي ما ترتفقون به وتنتفعون من طعام وشراب وإواء.

معنى الآيات:

بعد أن ذكر تعالى موجز قصة أصحاب الكهف أخذ في تفصيلها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ﴾ أي نحن رب العزة والجلال نقص عليك أيها الرسول خبر أصحاب الكهف بالحق الثابت الذي لا شك فيه ﴿إنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾، جمع فتى ﴿آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ أي صدقوا بوجوده ووجوب عبادته وتوحيده فيها وقوله ﴿وزِدْناهُمْ هُدًى﴾ أي هداية إلى معرفة الحق من محاب الله تعالى ومكارهه.

وقوله تعالى: ﴿ورَبَطْنا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ أي قوّينا عزائمهم بما شددنا على قلوبهم حتى قاموا وقالوا على رؤوس الملأ وأمام ملك كافر ﴿رَبُّنا رَبُّ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ أي ليس لنا رب سواه، لن ندعو من دونه إلهاً مهما كان شأنه، إذ لو اعترفنا بعبادة غيره لكنا قد قلنا إذاً شططاً من القول وهو الكذب والغلو فيه وقوله تعالى: ﴿هَٰؤُلاۤءِ قَوْمُنا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ يخبر تعالى عن قيل الفتية لما ربط الله على قلوبهم إذ قاموا في وجه المشركين الظلمة وقالوا: ﴿هَٰؤُلاۤءِ قَوْمُنا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ أي هلا يأتون عليهم بسلطان بيّن أي بحجة واضحة تثبت عبادة هؤلاء الأصنام من دون الله؟ ومن أين ذلك والحال أنه لا إله إلا الله؟!

وقوله تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرىٰ﴾ ينفي الله عز وجل أن يكون هناك أظلم ممن افترى على الله كذباً باتخاذ آلهة يعبدها معه باسم التوسل بها وشعار التشفع والتقرب إلى الله زلفى بواسطتها!! وقوله تعالى عن قيل أصحاب الكهف لبعضهم: ﴿وإذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وما يَعْبُدُونَ إلاَّ ٱللَّهَ﴾ من الأصنام والأوثان ﴿فَأْوُوا إلى ٱلْكَهْفِ﴾ أي فصيروا إلى غار الكهف المسمى «بنجلوس» ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي يبسط لكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي رميتم به من الكافر «دقينوس» ﴿ويُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ أي ما ترتفقون به من طعام وشراب وأمن في مأواكم الجديد الذي أويتم إليه فراراً بدينكم واستخفائكم من طالبكم المتعقب لكم ليفتنكم في دينكم أو يقتلكم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصة أصحاب الكهف.

٢- تقرير زيادة الإيمان ونقصانه.

٣- فضيلة الجرأة في الحق والتصريح به ولو أدى إلى القتل أو الضرب أو السجن.

٤- تقرير التوحيد وأنه لا إله إلا الله على لسان أصحاب الكهف.

٥- بطلان عبادة غير الله لعدم وجود دليل عقلي أو نقلي عليها.

٦- الشرك ظلم وكذب والمشرك ظالم مفتر كاذب.

٧- تقرير فرض الهجرة في سبيل الله.

٨- فضيلة الالتجاء إلى الله تعالى وطلب حمايته لعبده وكفاية الله من لجأ إليه في صدق.

18:17–18Page 295

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨

And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.

شرح الكلمات:

تزاور: أي تميل.

تقرضهم: تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم.

في فجوة منه: متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها.

من آيات الله: أي دلائل قدرته.

أيقاظاً: جمع يقظ أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة.

بالوصيد: فناء الكهف.

رُعباً: منعهم الله بسببه من الدخول عليهم.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في عرض قصة أصحاب الكهف يقول تعالى في خطاب رسوله ﷺ ﴿وتَرى ٱلشَّمْسَ إذا طَلَعَت تَّزاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ أي تميل عنه ذات اليمين ﴿وإذا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ﴾ أي تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ذات الشمال. وقوله تعالى: ﴿وهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ أي متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها، وقوله ﴿ذٰلِكَ مِن آياتِ ٱللَّهِ﴾ أي وذلك المذكور من ميلان الشمس عنهم إذا طلعت وقرضها لهم إذا غربت من دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بأوليائه ولطفه بهم، وقوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ ولِيّاً مُّرْشِداً﴾ يخبر تعالى أن الهداية بيده وكذلك الإضلال فليطلب العبد من ربه الهداية إلى صراطه المستقيم، وليستعذ به من الضلال المبين، إذ من يضله الله لن يوجد له ولي يرشده بحال من الأحوال، وقوله تعالى: ﴿وتَحْسَبُهُمْ أيْقاظاً وهُمْ رُقُودٌ﴾ أي أنك إذا نظرت إليهم تظنهم أيقاظاً أي منتبهين لأن أعينهم متفتحة وهم رقود نائمون لا يحسّون بأحد ولا يشعرون، وقوله تعالى: ﴿ونُقَلِّبُهُمْ ذاتَ ٱليَمِينِ﴾ أي جهة اليمين ﴿وذاتَ ٱلشِّمالِ﴾ أي جهة الشمال حتى لا تَعْدو التربة على أجسادهم فتبليها. وقوله ﴿وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ﴾ أي: وكلبهم الذي خرج معهم، وهو كلب صيد ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ﴾ أي: بفناء الكهف. وقوله تعالى: ﴿لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي لو شاهدتهم وهم رقود وأعينهم مفتحة ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهُمْ فِراراً﴾ لرجعت فاراً منهم ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهُمْ رُعْباً﴾ أي خوفاً وفزعاً، ذلك أن الله تعالى ألقى عليهم من الهيبة والوقار حتى لا يدنو منهم أحد ويمسهم بسوء إلى أن يوقظهم عند نهاية الأجل الذي ضرب لهم، ليكون أمرهم آية من آيات الله الدالة على قدرته وعظيم سلطانه وعجيب تدبيره في خلقه.

من هداية الآيات:

١- بيان لطف الله تعالى بأوليائه بإكرامهم في هجرتهم إليه.

٢- تقرير أن الهداية بيد الله فالمهتدي من هداه الله والضال من أضله الله ولازم ذلك طلب الهداية من الله، والتعوذ به من الضلال لأنه مالك ذلك.

٣- بيان عجيب تدبير الله تعالى وتصرفه في مخلوقاته فسبحانه من إله عظيم عليم حكيم.

18:19–21Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

شرح الكلمات:

كذلك بعثناهم: أي كما أنمناهم تلك النومة الطويلة الخارقة للعادة بعثناهم من رقادهم بعثاً خارقاً للعادة أيضاً فكان في منامهم آية وفي إفاقتهم آية.

كم لبثتم: أي في الكهف نائمين.

يوماً أو بعض يوم: لأنهم دخلوا الكهف صباحاً واستيقظوا عشية.

بورقكم: بدراهم الفضة التي عندكم.

إلى المدينة: أي المدينة التي كانت تسمى أفسوس وهي طرسوس اليوم.

أزكى طعاماً: أي أيُّ أطعمة المدينة أحلُّ أي أكثر حِلِّيَّةً.

وليتلطف: أي يذهب يشتري الطعام ويعود في لطف وخفاء.

يرجموكم: أي يقتلوكم رمياً بالحجارة.

أعثرنا عليهم: أطلعنا عليهم أهل بلدهم.

ليعلموا: أي قومهم أن البعث حق للأجساد والأرواح معاً.

إذ يتنازعون: أي الكفار قالوا ابنوا عليهم أي حولهم بناء يسترهم.

فقالوا: أي المؤمنون والكافرون في شأن البناء عليهم.

وقال الذين غلبوا على أمرهم: وهم المؤمنون لنتخذن حولهم مسجداً يصلى فيه.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في الحديث عن أصحاب الكهف فقوله تعالى: ﴿وكَذٰلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أي كما أنمناهم ثلاثمائة سنة وتسعا وحفظنا أجسادهم وثيابهم من البلى ومنعناهم من وصول أحد إليهم، وهذا من مظاهر قدرتنا وعظيم سلطاننا بعثناهم من نومهم الطويل ليتساءلوا بينهم فقال قائل منهم مستفهماً كم لبثتم يا إخواننا فأجاب بعضهم قائلاً ﴿لَبِثْنا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأنهم آووا إلى الكهف في الصباح وبعثوا من رقادهم في المساء وأجاب بعض آخر بقول مُرْضٍ للجميع وهو قوله: ﴿رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ فسلموا الأمر إليه، وكانوا جياعاً فقالوا لبعضهم ﴿فَٱبْعَثُواْ أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ﴾ يشيرون إلى عملة من فضة كانت معهم ﴿إلىٰ ٱلْمَدِينَةِ﴾ وهي أفسوس التي خرجوا منها هاربين بدينهم، وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّهَآ أزْكىٰ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي فلينظر الذي تبعثونه لشراء الطعام أي أنواع الأطعمة أزكى أي أطهر من الحرام والاستقذار ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ لتأكلوه سداً لجوعكم وليتلطف في شرائه وذهابه وإيابه حتى لا يُشعر بكم أحداً وعلل لقوله هذا بقوله ﴿إنَّهُمْ إن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ أي يطلعوا ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أو يقتلوكم رجماً بالحجارة ﴿أوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ ملة الشرك بالقسر والقوة. ﴿ولَن تُفْلِحُوۤاْ إذاً أبَداً﴾ أي ولن تفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة إذا أنتم عدتم للكفر والشرك.. فكفرتم وأشركتم بربكم.

وقوله تعالى: ﴿وكَذٰلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أي وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة وبعثناهم ليتساءلوا بينهم فيزدادوا إيماناً ومعرفة بولاية الله تعالى وحمايته لأوليائه ﴿أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أهل مدينتهم الذين انقسموا إلى فريقين فريق يعتقد أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح، وفريق يقول البعث الآخر للأرواح دون الأجسام كما هي عقيدة النصارى إلى اليوم، فأنام الله الفتية وبعثهم وأعثر عليهم هؤلاء القوم المختلفين فاتضح لهم أن الله قادر على بعث الناس أحياء أجساماً وأرواحاً كما بعث أصحاب الكهف وهو معنى قوله تعالى: ﴿وكَذٰلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ﴾ أي أولئك المختلفون في شأن البعث أن وعد الله حق وهو ما وعد به الناس من أنه سيبعثهم بعد موتهم يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم.

﴿وأَنَّ ٱلسّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ وقوله تعالى: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أمْرَهُمْ﴾ أي أعثرناهم عليهم في وقت كان أهل البلد يتنازعون في شأن البعث والحياة الآخرة هل هي بالأجسام والأرواح أو بالأرواح دون الأجسام. فتبين لهم بهذه الحادثة أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح معاً. وقوله تعالى: ﴿فَقالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْياناً﴾ واتركوهم في الكهف أي سدوا عليهم باب الكهف واتركوهم فيه لأنهم بعد أن عثروا عليهم ماتوا ﴿رَّبُّهُمْ أعْلَمُ بِهِمْ﴾ وبحالهم.

وقوله تعالى: ﴿قالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلىٰ أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ أي قال الذين غلبوا على أمر الفتية لكون الملك كان مسلماً معهم ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ أي للصلاة فيه وفعلاً بنوة على مقربة من فم الغار بالكهف.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته.

٢- وحوب طلب الحلال في الطعام والشراب وغيرهما.

٣- الموت على الشرك والكفر مانع من الفلاح يوم القيامة أبداً.

٤- تقرير معتقد البعث والجزاء الذي ينكره أهل مكة.

٥- مصداق قول الرسول ﷺ «لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وقوله «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة» (في الصحيحين).

٦- مصداق قول الرسول ﷺ «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع» إذ قد بنى المسلمون على قبور الأولياء والصالحين المساجد. بعد القرون المفضلة حتى أصبح يندر وجود مسجد عتيق خال من قبر أو قبور.

18:22–26Page 296

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣

And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"

إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤

Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."

وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥

And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."

شرح الكلمات:

رجماً بالغيب: أي قذفاً بالظن غير يقين علم.

ما يعلمهم إلا قليل: أي من الناس.

فلا تمار فيهم: لا تجادل في عدتهم.

ولا تستفت فيهم منهم أحداً: أي من أهل الكتاب، الاستفتاء: الاستفهام والسؤال.

إلا أن يشاء الله: أي إلا أن تقول إن شاء الله.

لأقرب من هذا رشداً: هداية وأظهر دلالة على نبوتي من قصة أصحاب الكهف.

له غيب السماوات والأرض: أي علم غيب السماوات والأرض وهو ما غاب فيهما.

أبصر به وأسمع: أي أبصر بالله وأسمع به صيغة تعجب! والأصل ما أبصره وما أسمعه.

ما لهم من دونه من ولي: أي ليس لأهل السماوات والأرض من دون الله أي من ناصر.

ولا يشرك في حكمه أحداً: لأنه غني عما سواه ولا شريك له.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الكهف يخبر تعالى بأن الخائضين في شأن أصحاب الكهف سيقول بعضهم بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقول بعض آخر هم خمسة سادسهم كلبهم ﴿رَجْماً بِٱلْغَيْبِ﴾ أي قذفاً بالغيب من غير علم يقيني، ويقول بعضهم هم سبعة وثامنهم كلبهم، ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لأصحابه تلك الأقوال: ﴿رَّبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مّا يَعْلَمُهُمْ إلاَّ قَلِيلٌ﴾ أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس قال ابن عباس أنا من ذلك القليل فعدتهم سبعة وثامنهم كلبهم ولعله فهم ذلك من سياق الآية إذ ذكر تعالى أن الفريقين الأول والثاني قالوا ما قالوه من باب الرجم بالغيب لا من باب العلم والمعرفة، وسكت عن الفريق الثالث، فدل ذلك على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم والله أعلم. وقوله تعالى ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلاَّ مِرَآءً ظاهِراً﴾ أي ولا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً بيناً ليناً بذكرك ما قصصنا عليك دون تكذيب لهم، ولا موافقة لهم. وقوله تعالى ﴿ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ أي في أصحاب الكهف ﴿مِّنْهُمْ﴾ أي من أهل الكتاب ﴿أحَداً﴾ وذلك لأنهم يعلمون عدتهم وإنما يقولون بالخرص والتخمين لا بالعلم واليقين. وقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشاْىءٍ إنِّي فاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إلاَّ أن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ أي لا تقل يا محمد في شأن تريد فعله مستقبلاً أي سأفعل كذا إلا أن تقول إن شاء الله، وذلك أنه ﷺ لما سأله وفد قريش بإيعاز من اليهود عن المسائل الثلاث: الروح، وأصحاب الكهف وذي القرنين، قال لسائليه: أجيبكم غداً انتظاراً للوحي ولم يقل إن شاء الله، فأدبه ربه تعالى بانقطاع الوحي عنه نصف شهر، وأنزل هذه السورة وفيها هذا التأديب له صلى الله عليه وقوله: ﴿وٱذْكُر رَّبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ أي إذا نسيت الاستثناء الذي علمناك فاذكره ولو بعد حين لتخرج من الحرج.

أما الكفارة فلازمة إلا أن يكون الاستثناء متصلاً بالكلام وقوله تعالى: ﴿وقُلْ عَسىٰ أن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِن هَٰذا رَشَداً﴾ أي وقل بعد النسيان والاستثناء المطلوب منك ﴿عَسىٰ أن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِن هَٰذا رَشَداً﴾ أي لعل الله تعالى أن يهديني فيسددني لأَسَدَّ ما وعدتكم أن أخبركم به مما هو أظهر دلالة على نبوتي مما سألتموني عنه اختباراً لي. وقوله تعالى ﴿ولَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وٱزْدادُواْ تِسْعاً﴾ يخبر تعالى أن الفتية لبثوا في كهفهم رقوداً من ساعة دخلوه إلى أن أعثر الله عليهم قومهم ثلاثمائة سنين بالحساب الشمسي وزيادة تسع سنين بالحساب القمري.

وقوله: ﴿قُلِ ٱللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُواْ﴾ رد به على من قال من أهل الكتاب إن الثلاثمائة والتسع سنين هي من ساعة دخولهم الكهف إلى عهد النبي ﷺ فأبطل الله هذا بتقرير الثلثمائة والتسع أولاً وبقوله ﴿ٱللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُواْ﴾ ثانياً وبقوله: ﴿لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ أي ما غاب فيهما، ثالثاً، وبقوله: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأَسْمِعْ﴾ أي ما أبصره بخلفه وما أسمعه لأقوالهم حيث لا يخفى عليه شيء من أمورهم وأحوالهم خامساً، وقوله ﴿ما لَهُم﴾ أي لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ ولا ناصر ﴿ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أحَداً﴾ لغناه عما سواه ولعدم وجود شريك له بحال من الأحوال.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان اختلاف أهل الكتاب وعدم ضبطهم للأحداث التاريخية.

٢- بيان عدد فتية أصحاب الكهف وأنهم سبعة وثامنهم كلبهم.

٣- من الأدب مع الله تعالى أن لا يقول العبد سأفعل كذا مستقبلاً إلا قال بعدها إن شاء الله.

٤- من الأدب من نسي الاستثناء أن يستثني ولو بعد حين فإن حلف لا ينفعه الاستثناء إلا إذا كان متصلاً بكلامه.

٥- تقرير المدة التي لبثها الفتية في كهفهم وهي ثلاث مائة وتسع سنين بالحساب القمري.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском