Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:60–101
18:60–69Page 300
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠
And [mention] when Moses said to his boy [i.e., servant], "I will not cease [traveling] until I reach the junction of the two seas or continue for a long period."
فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١
But when they reached the junction between them, they forgot their fish, and it took its course into the sea, slipping away.
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢
So when they had passed beyond it, [Moses] said to his boy, "Bring us our morning meal. We have certainly suffered in this, our journey, [much] fatigue."
قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣
He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤
[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.
فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥
And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦
Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧
He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨
And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"
قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩
[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."
شرح الكلمات:
وإذ قال موسى لفتاه: أي أذكر إذ قال موسى بن عمران نبي بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف عليه السلام.
مجمع البحرين: أي حيث ألتقى البحران بحر فارس وبحر الروم.
حقبا: الحقب الزمن وهو ثمانون سنة والجمع أحقاب.
سبيله في البحر سرباً: أي طريقه في البحر سرباً أي طريقاً كالنفق.
فلما جاوزا: أي المكان الذي فيه الصخرة ومنه اتخذ الحوت طريقه في البحر سرباً.
في البحر عجباً: أي عجباً لموسى حيث تعجب من إحياء الحوت واتخاذه في البحر طريقاً كالنفق في الجبل.
قصصاً: أي يتتبعان آثار أقدامهما.
عبداً من عبادنا: هو الخضر عليه السلام.
مما علمت رشداً: أي ما هو رشاد إلى الحق ودليل على الهدى.
ما لم تحط به خبراً: أي علماً.
ولا أعصي لك أمراً: أي انتهى إلى ما تأمرني به وإن لم يكن موافقاً هواي.
معنى الآيات:
هذه قصة موسى مع الخضر عليهما السلام وهي تقرر نبوة محمد ﷺ وتؤكدها. إذ مثل هذا القصص الحق لا يتأتى لأحد أن يقصه ما لم يتلقه وحياً من الله عزوجل. قال تعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسىٰ﴾ أي أذكر يا رسولنا تدليلاً على توحيدنا ولقائنا ونبوتك. إذ قال موسى بن عمران نبينا إلى بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون ﴿لاۤ أبْرَحُ﴾ أي سائراً ﴿حَتّىٰ أبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ﴾ حيث أرشدني ربي إلى لقاء عبدٍ هناك من عباده هو أكثر مني علماً حتى أتعلم منه علماً ازيده على علمي، ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُباً﴾ أي أواصل سيري زمناً طويلاً حتى أظفر بهذا العبد الصالح لأتعلم عنه. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أي بين البحرين وهما بحر الروم وبحر فارس عند باب المندب حيث التقى البحر الأحمر والبحر الهندي. أو البحر الأبيض والأطلنطي عند طنجة والله أعلم بأيها أراد. وقوله ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أي نسي الفتى الحوت، إذ هو الذي كان يحمله، ولكن نسب النسيان إليهما جرياً على المتعارف من لغة العرب، وهذا الحوت قد جعله الله تعالى علامة لموسى على وجود الخضر حيث يفقد الحوت، إذ القصة كما في البخاري تبتدئ بأن موسى خطب يوماً في بنى إسرائيل فأجاد وأفاد فأعجب به شاب من بني إسرائيل فقال له: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ فقال: لا. فأوحى إليه ربه فوراً بلى عبدنا خضر، فتاقت نفسه للقياه للتعلم عنه، فسأل ربه ذلك، فأرشده إلى مكان لقياه وهو مجمع البحرين، وجعل له الحوت علامة فأمره أن يأخذ طعامه حوتاً وأعلمه أنه إذا فقد الحوت فثم يوجد عبدالله خضر ومن هنا لما بلغا مجمع البحرين واستراحا فنام موسى والفتى شبه نائم وإذا بالحوت يخرج من المكتل (وعاء) ويشق طريقه إلى البحر فينجاب عنه البحر فيكون كالطاق أو النفق آية موسى.
ويغلب النوم على يوشع فينام فلما استراحا قاما مواصلين سيرهما ونسي الفتى وذهب من نفسه خروج الحوت من المكتل ودخوله في البحر لغلبة النوم فلما مشيا مسافة بعيدة وشعرا بالجوع وقد جاوزا المنطقة التي هي مجمع البحرين قال موسى للفتى ﴿آتِنا غَدَآءَنا﴾ وعلل ذلك بقوله: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَٰذا نَصَباً﴾ أي تعباً. هنا قال الفتى لموسى ما قصَّ الله تعالى: قال مجيباً لموسى ﴿أرَأَيْتَ﴾ أي أتذكر ﴿إذْ أوَيْنَآ إلى ٱلصَّخْرَةِ﴾ التي استراحا عندها ﴿فَإنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ﴾ وقال كالمعتذر، ﴿ومَآ أنْسانِيهُ إلاَّ ٱلشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ وٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي طريقه ﴿فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً﴾ أي حيي بعد موت ومشى حتى انتهى إلى البحر وانجاب له البحر فكان كالسرب فيه أي النفق فأجابه موسى بما قص تعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ وذلك لأن الله تعالى جعل لموسى فقدان الحوت علامة على مكان الخضر الذي يوجد فيه ﴿فَٱرْتَدّا﴾ أي رجعا ﴿عَلىٰ آثارِهِما قَصَصاً﴾ أي يتتبعان آثار أقدامهما ﴿فَوَجَدا﴾ خضراً كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِّنْ عِبادِنَآ﴾ وهو خضر ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنا﴾ أي نبوة ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَّدُنّا عِلْماً﴾ وهو علم غيب خاص به ﴿قالَ لَهُ مُوسىٰ﴾ مستعطفاً له ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلىٰ أن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ أي مما علمك الله رشداً أي رشاداً يَدُلّنِي على الحق وتحصل لي به هداية فأجابه خضر بما قال تعالى: ﴿قالَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ يريد أنه يرى منه أموراً لا يقره عليها وخضر لا بد يفعلها فيتضايق موسى لذلك ولا يطيق الصبر، وعلل له عدم استطاعته الصبر بقوله ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلىٰ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ أي علماً كاملاً. فأجابه موسى وقد صمم على الرحلة لطلب العلم مهما كلفه الثمن فقال ﴿سَتَجِدُنِيۤ إن شَآءَ ٱللَّهُ صابِراً ولا أعْصِي لَكَ أمْراً﴾ أي سأنتهي إلى ما تأمرني وإن لم يكن موافقاً لما أحب وأهوى.
هداية الآيات:
١- عتب الله تعالى على رسوله يا موسى عليه السلام عندما سئل هل هناك من هو أعلم منك فقال لا وكان المفروض أن يقول على الأقل الله أعلم. فعوقب لذلك فكلف هذه الرحلة الشاقة.
٢- استحباب الرفقة في السفر، وخدمة التلميذ للشيخ، إذ كان يوشع يخدم موسى بحمل الزاد.
٣- طروء النسيان على الانسان مهما كان صالحاً.
٤- مراجعة الصواب بعد الخطأ خير من التمادي على الخطأ ﴿فَٱرْتَدّا عَلىٰ آثارِهِما قَصَصاً﴾؟
٥- تجلي قدرة الله تعالى في إحياء الحوت بعد الموت، وانجياب الماء عليه حتى كان كالطاق فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً.
وبه استدل موسى أي بهذا العجب على مكان خضر فوجده هناك.
٦- استحباب طلب المزيد من العلم مهما كان المرء عالماً وهنا أورد الحديث التالي وهو خير من قنطار ذهباً لمن حفظه وعمل به وهو قول ابن عباس رضي الله عنه قال سأل موسى ربه: قال رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبيدك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، وللأثر بقية ذكره ابن جرير عند تفسير هذه الآيات.
18:70–74Page 301
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠
He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١
So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢
[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
شرح الكلمات:
ذكراً: أي بياناً وتفصيلاً لما خفي عليك.
لقد جئت شيئاً إمراً: أي فعلت شيئاً منكراً.
لا ترهقني: أي لا تغشني بما يعسر علي ولا أطيق حمله فتضيق علي صحبتي إياك.
نفساً زكية: أي طاهرة لم تتلوث روحها بالذنوب.
بغير نفس: أي بغير قصاص.
نكراً: الأمر الذي تنكره الشرائع والعقول من سائر المناكر! وهو المنكر الشديد النكارة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحوار الذي بين موسى عليه السلام والعالم الذي أراد أن يصحبه لطلب العلم منه وهو خضر. قوله تعالى: ﴿قالَ﴾ أي خضر ﴿فَإنِ ٱتَّبَعْتَنِي﴾ مصاحباً لي لطلب العلم ﴿فَلا تَسْأَلْني عَن شَيءٍ﴾ أفعله مما لا تعرف له وجهاً شرعياً ﴿حَتّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْراً﴾ أي حتى أكون أنا الذي يبين لك حقيقته وما جهلت منه. وقوله تعالى: ﴿فَٱنْطَلَقا﴾ أي بعد رضا موسى بطلب خضر انطلقا يسيران في الأرض فوصلا ميناء من المواني البحرية، فركبا سفينة كان خضر يعرف أصحابها فلم يأخذوا منهما أجر الإركاب فلما أقلعت السفينة، وتوغلت في البحر أخذ خضر فأساً فخرق السفينة، فجعل موسى يحشو بثوب له الخرق ويقول: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ على انهما حملانا بدون نَوْل ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً﴾ أي أتيت يا عالم منكراً فظيعاً فأجابه خضر بما قص تعالى: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ فأجاب موسى بما ذكر تعالى عنه: ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْراً﴾ أي لا تعاقبني بالنسيان فإن الناسي لا حرج عليه. وكانت هذه من موسى نسياناً حقاً ولا تغشني بما يعسر علي ولا أطيقه فاتضايق من صحبتي إياك.
قال تعالى: ﴿فَٱنْطَلَقا﴾ بعد نزولهما من البحر إلى البر فوجدا غلاماً جميلاً وسيماً يلعب مع الغلمان فأخذه خضر جانباً وأضجعه وذبحه فقال له موسى بما أخبر تعالى عنه: ﴿أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ زاكية طاهرة لم يذنب صاحبها ذنباً تتلوث به روحه ولم يقتل نفساً يستوجب بها القصاص ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ أي أتيت منكراً عظيماً بقتلك نفساً طاهرة ولم تذنب ولم تكن هذه نسياناً من موسى بل كان عمداً أنه لم يطق فعل منكر كهذا لم يعرف له وجهاً ولا سبباً.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- جواز الاشتراط في الصحبة وطلب العلم وغيرهما للمصلحة الراجحة.
٢- جواز ركوب السفن في البحر.
٣- مشروعية إنكار المنكر على من علم أنه منكر.
٤- رفع الحرج عن الناس.
٥- مشروعية القصاص وهو النفس بالنفس.
18:75–78Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧
So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨
[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.
شرح الكلمات:
قال ألم أقل لك: أي قال خَصِرْ لموسى عليهما السلام.
بعدها: أي بعد هذه المرة.
فلا تصاحبني: أي لا تتركني أتبعك.
من لدني عذراً: أي من قبلي «جهتي» عذراً في عدم مصاحبتي لك.
أهل قرية: مدينة أنطاكية.
استطعما أهلها: أي طلبا منهم الطعام الواجب للضيف.
يريد أن ينقض: أي قارب السقوط لميلانه.
فأقامه: أي الخضر بمعنى أصلحه حتى لا يسقط.
أجراً: أي جعلا على إقامته وإصلاحه.
هذا فراق بيني وبينك: أي قولك هذا ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً﴾ هو نهاية الصحبة وبداية المفارقة.
بتأويل: أي تفسير ما كنت تنكره على حسب علمك.
معنى الآيات:
ما زال السياق في محاورة الخضر مع موسى عليهما السلام، فقد تقدم إنكار موسى على الخضر قتله الغلام بغير نفس، ولا جرم إرتكبه، وبالغ موسى في إنكاره إلى أن قال: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ [الكهف: ٧٤] فأجابه خَضِرْ بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿ألَمْ أقُلْ لَّكَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ لما سألتني الصحبة للتعليم، فأجاب موسى بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿قالَ إن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أي بعد هذه المرة ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ أي اترك صحبتي فإنك ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي﴾ أي من جهتي وقبلي عذراً في تركك إياي.
قال تعالى: ﴿فَٱنطَلَقا﴾ في سفرهما ﴿حَتّىٰ إذَآ أتَيَآ أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ «أي مدينة» قيل إنها انطاكية ووصلاها في الليل والجو بارد فاستطعما أهلها أي طلبا منهم طعام الضيف الواجب له ﴿فَأَبَوْاْ أن يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها﴾ أي في القرية ﴿جِداراً يُرِيدُ أن يَنقَضَّ﴾ أي يسقط فأقامة الخضر وأصلحه فقال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً﴾ أي جعل مقابل إصلاحه، لا سيما أن أهل هذه القرية لم يعطونا حقنا من الضيافة. وهنا قال الخضر لموسى: ﴿هَٰذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ لانك تعهدت إنك إذا سألتني بعد حادثة قتل الغلام عن شيء أن لا تطلب صحبتي وها أنت قد سألتني، فهذا وقت فراقك إذاً ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ أي أخبرك ﴿بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الوفاء بما التزم به الإنسان لآخر.
٢- وجوب الضيافة لمن استحقها.
٣- جواز التبرع بأي خير أو عمل إبتغاء وجه الله تعالى.
18:79–82Page 302
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩
As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.
وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠
And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.
فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١
So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.
وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢
And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."
شرح الكلمات:
المساكين: جمع مسكين وهو الضعيف العاجز عن الكسب.
يعملون في البحر: أي يؤجرون سفينتهم للركاب.
أعيبها: أي أجعلها معيبة حتى لا يرغب فيها.
غصباً: أي قهراً.
أن يرهقهما طغياناً وكفراً: أي يغشاهما: ظلماً وجحوداً.
وأقرب رحما: أي رحمة إذ الرحم والرحمة بمعنى واحد.
وما فعلته عن أمري: أي عن اختيار مني بل بأمر ربي جل جلاله وعظم سلطانه.
معنى الآيات:
هذا آخر حديث موسى والخضر عليهما السلام، فقد واعد الخضر موسى عندما أعلن له عن فراقه أن يبين له تأويل مالم يستطع عليه صبراً، وهذا بيانه قال تعالى «حكاية عن الخضر» ﴿أمّا ٱلسَّفِينَةُ﴾ التي خرقتُها وأنكرتَ عليَّ ذلك ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ﴾ يؤجرون سفينتهم بما يحصل لهم بعض القوت ﴿فَأَرَدتُّ أنْ أعِيبَها﴾ لا لأغرق أهلها، ﴿وكانَ ورَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ ظالم ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة ﴿غَصْباً﴾ أي قهراً وإنما أردت أن أبقيها لهم إذ الملك المذكور لا يأخذ إلا السفن الصالحة ﴿وأما الغلام﴾ الذي قتلتُ وأنكرتَ عليَّ قتله ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ﴾ إن كبر ﴿أن يُرْهِقَهُما﴾ أي يُغشيهما ﴿طُغْياناً وكُفْراً فَأَرَدْنَآ أن يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِّنْهُ زَكاةً﴾ أي طهراً وصلاحاً ﴿وأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي رحمة وبراً بهما فلذا قتلته، ﴿وأَمّا ٱلْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُما وكانَ أبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أن يَبْلُغَآ أشُدَّهُما﴾ أي سن الرشد ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ أي كان ذلك رحمة ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أي عن إرادتي وإختياري بل كان بأمر ربي وتعليمه. ﴿ذَلِكَ﴾ أي هذا ﴿تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ضروب من خفي ألطاف الله تعال فعلى المؤمن أن يرضى بقضاء الله تعالى وإن كان ظاهره ضاراً.
٢- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه بما ظاهره عذاب ولكن في باطنه رحمة.
٣- مراعاة صلاح الأباء في إصلاح حال الأبناء.
٤- كل ما أتاه الخضر كان بوحي إلهي وليس هو مما يدعيه جُهال الناس ويسمونه بالعلم الَّلدنِّي وأضافوه إلى من يسمونهم الأولياء، وقد يسمونه كشفاً، ويؤكد بطلان هذا أن النبي ﷺ قال: إن الخضر قال لموسى: أنا على علم مما علمني ربي وأنت على علم مما علمك الله وإن علمي وعلمك إلى علم الله إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من البحر.
18:83–93Page 302
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣
And they ask you, [O Muḥammad], about Dhul-Qarnayn. Say, "I will recite to you about him a report."
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤
Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].
فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٥
So he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا ٨٦
Until, when he reached the setting of the sun [i.e., the west], he found it [as if] setting in a body of dark water,1 and he found near it a people. We [i.e., Allāh] said, "O Dhul-Qarnayn, either you punish [them] or else adopt among them [a way of] goodness."
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨٧
He said, "As for one who wrongs,1 we will punish him. Then he will be returned to his Lord, and He will punish him with a terrible punishment [i.e., Hellfire].
وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ٨٨
But as for one who believes and does righteousness, he will have a reward of the best [i.e., Paradise], and we [i.e., Dhul-Qarnayn] will speak to him from our command with ease."
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٩
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا ٩٠
Until, when he came to the rising of the sun [i.e., the east], he found it rising on a people for whom We had not made against it any shield.
كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا ٩١
Thus.1 And We had encompassed [all] that he had in knowledge.
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٩٢
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣
Until, when he reached [a pass] between two mountains, he found beside them a people who could hardly understand [his] speech.
شرح الكلمات:
ويسألونك: أي كفار قريش بتعليم يهود لهم.
ذي القرنين: الإسكندر باني الإسكندرية المصرية الحميري أحد الملوك التبابعة وكان عبداً صالحاً.
سأتلوا عليكم منه ذكراً: سأقص عليكم من حاله خيراً يحمل موعظة وعلماً.
مكنا له في الأرض: بالحكم والتصرف في ممالكها.
من كل شيء سببا: أي يحتاج إليه سبباً موصلاً إلى مراده.
فأتبع سببا: أي فأتبع السبب سبباً آخر حتى انتهى إلى مراده.
تغرب في عين حمئة: ذات حماة وهي الطين الأسود وغروبها إنما هو نظر العين وإلا فالشمس في السماء والبحر في الأرض.
قوماً: أي كافرين.
عذاباً نكرا: أي عظيماً فظيعا.
يسرا: أي ليناً من القول سَهْلاً من العمل.
قوم لم نجعل لهم من دونها سترا: القوم هم الزِّنْج ولم يكن لهم يومئذ ثياب يلبسونها ولا منازل يسكنونها وإنما لهم أسراب في الأرض يدخلون فيها.
كذلك: أي الأمر كما قلنا لك ووصفنا.
بين السدين: السدان جبلان شمال شرق بلاد الترك سد ذو القرنين ما بينهما فقيل فيهما سدان.
قوماً لا يكادون يفقهون قولا: لا يفهمون كلام من يخاطبهم إلا بشدة وبطء وهم يأجوج ومأجوج.
معنى الآيات:
هذه قصة العبد الصالح ذي القرنين الحمْيَري التُّبعي على الراجح من أقوال العلماء، وهو الأسكندر باني الأسكندرية المصرية، ولأمر ما لقَّب بذي القرنين، وكان قد تضمن سؤال قريش النبي ﷺ بإيعاذ من يهود المدينة ذا القرنين إذ قالوا لقريش سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فإن أجابكم عنها فإنه نبي، وإلا فهو غير نبي فَرَوْا رأيكم فيه فكان الجواب عن الروح في سورة الإسراء وعن الفتية وذي القرنين في سورة الكهف هذه وقد تقدم الحديث التفصيلي عن أصحاب الكهف في أول السورة وهذا بدء الحديث المتضمن للإجابة عن الملك ذي القرنين عليه السلام قال تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ﴾ يا نبينا ﴿عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ﴾ للسائلين من مشركي قريش ﴿سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ أي سأقرأ عليكم من أمره وشأنه العظيم ذكراً خبراً يحمل الموعظة والعلم والمعرفة: وقوله تعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ هذه بداية الحديث عنه فأخبر تعالى أنه مكن له في الأرض بالملك والسلطان، وأعطاه من كل شيء يحتاج إليه في فتحه الأرض ونشر العدل والخير فيها سبباً يوصله إلى ذلك، وقوله ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ حسب سنة الله في تكامل الأشياء فمن صنع إبرة وتابع الأسباب التي توصل بها إلى صنع الإبرة فإنه يصنع المسلة، وهكذا تابعه بين أسباب الغزو والفتح والسير في الأرض ﴿حَتّىٰ إذا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وهي على ساحل المحيط الأطلنطي، وكونها تغرب فيها هو بحسب رأي العين، وإلا فالشمس في السماء والعين الحمئة والمحيط إلى جنبها في الأرض وقوله تعالى: ﴿ووَجَدَ عِندَها﴾ أي عند تلك العين في ذلك الإقليم المغربي ﴿قَوْماً﴾ أي كافرين غير مسلمين فأذن الله تعالى له في التحكم والتصرف فيهم إذ يسر له أسباب الغلبة عليهم وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْنا يٰذا ٱلْقَرْنَيْنِ﴾ وقد يكون نبياً ويكون قوله الله تعالى هذا له وحياً وهو ﴿إمَّآ أن تُعَذِّبَ﴾ بالأسر والقتل، ﴿وإمَّآ أن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ وهذا بعد حربهم والتغلب عليهم فأجاب ذو القرنين ربه بما أخبر تعالى به: ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أي بالشرك والكفر ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بالقتل والأسر، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلىٰ رَبِّهِ﴾ بعد موته ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُّكْراً﴾ أي فظيعاً أليماً.
﴿وأَمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً﴾ أي أسلم وحسن إسلامه ﴿فَلَهُ جَزَآءً﴾ على إيمانه وصالح أعماله ﴿ٱلْحُسْنىٰ﴾ أي الجنة في الآخرة ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْراً﴾ فلا نغلظ له في القول ولا نكلفه ما يشق عليه ويرهقه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَباً﴾ أي ما تحصل عليه من القوة فتح المغرب استخدمه في مواصلة الغزو والفتح في المشرق ﴿حَتّىٰ إذا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلىٰ قَوْمٍ﴾ بدائيين لم تساعدهم الأرض التي يعشيون عليها على التحضر فلذا هم لا يبنون الدور ولا يلبسون الثياب، ولكن يسكنون الكهوف والمغارات والسراديب وهو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِها﴾ أي الشمس ﴿سِتْراً﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي القول الذي قلنا والوصف الذي وصفنا لك من حال ذي القرنين ﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ من قوة وأسباب مادية وروحية ﴿خُبْراً﴾ أي علماً كاملا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ﴾ أي ذو القرنين ﴿سَبَباً﴾ أي واصل طريقه في الغزو والفتح ﴿حَتّىٰ إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهما جبلان بأقصى الشمال الشرقي للأرض بنى ذو القرنين بينهما سداً عظيما حال به دون غزو يأجوج ومأجوج للإقليم المجاور لهم، وهم القوم الذين قال تعالى عنهم ﴿وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْماً لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ فلا يفهمون ما يقال لهم ويخاطبون به إلا بشدة وبطء كبير.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة النبي محمد ﷺ إذ هذا جواب آخر أسئلة قريش الثلاثة. قرأه عليهم قرآنا موحى به إليه.
٢- إتباع السبب السبب ويصل به ذو الرأي والإرادة إلى تحقيق ما هو كالمعجزات.
٣- قول: ذو القرنين: ﴿أمّا مَن ظَلَمَ..... الخ﴾ يجب أن يكون مادة دستورية يحكم به الأفراد والجماعات لصدقها وإجابيتها وموافقتها لحكم الله تعالى ورضاه، ومن الأسف أن يعكس هذا القول السديد والحكم الرشيد فيصبح أهل الظلم مكرمين لدى الحكومات، وأهل الإيمان والإستقامة مهانين!!
٤- بيان وجود أمم بدائية إلى عهد ما بعد ذي القرنين لا يلبسون ثياباً ولا يسكنون سوى الكهوف والمغارات ويوجد في البلاد الكيئية إلى الآن قبائل لا يرتدون الثياب، وإنما يضعون على فروجهم خيوط وسيور لا غير.
٥- تقرير أن هذا الملك الصالح قد ملك الأرض فهو أحد أربعة حكموا الناس شرقاً وغرباً.
18:94–101Page 303
قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤
They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥
He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.
ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦
Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."
فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧
So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.
قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨
[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
شرح الكلمات:
يأجوج ومأجوج: قبيلتان من أولاد يافث بن نوح عليه السلام والله أعلم.
نجعل لك خرجاً: أي جعلاً مقابل العمل.
سداً: السد بالفتح والضم الحاجز المانع بين شيئين.
ردْماً: حاجزاً حصيناً وهو السد.
زبر الحديد: جمع زبرة قطعة من حديد على قدر الحجرة التي يبنى بها.
بين الصدفين: أي صدف الجبلين أي جانبهما.
قطرا: القطر النحاس المذاب.
فما اسطاعوا أن يظهروه: أي عجزوا عن الظهور فوقه لعلوه وملاسته.
نقبا: أي فتح ثغرة تحت تحته ليخرجوا معها.
جعله دكا: أي تراباً مساوياً للأرض.
وتركنا بعضهم: أي يأجوج ومأجوج أي يذهبون ويجيئون في اضطراب كموج البحر.
أعينهم في غطاء عن ذكري: أي عن القرآن لا يفتحون أعينهم فيما تقرأه عليهم بغضا له أو أعين قلوبهم وهي البصائر فهي في أكنة لا تبصر الحق ولا تعرفه.
لا يستطيعون سمعاً: لبغضهم للحق والداعي إليه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في حديث ذي القرنين إذْ شكا إليه سكان المنطقة الشمالية الشرقية من الأرض، بما أخبر تعالى به عنهم إذ قال: ﴿قالُواْ يٰذا ٱلْقَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي بالقتل والأكل والتدمير والتخريب، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ أي أجراً ﴿عَلىٰ أن تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي حاجزاً قوياً لا يصلون معه إلينا. فأجابهم ذو القرنين بما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ من المال القوة والسلطان ﴿خَيْرٌ﴾ أي من جعلكم وخرجكم ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ أي أي سداً قوياً وحاجزاً مانعاً ﴿آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ﴾ أي قطع الحديد كل قطعة كالَّلبِنَة المضروبة، فجاءوا به إليه فأخذ يضع الحجارة وزبر الحديد ويبْني حتى ارتفع البناء فساوى بين الصدفين جانبي الجبلين، وقال لهم ﴿ٱنفُخُواْ﴾ أي النار على الحديد ﴿حَتّىٰ إذا جَعَلَهُ ناراً﴾ قال آتوني بالنحاس المذاب أفرغ عليه قطرا فأتوه به فأفرغ عليه من القطر ما جعله كأنه صفيحة واحدة من نحاس ﴿فَما ٱسْطاعُوۤاْ﴾ أي يأجوج ومأجوج ﴿أن يَظْهَرُوهُ﴾ أي يعلوا فوقه، ﴿وما ٱسْتَطاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ أي خرقا فلما نظر إليه وهو جبل شامخ وحصن حصين قال هذا من رحمة ربي أي من أثر رحمة ربي عليَّ وعلى الناس وأردف قائلاً ﴿فَإذا جَآءَ وعْدُ رَبِّي﴾ وهو خروج يأجوج ومأجوج عند قرب الساعة ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي تراباً مساويا للأرض، ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ وهذا مما وعد به وأنه كائن لا محالة قال تعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي مختلطين مضطربين إنسهم وجنهم ﴿ونُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ نفخة البعث ﴿فَجَمَعْناهُمْ﴾ للحساب والجزاء ﴿جَمْعاً وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ حقيقياً يشاهدونها فيه من قرب، ثم ذكر ذنب الكافرين وعلة عرضهم على النار فقال: وقوله الحق: ﴿ٱلَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ أي أعين قلوبهم وهي البصائر فلذا هم لا ينظرون في آيات الله الكونية فيستدلون بها على وجود الله ووجوب عبادته وتوحيده فيها، ولا في آيات الله القرآنية فيهتدون بها إلى أنه لا إله إلا الله ويعبدونه بما تضمنته الآيات القرآنية، ﴿وكانُواْ لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ للحق ولما يدعوا إليه رسل الله من الهدى والمعروف.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية الجعالة للقيام بالمهام من الأعمال.
٢- فضيلة التبرع بالجهد الذاتي والعقلي.
٣- مشروعية التعاون على ما هو خير، أو دفع للشر.
٤- تقرير وجود أمة يأجوج ومأجوج وأن خروجهم من أشراط الساعة.
٥- تقرير البعث والجزاء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences