Al-Jaza'iriAl‑Baqarah · 2:272–286

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:272–286

2:272–274Page 46

۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢

Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤

Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

شرح الكلمات

هداهم: هدايتهم إلى الإيمان وصالح الأعمال.

من خير: من مال.

فأنفسكم: صوابه العاجل بالبركة وحسن الذكر والآجل يوم القيامة عائد على أنفسكم.

يوف إليكم: يرد أجره كاملا لا ينقص منه شيء.

احصروا: حبسوا ومنعوا من التصرف لأنهم هاجروا من بلادهم.

ضربا في الأرض: أي سيراً فيها لطلب الرزق بالتجارة وغيرها لحصار العدو لهم.

بسيماهم: علامات حاجتهم من رثاثة الثياب وصفرة الوجه.

من التعفف: ترك سؤال الناس، والكف عنه.

إلحافا: إلحاحا وهو ملازمة السائل من يسأله حتى يعطيه.

معنى الآيات:

لما أمر تعالى بالصدقات ورغب فيها وسألها غير المؤمنين من الكفار واليهود فتحرج الرسول والمؤمنون من التصدق على الكافرين فأذهب الله تعالى عنهم هذا الحرج وأذن لهم بالتصدق على غير المؤمنين والمراد من الصدقة صدقة التطوع لا الواجبة وهي الزكاة فقال تعالى مخاطبا رسوله وأمته تابعة له: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لم يوكل إليك أمر هدايتهم لعجزك عن ذلك وإنما الموكل إليك بيان الطريق لا غير وقد فعلت فلا عليك أن لا يهتدوا، ولو شاء الله هدايتهم لهداهم، وما تنفقوا من مال تثابوا عليه، سواء كان على مؤمن أو كافر إذا أردتم به وجه الله وابتغاء مرضاته، وأكّد تعالى هذا الوعد الكريم بقوله: ﴿وما تُنْفِقُواْ مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ والحال أنكم لا تظلمون بنقص ما أنفقتم ولو كان النقص قليلا. كان هذا معنى الآية الأولى [٢٧٢] أما الآية الثانية وهي: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...﴾ فقد بين تعالى فيها أفضل جهة ينفق فيها المال ويتصدق به عليها وهي فقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وأحصروا في المدينة بجوار رسول الله ﷺ لا يستطيعون ضرباً في الأرض للتجارة ولا للعمل، ووصفهم تعالى بصفات يعرفهم بها رسوله والمؤمنون ولولا تلك الصفات لحسبهم لعفتهم وشرف نفوسهم الجاهلُ بهم أغنياء غَيْرَ محتاجين فقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجاهِلُ أغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيماهُمْ﴾ لا يسألون الناس مجرد سؤال فضلا عن أن يُلِحُّوا ويُلْحِفُوا. ثم في نهاية الآية أعاد تعالى وعده الكريم بالمجازاة على ما يُنْفَقْ في سبيله فقال: ﴿وما تُنفِقُواْ مِن خَيْرٍ فَإنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ولازمة أن يثيبكم عليه أحسن ثواب فأبشروا واطمئنوا.

وأما الآية الثالثة [٢٧٤] فهي آخر آيات الدعوة إلى الإنفاق جاءت تحمل أعظم بشر للمنفقين في كل أحوالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية بأن أجر نفقاتهم مدخر لهم عند ربهم يتسلمونه يوم يلقونه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والبرزخ والآخرة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- جواز التصدق على الكافر المحتاج بصدقة لا الزكاة فإنا حق المؤمنين.

٢- ثواب الصدقة عائد على المتصدق لا على المتصدق عليه فلذا لا يضر إن كان كافراً.

٣- وجوب الإخلاص في الصدقة أي يجب أن يراد بها وجه الله تعالى لا غير.

٤- تفاضل أجر الصدقة بحسب فضل وحاجة المتصدق عليه.

٥- فضيلة التعفف وهو ترك السؤال مع الاحتياج، وذم الإلحاح في الطلب من غير الله تعالى أما الله عز وجل فإنه يحب الملحين في دعائه.

٦- جواز التصدق بالليل والنهار وفي السر والعلن إذ الكل يثيب الله تعالى عليه ما دام قد أريد به وجهه لا وجه سواه.

٧- بشرى الله تعالى للمؤمنين المنفقين بادخار أجرهم عنده تعالى ونفي الخوف والحزن عنهم مطلقا.

2:275–277Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

شرح الكلمات:

يأكلون الربا: يأخذونه ويتصرفون فيه بالأكل في بطونهم، وبغير الأكل والربا هنا ربا النسيئة وحقيقته أن يكون لك على المرء دين فإذا حل أجله ولم يقدر على تسديده تقول له: أخر وزد فتؤخره أجلا وتزيد في رأس المال قدراً معيناً، هذا هو ربا الجاهلية والعمل به اليوم في البنوك الربوية فيسلفون المرء مبلغاً الى أجل ويزيدون قدراً آخر نحو العشر أو أكثر أو أقل والربا حرام بالكتاب والسنة والإجماع وسواء كان ربا فضل أو ربا نسيئة.

لا يقومون: من قبورهم يوم القيامة.

يتخبطه الشيطان: يضربه الشيطان ضرباً غير منتظم.

من المس: المس الجنون، يقال: بفلان مسّ من جنون.

موعظة: أمر أو نهي بترك الربا.

فله ما سلف: ليس عليه أن يراد الأموال التي سبقت توبته.

يمحق الله الربا: أي يذهبه شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منه شيء كمحاق القمر آخر الشهر.

ويربي الصدقات: يبارك في المال الذي أخرجت منه، ويزيد فيه، ويضاعف أجرها أضعافاً كثيرة.

كفار أثيم: الكفار: شديد الكفر، يكفر بكل حق وعدل وخير، أثيم: منغمس في الذنوب لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا ارتكابها.

معنى الآيتين:

لما حث الله على الصدقات وواعد عليها بعظيم الأجر ومضاعفة الثواب ذكر المرابين الذين يضاعفون مكاسبهم المالية بالربا وهم بذلك يسدُّون طرق البر، ويصدون عن سبيل المعروف فبدل أن ينموا أموالهم بالصدقات نموها بالربويات، فذكر تعالى حالهم عند القيام من قبورهم وهم يقومون، ويقعدون، ويغفون ويُصرعون، حالهم حال من يصرع في الدنيا بمس الجنون، علامة يعرفون بها يوم القيامة كما يعرفون بانتفاخ بطونهم وكأنها خيمة مضروبة بين أيديهم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لا يَقُومُونَ إلاَّ كَما يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطانُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾، وذكر تعالى سبب هذه النقمة عليهم فقال ﴿ذَلِكَ﴾ أي أصابهم ذلك الخزي والعذاب بأنهم ردّوا علينا حكمنا بتحريم الربا وقالوا إنما البيع مثل الربا، إذ الربا الزيادة في نهاية الأجل، والبيع في أوله، ورد تعالى عليهم فقال: ﴿وأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ﴾ فما دام قد حرم الربا فلا معنى للاعتراض، ونسوا أن الزيادة في البيع هي في قيمة سلعة تغلوا وترخص، وهي جارية على قانون الإذن في التجارة، وأما الزيادة في آخر البيع فهي زيادة في الوقت فقط. ثم قال تعالى مبيّناً لعباده سبيل النجاة محذراً من طريق الهلاك: ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ﴾ وهي تحريمه تعالى للربا ونهيه عنه فانتهى عنه فله ما سلف قبل معرفته للتحريم، أو قبل توبته منه، وأمرُه بعد ذلك إلى الله إن شاء ثبته على التوبة فنجاه، وإن شاء خذله لسوء عمله، وفساد نيّته فأهلكه وأرداه وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ومَن عادَ فَأُوْلَٰئِكَ أصْحابُ ٱلنّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.

أخبر تعالى أنه بعدله يمحق الربا، وبفضله يربي الصدقات، وأنه لا يحب كل كفار لشرع الله وحدوده، أثيم بغشيانه الذنوب وارتكابه المعاصي. كان هذا معنى الآية الأولى [٢٧٥] أما الآية الثانية [٢٧٦] فهي وعد رباني صادق وبشرى إلهية سارة لكل من آمن وعمل صالحاً وأقام الصلاة على الوجه الذي تقام به وآتى الزكاة بأنْ له أجره وافٍ عند ربّه يتسلمه يوم الحاجة إليه في عرصات القيامة وأنه لا يخاف مما يستقبله في الحياة الدنيا والآخرة ولا يحزن أيضاً في الدنيا ولا في الآخرة.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- بيان عقوبة آكل الربا يوم القيامة لاستباحتهم الربا وأكلهم له وعدم التوبة منه.

٢- تحريم الربا وكل مال حرام لما جاء في الآية من الوعيد الشديد.

٣- صفة الحب لله تعالى وأنه تعالى يحب أولياءه وهم أهل الإيمان به وطاعته ويكره أعداءه وهم أهل الكفر به ومعاصيه من أكل الربا وغيره من كبائر الذنوب.

٤- حلية البيع إن تم على شروطه المبيّنة في كتب الفقه.

٥- من تاب من الربا تقبل توبته، ويحل له ما أفاده منه قبل التوبة بشرط سيأتي في الآيات بعد هذه.

٦- وعيد الله تعالى بمحق الربا ووعده بإرباء الصدقة.

٧- بشرى الله تعالى لأهل الإيمان والعمل الصالح مع إقامتهم للصلاة وإيتائهم الزكاة.

2:278–281Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

شرح الكلمات:

اتقوا الله: خافوا عقابه بطاعته بأن تجعلوا طاعته وقاية تقيكم غضبه وعقابه.

وذروا ما بقي من الربا: اتركوا ما بقي عندكم من المعاملات الربويّة.

فأذنوا بحرب: اعلموا بحرب من الله ورسوله واحملوا سلاحكم ولا ينفعكم سلاح فإنكم المهزومون الهالكون.

فلكم رؤوس أموالكم: بعد التوبة مالكم إلا رأس المال الذي عند المدين لكم فخذوه واتركوا زيادة الربا.

العسرة: الشدة والضائقة المالية.

فنظرة إلى ميسرة: أي انتظار للمدين إلى أن ييسر الله عليكم فيعطيكم رأس مالكم الذي أخذه منكم.

وأن تصدقوا: وأن تتصدقوا على المعسر بترك ما لكم عليه فذلك خير لكم.

معنى الآيات:

بمناسبة ذكر عقوبة آكلي الربا في الآيات السابقة نادى الله تعالى عباده المؤمنين آمراً إياهم بتقواه تعالى، وذلك بطاعته وترك معصيته، وبالتخلي عما بقي عند بعضهم من المعاملات الربويّة مذكراً إياهم بإيمانهم إذ من شأن المؤمن الاستجابة لنداء ربه وفعل ما يأمره به وترك ما ينهاه عنه فقال تعالى: ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وذَرُواْ ما بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، ثم هدد المتباطئين بقوله: فإن لم تفعلوا فاعلموا بحرب قاسية ضروس من الله ورسوله، ثم بيّن لهم طريق التوبة وسبيل الخلاص من محنة الربا وفتنته بقوله: وإن تبتم بترك الربا فلكم رؤوس أموالكم لا غير لا تظلمون بأخذ زيادة، ولا تظلمون بنقص من رأس مالكم. وإن وجد مدين لكم في حالة إعسار فالواجب انتظاره إلى ميسرته، وشيء آخر وهو خير لكم أن تتصدقوا بالتنازل عن ديونكم كلّها تطهيراً لأموالكم التي لامسها الربا وتزكية لأنفسكم من آثاره السيئة. ثم ذكر تعالى سائر عباده بيوم القيامة وما فيه من أهوال ومواقف صعبة حيث يتم الحساب الدقيق وتجزى فيه كل نفس مؤمنة أو كافرة بارة أو فاجرة ما كسبته من خير وشر وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم أو زيادة سيئاتهم فقال تعالى: ﴿وٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا التوجيه الذي حملته هذه الآية ذات الرقم [٢٨٠] آخر توجيه تلقته البشرية من ربها تعالى إذ هذه آخر ما نزل من السماء على رسول الله ﷺ.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجوب التوبة من الربا ومن كل المعاصي.

٢- المصر على المعاملات الربوية يجب على الحاكم أن يحاربه بالضرب على يديه حتى يترك الربا.

٣- من تاب من الربا لا يظلم بالأخذ من رأس ماله بل يعطاه وافيا كاملاً إلا أن يتصدق بالتنازل عن ديونه الربوية فذل خير له حالاً ومآلا.

٤- وجوب ذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح وترك الربا والمعاصي.

2:282Page 48

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.

شرح الكلمات:

تداينتم: داين بعضكم بعضا في شراء أو بيع أو سَلّم أو قرض.

إلى أجل مسمى: وقت محدد بالأيام أو الشهور أو الأعوام.

بالعدل: بلا زيادة ولا نقصان ولا غش أو احتيال بل بالحق والإنصاف.

ولا يأب: لا يمتنع الذي يحسن الكتابة أن يكتب.

وليملل الذي عليه الحق: لأن إملاءه اعتراف منه وإقرار بالذي عليه من الحق.

ولا يبخس منه شيئا: لا ينقص من الدين الذي عليه شيء ولو قل كفلس وليذكره كله.

سفيهاً أو ضعيفاً: السفيه: الذي لا يحسن التصرفات المالية، والضعيف: العاجز عن الإملاء كالأخرس، أو الشيخ الهرم.

وليّه: من يلي أمره ويتولى شؤونه لعجزه وقصوره.

من رجالكم: أي المسلمين الأحرار دون العبيد والكفار.

أن تضل إحداهما: تنسى أو تخطىء لقصر إدراكها.

ولا تسأموا: لا تضجروا أو تملّوا من الكتابة ولو كان الدين صغيراً مبلغه.

أقسط عند الله: أعدل في حكم الله وشرعه.

وأقوم للشهادة: أثبت لها وأكثر تقريراً لأن الكتابة لا تنسى والشهادة تنسى أو يموت الشاهد أو يغيب.

وأدنى أن لا ترتابوا: أقرب أن لا تشكوّا بخلاف الشهادة بدون كتابة.

تديرونها بينكم: أي تتعاطونها، البائع يعطي البضاعة والمشتري يعطي النقود فلا حاجة إلى كتابتها ولا حرج أو إثم يترتب عليها.

وأشهدوا إذا تبايعتم: إذا باع أحدٌ أحداً داراً أو بستاناً أو حيواناً يشهد على ذلك البيع.

ولا يضار كاتب ولا شهيد: بأن يكلف مالا يقدر عليه بأن يُدْعى ليشهد في مكان بعيد يشق عليه أو يطلب إليه أن يكتب زوراً أو يشهد به.

فسوق بكم: أي خروج عن طاعة ربكم لاحق بكم إثمه وعليكم تبعته يوم القيامة.

اتقوا الله: في أوامره فافعلوها، وفي نواهيه فاتركوها، وكما علمكم هذا يعلمكم كل ما تحتاجون فاحمدوه بألسنتكم واشكروه بأعمالكم، وسيجزيكم بها وهو بكل شيء عليم.

معنى الآية الكريمة:

لما حث تعالى على الصدقات، وحرم الربا، ودعا إلى العفو على المعسر، والتصدّق عليه بإسقاط الدين الأمر الذي قد يتبادر الى الذهن أنّ المال لا شأن له ولا قيمة في الحياة فجاءت هذه الآية، آية الدين الكريمة لتعطي للمال حقَّه، وترفع من شأنه فإنه قوام الحياة فقررت واجب الحفاظ عليه، وذلك بكتابة الديون، والإشهاد عليها بمن ترضى عدالتهم، وكون الشهود رجلين مسلمين حرّين، فإن انعدم رجل من الاثنين قامت إمرأتان مقامه، واستحث الله تعالى من يحسن الكتابة أن يكتب إذا كان في سعة من أمره، وحرم على الشهود إذا ما دُعوا لأداء الشهادة أن يتخَّلْوا عنها، وحرم على المتداينين أن لا يكتبوا ديونهم ولو كانت صغيرة قليلة فقال تعالى: ﴿ولا تَسْأَمُوۤاْ أن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أو كَبِيراً إلىٰ أجَلِهِ﴾ ورخص تعالى رحمةً منه في عدم كتابة التجارة الحاضرة التي يدفع فيها السلعة في المجلس، ويقبض الثمن فيه فقال: { إلاَّ أن تَكُونَ تِجَٰرَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ألاَّ تَكْتُبُوها.

. } وأمر بالإشهاد عل البيع فقال: ﴿وأَشْهِدُوۤاْ إذا تَبايَعْتُمْ..﴾ ونهى عن الإضرار بالكاتب، أو الشهيد، بأن يلزم الكاتب أن يكتب إذا كان في شغله، أو الشاهد بأن يطلب منه أن يشهد وهو كذلك في شغله، أو أن يُدْعى إلى مسافات بعيدة تشُقْ عليه إذ أمره تطوع، وفعل خير لا غير فليطلب كاتب وشاهد غيرهما إذا تعذر ذلك منهما لانشغالهما. وحذَّر من كتمان الشهادة أو الحيف والجَوْر في الكتابة، والإضرار بالكاتب والشهيد فقال: ﴿وإن تَفْعَلُواْ فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ..﴾ وأكَّد ذلك بأمره بتقواه فقال: ﴿وٱتَّقُواْ ٱللَّهَ..﴾ بامتثال أمره، ونهيه لتَكْمُلُوا وتسعدوا وكما علمكم هذا العلم النافع ما زال يعلمكم وهو بكل شيء عليم. هذا معنى الآية الكريمة: ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إذا تَدايَنتُم بِدَيْنٍ إلىٰ أجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ..﴾.

هداية الآية

من هداية الآية:

١- وجوب كتابة الديون سواءٌ كانت بيعاً، أو شراء، أو سلفاً، أو قرضاً هذا ما قرره ابن جرير، ورد القول بالإرشاد والندب.

٢- رعاية النعمة بشكرها لقوله تعالى للكاتب: كما علمه الله فليكتب إذ علمه الكتابة وحرم غيره منها.

٣- جواز النيابة في الإملاء لعجز عنه، وعدم قدرته عليه.

٤- وجوب العدل والإنصاف في كل شيء لا سيما في كتابة الديون المستحقة المؤجلة.

٥-وجوب الإشهاد على الكتابة لتأكّدها به، وعدم نسيان قدْر الدّين وأجله.

٦- شهود المال لا يَقِلُّون عن رجلين عدلين من الأحرار المسلمين لا غير، والمرأتان المسلمتان اللتان فرض شهادتهما تقومان مقام الرجل الواحد.

٧- الحرص على كتابة الديون والعزم على ذلك ولو كان الدين صغيراً تافهاً.

٨- الرخصة في عدم كتابة التجارة الحاضرة السلعة والثمن المدارة بين البائع والمشتري.

٩- وجوب الإشهاد على بيع العقارات والمزارع والمصانع مما هو ذو بال.

١٠- حرمة الإضرار بالكاتب والشهيد.

١١- تقوى الله تعالى تسبب العلم، وتُكْسِب المعرفة بإذن الله تعالى.

2:283–284Page 49

۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.

لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤

To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.

شرح الكلمات:

السفر: الخروج من الدار والبلد ظاهراً بعيداً بمسافة أربعة برد فأكثر.

ولم تجدوا كاتبا: من يكتب لكم، أو لم تجدوا أدوات الكتابة من دواة وقلم.

فرهان مقبوضة: فاعتاضوا عن الكتابة الرهن فليضع المدين رهناً لدى الدائن.

فإن أمن بعضكم بعضا: فلا حاجة الى الرهن.

فليؤد المؤتمن أمانته: أي فليعط الدين الذي أوتمن عليه حيث تعذَّرت الكتابة ولم يأخذ دائنه منه رهناً على دينه.

آثم قلبه: لأن الكتمان من عمل القلب فنسب الإثم إلى القلب.

وإن تبدوا: تظهروا.

معنى الآيتين:

لما أمر تعالى بالإشهاد والكتابة في البيوع والسَّلَم والقروض في الآيات السّابقة أمر هنا - عند تعذّر الكتابة لعدم وجود كاتب أو أدوات الكتابة وذلك في السفر - أمر بالاستعاضة عن الكتابة بالرهن وذلك بأن يضع المدين رهناً لدى دائنه عوضا عن الكتابة يستوثق به دينه هذا في حال عدم ائتمانه، والخوف منه، وأمّا إن أمن بعضهم بعضا فلا بأس بعدم الارتهان فقال تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ عَلىٰ سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُواْ كاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ..﴾ والرهان جمع رهن. وقال ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ (فلم تأخذوا رهاناً) ﴿فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ﴾ في ذلك. ثم نهى تعالى نهياً جازماً الشهودّ عن كِتْمان شهادتهم فقال: ﴿ولا تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ..﴾ وبينّ تعالى عِظَم هذا الذنب فقال: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ...﴾ وأَعلم أنه عليم بما يعملونه فيجازيهم بعلمه، وهو تهديد ووعيد منه سبحانه وتعالى لكاتمي الشهادة والقائلين بالزور فيها. هذا معنى الآية الأولى [٢٨٣] أما الآية الثانية [٢٨٤] فإنه تعالى قد أخبر بأن له جميع ما في السماوات وجميع ما في الأرض خلَقْا ومِلْكا وتصرفاً، وبناءً على ذلك فإن من يبدي ما في نفسه من خير أو شر أو يخفه يحاسب به، ثم هو تعالى بعد الحساب يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان والتقوى، ويعذب من يشاء من أهل الشرك والمعاصي، له كامل التصرف، لأنّ الجميع خلقه وملكه وعبيده.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- جواز أخذ الرهن في السفر والحضر توثيقا من الدائن لدينه.

٢- جواز ترك أخذ الرهن إن حصل الأمن من سداد الدين وعدم الخوف منه.

٣- حرمة كتمان الشهادة والقول بالزور فيها وأن ذلك من أكبر الكبائر كما في الصحيح.

٤- محاسبة العبد بما يخفي في نفسه من الشك والشرك والنفاق وغير ذلك من بغض أولياء الله وحب لأعدائه، ومؤاخذته بذلك، والعفو عن الهمّ بالخطيئة والذنب دون الشك والشرك والحب والبغض من المؤمن الصادق الإيمان للحديث الصحيح الذي أخرجه الستة: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل».

2:285–286Page 49

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦

Allāh does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."1

شرح الكلمات:

آمن: صدق جازما بصحة الخبر ولم يتردد أو يشك فيه قط.

الرسول: نبينا محمد ﷺ.

كلّ: كل من الرسول والمؤمنين.

لا نفرق بين أحد من رسله: نؤمن بهم جميعاً ولا نكون كاليهود والنصارى نؤمن ببعض، ونكفر ببعض.

سمعنا: سَماعَ فهمٍ واستجابة وطاعة.

المصير: المرجع أي رجوعنا إليك يا ربنا فاغفر لنا.

لا يكلف الله نفسا: التكليف الإلزام مما فيه كلفة ومشقة تحتمل.

إلا وسعها: إلا ما تتسع لها طاقتها ويكون في قدرتها.

لها ما كسبت: من الخير.

وعليها ما اكتسبت: من الشر.

لا تؤاخذنا: لا تعاقبنا.

إن نسينا: فتركنا ما أمرتنا به أو فعلنا ما نهيتنا عنه نسياناً منا غير عمد.

أو أخطأنا: فعلنا غير ما أمرتنا خطأ منا بدون إرادة فعل منا له ولا عزيمة.

إصراً: تكليفا شاقا يثقل علينا ويأسرنا فيحبسنا عن العمل.

مولانا: مالكنا وسيدنا ومتولي أمرنا لا مولى لنا سواك.

معنى الآيتين:

ورد أنه لما نزلت الآية [٢٨٤] ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ﴾ وفيها ﴿... وإن تُبْدُواْ ما فِيۤ أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ..﴾ اضطربت لها نفوس المؤمنين، وقالوا من ينجوا منا إذا كنا نؤاخذ بما يُخفى في أنفسنا من الهم والوسواس وحديث النفس فأمرهم الرسول ﷺ بالرضا بحكم الله تعالى والتسليم به فقال لهم: قولوا سمعنا وأطعنا ولا تكونوا كاليهود: ﴿قالُواْ سَمِعْنا وعَصَيْنا...﴾ [البقرة: ٩٣] فلما قالوها صادقين أنزل الله تعالى هاتين الآيتين: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ...﴾ فأخبر عن إيمانهم مقروناً بإيمان نبيهم تكريما لهم وتطمينا فقال: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ ومَلاۤئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..﴾ وأخبر عنهم بقولهم الذي كان سبب استجابة الله تعالى لهم فقال عنهم: ﴿... وقالُواْ سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ وأخبرهم تعالى أنه لرحمته بهم وحكمته في تصرفه في خلقه لا يكلف نفساً إلا ما تتسع له طاقتُها وتقدر على فعله، وإن لها ما كسبت من الخير فتجزى به خيراً وعليها ما اكتسبت من الشر فتجزى به شرّاً إلا أن يعفوا عنها ويغفر لها فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما ٱكْتَسَبَتْ..﴾ وعلمهم كيف يدعونه ليقول لهم قد فعلت، كما صح به الخبر فقال قولوا: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إن نَّسِينَآ أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وٱعْفُ عَنّا وٱغْفِرْ لَنا وٱرْحَمْنَآ أنتَ مَوْلَٰنا فَٱنْصُرْنا عَلى ٱلْقَوْمِ ٱلْكافِرِينَ﴾ وفعلا قد عفا عنهم في النسيان والخطأ وخفف عنهم في التشريع فما جعل عليهم في الدين من حرج، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم ونصرهم على الكافرين بالحجة والبيان وفي المعارك بالسيف والسنان فله الحمد والمنة وهو الكبير المتعال.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- تقرير أركان الإيمان وهي الإيمان بالله وملائكة وكتبه ورسله.

٢- وجوب الإيمان بكافة الرسل وحرمة الإيمان ببعض وترك البعض وهو كفر والعياذ بالله تعالى.

٣- وجوب طاعة الله ورسوله والتسليم والرضا بما شرع الله ورسوله وحرمة رد شيء من ذلك.

٤- رفع الحرج عن هذه الأمة رحمة بها.

٥- عدم المؤاخذه بالنسيان أو الخطأ فمن نسي وأكل أو شرب وهو صائم فلا إثم عليه أو أخطأ فقتل فلا إثم عليه.

٦- العفو عن حديث النفس لنزول الآية فيه ما لم يتكلم المؤمن أو يعمل.

٧- تعليم هذا الدعاء واستحباب الدعاء به إئتساءً بالرسول ﷺ وأصحابه وقد ورد من قرأ هاتين الآيتين عند النوم كفتاه ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ...﴾ السورة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском