Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:53–64
24:53–55Page 356
۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣
And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.
شرح الكلمات:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم: أي حلفوا بالله بالغين غاية الجهد في حلفهم.
لئن أمرتهم: أي بالخروج إلى الجهاد.
طاعة معروفة: أي طاعة معروفة للنبي فيما يأمركم وينهاكم خير من إقسامكم بالله.
فإن تولوا: أي فإن تتولوا أي تعرضوا عن الطاعة.
عليه ما حمل: أي من إبلاغ الرسالة وبيانها بالقول والعمل.
وعليكم ما حملتم: أي من وجوب قبول الشرع والعمل به عقيدة وعبادة وحكما.
وإن تطيعوه تهتدوا: أي وإن تطيعوا الرسول في أمره ونهيه وإرشاده تهتدوا إلى خيركم.
ليستخلفنهم: أي يجعلهم خلفاء لغيرهم فيها بأن يُدِيلَ لهم من أهلها فيسودون فيها ويحكمون.
وليمكنن لهم دينهم: أي بأن يظهر الإسلام على سائر الأديان ويحفظه من الزوال.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر أحوال المنافقين فأخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أي أقسموا للرسول ﷺ مبالغين في ذلك حتى بلغوا غاية الجهد قائلين لئن أمرتنا بالخروج إلى الجهاد لنخرجن معكم. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾ أي ما هناك حاجة إلى الحلف وتأكيده، وإنما هي طاعة منكم معروفة لنا تغنيكم عن الأيمان وقوله تعلى: ﴿إنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تأنيب لهم وتأديب حيث أخبرهم تعالى بأنه مطلع على أسرارهم وما يقولونه ويعملونه في الخفاء ضد الرسول والمؤمنين ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في كل ما يأمران به وينهيان عنه، ﴿فَإن تَوَلَّوْاْ﴾ أي تعرضوا عن الطاعة وترفضوها، فإنما على الرسول ما حمل من البلاغ والبيان، وعليكم ما حملتم من وجوب الانقياد والطاعة، ومن أخل بواجبه الذي أنيط به فسوف يلقى جزاءه وافياً عند ربه وقوله تعالى: ﴿وإن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ هذه الجملة عظيمة الشأن جليلة القدر للمؤمن أن يحلف بالله ولا يحنث على أن من أطاع رسول الله في أمره ونهيه لن يضل أبداً ولن يشقى فالهداية إلى كل خير كامنة في طاعة رسول الله ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وما عَلى ٱلرَّسُولِ إلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ﴾ أي ليس على الرسول هداية القلوب، وإنما عليه البلاغ المبين لا غير فلا تلحق الرسول تبعة من عصى فَضَلَّ وهَلَك.
وقوله تعالى في الآية [٥٥] ﴿وعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ أي صدقوا الله والرسول ﴿وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ﴾ فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وعدهم بأن يستخلفهم في الأرض أي يجعلهم خلفاء حاكمين في أهلها سائدين سكانها استخلافاً كاستخلاف الذين من قبلهم من بني إسرائيل حيث أجلى الكنعانيين والعمالقة من أرض القدس وورثها بني إسرائيل وقول: ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضىٰ لَهُمْ﴾ وهو الإسلام فيظهره على الدين كله ويحفظه من التغيير والتبديل والزوال إلى قرب الساعة وقوله تعالى: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً﴾ إذ نزلت هذه الآية والمسلمون خائفون بالمدينة لا يقدر أحدهم أن ينام وسيفه بعيد عنه من شدة الخوف من الكافرين والمنافقين وتألب الأحزاب عليهم ولقد أنجز تعالى لهم ما وعدهم فاستخلفهم وأمكن لهم وبدلهم بعد خوفهم أمناً فلله الحمد والمنة.
وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ هذا ثناء عليهم، وتعليل لما وهبهم وأعطاهم يعبدونه لا يشركون به شيئاً وقد فعلوا وما زال بقاياهم من الصالحين إلى اليوم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئاً اللهم اجعلنا منهم، وقوله تعالى: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْفاسِقُونَ﴾ وعيد وتهديد لمن كفر بعد ذلك الإنعام العظيم والعطاء الجزيل فأولئك هم الفاسقون عن أمر الله الخارجون عن طاعته المتسوجبون لعذاب الله ونقمته. عياذا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الإقسام بالله تعالى وحرمة الحلف بغيره تعالى.
٢- عدم الثقة في المنافقين لخلوهم من موجب الصدق في القول والعمل وهو الإيمان.
٣- طاعة رسول الله موجبة للهداية لما فيه من سعادة الدارين ومعصيته موجبة للضلال والخسران.
٤- صدق وعد الله تعالى لأهل الإيمان وصالح الأعمال من أصحاب رسول الله ﷺ.
٥- وجوب الشكر على النعم بعبادة الله تعالى وحده بما شرع من أنواع العبادات.
٦- الوعيد الشديد لمن أنعم الله عليه بنعمة أمن ورخاء وسيادة وكرامة فكفر تلك النعم ولم يشكرها فَعَّرضها للزوال.
24:56–57Page 357
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.
شرح الكلمات:
وأقيموا الصلاة: أي أدوها أداءاً كاملاً تاماً مراعين فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها حتى تثمر الزكاة والطهر في نفوسكم.
وآتوا الزكاة: أي المفروضة من المال الصامت كالذهب والفضة والحرث والناطق كالأنعام من إبل وبقر وغنم.
وأطيعوا الرسول: أي محمداً ﷺ في أمره ونهيه والأخذ بإرشاده وتوجيهه.
لعلكم ترحمون: أي رجاء أن يرحمكم ربكم في دنياكم وآخرتكم فلا يعذبكم فيهما.
معجزين في الأرض: أي معجزين الله تعالى بحيث لا يدركهم ولا ينزل بهم نقمته وعذابه.
ولبئس المصير: أي النار إذ هي المأوى الذي يأوون إليه ويصيرون إليه.
معنى الآيتين:
يأمر تعالى عباده المؤمنين من أصحاب الرسول الكريم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول ﷺ في أمره ونهيه وإرشاده وتوجيهه وذلك رجاء أن يرحموا في الدارين، ولا يعذبوا فيهما، وهذا وإن كان موجهاً ابتداءً إلى أصحاب الرسول فإنه عام بعد ذلك فيشمل كل مؤمن ومؤمنة في الحياة وقوله ﴿لا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ ينهاه ربه تعالى أن يظن أن الذين كفروا مهما كانت قوتهم سيفوتون الله تعالى ويهربون مما أراد بهم من خزي وعذاب، لا، لا بل سيخزيهم ويذلهم ويسلط عليهم، وقد فعل ﴿ومَأْوَٰهُمُ ٱلنّارُ﴾ يوم القيامة ﴿ولَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ نار جهنم يصيرون إليها.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول ﷺ للحصول على رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة في الدنيا بالنصر والتمكين والأمن والسيادة وفي الآخرة بدخول الجنة.
٢- تقرير عجز الكافرين وأنهم لن يفوتوا الله تعالى مهما كانت قوتهم وسينزل بهم نقمته ويحل عليهم عذابه.
٣- بيان مصير أهل الكفر وأنه النار والعياذ بالله تعالى.
24:58–60Page 357
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨
O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.
وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩
And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.
وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠
And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
شرح الكلمات:
ليسأذنكم: أي ليطلب الاذن منكم في الدخول عليكم.
ملكت أيمانكم: من عبيد وإماء.
لم يبلغوا الحلم منكم: أي سن التكليف وهو وقت الاحتلام خمسة عشر سنة فما فوق.
تضعون ثيابكم: أي وقت القيلولة للإستراحة والنوم.
ثلاث عورات لكم: العورة ما يتسحي من كشفه، وهذه الأوقات الثلاثة ينكشف فيها الإنسان في فراشه فكانت بذلك ثلاث عورات.
بعدهن: أي بعد الأوقات الثلاثة المذكورة.
طوافون عليكم: أي للخدمة.
بعضكم على بعض: أي بعضكم طائف على بعض.
فليستأذنوا: أي في جميع الأوقات لأنهم أصبحوا رجالاً مكلفين.
والقواعد من النساء: أي اللاتي قعدن عن الحيض والولادة لكبر سنهن.
أن يضعن ثيابهن: كالجلباب والعباءة والقناع والخمار.
غير متبرجات بزينة: أي غير مظهرات زينة خفية كقلادة وسوار وخلخال.
وأن يستعففن خير لهن: بأن لا يضعن ثيابهن خير لهم من الأخذ بالرخصة.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ﴾ روي في نزول هذه الآية أن النبي ﷺ بعث غلاماً من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب يدعوه له فوجده نائماً في وقت الظهيرة فدق الباب ودخل فاستيقظ عمر فانكشف منه شيء فقال عندها عمر وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا في هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجداً شكراً لله تعالى.
فقوله تعالى: ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ﴾ هو نداء لكل المؤمنين في كل عصورهم وديارهم. وقوله ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمَٰنُكُمْ وٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ أي علموا أطفالكم وخدمكم الاستئذان عليكم في هذه الأوقات الثلاثة وأمروهم بذلك. وقوله: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ هي المبينة في قوله: ﴿مِّن قَبْلِ صَلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ﴾ وهي ساعات النوم من الليل، ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيَٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ﴾ وهي القيلولة، ﴿ومِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ﴾ وهي بداية نوم الليل. وقوله: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَّكُمْ﴾ أي هي منطقة انكشاف العورة فيها فاطلق عليها اسم العورة والعورة ما يستحي من كشفه وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ﴾ أي ولا على الأطفال والخدم ﴿جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي بعد المرات الثلاث وقوله: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يدخلون ويخرجون عليكم للخدمة. ﴿بَعْضُكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ﴾ أي بعضكم يدخل على بعض للخدمة فلا غنى عنه فلذا فلا حرج عليكم في غير الأوقات الثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَٰتِ﴾ أي كهذا التبيين الذي بين لكم حكم الاستئذان يبين الله لكم الآيات المتضمنة للشرائع والأحكام والآداب فله الحمد وله المنة وقوله: ﴿وٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بخلقه وما يحتاجون إليه في إكمالهم وإسعادهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرع لهم ويفرض عليهم.
وقوله تعالى في الآية الثانية [٥٩] ﴿وإذا بَلَغَ ٱلأَطْفالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ﴾ أي إذا بلغ الطفل سن الاحتلام وهو البلوغ واحتلم فعليه أن لا يدخل على غير محارمه إلا بعد الإستئذان كما يفعل ذلك الرجال من قبله إذ قد أصبح بالبلوغ الذي علامته الإحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة فأكثر أصبح رجلاً تماماً فعليه أن لا يدخل بيت أحد إلا بعد أن يستأذن هذا معنى قوله تعالى: ﴿وإذا بَلَغَ ٱلأَطْفالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَما ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم الرجال وقوله تعالى: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي المتضمنة لأحكامه وشرائعه ﴿وٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه وما يصلح لهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه وهذه حال توجب طاعته تعالى فيما يأمر به وينهى عنه وقوله تعالى: ﴿وٱلْقَواعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً﴾ أي والتي قعدت عن الحيض والولادة لكبر سنها بحيث أصبحت لا ترجو نكاحاً ولا يرجى منها ذلك فهذه ليس عليها إثم ولا حرج في أن تضع خمارها من فوق رأسها، أو عباءتها من فوق ثيابها التي على جسمها حال كونها غير متبرجة أي مظهرة زينة لها كخضاب اليدين والأساور في المعصمين والخلاخل في الرجلين، أو أحمر الشفتين، وما إلى ذلك مما هو زينة يجب ستره وقوله تعالى: ﴿وأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ أي ومن لازمت خمارها وعجارها ولم تظهر للأجانب كاشفة وجهها ومحاسنها خير هلا حالاً ومآلاً، وحسبها ان يختار الله لها فما اختاره لها لن يكون إلا خيراً في الدنيا والآخرة فعلى المؤمنات أن يخترن ما اختار الله لهن.
وقوله: ﴿وٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده عليم بأعمالهم وأحوالهم فَليتق فيطاع ولا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب تعليم الآباء والسادة والأطفال والخدم الإستئذان عليهم في الأوقات الثلاثة المذكورة والمعبر عنها بالعورات.
٢- وجوب استئذان الأولاد إذا احتلموا الاستئذان على من يريدون الدخول عليه في بيته لأنهم أصبحوا رجالاً مكلفين.
٣- بيان رخصة كشف الوجه لمن بلغت سناً لا تحيض فيها ولا تلد للرجال الأجانب ولو أبقت على سترها واحتجابها لكان خيراً لها كما قال تعالى: ﴿وأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾.
24:61Page 358
لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١
There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.
شرح الكلمات:
الحرج: الضيق والمراد به هنا الإثم أي لا إثم على المذكورين في مؤاكلة غيرهم.
أو ما ملكتم مفاتحه: أي مما هو تحت تصرفكم بالأصالة أو بالوكالة كوكالة على بستان أو ماشية.
أو صديقكم: أي من صدقكم الود وصدقتموه.
جميعاً أو أشتاتاً: أي مجتمعين على الطعام أو متفرقين.
من عند الله: لأنه هو الذي شرعها وأمر بها، وما كان من عند الله فهو خير عظيم.
طيبة: أي تطيب بها نفس المسلم عليه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في هداية المؤمنين وبيان ما يكملهم ويسعدهم فَفِي هذه الآية الكريمة. رفع تعالى عنهم حرجاً عظيماً كانوا قد شعروا به فآلمهم وهو أنهم قد رأوا أن الأكل مع ذوي العاهات وهم العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة قد يترتب عليه أن يأكلوا ما لا يحل لهم أكله لأن أصحاب هذه العاهات لا يأكلون كما يأكل الأصحاء كماً وكيفاً والله يقول: ﴿ولا تَأْكُلُوۤاْ أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] كما أن أصحاب العاهات قد تحرجوا أيضاً من مؤاكلة الأصحاء معهم خوفاً أن يكونوا يتقذرونهم فآلمهم ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فرفع الحرج عن الجميع الأصحاء وأصحاب العاهات فقال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلى ٱلأَعْمىٰ حَرَجٌ ولا عَلى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلىٰ أنفُسِكُمْ أن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أوْ بُيُوتِ ءابَآئِكُمْ أوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ أوْ بُيُوتِ إخْوَٰنِكُمْ أوْ بُيُوتِ أخَوَٰتِكُمْ أوْ بُيُوتِ أعْمَٰمِكُمْ أوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ أوْ بُيُوتِ أخْوَٰلِكُمْ أوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ أوْ ما مَلَكْتُمْ مَّفاتِحهُ﴾ بوكالة وغيرها، ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وهو من صدقكم المودة وصدقتموه فيها ما دام الرضا حاصلاً، وإن لم يحضروا ولا استئذان وإن حضروا.
ورفع تعالى عنهم حرجاً آخر وهو أن منهم من كان يتحرج في الأكل وحده، ويرى أنه لا يأكل إلا مع غيره وقد يوجد من يتحرج أيضاً في الأكل الجماعي خشية أن يؤذي الآكل معه فرفع تعالى ذلك كله بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً﴾ أي مجتمعين على قطعة واحدة ﴿أوْ أشْتاتاً﴾ أي متفرقين كل يأكل وحده متى بدا له ذلك وهذا كله ناجم عن تقواهم لله تعالى وخوفهم من معاصيه إذ قد حرم عليهم أكل أموالهم بينهم بالباطل في قوله: ﴿ولا تَأْكُلُوۤاْ أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقوله تعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلىٰ أنفُسِكُمْ﴾ فأرشدهم إلى ما يجلب محبتهم وصفاء نفوسهم ويدخل السرور عليهم وهو أن من دخل بيتاً من البيوت بيته كان أو بيت غيره عليه أن يسلم على أهل البيت قائلاً السلام عليكم، وإن كان البيت ما به أحد أو كان مسجداً قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ إذ هو تعالى الذي أمر بها وأرشد إليها وقوله ﴿مُبَٰرَكَةً﴾ أي ذات بركة تعود على الجميع وكونها طيبة أن نفوس المُسَلَّم عليهم تطيب بها.
وقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي كذلك البيان الذي بين لكم من الأحكام والآداب يبين الله لكم الآيات الحاملة للشرائع والأحكام رجاء أن تفهموا عن الله تعالى شرائعه وأحكامه فتعملوا بها فتكملوا وتسعدوا عليها.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الإذن العام في الأكل مع ذوي العاهات بلا تحرج من الفريقين.
٢- الإذن في الأكل من بيوت من ذكر في الآية من الأقارب والأصدقاء.
٣- جواز الأكل الجماعي والإنفرادي بلا تحرج.
٤- مشروعية التحية عند الدخول على البيوت وأن فيها خيراً وفضلاً.
24:62–64Page 359
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢
The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣
Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٦٤
Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand]1 and [knows] the Day2 when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allāh is Knowing of all things.
شرح الكلمات:
أمر جامع: كخطبة الجمعة ونحوها مما يجب حضوره كاجتماع لأمر هام كحرب ونحوها.
يستأذنوه: أي يطلبوا منه ﷺ الإذن.
لبعض شأنهم: أي لبعض أمورهم الخاصة بهم.
دعاء الرسول: أي نداءه فلا ينادي بيا محمد ولكن بيا نبي الله ورسول الله.
كدعاء بعضكم بعضاً: أي كما ينادي بعضكم بعضاً بيا عمر ويا سعيد مثلاً.
يتسللون منكم لواذاً: أي ينسلون واحداً بعد واحد يستر بعضهم بعضاً حتى يخرجوا خفية.
أن تصيبهم فتنة: أي زيغ في قلوبهم فيكفروا.
قد يعلم ما أنتم عليه: أي من الإيمان والنفاق، وإرادة الخير أو إرادة الشر، وقد هنا للتأكيد عوملت معاملة رب إذ هي للتقليل وتكون للتكثير أحياناً.
معنى الآيات:
يخبر تعالى أن المؤمنين الكاملين في إيمانهم هم الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ، وإذا كانوا معه ﷺ في أمر جامع يتطلب حضورهم كالجمعة واجتماعات الحروب، لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﷺ ويأذن لهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿إنَّما ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُواْ مَعَهُ عَلىٰ أمْرٍ جامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنهُمْ وٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ في هذا تعليم للرسول والمؤمنين وتعريض بالمنافقين. فقد أخبر تعالى أن الذين يستأذنون النبي هم المؤمنون بالله ورسوله، ومقابله أن الذين لا يستأذنون ويخرجون بدون إذن هم لا يؤمنون بالله ورسوله وهم المنافقون حقاً، وأمر رسول الله إذا استأذنه المؤمنون لبعض شأنهم أن يأذن لمن شاء منهم ممن لا أهمية لحضوره كما أمره أن يستغفر الله لهم لما قد يكون غير عذر شرعي يبيح لهم الاستئذان وطمعهم في المغفرة بقوله إن الله غفور رحيم.
وقوله تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ هذا يحتمل أموراً كلها حق الأول أن يحاذر المؤمنون إغضاب رسول الله بمخالفته فإنه إن دعا عليهم هلكوا لأن دعاء الرسول لا يرد فليس هو كدعاء غيره، والثاني أن لا يدعوا الرسول باسمه يا محمد ويا أحمد بل عليهم أن يقولوا يا نبي الله ويا رسول الله، والثالث أن لا يغلظوا في العبارة بل عليهم أن يلينوا اللفظ ويرققوا العبارة إكباراً وتعظيماً لرسول الله ﷺ هذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾.
وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِواذاً﴾ أعلمهم تعالى أنه يعلم قطعاً أولئك المنافقين الذين يكونون في أمر جامع مع رسول الله ﷺ فيتسللون واحداً بعد آخر بدون أن يستأذنوا متلاوذين في هروبهم من المجلس يستر بعضهم بعضاً، وفي هذا تهديد بالغ الخطورة لأولئك المنافقين.
وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ أي أمر رسول الله وهذا عام للمؤمنين والمنافقين وإلى يوم القيامة فليحذروا أن تصيبهم فتنة وهي زيغ في قلوبهم فيموتوا كافرين، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا والعذاب ألوان وصنوف.
وقوله تعالى: ﴿ألاۤ إنَّ للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ أي خلقاً وملكاً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد ألا فَلْيَتقَّ اللهُ عز وجل في رسول فلا يخالف أمره ولا يعصي في نهيه فإن الله لم يرسل رسولاً إلا ليطاع بإذنه.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أنتُمْ عَلَيْهِ﴾ إخبار يحمل التهديد والوعيد أيضاً فما عليه الناس من أقوال ظاهرة وباطنة معلومة لله تعالى، ويوم يرجعون إلى الله بعد موتهم فينبئهم بما عملوا من خير وشر ويجزيهم به الجزاء الأوفى، ﴿وٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾ فليحذر أن يخالف رسوله أو يعصي وليتق في أمره ونهيه فإن نقمته صعبة وعذابه شديد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الاستئذان من إمام المسلمين إذا كان الأمر جامعاً، وللإمام أن يأذن لمن شاء ويترك من يشاء حسب المصلحة العامة.
٢- وجوب تعظيم رسول الله ﷺ، وحرمة إساءة الأدب معه حياً وميتاً.
٣- وجوب طاعة رسول الله وحرمة مخالفة أمره ونهيه.
٤- المتجرىء على الاستهانة بسنة الرسول ﷺ يُخشى عليه أن يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences