Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:35–71
25:35–40Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
شرح الكلمات:
الكتاب: أي التوراة.
وزيراً: أي يشد أزره ويقويه ويتحمل معه أعباء الدعوة.
إلى القوم الذين كذبوا: هم فرعون وآله.
لما كذبوا الرسل: أي نوحاً عليه السلام.
وجعلناهم للناس آية: أي علامة على قدرتنا في إهلاك وتدمير الظالمين وعبرة للمعتبرين.
وعاداً وثمود: أي اذكر قوم عاد وثمود إلخ..
وأصحاب الرس: الرس بئر رس فيها قوم نبيهم، أي رموه فيها ودسوه في التراب.
وقروناً بين ذلك كثيراً: أي ودمرنا بين من ذكرنا من الأمم قروناً كثيراً.
تبرنا تتبيرا: أي دمرناهم تدميراً.
التي أمطرت مطر السوء: هي سدوم قرية قوم لوط.
لا يرجون نشوراً: أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء الآخر.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى ٱلْكِتابَ﴾ هذا شروع في عرض أمم كذبت رسلها وردت دعوة الحق التي جاءوا بها فأهلكهم الله تعالى ليكون هذا عظة للمشركين لعلهم يتعظون فقال تعالى وعزتنا لقد آتينا موسى بن عمران الكتاب الذي هو التوراة ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيراً﴾ أي معيناً، فقلنا أي لهما ﴿ٱذْهَبَآ إلى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِنا﴾ وهم فرعون وملأه فأتوهم فكذبوهما فدمرناهم تدميراً كاملاً حيث أغرقوا في البحر، وقوله تعالى: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي اذكر قوم نوح أيضاً فإنهم لما كذبوا الرسل أي كذبوا نوحاً ومن كذب رسولاً فكأنما كذب عامة الرسل أغرقناهم بالطوفان وجعلناهم للناس بعدهم آية أي عبرة للمعتبرين وقوله ﴿وأَعْتَدْنا﴾ أي وهيأنا للظالمين في الآخرة عذاباً أليماً أي موجعاً زيادة على هلاك الدنيا، وقوله ﴿وعاداً وثَمُوداْ وأَصْحابَ ٱلرَّسِّ﴾ أي أهلكنا الجميع ودمرناهم تدميراً لما كذبوا رسلنا وردوا دعوتنا، وقروناً أي وأهلكنا قروناً بين ذلك الذي ذكرنا كثيراً.
وقوله ﴿وكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ ٱلأَمْثالَ﴾ أي إقامة للحجة عليهم فما أهلكناهم إلا بعد الإنذار والإعذار لهم. وقوله ﴿وكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ أي أهلكناهم إهلاكاً لتكذيبهم رسلنا وردهم دعوتنا. وقوله: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾ أي ولقد مر أي كفار قريش على القرية التي أمطرت مطر السوء أي الحجارة وهي قرى قوم لوط سدوم وعمورة وغيرهما فأهلكهم لتكذيبهم رسولهم وإتيانهم الفاحشة وقوله تعالى ﴿أفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَها﴾ في سفرهم إلى الشام وفلسطين. فيعتبروا بها فيؤمنوا وهو استفهام تقريري وإذا كانوا يمرون بها ولكنهم لم يعتبروا لعلة وهي أنهم لا يؤمنون بالبعث الآخر وهو معنى قوله تعالى ﴿بَلْ كانُواْ لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ فالذي لا يرجو أن يبعث ويحاسب ويجزي لا يؤمن ولا يستقيم أبداً.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم بعد الإنذار والإعذار إليها.
٢- بيان عاقبة المكذبين وما حل بهم من دمار وعذاب.
٣- بيان علة تكذيب قريش للرسول ﷺ وما جاء به وهي تكذيبهم بالبعث والجزاء فلهذا لم تنفعهم المواعظ ولم تؤثر فيهم العبر.
25:41–44Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
شرح الكلمات:
إن يتخذونك: أي ما يتخذونك.
إلا هزواً: أي مهزوءاً به.
أهذا الدي بعث الله رسولاً: أي في دعواه لا أنهم معترفون برسالته والاستفهام للتهكم والاحتقار.
إن كاد ليضلنا عن آلهتنا: أي قارب أن يصرفنا عن آلهتنا.
لولا أن صبرنا عليها: أي لصرفنا عنها.
أرأيت من اتخذ إلهه هواه: أي أخبرني عمن جعل هواه معبوده فأطاع هواه. فهل تقدر على هدايته.
إن هم إلا كالأنعام: أي ما هم إلا كالأنعام في عدم الوعي والإدراك.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وإذا رَأَوْكَ إن يَتَّخِذُونَكَ إلاَّ هُزُواً﴾ يخبر تعالى رسوله عن أولئك المشركين المكذبين بالبعث أنهم إذا رأوه في مجلس أو طريق ما يتخذونه إلا هزواً أي مهزوءاً به احتقاراً وازدراءً له فيقولون فيما بينهم، ﴿أهَٰذا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾ وهو استفهام احتقار وازدراء لأنهم لا يعتقدون أنه رسول الله ويقولون ﴿إن كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أي يصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن صبرنا وثبتنا على عبادتها. وهذا القول منهم نابج عن ظلمة الكفر والتكذيب بالبعث وقوله تعالى ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذابَ﴾ في الدنيا أو في الآخرة أي عندما يعاينون العذاب يعرفون من كان أضل سبيلاً هم أم الرسول والمؤمنون، وفي هذا تهديد ووعيد بقرب عذابهم وقد حل بهم في بدر فذلوا وأسروا وقتلوا وتبين لهم أنهم أضل سبيلاً من النبيّ وأصحابه. وقوله تعالى لرسوله وهو يسليه ويخفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته ﴿أرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إلَٰهَهُ هَواهُ﴾ أخبرني عمن جعل معبوده هواه فلا يعبد غيره فكلما اشتهى شيئاً فعله بلا عقل ولا روية ولا فكر فقد يكون لأحدهم حجر يعبده فإذا رأى حجراً أحسن منه عبده وترك الأول فهذا لم يعبد إلا هواه وشهوته فهل مثل هذا الإنسان الهابط إلى مستوى دون البهائم تقدر على هدايته يا رسولنا؟ ﴿أفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلاً﴾ أي حفيظاً تتولى هدايته أم أنك لا تقدر فاتركه لنا يمضي فيه حكمنا.
وقوله ﴿أمْ تَحْسَبُ﴾ أيها الرسول أن أكثر هؤلاء المشركين يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يطلب منهم إن هم إلا كالأنعام فقط بل هم أضل سبيلاً من الأنعام إذ الأنعام تعرف طريق مرعاها وتستجيب لنداء راعيها وهم على خلاف ذلك فجهلوا ربهم الحق ولم يتسجيبوا لنداء رسوله إليهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ما كان الرسول ﷺ يلاقي في سبيل الدعوة من سخرية به واستهزاء.
٢- يتجاهل الإنسان الضال الحق وينكره حتى إذا عاين العذاب عرف ما كان ينكر، وآمن بما كان يكفر.
٣- هداية الإنسان ممكنة حتى إذا كفر بعقله وآمن بشهوته وعبد هواه تعذرت هدايته وأصبح أضل من الحيوان وأكثر خسراناً منه.
25:45–50Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
شرح الكلمات:
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل: أي ألم تنظر إلى صنيع ربك في الظل كيف بسطه.
ولو شاء الله لجعله ساكناً: أي ثابتاً على حاله في الطول والامتداد ولا يقصر ولا يطول.
ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً: أي علامة على وجوده إذ لولا الشمس لما عرف الظل.
ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيرا: أي أزلناه بضوء الشمس على مهل جزءاً فجزءاً حتى ينتهي.
ثم جعلنا الليل لباساً: أي يستركم بظلامه كما يستركم اللباس.
والنوم سباتاً: أي راحة لأبدانكم من عناء عمل النهار.
وجعل النهار نشوراً: أي حياة إذ النوم بالليل كالموت والانتشار بالنهار كالبعث.
بشراً بين يدي رحمته: أي مبشرة بالمطر قبل نزوله، والمطر هو الرحمة.
ماء طهوراً: أي تتطهرون به من الأحداث والأوساخ.
لنحيي به بلدة ميتاً: أي بالزروع والنباتات المختلفة.
أنعاماً وأناسي كثيراً: أي حيواناً وأناساً كثيرين.
ولقد صرفناه بينهم: أي المطر فينزل بأرض قوم ولا ينزل بأخرى لحكم عالية.
ليذكروا: أي يذكروا فضل الله عليهم فيشكروا فيؤمنوا ويوحدوا.
فأبى أكثر الناس إلا كفوراً: أي فلم يذكروا وأبى أكثرهم إلا كفوراً جحوداً للنعمة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾ هذا شروع في ذكر مجموعة من أدلة التوحيد وهي مظاهر لربوبية الله تعالى المقتضية لألوهيته فأولاً الظل وهو المشاهد من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وقد مدّه الخالق عز وجل أي بسطه في الكون، ثم تطلع الشمس فتأخذ في زواله وانكماشه شيئاً فشيئاً، ولو شاء الله تعالى لجعله ساكناً لا يبارح ولا يغادر ولكنه حسب مصلحة عباده جعله يتقاصر ويقبض حتى تقف الشمس في كبد السماء فيستقر ثم لما تدحض الشمس مائلة إلى الغروب يفيء أي يرجع شيئاً فشيئاً فيطول تدريجياً لتعرف به ساعات النهار وأوقات الصلوات حتى يبلغ من الطول حداً كبيراً كما كان في أول النهار ثم يقبض قبضاً يسيراً خفياً سريعاً حين تغرب الشمس ويغشاه ظلام الليل. هذه آية من آيات قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته بعباده تجلت في الظل الذي قال تعالى فيه ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيها الرسول أي تنظر إلى صنيع ربك جل جلاله ﴿كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ ولَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾ ينتقل، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ إذ بضوءها يعرف، فلولا الشمس لما عرف الظل وقوله تعالى ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ حسب سنته ففي خفاء كامل وسرعة تامة يقبض الظل نهائياً ويحل محله الظلام الحالك.
وثانياً: في الليل والنهار قال تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِباساً﴾ أي ساتراً يستركم بظلامه كما تستركم الثياب، ﴿وٱلنَّوْمَ سُباتاً﴾ أي وجعل النوم قطعاً للعمل فتحصل به راحة الأبدان ﴿وجَعَلَ ٱلنَّهارَ نُشُوراً﴾ أي حياة بعد وفاة والنوم فيتنشر فيه الناس لطلب الرزق بالعمل بالأسباب والسنن التي وضع الله تعالى لذلك.
وثالثا: إرسال الرياح للقاح السحب للإمطار لإحياء الأرض بعد موتها بالقحط والجدب قال تعالى: ﴿وهُوَ ٱلَّذِيۤ أرْسَلَ ٱلرِّياحَ﴾ هو لا غيره من الآلهة الباطلة ﴿أرْسَلَ ٱلرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي مبشرات بالمطر متقدمة عليه وهو الرحمة وهي بين يديه فمن يفعل هذا غير الله؟ اللهم إنه لا أحد.
ورابعاً: إنزال الماء الطهور العذب الفرات للتطهير به وشرب الحيوان والإنسان قال تعالى ﴿وأَنزَلْنا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنَآ أنْعاماً﴾ أي إبلاً وبقراً وغنماً ﴿وأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ أي وأناساً كثيرين وهم الآدميون ففي خلق الماء وإنزاله وإيجاد حاجة في الحيوان والإنسان إليه ثم هدايتهم لتناوله وشربه كل هذا آيات الربوبية الموجبة لتوحيد الله تعالى.
وخامساً: تصريف المطر بين الناس فيمطر في أرض ولا يمطر في أخرى حسب الحكمة الإلهية والتربية الربانية، قال تعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الناس كما هو مشاهد إقليم يسقى وآخر يحرم، وقوله تعالى: ﴿فَأَبىٰ أكْثَرُ ٱلنّاسِ إلاَّ كُفُوراً﴾ أي جحوداً لإنعام الله عليهم وربوبيته عليهم وألوهيته لهم. وهو أمر يقتضي التعجب والاستغراب. هذه مظاهر الربوبية المقتضية للألوهية، ﴿فَأَبىٰ أكْثَرُ ٱلنّاسِ إلاَّ كُفُوراً﴾ والعياذ بالله تعالى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- عرض الأدلة الحسية على وجوب عبادة الله تعالى وتوحيده فيها ووجوب الإيمان بالبعث والجزاء الذي أنكره المشركون فضلوا ضلالاً بعيداً.
٢- بيان فائدة الظل إذ به تعرف ساعات النهار وبه يعرف وقت صلاة الظهر والعصر فوقت الظهر من بداية الفيء، أي زيادة الظل بعد توقفه من النقصان عند وقوف الشمس في كبد السماء، ووقت العصر من زيادة الظل مثله بمعنى إذا دخل الظهر والظل أربعة أقدام أو ثلاثة أو أقل أو أكثر فإذا زاد مثله دخل وقت العصر فإن زالت الشمس على أربعة أقدام فالعصر يدخل عندما يكون الظل ثمانية أقدام وإن زالت الشمس على ثلاثة أقدام فالعصر على ستة أقدام وهكذا.
٣- الماء الطهور وهو الباقي على أصل خلقته فلم يخالطه شيء يغير طعمه أو لونه أو ريحه، وبه ترفع الأحداث وتغسل النجاسات، ويحرم منعه عمن احتاج إليه من شرب أو طهارة.
25:51–56Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤
And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥
But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
شرح الكلمات:
لبعثنا في كل قرية نذيراً: أي رسولاً ينذر أهلها عواقب الشرك والكفر.
وجاهدهم به جهاداً كبيراً: أي بالقرآن جهاداً كبيراً تبلغ فيه أقصى غاية جهدك.
مرج البحرين: أي خلط بينهما وفي نفس الوقت منع الماء الملح أن يفسد الماء العذب.
وجعل بينهما برزخاً: أي حاجزاً بين الملح منهما والعذب.
وحجراً محجوراً: أي وجعل بينهما سداً مانعاً فلا يحلو الملح، ولا يملح العذب.
خلق من الماء بشراً: أي خلق من الماء الإنسان والمراد من الماء النطفة.
فجعله نسباً وصهراً: أي ذكراً وأنثى أي نسباً ينسب إليه، وصهراً يصهر إليه أي يتزوج منه.
ما لا يضرهم ولا ينفعهم: أي أصناماً لا تضر ولا تنفع.
وكان الكافر على ربه ظهيرا: أي معيناً للشيطان على معصية الرحمن.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تعداد مظاهر الربوبية المستلزمة للتوحيد قال تعالى ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ أي في كل مدينة نذيراً أي رسولاً ينذر الناس عواقب الشرك والكفر، ولكنا لم نشأ لحكمة اقتضتها ربوبيتنا وهي أن تكون أيها الرسول أفضل الرسل وأعظم منزلة وأكثرهم ثواباً فحبوناك بهذا الفضل فكنت رسول كل القرى أبيضها وأسودها فاصبر وتحمل، واذكر شرف منزلتك ﴿فَلا تُطِعِ ٱلْكافِرِينَ﴾ في أي أمر أرادوه منك ﴿وجاهِدْهُمْ﴾ به أي بالقرآن وكله حجج وبينات جهاداً كبيراً تبلغ فيه أقصى جهدك. بعد هذه الجملة الاعتراضية من الكلام الإلهي قال تعالى مواصلاً ذكر مظاهر ربوبيته تعالى على خلقه. ﴿وهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ﴾ الملح والعذب أي أرسلهما مع بعضهما بعضاً ﴿هَٰذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أي حلو ﴿سَآئِغٌ شَرابُهُ وهَٰذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] أي لا يشرب ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي ساتراً مانعاً من اختلاط العذب بالملح مع وجودهما في مكان واحد، فلا يبغي هذا على هذا بأن يعذب الملح أو يملح العذب. وقوله تعالى ﴿وهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾ أي من المني ونطفته خلق الإنسان وجعله ذكراً وأنثى وهو معنى قوله نسباً وصهراً أي ذوي نسب ينسب إليهم وهم الذكور، وذوات صهر يصاهر بهن وهن الإناث. وقوله تعالى: ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ أي على فعل ما يريده من الخلق والإيجاد أو التحويل والتبديل، والسلب والعطاء هذه مظاهر الربوبية المقتضية لعبادته وتوحيده والمشركون يعبدون من دونه أصناماً لا تنفعهم إن عبدوها، ولا تضرهم إن لم يعبدوها وذلك لجهلهم وظلمة نفوسهم فيعبدون الشيطان إذ هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وبذلك كان الكافر على ربه ظهيرا إذ بعبادته للشيطان يعينه على معصية الرب تبارك وتعالى وهو معنى قوله تعالى، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وكان الكافر على ربه ظهيرا.
أي معيناً للشيطان على الرحمن والعياذ بالله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ومَآ أرْسَلْناكَ إلاَّ مُبَشِّراً ونَذِيراً﴾ يقول تعالى لرسوله إنا لم نرسلك لغير بشارة المؤمنين بالجنة ونذارة الكافرين بالنار أما هداية القلوب فهي إلينا من شئنا هدايته اهتدى ومن لم نشأها ضل. إلا أن الله يهدي ويضل حسب سنن له قد مر ذكرها مرات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الإشارة إلى الحكمة في عدم تعدد الرسل في زمن البعثة المحمدية والاكتفاء بالرسول محمد ﷺ.
٢- حرمة طاعة الكافرين في أمور الدين والشرع.
٣- من الجهاد جهاد الكفار والملاحدة بالحجج القرآنية والآيات التنزيلية.
٤- مظاهر العلم والقدرة الإلهية في عدم اختلاط البحرين مع وجودهما في مكان واحد. وفي خلق الله تعالى الإنسان من ماء وجعله ذكراً وأنثى للتناسل وحفظ النوع.
٥- التنديد بالمشركين والكافرين المعينين للشيطان على الرحمن.
25:57–62Page 365
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧
Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨
And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩
He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠
And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.
تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١
Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢
And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.
شرح الكلمات:
عليه من أجر: أي على البلاغ من أجر اتقاضاه منكم.
سبيلا: أي طريقاً يصل به إلى مرضاته والفوز بجواره، وذلك بإنفاق ماله في سبيل الله.
وسبح بحمده: أي قل سبحان الله وبحمده.
في ستة أيام: أي من أيام الدنيا التي قدرها وهي الأحد... والجمعة.
ثم استوى على العرش: العرش سرير الملك والاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب.
فاسأل به خبيراً: أي أيها الإنسان إسأل خبيراً بعرش الرحمن ينبئك فإنه عظيم.
وزادهم نفوراً: أي القول لهم اسجدوا للرحمن زادهم نفوراً من الإيمان.
جعل في السماء بروجاً: هي إثنا عشر برجاً انظر تفصيلها في معنى الآيات.
سراجاً: أي شمساً.
خلفة: أي يخلف كل منهما الآخر كما هو مشاهد.
أن يذكر: أي ما فاته في أحدهما فيفعله في الآخر.
أو أراد شكوراً: أي شكراً لنعم ربه عليه فيهما بالصيام والصلاة.
معنى الآيات:
بعد هذا العرض العظيم لمظاهر الربوبية الموجبة للألوهية أمر الله تعالى رسوله أن يقول للمشركين ما أسألكم على هذا البيان الذي بينت لكم ما تعرفون به إلهكم الحق فتعبدونه وتكملون على عبادته وتسعدون أجراً أي مالاً، لكن من شاء أن ينفق من ماله في وجوه البر والخير يتقرب به إلى ربه فله ذلك ليتخذ بنفقته في سبيل الله طريقاً إلى رضا ربه عنه ورحمته له.
وقوله ﴿وتَوَكَّلْ عَلى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لا يَمُوتُ﴾ يأمر تعالى رسوله أن يمضي في طريق دعوته مبلغاً عن ربه داعياً إليه متوكلاً عليه أي مفوضاً أمره إليه إذ هو الحي الذي لا يموت وغيره يموت، وأمره أن يستعين على دعوته وصبره عليها بالتسبيح فقال ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي قل سبحان الله وبحمده، وسبحانك اللهم وبحمدك وهو أمر بالذكر والصلاة وسائر العبادات فإنها العون الكبير للعبد على الثبات والصَّبْر. وقوله تعالى ﴿وكَفىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ أي فلا تكرب لهم ولا تحزن عليهم من أجل كفرهم وتكذيبهم وشركهم فإن ربك عالم بذنوبهم محص عليهم أعمالهم وسيجزيهم بها في عاجل أمرهم أو آجله، ثم أثنى تبارك وتعالى على نفسه بقوله ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ مقدرة بأيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم استوى على العرش العظيم استواء يليق بجلاله وكماله. ﴿ٱلرَّحْمَٰنُ﴾ الذي عمَّت رحمته العالمين ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أي فاسأل يا محمد بالرحمن خبيراً بخلقه فإنه خالق كل شيء والعليم بكل شيء فهو وحده العليم بعظمة عرشه وسعة ملكه وجلال وكمال نفسه لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَٰنِ﴾ أي وإذا قال لهم الرسول أيها المشركون اسجدوا للرحمن ولا تسجدوا لسواه من المخلوقات.
قالوا منكرين متجاهلين ﴿وما ٱلرَّحْمَٰنُ﴾؟ أنسجد لما تأمرنا أي أتريد أن تفرض علينا طاعتك ﴿وزادَهُمْ﴾ هذا القول ﴿نُفُوراً﴾، أي بعداً واستنكاراً للحق والعياذ بالله تعالى. وقوله تعالى ﴿تَبارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾ أي تقدس وتنزه أن يكون له شريك في خلقه أو في عبادته الذي بعظمته جعل في السماء بروجاً وهي منازل الكواكب السبعة السيارة فلذا سميت بروجاً جمع برج وهو القصر الكبير وتعرف هذه البروج الاثنا عشر بالحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. والكواكب السبعة السيارة هي: المريخ، والزهرة وعطارد، والقمر، والشمس، والمشتري، وزحل. فهذه الكواكب تنزل في البروج كالقصور لها.
وقوله تعالى ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجاً﴾ هو الشمس ﴿وقَمَراً مُّنِيراً﴾ هو القمر أي تعاظم وتقدس الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً وقوله ﴿وهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وٱلنَّهارَ خِلْفَةً﴾ أي يخلف بعضهما بعضاً فلا يجتمعان أبداً وفي ذلك من المصالح والفوائد ما لا يقادر قدره ومن ذلك أن من نسي عملاً بالنهار يذكره في الليل فيعمله، ومن نسي عملاً بالليل يذكره بالنهار فيعمله، وهو معنى قوله ﴿لِّمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ﴾ وقوله ﴿أوْ أرادَ شُكُوراً﴾ فإن الليل والنهار ظرفان للعبادة الصيام بالنهار والقيام بالليل فمن أراد أن يشكر الله تعالى على نعمه فقد وهبنا له فرصة لذلك وهو الليل للتهجد والقيام والنهار للجهاد والصيام.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- دعوة الله ينبغي أن لا يأخذ الداعي عليها أجراً ممن يدعوهم إلى الله تعالى ومن أراد أن يتطوع من نفسه فينفق في سبيل الله فذلك له.
٢- وجوب التوكل على الله فإنه الحي الذى لا يموت وغيره يموت.
٣- وجوب التسبيح والذكر والعبادة وهذه هي زاد العبد وعدته وعونه.
٤- مشروعية السجود عند قوله تعالى وزادهم نفوراً للقارىء والمستمع.
٥- صفة استواء الرحمن على عرشه فيجب الإيمان بها على ما يليق بجلال الله وكماله ويحرم تأويلها بالاستيلاء والقهر ونحوهما.
٦- الترغيب في الذكر والشكر، واغتنام الفرص للعبادة والطاعة.
25:63–71Page 365
وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣
And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤
And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥
And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;
إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦
Indeed, it is evil as a settlement and residence."
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧
And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate
وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨
And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.
يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩
Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠
Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١
And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.
شرح الكلمات:
يمشون على الأرض هوناً: في سكينة ووقار.
وإذا خاطبهم الجاهلون: أي بما يكرهون من الأقوال.
قالوا سلاماً: أي قولاً يسلمون به من الإثم، ويسمى هذا سلام المتاركة.
سجداً وقياماً: أي يصلون بالليل سجداً جمع ساجد.
إن عذابها كان غراماً: أي عذاب جهنم كان لازماً لا يفارق صاحبه.
إنها ساءت متسقراً ومقاماً: أي بئست مستقراً وموضع إقامة واستقرار.
لم يسرفوا ولم يقتروا: أي لم يبذروا ولم يضيقوا.
وكان بين ذلك قواماً: أي بين الإسراف والتقتير وسطاً.
التي حرم الله: وهي كل نفس آدمية إلا نفس الكافر المحارب.
إلا بالحق: وهو واحد من ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل ظلم وعدوان.
يلق أثاماً: أي عقوبة شديدة.
يبدل الله سيئاتهم حسنات: بأن يمحو بالتوبة سوابق معاصيهم، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم.
معنى الآيات:
لما أنكر المشركون الرحمن ﴿قالُواْ وما ٱلرَّحْمَٰنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] وأبوا أن يسجدوا للرحمن، وقالوا أن محمداً ينهانا عن الشرك وهو يدعو مع الله الرحمن فيقول يا الله يا رحمن، ناسب لتجاهلهم هذا الاسم الرحمن أن يذكر لهم صفات عباد الرحمن ليعرفوا الرحمن بعباده على حد (خيركم من إذا رُؤي ذُكر الله) فقال تعالى ﴿وعِبادُ ٱلرَّحْمَٰنِ﴾ ووصفهم بثمان صفات وأخبر عنهم بما أعده لهم من كرامة يوم القيامة. الأولى في قوله ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾ أي ليسوا جبابرة متكبرين، ولا عصاة مفسدين ولكن يمشون متواضعين عليهم السكينة والوقار، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ أي السفهاء بما يكرهون من القول قالوا قولاً يسلمون به من الإثم فلم يردوا السيئة بالسيئة ولكن بالحسنة.
الثانية: في قوله ﴿والَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقِياماً﴾ أي يقضون ليلهم بين السجود والقيام يصفون أقدامهم ويذرفون دموعهم على خدودهم خوفاً من عذاب ربهم.
والثالثة: في قوله ﴿وٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا ٱصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ﴾ إنهم لقوة يقينهم كأنهم شاعرون بلهب جهنم يدنو من وجوههم فقالوا ﴿رَبَّنا ٱصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ أي مُلحّاً لازماً لا يفارق صاحبه، ﴿إنَّها سَآءَتْ﴾ أي جهنم ﴿مُسْتَقَرّاً ومُقاماً﴾ أي بئست موضع إقامة واستقرار.
والرابعة: في قوله ﴿وٱلَّذِينَ إذَآ أنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ﴾ في إنفاقهم فيتجاوزوا الحد المطلوب منهم، ولم يقتروا فيقصروا في الواجب عليهم وكان إنفاقهم بين الإسراف والتقتير قواماً أي عدلاً وسطاً.
والخامسة: ﴿وٱلَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إلَٰهًا آخَرَ﴾ أي لا يسألون غير ربهم قضاء حوائجهم كما لا يشركون بعبادة ربهم أحداً ﴿ولا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ قتلها وهي كل نفس آدمية ما عدا نفس الكافر المحارب فإنها مباحة القتل غير محرمة. ﴿إلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ وهو واحدة من ثلاث خصال بينها الرسول ﷺ في حديث الصحيحين
«لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ أي لا يرتكبون فاحشة الزنا والزنا نكاح على غير شرط النكاح المباح وقوله تعالى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ﴾ هذا كلام معترض بين صفات عباد الرحمن. أي ومن يفعل ذلك المذكور من الشرك بدعاء غير الرب أو قتل النفس بغير حق، أو زنا ﴿يَلْقَ أثاماً﴾ أي عقاباً ﴿يُضاعَفْ لَهُ ٱلْعَذابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ أي في العذاب ﴿مُهاناً﴾ مخزياً ذليلاً، وقوله تعالى ﴿إلاَّ مَن تابَ﴾ من الشرك وآمن بالله وبلقائه وبرسوله وما جاء به من الدين الحق ﴿وعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام ﴿فَأُوْلَٰئِكَ﴾ المذكورون أي التائبون ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ أي يمحو سيآتهم بتوبتهم ويكتب لهم مكانها صالحات أعمالهم وطاعاتهم بعد توبتهم ﴿وكانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ذا مغفرة للتائبين من عباده ذا رحمة بهم فلا يعذبهم بعد توبته عليهم، وقوله ﴿ومَن تابَ﴾ من غير هؤلاء المذكورين أي رجع إلى الله تعالى بعد غشيانه الذنوب ﴿وعَمِلَ صالِحاً﴾ بعد توبته ﴿فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي يرجع إليه تعالى مرجعاً مرضياً حسناً فيكرمه وينعمه في دار كرامته.
هدايته الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان صفات عباد الرحمن الذين بهم يعرف الرحمن عز وجل.
٢- فضيلة التواضع والسكينة في المشي والوقار.
٣- فضيلة رد السيئة بالحسنة والقول السليم من الإثم.
٤- فضيلة قيام الليل والخوف من عذاب النار.
٥- فضيلة الاعتدال والقصد في النفقة وهي الحسنة بين السيئتين.
٦- حرمة الشرك وقتل النفس والزنى وأنها أمهات الكبائر.
٧- التوبة تجب ما قبلها. والندب إلى التوبة وأنها مقبولة ما لم يغرغر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences