Al-Jaza'iriAl-'Ankabut · 29:26–49

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:26–49

29:26–27Page 399

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦

And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.

شرح الكلمات:

فآمن له لوط: أي آمن بإبراهيم لوط وهو ابن أخيه هاران ولم يؤمن من قومه سواه.

مهاجر إلى ربي: أي إلى حيث أعبد ربي فلا أفتن في ديني.

ووهبنا له إسحاق ويعقوب: أي هاجر لأجلنا فأكرمناه في دار هجرته فوهبنا له ذرية هم إسحاق الابن ويعقوب الحفيد.

في ذريته النبوة والكتاب: فكل الأنبياء بعده من ذريته وكل الكتب التي أنزلت بعده فهي في ذريته.

وآتيناه أجره في الدنيا: وذلك بالرزق الحسن والثناء الحسن على ألسنة كافة الناس من أهل الأديان الإلهية.

وإنه في الآخرة لمن الصالحين: أي هو أحدهم، فيكرم كما يكرمون بالدرجات العلا، والصالحون هم أنبياء الله ورسله وأولياؤه وصالحو عباده.

معنى الآيات:

هذا آخر قصص إبراهيم الخليل في هذا السياق الكريم فأخبر تعالى أن إبراهيم بعد الجهاد الطويل في الدعوة إلى عبادة الرحمن الرحيم لم يؤمن له ولم يتابعه على الحق الذي دعا إليه إلا لوط بن هاران أخيه فقال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ﴾ أي إبراهيم ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلىٰ رَبِّيۤ﴾ فترك بلاد قومه من سواد العراق وارتحل إلى أرض الشام فأكرمه الله تعالى جزاء هجرته إلى ربه عز وجل بما أخبر به في هذا السياق حيث قال: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وٱلْكِتابَ﴾ وهبه أي أعطاه ولده إسحاق بن سارة وولد إسحق وهو يعقوب، وجعل كافة الأنبياء من ذريته وجعل الكتاب فيهم أيضاً فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى وهم من ذرية إبراهيم، والقرآن الكريم أنزل على محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وقول إبراهيم هو كما قال: ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلىٰ رَبِّيۤ﴾ وصف ربه بالعزة والحكمة. فقال: ﴿إنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي الغالب القاهر ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ الذي وضع كل شيء في موضعه، ودلائل العزة ان أنجى إبراهيم من أيدي الظلمة الطغاة ومن مظاهر الحكمة أن نقله من أرض لا خير فيها إلى أرض كلها خير وأكرمه فيها بما ذكر في قوله ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وٱلْكِتابَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيا﴾ حيث رزقه أطيب الأرزاق في دار هجرته ورزقه الثناء الحسن من كل أهل الأديان الإلهية كاليهودية والنصرانية، والإسلام وهو خاتم الأديان هذا في الدنيا أما في الآخرة فإنه من الصالحين ذوي الدرجات العلا والمنازل العالية في مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- بيان حصيلة دعوة إبراهيم كذا سنة وأنها كانت إيمان واحد بها وهو لوط عليه السلام وفي هذا تسلية للرسول الكريم ﷺ.

٢- بيان إكرام الله تعالى لمن يهاجر إليه ويترك أهله وداره.

٣- بيان ما أكرم الله تعالى به إبراهيم من خير الدنيا والآخرة جزاء صبره على دعوة الله تعالى.

29:28–30Page 399

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩

Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

He said, "My Lord, support me against the corrupting people."

شرح الكلمات:

ولوطاً إذا قال لقومه: أي واذكر إذ قال لوط بن هاران لقومه أهل سَدُوم.

أئنكم لتأتون الفاحشة: أي الخصلة القبيحة وهي إتيان الذكران في أدبارهم.

ما سبقكم بها من أحدٍ: أي لم تعرف البشرية قبل قوم لوط إتيان الذكران في أدبارهم.

وتقطعون السبيل: أي باعتدائكم على المارة في سبيل فامتنع الناس من المرور خوفاً منكم.

وتأتون في ناديكم المنكر: أي مجالس أحاديثكم تأتون المنكر كالضراط وحل الإزار والفاحشة أي اللواط.

فما كان جواب قومه: أي إلا قولهم أئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين.

معنى الآيات:

هذا بداية قصص لوط عليه السلام مع قومه أهل سَدُوم وعموريّة والغرض من سياقه تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذه القصص لا يتم لأحد إلاَّ من طريق الوحي، وتسلية الرسول من أجل ما يلاقي من عناد المشركين ومطالبتهم بالآيات والعذاب قال تعالى: واذكر يا رسولنا لقومك لوطاً ﴿ولُوطاً إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفاحِشَةَ﴾ وهي الفعلة القبيحة ويزيدها قبحاً أن الناس قبل قوم لوط لم تحدث فيهم هذه الخصلة ولم يعرفها أحد من العالمين، ثم واصل لوط إنكاره وتشنيعه عليهم فيقول: ﴿أئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجالَ﴾ أي في أدبارهم ﴿وتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ وذلك أنهم كانوا يعتدون على المارة بعمل الفاحشة معهم قسراً وبسلب أموالهم وبذلك امتنع الناس من المرور فانقطعت السبيل، كما أنهم بإتيانهم الذكران عطلوا النسل بقطع سبيل الولادة، وزاد لوط في تأنيبهم والإنكار عليهم والتوبيخ لهم فقال ﴿وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ﴾ والنادي محل اجتماعهم وتحدثهم وإتيان المنكر فيه كان بارتكاب الفاحشة مع بعضهم بعضاً، وبالتضارط فيه، وحل الإزار، والقذف بالحصى وما إلى ذلك مما يؤثر عنهم من سوء وقبح. قال تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بعد أن أنبهم ووبخهم ناهيا لهم عن مثل هذه الفواحش ﴿إلاَّ أن قالُواْ ٱئْتِنا بِعَذابِ ٱللَّهِ إن كُنتَ مِنَ ٱلصّادِقِينَ﴾ أي ما كان جوابهم إلا المطالبة بعذاب الله، وهذه طريقة الغلاة المفسدين والظلمة المتكبرين، إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى القوة يستعملونها أو يطالبون بها. وقوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي لما طالبوه بالعذاب، وقد أعياه أمرهم لجأ إلى ربه يطلب نصره على قومه الذين كانوا شر قوم وجدوا على وجه الأرض واستجاب الله تعالى له ونصره وسيأتي بيان ذلك في الآيات بعد.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصص لا يتم إلا عن طريق الوحي.

٢- تسلية الرسول ﷺ من أجل ما يعاني من المشركين من كفر وعناد ومطالبة بالعذاب.

٣- قبح الفاحشة وحرمتها وأسوأها فاحشة اللواط.

٤- وجوب إقامة الحد على اللوطيّ الفاعل والمفعول لأن الله تعالى سماها فاحشة وسمى الزنا فاحشة ووضع حداً للزنى فاللوطية تقاس عليه، وقد صرحت السنة بذلك فلا حاجة إلى القياس.

٥- التحذير من العبث والباطل قولاً أو عملاً وخاصة في الأندية والمجتمعات.

29:31–35Page 400

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١

And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢

[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."

وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣

And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤

Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."

وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥

And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.

شرح الكلمات:

بالبشرى: أي إسحاق ويعقوب بعده.

هذه القرية: أي قرية لوط وهي سدوم.

قالوا نحن أعلم بمن فيها: أي قالت الرسل نحن اعلم بمن فيها.

كانت من الغابرين: أي كانت في علم الله وحكمه من الباقين في العذاب.

سيء بهم: أي حصلت لهم مساءة وغم بسبب مخافة أن يقصدهم قومه بسوء.

وضاق بهم ذرعاً: أي عجز عن احتمال الأمر لخوفه من قومه أن ينالوا ضيفه بسوء.

رجزاً: أي عذاباً من السماء.

بما كانوا يفسقون: أي بسب فسقهم وهو إتيان الفاحشة.

ولقد تركنا منها آية: أي تركنا من قرية سدوم التي دمرناها آية بينة وهي خرابها ودمارها وتحولها إلى بحر ميت لا حياة فيه.

لقوم يعقلون: أي يعلمون الأسباب والنتائج إذا تدبروا.

معنى الآيات:

ما زال السياق في قصص لوط عليه السلام، إنه بعد أن ذكرهم وخوفهم عذاب الله قالوا كعادة المكذبين الهالكين فائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين وأنه عليه السلام استنصر ربه تعالى عليهم، واستجاب الله تعالى له وفي هذه الآية بيان ذلك بكيفيته، قال تعالى: ﴿ولَمّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إبْراهِيمَ﴾ الخليل عم لوط ﴿بِٱلْبُشْرىٰ﴾ التي هي ولادة ولدٍ له هو إسحاق ومن بعده يعقوب ولد إسحاق عليه السلام كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن ورَآءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. ﴿قالُوۤاْ﴾ أي قالت الملائكة لإبراهيم ﴿إنّا مُهْلِكُوۤ أهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ يريدون قرية قوم لوط وهي سدوم وعللوا لذلك بقولهم ﴿إنَّ أهْلَها كانُواْ ظالِمِينَ﴾ أي لأنفسهم بغشيان الذنوب وإتيان الفواحش، ولغيرهم إذ كانوا يقطعون السبيل وهنا قال لهم إبراهيم: ﴿إنَّ فِيها لُوطاً﴾ ليس من الظالمين بل هو من عباد الله الصالحين فأجابته الملائكة فقالوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ منك يا إبراهيم. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهْلَهُ﴾ من الهلاك ﴿إلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ ٱلْغابِرِينَ﴾ وذلك لطول عمرها فسوف تهلك معهم لكفرها ومُمالأَتها للظالمين. وقوله تعالى: ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطاً﴾ أي ولما وصلت الملائكة لوطاً قادمين من عند إبراهيم من فلسطين ﴿سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي استاء بهم وأصابه غم وهم خوفاً من قومه أن يسيئوا إليهم، وهم ضيوفه نازلون عليه ولما رأت ذلك الملائكة منه طمأنوه بما أخبر به تعالى في قوله: ﴿وقالُواْ لا تَخَفْ﴾ أي علينا ﴿ولا تَحْزَنْ﴾ على من سيهلك من أهلك مع قومك الظالمين. ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ من العذاب أنت وأهلك أي زوجتك المؤمنة وبنتيك، ﴿إلاَّ ٱمْرَأَتَكَ﴾ أي العجوز الظالمة فإنها ﴿مِنَ ٱلْغابِرينَ﴾ الذين طالت أعمارهم وستهلك مع الهالكين. وقوله تعالى في الآية [٣٤]: ﴿إنّا مُنزِلُونَ عَلىٰ أهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِما كانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي أخبرت الملائكة لوطاً بما هم فاعلون لقومه وهو قولهم ﴿إنّا مُنزِلُونَ عَلىٰ أهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ أي مدينة سدوم ﴿رِجْزاً﴾ أي عذاباً من السماء وهي الحجارة بسبب فسقهم بإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.

قال تعالى: ﴿ولَقَد تَّرَكْنا مِنهَآ﴾ أي من تلك القرية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾، أي عظة وعبرة، وعلامة واضحة على قدرتنا على إهلاك الظالمين والفاسقين. وقوله تعالى: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إذ هم الذين يتدبرون في الأُمور ويستخلصون أسبابها وعواملها ونتائجها وآثارها أما غير العقلاء فلا حظ لهم في ذلك ولا نصيب فهم كالبهائم التي تنساق إلى المجزرة وهي لا تدري وفي هذا تعريض بمشركي مكة وما هم عليه من الحماقة والغفلة.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- حلم إبراهيم ورحمته تجليا في دفاعه عن لوط وأهله.

٢- تقرير مبدإ: من بطَّأَ به عمله لم يسرع به نسبه، حيث العلاقة الزوجية بين لوط وامرأته العجوز لم تنفعها وهلكت لأنها كانت مع الظالمين بقلبها وسلوكها.

٣- مشروعية الضيافة وتأكدها في الإسلام لحديث الصحيح «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». ٤- التنديد بالفسق عن طاعة الله وهو سبب هلاك الأمم والشعوب.

٥- فضيلة العقل إذا استعمله صاحبه في التعرف إلى الحق والباطل والخير والشر.

29:36–37Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

شرح الكلمات:

وإلى مدين: أي وأرسلنا إلى قبيلة مَدْين، ومدين أبو القبيلة فسميت باسمه.

أخاهم شعيباً: أي أخاهم في النسب.

اعبدوا الله: أي اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً.

وارجوا اليوم الآخر: أي آمنوا به وتوقعوا مجيئه وما يحدث فيه.

ولا تعثوا في الأرض مفسدين: أي ولا تعيثوا في الأرض فساداً بأن تنشروا فيها الفساد وهو العمل بالمعاصي فيها.

فأخذتهم الرجفة: الهزة العنيفة والزلزلة الشديدة.

في دارهم جاثمين: لاصقين بالأرض أمواتاً لا يتحركون.

معنى الآيتين:

هذا موجز لقصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين، والعبرة منه إهلاك تلك الأمة لما كذبت رسولها واستمرت على الشرك والمعاصي لعل قريشاً تعتبر بما أصاب هذه الأمة من هلاك ودمار من أجل تكذيبها لرسولها وعصيانها لربها قال تعالى ﴿وإلىٰ مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين ﴿أخاهُمْ شُعَيْباً﴾ وهو نبيّ عربي فلما انتهى إليهم برسالته قال ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي وحدوه في عبادته وأطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه من التطفيف في الكيل والوزن، ﴿وٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ﴾، أي آمنوا بيوم القيامة وتوقعوا دائماً مجيئه وخافوا ما فيه من أهوال وأحوال فإن ذلك يساعدكم على التقوى وقوله: ﴿ولا تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وذلك أنهم ينقصون الكيل والوزن ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض بالمعاصي. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي كذب أصحاب مدين نبيهم شعيباً فيما أخبرهم به ودعاهم إليه ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ أي رجفة الهلاك من تحتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين على الركب هلكى وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين.

هداية الآيتين:

من هداية الآيتين:

١- تقرير التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

٢- حرمة الفساد في الأرض وذلك بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب.

٣- بيان نقمة الله تعالى على المكذبين والظالمين والفاسقين.

29:38–40Page 400

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

شرح الكلمات:

وعاداً وثمودا: أي وأهلكنا عاداً القبيلة وثمود القبيلة كذلك.

وقد تبين لكم من مساكنهم: أي تبين لكم إهلاكهم من مساكنهم الخالية منهم بالحجر شمال الحجاز والشحر جنوب اليمن.

عن السبيل: أي سبيل الهدى والحق التي بينتها لهم رسلهم.

كانوا مستبصرين: أي ذوي بصائر لما علمتهم رسلهم.

وقارون وفرعون وهامان: أي وأهلكنا قارون بالخسف وفرعون وهامان بالغرق.

فاستكبروا: أي عن عبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسله.

وما كانوا سابقين: أي فائتين عذاب الله أي فارين منه، بل أدركهم.

فكلاً أخذنا بذنبه: أي فكل واحد من المذكورين أخذناه بذنبه ولم يفلت منا.

ومنهم من أرسلنا عليه حاصباً: أي ريحاً شديدة، كعاد.

ومنهم من أخذته الصيحة: أي ثمود.

ومنهم من خسفنا به الأرض: أي كقارون.

ومنهم من أغرقنا: كقوم نوح وفرعون.

معنى الآيات:

لما ذكر تعالى في الآيات قبل ذي إهلاكه لقوم لوط وقوم شعيب وقوم نوح من قبل لما ردوا دعوته وكذبوا رسله ذكر بقية الأقوام الذين كذبوا بآيات الله ورسله فأهلكهم، فقال عز وجل: ﴿وعاداً وثَمُوداْ﴾ أي وأهلكنا كذلك عاداً قوم هود، وثمود قوم صالح! وقوله تعالى: ﴿وقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّساكِنِهِمْ﴾ أي وقد تبين لكم يا معشر كفار مكة ومشركي قريش من مساكنهم بالحجر والشجر من حضرموت ما يؤكد لكم إهلاكنا لهم، إذ مساكنهم الخاوية دالة على ذلك دلالة عين. وقوله تعالى: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ أي وقد زين لهم الشيطان أعمالهم من الشرك والشر والظلم والفساد وصدهم بذلك التزيين عن السبيل، سبيل الإيمان والتقوى المورثة للسعادة في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وكانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي ذوي بصائر أي معرفة بالحق والباطل والخير والشر ما علمتهم الرسل ولكن آثروا أهواءهم على عقولهم فهلكوا. وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. وقوله تعالى: ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ أي أهلكنا قارون الإسرائيلي ابن عم موسى عليه السلام، أهلكناه ببغيه وكفره، فخسفنا به الأرض وبداره أيضاً، وفرعون وهامان أغرقناهما في اليم بكفرهما وطغيانهما وظلمهما واستعلائهما وذلك بعدما جاءهم موسى بالبينات من الآيات والحجج الواضحات التي لم تُبق لهم عذراً في التخلف عن الإيمان والتقوى ولكن ﴿فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾، أرض مصر وديارها فرفضوا الإيمان والتقوى ﴿وما كانُواْ سابِقِينَ﴾ ولا فائتين فأحلَّ الله تعالى بهم. نقمته وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين. ثم في الآية الأربعين من هذا السياق بين تعالى أنواع العذاب الذي أهلك به هؤلاء الأقوام، فقال: ﴿فَكُلاًّ﴾ أي فكل واحد من هؤلاء المكذبين ﴿أخَذْنا بِذَنبِهِ فَمِنهُم مَّن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً﴾ أي ريحاً شديدة كعاد. ﴿ومِنهُمْ مَّنْ أخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ كثمود ﴿ومِنهُمْ مَّنْ خَسَفْنا بِهِ ٱلأَرْضَ﴾ كقارون ﴿ومِنهُمْ مَّنْ أغْرَقْنا﴾ كفرعون، وقوله تعالى. ﴿وما كانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي لم يكن من شأن الله تعالى الظلم فيظلمهم، ﴿ولَٰكِن كانُوۤاْ﴾ أي أولئك الأقوام ﴿أنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالشرك والكفر والتكذيب والمعاصي فأهلكوها بذلك، فكانوا هم الظالمين.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- بيان أن الشيطان هو سبب هلاك الأقوام وذلك بتزيينه لهم الشر والقبيح كالشرك والباطل والشر والفساد.

٢- بيان أن الاستكبار كالظلم عاقبتهما الهلاك والخسران.

٣- بيان أن الله تعالى ما أهلك أمة حتى يبين لها ما يجب أن تتقيه من أسباب الهلاك والدمار فإذا أبت إلا ذاك أوردها الله موارده.

29:41–45Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

شرح الكلمات:

مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء: أي صفة وحال الذين اتخذوا أصناماً يرجون نفعها.

كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً: أي لنفسها تأوي إليه.

أوهن البيوت: أضعف البيوت وأقلها جدوى.

يعلم ما يدعون من دونه من شيء: أي من الأوثان والأصنام وغيرها.

وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبير أمور خلقه.

وما يعقلها إلا العالمون: أي العالمون بالله وآياته وأحكام شرعه وأسراره.

خلق الله السماوات والأرض بالحق: أي من أجل أن يعبد لا للهو ولا لباطل.

أتل ما أوحي إليك من الكتاب: اقرأ يا رسولنا ما أنزل إليك من القرآن.

وأقم الصلاة: بأدائها مقامة مراعى فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها.

تنهى عن الفحشاء والمنكر: أي الصلاة بما توجده من نور في قلب العبد يصبح به لا يقدر على فعل فاحشة ولا إتيان منكر.

ولذكر الله أكبر: أي ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه كما أن ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة وغيرهما.

معنى الآيات:

بعد أن ذكر تعالى نقمته على أعدائه الذين كفروا به وأشركوا غيره في عبادته وكذبوا رسله وكان ذلك تنبيهاً وتعليماً للمشركين والكافرين المعاصرين لنزول القرآن لعلهم يستجيبون للدعوة المحمدية فيؤمنوا ويوحدوا ويسلموا من العذاب والخسران. ذكر هنا في هذه الآيات مثلاً لعبادة الأوثان في عدم نفعها لعابديها والقصد هو تقرير التوحيد، وإبطال الشرك العائق عن كمال الإنسان وسعادته وقال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي شركاء وهي الأصنام والأوثان يعبدونها راجين نفعها وشفاعتها لهم عند الله تعالى ﴿كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ لتأوي إليه قصد وقايتها مما تخاف من جراء برد أو اعتداء حشرة عليها، ﴿وإنَّ أوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ﴾ والحال أن أوهن البيوت أي أضعفها وأحقرها شأناً وأقلها مناعة هو بيت العنكبوت فهذه حال المشركين الذين اتخذوا من دون الله ﴿أوْلِيَآءَ﴾ أي أصناماً يرجون النفع، ودفع الضر بها فهم واهمون في ذلك غالطون، مخطئون، إنه لا ينفع ولا يضر إلا الله فليعبدوه وحده وليتركوا ما سواه. وقوله: ﴿لَوْ كانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كان المشركون يعلمون أن حالهم في عبادتهم غير الله في عدم الانتفاع بها كحال العنكبوت في عدم الانتفاع ببيتها الواهي لما رضوا بعبادة غير الله وتركوا عبادة الله الذي بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء. وقوله تعالى: ﴿إنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ فيه تهديد للمشركين المصرين على الشرك بأنه لا يخفى عليه ما هم عليه من دعاء غيره، ولو شاء لأهلكهم كما أهلك من قبلهم ﴿وهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي الغالب على أمره ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه ولذا يعجل العقوبة لمن يعجل لحكمة ويؤخرها لمن يؤخرها عنه لحكمة فلا يغتر المشركون بتأخير العذاب، ولا يستدلون به على رضا الله تعالى بعبادتهم، وكيف يرضاها وقد أهلك أمماً بها وأنزل كتابه وبعث رسوله لإبطالها والقضاء عليها وقوله تعالى: ﴿وتِلْكَ ٱلأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أي وهذه الأمثال نضربها للناس لأجل إيقاظهم وتبصيرهم وهدايتهم، وما ﴿وما يَعْقِلُهَآ إلاَّ ٱلْعالِمُونَ﴾ أي وما يدرك مغزاها وما تهدف إليه من التنفير من الشرك العائق عن كل كمال وإسعاد في الدارين ﴿إلاَّ ٱلْعالِمُونَ﴾ أي بالله وشرائعه وأسرار كلامه وما تهدي إليه آياته.

وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ إخبار بأنه تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض وهي مظاهر قدرته وعلمه وحكمته موجبة لعبادته بتعظيمه وطاعته ومحبته والإنابة إليه والخوف منه. وخلقهما بالحق لا بالباطل وذلك من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن كفر به فترك ذكره وشكره كان كمن عبث بالسماوات والأرض وأفسدها، لذا يعذب نظراً إلى عظم جرمه عذاباً دائماً أبداً. وقوله: ﴿إنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن في خلق السماوات والأرض بالحق ﴿لآيَةً﴾ أي علامة بارزة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهذه موجبات ألوهيته على سائر عباده فهو الإله الحق الذي لا رب غيره. ولا إله سواه وبعد هذا البيان والبرهان لم يبق عذر لمعتذر، وعليه ف ﴿ٱتْلُ﴾ أيها الرسول ﴿ما أُوْحِيَ إلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتابِ﴾ تعليماً وتذكيراً وتعبداً وتقرباً ﴿وأَقِمِ ٱلصَّلاةَ﴾ طرفي النهار وزلفاً من الليل فإن في ذلك عوناً كبيراً لك على الصبر والثبات وزاداً عظيماً لرحلتك إلى الملكوت الأعلى. وقوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلصَّلاةَ تَنْهىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وٱلْمُنْكَرِ﴾ تعليل للأمر بإقام الصلاة فإن الصلاة بما توجده من إشراقات النفس والقلب والعقل حال تحول بين العبد وبين التلوث بقاذورات الفواحش ومفاسد المنكر وذلك يفيد إقامتها لا مجرد أدائها والإتيان بها. وإقامة الصلاة تتمثل في الإخلاص فيها لله تعالى أولاً ثم بطهارة القلب من الالتفات إلى غير الرب تعالى أثناء أدائها ثانياً، ثم بأدائها في أوقاتها المحددة لها وفي المساجد بيوت الله، ومع جماعة المسلمين عباد الله وأوليائه، ثم بمراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود على الجبهة والأنف والطمأنينة فيه، وآخر أركانها الخشوع وهو السكون ولين القلب وذرف الدمع. هذه هي الصلاة التي توجد طاقة النور التي تحول دون الانغماس في الشهوات والذنوب وإتيان الفاحشة وارتكاب المنكر. وقوله تعالى: ﴿ولَذِكْرُ ٱللَّهِ أكْبَرُ﴾ أي أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من إقامة الصلاة لأن الصلاة أثناء أدائها مانعة عاصمة لكن إذا خرج منها، قد يضعف تأثيرها، أما ذكر الله بالقلب واللسان في كل الأحيان فهو عاصم مانع من الوقوع في الفحشاء والمنكر وفي اللفظ معنى آخر وهو أن ذكر الله للعبد في الملكوت الأعلى أكبر من ذكر العبد للرب في ملكوت الأرض ويدل عليه قوله:

«من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإ خير منه» كما في الحديث الصحيح. وقطعاً والله لذكر الرب العبد الضعيف أكبر من ذكر العبد الضعيف الرب العظيم. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين لآلائك. وقوله: ﴿وٱللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ فيه وعد وعيد، فإن علمه يترتب عليه الجزاء فمن كان يصنع المعروف جزاه به، ومن كان يصنع السوء جزاه به. اللهم ارزقنا صنائع المعروف وأبعد عنا صنائع السوء آمين.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام.

٢- تقرير التوحيد وإبطال التنديد.

٣- فصل العلماء على غيرهم، العلماء بالله، بصفاته وأسمائه وآياته، وشرائعه، وأسرارها.

٤- وجوب تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وذكر الله، إذ هي غذاء الروح وزاد العروج إلى الملكوت الأعلى.

٥- بيان فائدة إقام الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى بالقلب واللسان.

29:46–49Page 402

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

شرح الكلمات:

ولا تجادلوا أهل الكتاب: أي لا تحاجوا ولا تناظروا اليهود ولا النصارى.

إلا بالتي هي أحسن: أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وهي الدعوة إلى الله بآياته والتنبيه على حججه.

إلا الذين ظلموا منهم: أي الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين بدفع الجزية وبقوا حربا على المسلمين.

وكذلك أنزلنا إليك الكتاب: أي وكإنزالنا الكتاب على من قبلك من الرسل أنزلنا إليك الكتاب.

فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون: أي كعبد الله بن سلام وإخوانه الذين آمنوا بالرسول وكتابه.

ومن هؤلاء من يؤمن به: أي ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به وفعلا آمن به كثيرون.

ولا تخطه بيمينك: أي تكتب بيدك لأنك أميّ لا تقرأ ولا تكتب.

لارتاب المبطلون: أي لشك اليهود في نبوتك ونزول القرآن إليك.

بل هو آيات بينات: أي محمد ﷺ نعوته وصفاته آيات بينات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب.

وما يجحد بآياتنا إلا: أي وما يجحد بآيات الله الحاملة لنعوت الرسول الأمي وصفاته إلا الذين ظلموا أنفسهم بكتمان الحق والاستمرار على الباطل.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿ولا تُجادِلُوۤاْ أهْلَ ٱلْكِتابِ﴾ هذا تعليم للرسول ﷺ والمؤمنين يأخذون به مستقبلا عندما يتصلون بأهل الكتاب ويحتكون بهم فقال عز وجل مخاطبا الرسول ﷺ والمؤمنين من أمته ﴿ولا تُجادِلُوۤاْ أهْلَ ٱلْكِتابِ﴾ الذين هم اليهود والنصارى فنهاهم عن مجادلتهم وهي خصامهم ومحاجتهم ومناظرتهم ﴿إلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وذلك بدعوتهم إلى الله تعالى ليؤمنوا برسوله ويدخلوا في دينه الإسلام والتنبيه على حجج الله وأدلة وحيه وكتابه. وقوله ﴿إلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنهُمْ﴾ وهم الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين ولم يؤدوا الجزية وناصبوا المسلمين الحرب والعداء فهؤلاء لا يجادلون ولكن يُحَكَّم فيهم السيف فيقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقوله تعالى: ﴿وقُولُوۤاْ آمَنّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إلَيْنا وأُنزِلَ إلَيْكُمْ وإلَٰهُنا وإلَٰهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. هذا تعليم آخر للمؤمنين وهو: إن أخبرهم أهل الكتاب بشيء لا يوجد في الإسلام ما يثبته ولا ما ينفيه وادّعوا هم أنه في كتابهم في هذه الحال فقولوا ما أرشدنا الله تعالى إلى قوله وهو: ﴿آمَنّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إلَيْنا﴾ إلى آخر الآية حتى لا نكون قد كذَّبنا بحق ولا آمنّا بباطل، وفي البخاري أن النبي ﷺ قال: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿آمَنّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إلَيْنا وأُنزِلَ إلَيْكُمْ وإلَٰهُنا وإلَٰهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

وقوله تعالى ﴿وكَذَلِكَ أنزَلْنَآ إلَيْكَ ٱلْكِتابَ﴾ أي وكإنزالنا الكتب السابقة على رسل سبقوا كموسى وداود وعيسى عليهم السلام أنزلنا إليك أنت يا محمد الكتاب أي القرآن وقوله تعالى: ﴿فَٱلَّذِينَ آتَيْناهُمُ ٱلْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنَآ إلاَّ ٱلْكافِرونَ﴾.

فهذا إخبار بغيب فكما علّم الله تعالى المؤمنين كيف يكونون مع أهل الكتاب عندما يتصلون بهم ويعيشون معهم في المدينة وغيرها أخبر أن الذين آتاهم الكتاب أي التوراة والإنجيل وهم الراسخون في العلم يؤمنون أي بالقرآن وقد آمن عبد الله بن سلام وكثير من أحبار أهل الكتاب، وآمن من المشركين كثيرون فكان الأمر كما أخبر. وقوله تعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنَآ إلاَّ ٱلْكافِرونَ﴾ فهو كما أخبر لا يجحد بالآيات القرآنية ويكذّب بها إلا كافر مظلم النفس خبيثها وقوله تعالى: ﴿وما كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هو كما قال عز وجل لم يكن رسول الله ﷺ يقرأ قبل القرآن أيّ كتاب، ولا كان يخط بيمينه أيّ كتاب لأنه أُميّ لا يقرأ ولا يكتب أيْ فلو كان قبل نزول القرآن عليه يقرأ ويكتب لكان للمبطلين مجال للشك في صحة دعوى النبوة المحمدية ونزول القرآن عليه، ولكن لم يكن قبل القرآن يقرأ أيّ كتاب، ولم يكن يخط بيمينه أيّ خط ولا كتاب فلم يبق إذاً للمشركين ما يحتجون به أبداً. وقوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ أي بل الرسول ونعوته وصفاته ومنها وصف الأمية آيات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أُوتوا العلم من أهل الكتاب.. وقوله تعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنَآ﴾ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴿إلاَّ ٱلظّالِمُونَ﴾ أنفسهم من الماديين اليهود والنصارى الذين يأكلون ويَتَرأسُونَ على حساب الحق والعياذ بالله تعالى.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١) مشروعية مجادلة أهل الكتاب من أهل الذِّمَّة بالتي هي أحسن.

٢) حرمة سؤال أهل الكتاب لقوله ﷺ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل». ٣) منع تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم إذا أخبروا بشيء ووجوب قول: ﴿آمَنّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إلَيْنا وأُنزِلَ إلَيْكُمْ وإلَٰهُنا وإلَٰهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

٤) إخبار القرآن بالغيب قبل وقوعه فيقع كما أخبر فيكون ذلك آية على أنّه وحي الله تعالى.

٥) تقرير صفة الأمية في النبي ﷺ كما هي في الكتب السابقة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском