Al-Jaza'iriAli 'Imran · 3:133–153

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:133–153

3:133–136Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

شرح الكلمات:

وسارعوا: المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه بدون توانٍ ولا تراخ.

إلى مغفرة: المغفرة: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها. والمراد هنا: المسارعة إلى التوبة بترك الذنوب، وكثرة الاستغفار وفي الحديث: «ما من رجل يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ويستغفر الله إلى غفر له». وجنة: الجنة دار النعيم فوق السماوات، والمسارعة إليها تكون بالإكثار من الصالحات.

أُعِدَّتْ: هُيّئتْ وأحضرت فهي موجودة الآن مهيّأة.

للمتقين: المتقون هم الذين اتقوا الله تعالى فلم يعصوه بترك واجب ولا بفعل محرم، وإن حدث منهم ذنب تابوا منه فوراً.

في السراء والضراء: السراء الحال المسرة وهي اليسر والغنى والضراء الحال المضرة وهي الفقر.

والكاظمين الغيظ: كظم الغيظ: حبسه، والغيظ ألم نفسي يحدث إذا أوذي المرء في بدنه أو عرضه أو ماله، وحبس الغيظ: عدم إظهاره على الجوارح بسب أو ضرب ونحوهما للتشفي والانتقام.

والعافين عن الناس: العفو عدم المؤاخذة للمسيء مع القدرة على ذلك.

يحب المحسنين: المحسنون هم الذين يبّرون ولا يسيئون في قول أو عمل.

فاحشة: الفاحشة: الفعلة القبيحة الشديدة القبح كالزنى وكبائر الذنوب.

أو ظلموا أنفسهم: بترك واجب أو فعل محرم فدنسوها بذلك فكان هذا ظلماً لها.

ولم يصروا: أي يسارعون إلى التوبة، لأن الإصرار هو الشد على الشيء والربط عليه مأخوذ من الصر، والصرة معروفة.

وهم يعلمون: أي أنهم مخالفون للشرع بتركهم ما أوجب، او بفعلهم ما حرم.

ونعم أجر العاملين: الذي هو الجنة.

معنى الآيات:

لما نادى الله تعالى المؤمنين ناهياً لهم أكل الربا آمراً لهم بتقواه عز وجل، وباتقاء النار وذلك بترك الربا وترك سائر المعاصي الموجبة لعذاب الله تعالى ودعاهم إلى طاعته وطاعة رسوله كي يرحموا في دنياهم وأخراهم. أمرهم في الآية الأولى [١٣٣] بالمسارعة إلى شيئين الأول مغفرة ذنوبهم وذلك بالتوبة النصوح، والثاني دخول الجنة التي وصفها لهم، وقال تعالى ﴿وسارِعُوۤاْ إلىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها ٱلسَّمَٰوٰتُ وٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي أحضرت وهيئت للمتقين والمسارعة إلى الجنة هي المسارعة إلى موجبات دخولها وهي الإيمان والعمل الصالح إذ بهما تزكوا الروح وتطيب فتكون أهلاً لدخول الجنة.

هذا ما تضمنته الآية الأولى وأما الآيتان الثانية [١٣٤] والثالثة [١٣٥] فْقد تضمنتا صفات المتقين الذين أعدت لهم الجنة دار السلام فقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾ هذا وصف لهم بكثرة الإنفاق في سبيل الله، وفي كل أحايينهم من غنىً وفقر وعسر ويسر وقوله: ﴿وٱلْكاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ وصف لهم بالحلم والكرم النفسي وقوله: ﴿وٱلْعافِينَ عَنِ ٱلنّاسِ﴾ وصف لهم بالصفح والتجاوز عن زلات الآخرين تكرماً، وفعلهم هذا إحسان ظاهر ومن هنا بشروا بحب الله تعالى لهم فقال تعالى ﴿وٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ كما هو تشجيع على الإحسان وملازمته في القول والعمل وقوله: ﴿وٱلَّذِينَ إذا فَعَلُواْ فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوۤاْ أنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ وصف لهم بملازمة ذكر الله وعدم الغفلة، ولذا إذا فعلوا فاحشة ذنباً كبيراً أو ظلموا أنفسهم بذنب دون الفاحش ذكروا وعيد الله تعالى ونهيه عما فعلوا فبادروا الى التوبة وهي الإقلاع عن الذنب والندم عن الفعل والعزم على عدم العودة إليه، واستغفار الله تعالى منه.

وقوله تعالى: ﴿ولَمْ يُصِرُّواْ عَلىٰ ما فَعَلُواْ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وصف لهم بعدم الإصرار أي المواظبة على الذنب وعدم تركه وهم يعلمون أنه ذنب ناتج عن تركهم لواجب، أو فعلهم لحرام، وأما الآية الرابعة [١٣٦] فقد تضمنت بيان جزائهم على إيمانهم وتقواهم وما اتصفوا به من كمالات نفسية، وطهارة روحية إلا وهو مغفرة ذنوبهم كل ذنوبهم. وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ومدح المنان عز وجل ما جازاهم به من المغفرة والخلود في الجنة ذات النعيم المقيم فقال: ﴿ونِعْمَ أجْرُ ٱلْعامِلِينَ﴾.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجوب تعجيل التوبة وعدم التسويف فيها لقوله تعالى: ﴿وسارِعُوۤاْ﴾.

٢- سعة الجنة، وإنها مخلوقة الآن لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾.

٣- المتقون هم أهل الجنة وورثتها بحق.

٤- فضل استمرار الإنفاق في سبيل الله، ولو بالقليل.

٥- فضيلة خلة كظم الغيظ بترك المبادرة إلى التشفي والإنتقام.

٦- فضل العفو عن الناس مطلقا مؤمنهم وكافرهم بارهم وفاجرهم.

٧- فضيلة الاستغفار وترك الإصرار على المعصية للآية ولحديث: «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة». رواه الترمذي وأبو داود. وحسنه ابن كثير.

3:137–141Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١

And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

شرح الكلمات:

قد خلت: خلت: مضت.

سنن: جمع سنة وهي السيرة والطريقة التي يكون عليها الفرد أو الجماعة، وسنن الله تعالى في خلقه قانونه الماضي في الخلق.

فسيروا في الأرض: الأمر للإرشاد، للوقوف على ديار الهالكين الغابرين لتعتبروا.

عاقبة المكذبين: عاقبة أمرهم وهي ما حل بهم من الدمار والخسار كعاد وثمود.

هذا بيان للناس: أي ما ذكر في الآيات بيان للناس به يتبينون الهدى من الضلال وما لازمهما من الفلاح، والخسران.

موعظة: الموعظة الحال التي يتعظ بها المؤمن فيسلك سبيل النجاة.

ولا تهنوا: لا تضعفوا.

قرح: القرح: أثر السلاح في الجسم كالجرح، وتضم القاف فيكون بمعنى الألم.

الأيام: جمع يوم والليالي معها والمراد بها ما يجريه الله من تصاريف الحياة من خير وغيره وإعزاز وإذلال.

شهداء: جمع شهيد وهو المقتول في سبيل الله وشاهد وهو من يشهد على غيره.

ليمحص: ليخلص المؤمنين من أدران المخالفات وأوضار الذنوب.

ويمحق: يمحو ويذهب آثار الكفر والكافرين.

معنى الآيات:

لما حدث ما حدث من انكسار المؤمنين بسبب عدم الصبر، والطاعة اللازمة للقيادة ذكر تعالى تلك الأحداث مقرونة بفقهها لتبقى هدى وموعظة للمتقين من المؤمنين وبدأها بقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ فأخبر تعالى المؤمنين بأن سننه قد مضت فيمن قبلهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم فقد أرسل الله تعالى إليهم رسله فكذبوهم فأمضى تعالى سننه فيهم فأهلك المكذبين وأنجى المؤمنين بعد ما نالهم من أذى أقوامهم المكذبين، وستمضي سنته اليوم كذلك، فينجيكم وينصركم ويهلك المكذبين أعداءكم. وإن ارتبتم فسيروا في الأرض وقفوا على آثار الهالكين، وانظرو كيف كانت عاقبتهم،ثم قال تعالى: هذا الذي ذكرت في هذه الآيات بيان للناس يتبينون به الحق من الباطل والهدى من الضلال، وهدى يهتدون به إلى سبيل السلام وموعظة يتعظ بها المتقون لاستعدادهم بإيمانهم وتقواهم للإتعاظ فيطيعون الله ورسوله فينجون ويفلحون هذا ما تضمّنته الآيتان الأولى [١٣٧] والثانية [١٣٨] وأما الآيتان الثالثة [١٣٩] والرابعة [١٤٠] فقد تضمنتا تعزية الرب تعالى للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد إذ قال تعالى مخاطباً لهم ﴿ولا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا فتقعدوا عن الجهاد والعمل، ولا تحزنوا على ما فاتكم من رجالكم، وأنتم الأعلون أي الغالبون لأعدائكم المنتصرون عليهم، وذلك فيما مضى وفيما هو آتٍ مستقبلا بشرط إيمانكم وتقواكم واعلموا أنه إن يمسسكم قَرْح بموت أو جراحات لا ينبغي أن يكون ذلك موهناً لكم قاعداً بكم عن مواصلة الجهاد فإن عدوكم قد مسّه قَرْح مثله وذلك في معركة بدر، والحرب سِجال يومٌ لكم ويومٌ عليكم وهي سنة من سنن ربكم في الحياة هذا معنى قوله تعالى: ﴿وتِلْكَ ٱلأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ ٱلنّاسِ﴾ ثم بعد هذا العزاء الكريم الحكيم ذكر تعالى لهم علَّة هذا الحدث الجَلَل، والسر فيه وقال: ﴿ولِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ أي ليظهر بهذا الحادث المؤلم إيمان المؤمنين وفعلا فالمنافقون رجعوا من الطريق بزعامة رئيسهم المنافق الأكبر عبد الله بن أبي بن سلول، والمؤمنون واصلوا سيرهم وخاضوا معركتهم فظهر إيمانهم واتخذ الله منهم شهداء وكانوا نحواً من سبعين شهيداً منهم أربعة من المهاجرين وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ومصعب بن عمير، والباقون من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين.

وقوله تعالى: ﴿ولِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي أوجد هذا الذي أوجده في أحد من جهاد وانكسار تخليصا للمؤمنين من ذنوبهم وتطهيراً لهم ليصفوا الصفاء الكامل، ويمحق الكافرين بإذهابهم وإنهاء وجودهم.

إن هذا الدرس نفع المؤمنين فيما بعد فلم يخرجوا عن طاعة نبيهم، وبذلك توالت انتصاراتهم حتى أذهبوا ريح الكفر والكافرين من كل أرض الجزيرة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- عاقبة المكذبين بدعوة الحق الخسار والوبال.

٢- في آي القرآن الهدي والبيان والمواعظ لمن كان من أهل الإيمان والتقوى.

٣- أهل الإيمان هم الأعلون في الدنيا والآخرة.

٤- الحياة دول وتارات فليقابلها المؤمن بالكر والصبر.

٥- الفتن تمحص الرجال، وتودي بحياة العاجزين الجزعين.

3:142–145Page 68

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢

Or do you think that you will enter Paradise while Allāh has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣

And you had certainly wished for death [i.e., martyrdom] before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.

شرح الكلمات:

أم حسبتم: بل أظننتم فلا ينبغي أن تظنوا هذا الظن فالإستفهام إنكاري.

ولما يعلم: ولم يبتلكم بالجهاد حتى يعلم علم ظهور من يجاهد منكم ممن لا يجاهد كما هو عالم به في باطن الأمر وخفيّه.

خلت من قبله: أي مضت من قبله الرسل بلغوا رسالتهم وماتوا.

إفإن مات أو قتل: ينكر تعالى على من قال عندما أشيع أن النبي قُتل (هيا بنا نرجع الى دين قومنا، فالإستفهام منصبّ على قوله ﴿ٱنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أعْقابِكُمْ..﴾ لا على فإن مات أو قتل، وإن دخل عليها.

انقلبتم على أعقابكم: رجعتم عن الإسلام إلى الكفر.

كتاباً مؤجلاً: كتب تعالى آجال الناس مؤقتة بمواقيتها فلا تتقدم ولا تتأخر.

ثواب الدنيا: الثواب: الجزاء على النية والعمل معاً، وثواب الدنيا الرزق وثواب الآخرة الجنة.

الشاكرين: الذين ثبتوا على إسلامهم فاعتبر ثباتهم شكراً لله، وما يجزيهم به هو الجنة ذات النعيم المقيم، وذلك بعد موتهم.

معنى الآيات:

ما زال السياق متعلقاً بغزوة أحد فأنكر تعالى على المؤمنين ظنهم أنهم بمجرد إيمانهم يدخلون الجنة بدون أن يبتلوا بالجهاد والشدائد تمحيصاً لهم وإظهاراً للصادقين منهم في دعوى الإيمان والكاذبين فيها، كما يظهر الصابرين الثابتين والجزعين المرتدين فقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جاهَدُواْ مِنكُمْ ويَعْلَمَ ٱلصّابِرِينَ﴾ ثم عابهم تعالى على قلة صبرهم وانهزامهم في المعركة مذكراً إياهم بتمنيات الذين لم يحضروا وقعة بدر، وفاتهم فيها ما حازه من حضرها من الأجر والغنيمة بأنهم إذا قُدر لهم قتال في يوم ما من الأيام يبلون فيه البلاء الحسن فلما قدر تعالى ذلك لهم في وقعة أحد جزعوا وما صبروا وفروا منهزمين فقال تعالى: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي فلم انهزمتم وما وفيتم ما واعدتم أنفسكم به؟ هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [١٤٢]، والثانية [١٤٣] وأما الآية الثالثة [١٤٤] فقد تضمنت عتاباً شديداً لأصحاب رسول الله ﷺ عندما اشتدت المعركة وحمي وطيسها واستحر القتل في المؤمنين نتيجة خلو ظهورهم من الرماة الذين كانوا يحمونهم من ورائهم وضرب ابن قميئة - أقمأة الله - رسول الله ﷺ بحجر في وجهه فشجه وكسر رباعيته، وأعلن أنه قتل محمداً فانكشف المسلمون وانهزموا، وقال من قال منهم لم نقاتل وقد مات رسول الله، وقال بعض المنافقين نبعث إلى ابن أبي رئيس المنافقين يأتي يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان، ونعود إلى دين قومنا!! فقال تعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ وما دام رسولاً كغيره من الرسل، وقد مات الرسل قبله فلم ينكر موته، أو يندهش له إذاً؟ بعد تقرير هذه الحقيقة العلمية الثابتة أنكر تعالى بشدة على أولئك الذين سمعوا صرخة إبليس في المعركة (قتل محمد) ففروا هاربين إلى المدينة، ومنهم من أعلن ردته في صراحة وهم المنافقون فقال تعالى: ﴿أفإنْ مّاتَ أوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أعْقابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشّاكِرِينَ﴾ فعاتبهم منكراً على المنهزمين والمرتدين من المنافقين ردتهم، وأعلمهم أن ارتداد من ارتد أو يرتد لن يضر الله تعالى شيئاً فالله غنّي عن إيمانهم ونصرهم، وأنه تعالى سيجزي الثابتين على إيمانهم وطاعة ربهم ورسوله ﷺ وسيجزيهم دنيا وآخرة بأعظم الأجور وأحسن المثوبات.

هذه ما تضمنته الآية الثالثة أما الآية الرابعة [١٤٥] فقد تضمنت حقيقتين علميتين: الأولى: أن موت الإنسان متوقف حصوله على إذن الله خالقه ومالكه فلا يموت أحد بدون علم الله تعالى بذلك فلم يكن لملك الموت أن يقبض روح إنسان قبل إذن الله تعالى له بذلك، وشيء آخر وهو أن موت كل إنسان قد ضبط تاريخ وفاته باللحظة فضلاً عن اليوم والساعة، وذلك في كتاب خاص فليس من الممكن أن يتقدم أجل إنسان أو يتأخر بحال من الأحوال، هذه حقيقة يجب أن تعلم، من قول الله تعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلاَّ بِإذْنِ ٱللهِ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً﴾.

والثانية: أن من دخل المعركة يقاتل باسم الله فإن كان يريد بقتاله ثواب الدنيا فلله عز وجل يؤتيه من الدنيا ما قدره له، وليس له من ثواب الآخرة شيء، وإن كان يريد ثواب الآخرة لا غير فالله عز وجل يعطيه في الدنيا ما كتب له ويعطيه ثواب الآخرة وهو الجنة وما فيها من نعيم مقيم وأن الله تعالى سيجزي الشاكرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذه الحقيقة التي تضمنها قوله تعالى: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ ٱلدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ﴾.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- الابتلاء بالتكاليف الشرعية الصعبة منها والسهلة من ضروريات الإيمان.

٢- تقرير رسالة النبي محمد ﷺ وبشريته المفضلّة، ومَوْتَتِه المؤلمة لكل مؤمن.

٣- الجهاد وخوض المعارك لا يقدم أجل العبد، والفرار من الجهاد لا يؤخره أيضاً.

٤- ثواب الأعمال موقوف على نية العاملين وحسن قصدهم.

٥- فضيلة الشكر بالثبات على الإيمان والطاعة لله ورسوله في الأمر والنهي.

3:146–148Page 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

شرح الكلمات:

وكأيّن من نبي: كثير من الأنبياء. وتفسر كأين بكم وتكون حينئذ للتكثير.

ربيّون: ربانيون علماء وصلحاًء وأتقياء عابدون.

فما وهنوا لما أصابهم: ما ضعفوا عن القتال ولا انهزموا لأجل ما أصابهم من قتل وجراحات.

وما استكانوا: ما خضعوا ولا ذلوا لعدوهم.

الإسراف: مجاوزة الحد في الأمور ذات الحدود التي ينبغي أن يوقف عندها.

فآتاهم الله ثواب الدنيا: أعطاهم الله تعالى ثواب الدنيا النصر والغنيمة.

المحسنين: الذين يحسنون نياتهم فيخلصون أعمالهم لله، ويحسنون أعمالهم فيأتون بها موافقة لما شرعت عليه في كيفياتها وأعدادها وأوقاتها.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن أحداث غزوة أحد فذكر تعالى هنا ما هو في تمام عتابه للمؤمنين في الآيات السابقة عن عدم صبرهم وانهزامهم وتخليهم عن نبيهم في وسط المعركة وحده حتى ناداهم: إليّ عباد الله إليّ عباد الله فثاب إليه رجال. فقال تعالى مخبراً بما يكون عظة للمؤمنين وعبرة لهم: ﴿وكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ﴾ أي وكم من نبي من الأنبياء السابقين قاتل معه جموع كثيرة من العلماء والأتقياء والصالحين فما وهنوا أي ما ضعفوا ولا ذلوا لعدوهم ولا خضعوا له كما همّ بعضكم أن يفعل أيها المؤمنون، فصبروا على القتال مع أنبيائهم متحملين آلام القتل والجرح فأحبهم ربهم تعالى لذلك أنه يحب الصابرين.

هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٤٦] ونصها: ﴿وكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُواْ لِمَآ أصابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وما ضَعُفُواْ وما ٱسْتَكانُواْ وٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصّابِرِينَ﴾ وأما الآية الثانية فأخبر تعالى فيها عن موقف أولئك الربيين وحالهم أثناء الجهاد في سبيله تعالى فقال: ﴿وما كانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أن قالُواْ ربَّنا ٱغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا فِيۤ أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وٱنْصُرْنا عَلى ٱلْقَوْمِ ٱلْكافِرِينَ﴾. ولازم هذا كأنه تعالى يقول للمؤمنين لم لا تكون أنتم مثلهم وتقولواْ قولتهم الحسنة الكريمة وهي الضراعة لله تعالى بدعائه واستغفاره لذنوبهم الصغيرة والكبيرة والتي كثيراً ما تكون سبباً للهزائم والانتكاسات كما حصل لكم أيها المؤمنون فلم يكن لأولئك الربانيين من قول سوى قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فسألوا لله مغفرة ذنوبه وتثبيت أقدامهم فى أرض المعركة حتى لا يتزلزلوا فينهزموا والنصرة على القوم الكافرين أعداء الله وأعدائهم فاستجاب لهم ربهم فأعطاهم ما سألوا وهو ثواب الدنيا بالنصر والتمكين وحسن ثواب الآخرة وهي رضوانه الذي أحله عليهم وهم في الجنة دار المتقين والأبرار هذا ما دلت عليه الآية الأخيرة [١٤٨] ﴿فَآتاهُمُ ٱللَّهُ ثَوابَ ٱلدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ ٱلآخِرَةِ وٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- الترغيب في الائتساء بالصالحين في إيمانهم وجهادهم وصبرهم وحسن أقوالهم.

٢- فضيلة الصبر والإحسان، لحب الله تعالى الصابرين والمحسنين.

٣- فضيلة الاشتغال بالذكر والدعاء عند المصائب والشدائد بدل التأوهات وإبداء التحسرات والتمنيات، وشر من ذلك التسخط والتضجر والبكاء والعويل.

٤- كرم الله تعالى المتجلي في استجابة دعاء عباده الصابرين المحسنين.

3:149–151Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

شرح الكلمات:

إن تطيعوا الذين كفروا: المراد من طاعة الكافرين قبول قولهم والأخذ بإرشاداتهم.

يردوكم على أعقابكم: يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان.

خاسرين: فاقدين لكل خير في الدنيا، ولأنفسكم وأهليكم يوم القيامة.

بل الله مولاكم: بل أطيعوا الله ربكم ووليكم ومولاكم فإنه خير من يطاع وأحق من يطاع.

الرّعب: شدة الخوف من توقع الهزيمة والمكروه.

مأواهم: مقر إيوائهم ونزولهم.

مثوى: المثوى مكان الثوى وهو الإقامة والاستقرار.

الظالمين: المشركين الذين أطاعوا غير الله تعالى وعبدوا سواه.

معنى الآيات:

ما زال السياق في أحداث غزوة أحد فقد روى أن بعض المنافقين لما رأى هزيمة المؤمنين في أحد قال في المؤمنين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبياً لما قتل إلى آخر ما من شأنه أن يقال في تلك الساعة الصعبة من الإقتراحات التي قد كشف عنها هذا النداء الإلهي للمؤمنين وهو يحذرهم من طاعة الكافرين بقوله عز وجل ﴿يا أيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلىٰ أعْقابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خاسِرِينَ﴾ فلا شك أن الكافرين قد طالبوا المؤمنين بطاعتهم بتنفيذ بعض الإقتراحات التي ظاهرها النصح وباطنها الغش والخديعة، فنهاهم الله تعالى عن طاعتهم في ذلك وهذا النهي وإن نزل في حالة خاصة فإنه عام في المسلمين على مدى الحياة فلا يحل طاعة الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم وفي كل ما يأمرون به أو يقترحونه، ومن أطاعهم ردّوه عن دينه إلى دينهم فينقلب: يرجع خاسراً في دنياه وآخرته، والعياذ بالله هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٤٩] وأما الآية الثانية [١٥٠] فقد تضمنت الأمر بطاعته تعالى، إذ هو أولى بذلك لأنه ربهم ووليهم ومولاهم فهو أحق بطاعتهم من الكافرين فقال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ فأطيعوه، ولا تطيعوا أعداءه وإن أردتم أن تطلبوا النصر بطاعة الكافرين فإن الله تعالى خير الناصرين فاطلبوا النصر منه بطاعته فإنه ينصركم وفي الآية الثالثة [١٥١] لما امتثل المؤمنون أمر ربهم فلم يطيعوا الكافرين وعدهم ربهم سبحانه وتعالى بأنه سيلقي في قلوب الكافرين الرعب وهو الخوف والفزع والهلع حتى تتمكنوا من قتالهم والتغلب عليهم وذلك هو النصر المنشود منكم، وعلل تعالى فعله ذلك بالكافرين بأنهم اشركوا به تعالى آلهة عبدوها معه لم ينزل بعبادتها حجة ولا سلطاناً وقال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أشْرَكُواْ بِٱللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ وأخيراً مأواهم النار أي محل إقامتهم النار، وذم تعالى الإقامة في النار فقال ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين، يريد النار بئس المقام للظالمين وهم المشركون.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تحرم طاعة الكافرين في حال الإختيار.

٢- بيان السر في تحريم طاعة الكافرين وهو أنه يترتب عليها الردة والعياذ بالله.

٣- بيان قاعدة من طلب النصر من غير الله أذلة الله.

٤- وعد الله المؤمنين بنصرهم بعد إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، إذ هم أبو سفيان بالعودة إلى المدينة بعد إنصرافه من أحد ليقضيَ عمن بقي في المدينة من الرجال كذا سولت له نفسه، ثم ألقى الله تعالى في قلبه الرعب فعدل عن الموضوع بتدبير الله تعالى.

٥- بطلان كل دعوى ما لم يكن لأصحابها حجة وهي المعبر عنها بالسلطان في الآية إذ الحجة يثبت بها الحق ويناله صاحبه بواسطتها.

3:152–153Page 69

وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢

And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.

۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.

شرح الكلمات:

صدقكم الله وعده: أنجزكم ما وعدكم على لسان رسوله بقوله للرماة اثبتوا أماكنكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم.

تحسونهم: تقتلونهم إذ الحس القتل يقال حسه إذا قتله فابطل حسّه.

بإذنه: بإذنه لكم في قتالهم وبإعانته لكم على ذلك.

فشلتم: ضعفتم وجبنتم عن القتال.

تصعدون: تذهبون في الأرض فارين من المعركة يقال أصعد إذا ذهب في صعيد الأرض.

ولا تلوون على أحد: لا تلوون رؤوسكم على أحد تلتفتون إليه.

والرسول يدعوكم في أخراكم: أي يناديكم من خلفكم إليّ عباد الله ارجعوا إليّ عباد الله ارجعوا.

فأثابكم غما بغم: جزاكم على معصيتكم وفراركم غماً على غم. والغم ألم النفس وضيق الصدر.

ما فاتكم: من الغنائم.

ولا ما أصابكم: من الموت والجراحات والآلام والأتعاب.

معنى الآيات:

ما زال السياق في أحداث أحد فقد تقدم في السياق قريبا نهى الله تعالى المؤمنين عن طاعة الكافرين في كل ما يقترحون، ويشيرون به عليهم. ووعدهم بأنه سليقي الرعب في قلوب الكافرين وقد فعل فله الحمد حيث عزم أبو سفيان على أن يرجع إلى المدينة ليقتل من بها ويستأصل شأفتهم فأنزل الله تعالى في قلبه وقلوب أتباعه الرعب فعدلوا عن غزو المدينة مرة ثانية وذهبوا إلى مكة. ورجع الرسول والمؤمنون من حمراء الأسد ولم يلقوا أبا سفيان وجيشه. وفي هاتين الآيتين يخبرهم تعالى بمنته عليهم حيث أنجزهم ما وعدهم من النصر فقال تعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإذْنِهِ﴾، وذلك أن الرسول ﷺ لما بوأ الرماة مقاعدهم. وكانوا ثلاثين رامياً وجعل عليهم عبد الله بن جبير أمرهم بأن لا يبرحوا أماكنهم كيفما كانت الحال وقال لهم: «إنا لا نزال غالبين ما بقيتم في أماكنكم ترمون العدو فتحمون ظهورنا بذلك»، وفعلاً دارت المعركة وأنجز الله تعالى لهم وعده ففر المشركون أمامهم تاركين كل شيء هاربين بأنفسهم والمؤمنون يحسونهم حسّاً أي يقتلونهم قتلا بإذن الله وتأييده لهم ولما رأى الرماة هزيمة المشركين والمؤمنون يجمعون الغنائم قالوا: ما قيمة بقائنا هنا والناس يغنمون فهَيّا بنا ننزل إلى ساحة المعركة لنغنم، فذكرهم عبد الله بن جبير قائدهم بأمر رسول الله ﷺ فتأولوه ونزلوا إلى ساحة المعركة يطلبون الغنائم، وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد فلما رأى الرماة أخْلَوْا مراكزهم إلا قليلا منهم كرَّ بخيله عليهم فاحتل أماكنهم وقتل من بقي فيها، ورمى المسلمين من ظهورهم فتضعضوا لذلك فعاد المشركون إليهم ووقعوا بين الرماة الناقمين والمقاتلين الهائجين فوقعت الكارثة فقتل سبعون من المؤمنين ومن بينهم حمزة عم الرسول ﷺ وجرح رسول الله ﷺ في وجهه وكسرت رباعيته وصاح الشيطان قائلا أن محمداً قد مات وفر المؤمنون من ميدان المعركة إلا قليلا منهم وفي هذا يقول تعالى: ﴿حَتّىٰ إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾، يريد تنازع الرماة مع قائدهم عبد الله بن جبير حيث نهاهم عن ترك مقاعدهم وذكرهم بأمر رسول الله فنازعوه في فهمه وخالفوا الأمر ونزلوا، وكان ذلك بعد أن رأوا إخوانهم قد انتصروا وأعداءهم قد انهزموا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أراكُمْ مّا تُحِبُّونَ﴾ أي من النصر ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهم الذين نزلوا إلى الميدان يجمعون الغنائم، ﴿ومِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ﴾ وهم عبد الله بن جبير والذين صبروا معه في مراكزهم حتى استشهدوا فيها وقوله تعالى ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وذلك إخبار عن ترك القتال لما أصابهم من الضعف حينما رأوا أنفسهم محصورين بين رماة المشركين ومقاتليهم فأصعدوا في الوادي هاربين بأنفسهم، وحصل هذا بعلم الله تعالى وتدبيره، والحكمة فيه أشار إليها تعالى بقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي يختبركم فيرى المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، والصابر من الجزع، وقوله تعالى ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ يريد أنه لو شاء يؤاخذهم بمعصيتهم أمر رسولهم فسلط عليهم المشركين فقتلوهم أجمعين ولم يُبقوا منهم أحداً إذ تمكنوا منهم تماما ولكن الله سلم.

هذا معنى ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٥٢] أما الآية الثانية [١٥٣] فهي تصور الحال التي كان عليها المؤمنون بعد حصول الانكسار والهزيمة فيقول تعالى ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ أى عفا عنكم في الوقت الذي فررتم مصعدين في الأودية هاربين من المعركة والرسول يدعوكم من ورائكم إليّ عباد الله ارجعوا، وأنتم فارون لا تلوون على أحد، أي لا تلتفتوا إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ يريد جزاكم على معصيتكم غماّ والغم ألم النفس لضيق الصدر وصعوبة الحال. وقوله بغم أي على غم، وسبب الغم الأول فوات النصر والغنيمة والثاني القتل والجراحات وخاصة جراحات نبيّهم، وإذاعة قتله ﷺ.

وقوله تعالى: ﴿لِّكَيْلا تَحْزَنُواْ عَلىٰ ما فاتَكُمْ ولا مَآ أصَٰبَكُمْ﴾ أي ما أصابكم بالغم الثاني الذي هو خبر قتل الرسول ﷺ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر والغنيمة، ولا على ما أصابكم من القتل والجراحات فأنساكم الغم الثاني ما غمكم به الغم الأول الذي هو فوات النصر والغنيمة. وقوله ﴿وٱللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يخبرهم تعالى أنه بكل ما حصل منهم من معصية وتنازع وفرار، وترك للنبي ﷺ في المعركة وحده وانهزامهم وحزنهم خبير مطلع عليه عليم به وسيجزي به المحسن بإحسانه والمسيىء بإساءته أو يعفو عنه، والله عفو كريم.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- مخالفة القيادة الرشيدة والتنازع في حال الحرب يسبب الهزيمة المنكرة.

٢- معصية الله ورسوله والإختلافات بين أفراد الأمة تعقب آثاراً سيئة أخفها عقوبة الدنيا بالهزائم وذهاب الدولة والسلطان.

٣- ما من مصيبة تصيب العبد إلاّ وعند الله ما هو أعظم منها فلذا يجب حمد الله تعالى على أنها لم تكن أعظم.

٤- ظاهر هزيمة أحد النقمة وباطنها النعمة، وبيان ذلك أنْ عَلِمَ المؤمنون أن النصر والهزيمة يتمان حسب سنن إلهية فما أصبحوا بعد هذه الحادثة المؤلمة يغفلون تلك السنن أو يهملونها.

٥- بيان حقيقة كبرى وهي أن معصية الرسول ﷺ مرة واحدة وفي شيء واحد ترتب عليها آلام وجراحات وقتل وهزائم وفوات خير كبير وكثير فكيف بالذين يعصون رسول الله طوال حياتهم وفي كل أوامره ونواهيه وهم يضحكون ولا يبكون، وآمنون غير خائفين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском