Al-Jaza'iriAli 'Imran · 3:154–178

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:154–178

3:154–155Page 70

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.

شرح الكلمات:

أمنة نعاسا: الأمنة: الأمن، والنعاس: استرخاء يصيب الجسم قبل النوم.

يغشى طائفة منكم: يُصيب المؤمنين ليستريحوا ولا يصيب المنافقين.

أهمتهم أنفسهم: أي لا يفكرون إلا في نجاة أنفسهم غير مكترثين بما أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه.

ظن الجاهلية: هو اعتقادهم أن النبيّ قتل أو أنه لا ينصر.

هل لنا من الأمر: أي ما لنا من الأمر من شيء.

ما لا يبدون لك: أي مالا يظهرون لك.

لبرز الذين: لخرجوا من المدينة ظاهرين ليلقوا مصارعهم هناك.

كتب عليهم القتل: يريد كتب في كتاب المقادير أي اللوح المحفوظ.

مضاجعهم: جمع مضجع وهو مكان النوم والاضطجاع والمراد المكان الذي صرعوا فيه قتلى.

ليبتلي: ليختبر.

وليمحص: التمحيص: التمييز وهو إظهار شيء من شيء كإظهار الإيمان من النفاق، والحب من الكره.

استزلهم الشيطان: أوقعهم في الزلل وهو الخطيئة والتي كانت الفرار من الجهاد.

معنى الآيتين:

ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فأخبر تعالى في الآية الأولى [١٥٤] عن أمور عظام الأول أنه تعالى بعد الغم الذي أصاب به المؤمنين أنزل على أهل اليقين خاصة أمناً كاملا فذهب الخوف عنهم حتى أن أحدهم لينام والسيف في يده فيسقط من يده ثم يتناوله قال تعالى: ﴿ثُمَّ أنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أمَنَةً نُّعاساً يَغْشىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ والثاني أن أهل الشك والنفاق حرمهم الله تعالى من تلك الأمنة فما زال الخوف يقطع قلوبهم والغم يُسَيْطر على نفوسهم وهم لا يفكرون إلا في أنفسهم كيف ينجون من الموت وهم المعنيون بقوله تعالى ﴿وطَآئِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ﴾ والثالث أن الله تعالى قد كشف عن سرائرهم فقال يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، والمراد من ظنهم بالله غير الحق ظن المشركين أنهم يعتقدون أن الإسلام باطل وأن محمداً ليس رسولاً، وأن المؤمنين سينهزمون ويموتون وينتهي الإسلام ومن يدعوا إليه. والرابع أن الله تعالى قد كشف سرهم فقال عنهم: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ هذا القول قالوه سراً فيما بينهم، ومعناه ليس لنا من الأمر من شيء ولو كان لنا ما خرجنا ولا قاتلنا ولا أصابنا الذي أصابنا فأطلعه الله تعالى سرهم وقال له: رد عليهم بقولك: إن الأمر كله لله. ثم هتك تعالى مرة أخرى سترهم وكشف سرهم فقال: يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك أي يخفون في أنفسهم من الكفر والبغض والعداء لك ولأصحابك ما لا يظهرونه لك. والرابع لما تحدث المنافقون في سرهم وقالوا لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا ها هنا: يريدون لو كان الأمر بأيديهم ما خرجوا لقتال المشركين لأنهم إخوانهم في الشرك والكفر، ولا قتلوا مع من قتل في أحد فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قل لو كنتم في بيوتكم بالمدينة لبرز أي ظهر الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وصرعوا فيها وماتوا، لأن ما قدره الله نافذ على كل حال، ولا حذر مع القدر.

ولا بد أن يتم خروجكم إلى أحد بتدبير الله تعالى لبتلي الله أي يمتحن ما في صدوركم ويميز ما في قلوبكم فيظهر ما كان غيباً لا يعلمه إلا هو إلى عالم المشاهدة ليعلمه ويراه على حقيقته رسوله والمؤمنون، وهذا لعلم الله تعالى بذات الصدور. هذا معنى قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إلىٰ مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ولِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.

هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [١٥٥] فقد تضمنت إخبار الله تعالى عن حقيقة واحدة ينبغي أن تعلم وهي أن الذين فرّوا من المعركة لما اشتد القتال وعظم الكرب الشطيان هو الذي أوقعهم في هذه الزلة وهي توليّهم عن القتال بسبب بعض الذنوب كانت لهم، ولذا عفا الله عنهم ولم يؤاخذهم بهذه الزلة، وذلك لأن الله غفور حليم فلذا يمهل عبده حتى يتوب فيتوب عليه ويغفر له ولو لم يكن حليما لكان يؤاخذ لأول الذنب والزلة فلا يمكن أحداً من التوبة والنجاة. هذا معنى قوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ﴾ أي عن القتال، يوم التقى الجمعان أي جمع المؤمنين وجمع الكافرين بأحد. إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم فلم يؤاخذهم إن الله غفور حليم.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- إكرام الله تعالى لأوليائه بالأمان الذي أنزله في قلوبهم.

٢- إهانة الله تعالى لأعدائه بحرمانهم مما أكرم به أولياءه وهم في مكان واحد.

٣- تقرير مبدأ القضاء والقدر، وأن من كتب موته في مكان لا بد وأن يموت فيه.

٤- أفعال الله تعالى لا تخلو أبداً من حكم عالية فيجب التسليم لله تعالى والرضا بأفعاله في خلقه.

٥- الذنب يولد الذنب، والسيئة تتولد عنها سيئة أخرى فلذا وجبت التوبة من الذنب فوراً.

3:156–158Page 70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

شرح الكلمات:

آمنوا: صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من وعد ووعيد.

إخوانهم: هذه أخوة العقيدة لا أخوة النسب وهي هنا أخوة النفاق.

ضربوا في الأرض: ضربوا في الأرض بأقدامهم مسافرين للتجارة غالبا.

غزى: جمع غازٍ وهو من يخرج لقتال ونحوه من شؤون الحرب.

الحسرة: ألم يأخذ بخناق النفس بسب فوت مرغوب أو فقد محبوب.

معنى الآيات:

ما زال السياق في أحداث غزوة أحد ونتائجها المختلفة ففي هذه الآية [١٥٦] ينادي الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله تعالى ووعيده يناديهم لينهاهم عن الاتصاف بصفات الكافرين النفسية ومن ذلك قول الكافرين لإخوانهم في الكفر إذا هم ضربوا في الأرض لتجارة أو لغزو فمات من مات منهم أو قتل من قتل بقضاء الله وقدره، لو كانوا عندنا أي ما فارقونا وبقوا في ديارنا وماتوا وما قتلوا وهذا دال على نفسية الجهل ومرض الكفر، وحسب سنة الله تعالى فإن هذا القول منهم يتولد، لهم عنه بإذنه تعالى غم نفسي وحسرات قلبية تمزقهم وقد تودي بحياتهم، وما درى أولئك الكفرة الجهال أن الله يحيي ويميت، فلا السفر ولا القتال يميتان، ولا القعود في البيت جبناً وخوراً يحيي هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وقالُواْ لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أوْ كانُواْ غُزًّى لَّوْ كانُواْ عِنْدَنا ما ماتُواْ وما قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وٱللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وقوله تعالى في ختام هذه الآية: ﴿وٱللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيه وعد للمؤمنين إن انتهوا عما نهاهم عنه في الآية ووعيد إن لم ينتهوا فيجزيهم بالخير خيراً، وبالشر إن لم يعف شراً. أما الآية الثانية [١٥٧] فإن الله تعالى يبشر عباده المؤمنين مخبراً إياهم بأنهم إن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا فيه يغفر لهم ويرحمهم وذلك خير مما يجمع الكفار من حطام الدنيا ذلك الجمع للحطام الذي جعلهم يجبنون عن القتال والخروج فى سبيل الله فقال تعالى: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمّا يَجْمَعُونَ﴾ وفي الآية الثالثة [١٥٨] يؤكد تلك الخيرية التي تضمنتها الآية السابقة فيقول: ﴿ولَئِنْ مُّتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ في سبيلنا ﴿لإلى ٱلله تُحْشَرُونَ﴾ حتما، وثم يتم لكم جزاؤنا على استشهادكم وموتكم في سبيلنا، ولنعم ما تجزون به في جوارنا الكريم.

هداية الآيات:

١- حرمة التشبه بالكفار ظاهراً وباطناً.

٢- الندم يولد الحسرات والحسرة غم وكرب عظيمان، والمؤمن يدفع ذلك بذكره القضاء والقدر فلا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه من حطام الدنيا.

٣- موتة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.

3:159–160Page 71

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].

إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠

If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.

شرح الآيتين:

لنت لهم: كنت رفيقا بهم تعاملهم بالرفق واللطف.

فظا: خشنا في معاملتك شرسا في أخلاقك وحاشاه ﷺ.

انفضوا: تفرقوا وذهبوا تاركينك وشأنك.

فاعف عنهم: يريد إن زلوا أو أساءوا.

وشاورهم في الأمر: اطلب مشورتهم في الأمر ذي الأهمية كمسائل الحرب والسلم.

معنى الآيتين:

ما زال السياق في الآداب والنتائج المترتبة على غزوة أحد ففي هذه الآية [١٥٩] يخبر تعالى عما وهب رسوله من الكمال الخلقي الذي هو قوام الأمر فيقول: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي فبرحمة من عندنا رحمناهم بها لنت لهم، ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظّاً﴾ أي قاسيا جافاً جافيا قاسي القلب غليظه ﴿لانْفَضُّواْ مِن حَوْلِكَ﴾ أي تفرقوا عنك، وحرموا بذلك سعادة الدارين. وبناء على هذا فاعف عن مسيئهم، واستغفر لمذنبهم، وشاور ذوي الرأي منهم، وإذا بدا لك رأي راجح المصلحة فاعزم على تنفيذه متوكلا على ربك فإنه يحب المتوكلين، والتوكل الإقدام على فعل ما أمر الله تعالى به أو أذن فيه بعد إحضار الأَسباب الضرورية له. وعدم التفكير فيما يترتب عليه بل يفوض أمر النتائج إليه تعالى.

هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [١٦٠] فقد تضمنت حقيقة كبرى يجب العلم بها والعمل دائما بمقتضاها وهي أن النصر بيد الله، والخذلان كذلك فلا يطلب نصر إلا منه تعالى، ولا يرهب خذلان إلا منه عز وجل، وطلب نصره هو إنفاذ أمره بعد إعداد الأسباب اللازمة له، وتحاشي خذلانه تعالى يكون بطاعته والتوكل عليه هذا ما دل عليه قوله تعالى في هذه الآية ﴿إن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وإن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وعَلى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.

هداية الآيتين:

من هداية الآيتين:

١- كمال رسول الله ﷺ الخلقي.

٢- فضل الصحابة رضوان الله عليهم وكرامتهم على ربهم سبحانه وتعالى.

٣- تقرير مبدأ المشورة بين الحاكم وأهل الحل والعقد في الأمة.

٤- فضل العزيمة الصادقة مقرونة بالتوكل على الله تعالى.

٥- طلب النصر من غير الله خذلان، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله عز وجل.

3:161–164Page 71

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢

So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣

They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤

Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.

شرح الكلمات:

أن يغلَّ: أي يأخذ من الغنيمة خفية، إذ الغلُّ والغلول بمعنى السرقة من الغنائم قبل قسمتها.

توفى: تجزى ما كسبته في الدنيا وافياً تاماً يوم القيامة.

رضوان الله: المراد به ما يوجب رضوانه من الإيمان والصدق والجهاد.

وسخط الله: غضبه الشديد على الفاسقين عن أمره المؤذين لرسوله ﷺ.

مَنَّ: أنعم وتفضل.

رسولا من أنفسهم: هو محمد ﷺ.

يزكيهم: بما يرشدهم إليه من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والآداب العالية.

الحكمة: كل قول صالح نافع أبداً ومنه السنة النبوية.

معنى الآيات:

الغل والغلول والأغلال بمعنى واحد وهو أخذ المرء شيئاً من الغنائم قبل قسمتها وما دام السياق في غزوة أحد فالمناسبة قائمة بين الآيات السابقة وهذه، ففي الآية الأولى [١٦١] ينفي تعالى أن يكون من شأن الأنبياء أو مما يتأتى صدوره عنهم الإغلال وضمن تلك أن أتباع الأنبياء يحرم عليهم أن يغلوا، ولذا قرىء في السبع أن يُغَل بضم الياء وفتح الغين أي يفعله اتباعه بأخذهم من الغنائم بدون إذنه. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ ثم ذكر تعالى جزاء وعقوبة من يفعل وقال: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فأخبرهم تعالى أن من أغل شيئاً يأت به يوم القيامة يحمله حتى البقرة والشاة كما يُبِينَ ذلك في الحديث، ثم يحاسب عليه كغيره ويجزى به، كما تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر ولا تظلم نفس شيئاً لغنى الرب تعالى عن الظلم وعدله. هذا مضمون الآية الأولى أما الثانية [١٦٢] ينفي تعالى أن تكون حال المتبع لرضوان الله تعالى بالإيمان به ورسوله وطاعتهما بفعل الأمر واجتناب النهي، كحال المتبع لسخط الله تعالى بتكذيبه تعالى وتكذيب رسوله ومعصيتهما بترك الواجبات وفعل المحرمات فكانت جهنم مأواه، وبئس المصير جهنم. هذا معنى قوله تعالى: ﴿أفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ ثم ذكر تعالى أن كلاً من أهل الرضوان، وأصحاب السخط متفاوتون في درجاتهم عند الله، بحسب أثر أعمالهم في نفوسهم قوة وضعفاً فقال: ﴿هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾، فدل ذلك على عدالة العليم الحكيم. هذا ما دلت عليه الآية [١٦٣] أما الآية الآخيرة [١٦٤] فقد تضمنت امتنان الله تعالى على المؤمنين من العرب ببعثه رسوله فيهم، يتلو عليهم آيات الله فيؤمنون ويكملون في إيمانهم ويزكيهم من أوضار الشرك وظلمة الكفر بما يهديهم به، ويدعوهم إليه من الإيمان وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق وسامي الآداب، ويعلمهم الكتاب المتضمن للشرائع والهدايات والحكمة التي هي فهم أسرار الكتاب، والسنة، وتتجلى هذه النعمة أكثر لمن يذكر حال العرب في جاهليتهم قبل هذه النعمة العظيمة عليهم هذا معنى قوله تعالى في الآية الأخيرة: ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلى ٱلْمُؤمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتابَ وٱلْحِكْمَةَ وإن كانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تحريم الغلول وأنه من كبائر الذنوب.

٢- طلب رضوان الله واجب، وتجنب سخطه واجب كذلك، والأول يكون بالإيمان وصالح الأعمال والثاني يكون بترك الشرك والمعاصي.

٣- الإسلام أكبر نعمة وأجلها على المسلمين فيجب شكرها بالعمل به والتقيد بشرائعه وأحكامه.

٤- فضل العلم بالكتاب والسنة.

3:165–168Page 71

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.

وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦

And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -

ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

شرح الكلمات:

المصيبة: إحدى المصائب: ما يصيب الإنسان من سوء وأسوأها مصيبة الموت.

مثليها: ضعفيها إذ قتلوا في بدر سبعين من المشركين وأسروا سبعين.

أنى هذا؟: أي من أين أتانا هذا الذي أتانا من القتل والهزيمة.

فبإذن الله: أي بإرادته تعالى وتقديره بربط المسببات بأسبابها.

نافقوا: أظهروا من الإيمان ما لا يبطنون من الكفر.

أو ادفعوا: أي ادفعوا العدوعن دياركم وأهليكم وأولادكم، إن لم تريدوا ثواب الآخرة.

ادرأوا: أي ادفعوا.

إن كنتم صادقين: في دفع المكروه بالحذر.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في أحداث غزوة أحد ففي الآية الأولى: ينكر الله تعالى على المؤمنين قولهم بعد أن أصابتهم مصيبة القتل والجراحات والهزيمة: ﴿أنّىٰ هَٰذا﴾ أي من أي وجه جاءت هذه المصيبة ونحن مسلمون ونقاتل في سبيل الله ومع رسوله؟ فقال تعالى: ﴿أوَ لَمَّآ أصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ بأحد قد أصبتم مثليها ببدر لأن ما قتل من المؤمنين بأحد كان سبعين، وما قتل من المشركين ببدر كان سبعين قتيلا وسبعين أسيراً، وأمر رسوله ﷺ أن يُجيبهم: قل هو من عند أنفسكم، وذلك بمعصيتكم لرسول الله حيث خالف الرماة أمره، وبعدم صبركم إذ فررتم من المعركة تاركين القتال. وقوله ﴿إنَّ ٱللَّهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إشعار بأن الله تعالى أصابهم بما أصابهم به عقوبة لهم حيث لم يطيعوا رسوله ولم يصبروا على قتال أعدائه. هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٦٥] أما الآيات الثلاث بعدها فقوله تعالى: ﴿ومَآ أصابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقى ٱلْجَمْعانِ فَبِإذْنِ ٱللَّهِ ولِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يخبر تعالى المؤمنين أن ما أصابهم يوم أحد عند التقاء جمع المؤمنين وجمع المشركين في ساحة المعركة كان بقضاء الله وتدبيره، وعلته إظهار المؤمنين على صورتهم الباطنية الحقة وإنهم صادقون في إيمانهم، ولذا قال تعالى وليعلم المؤمنين علم انكشاف وظهور كما هو معلوم له في الغيب وباطن الأمور هذا أولا وثانيا ليعلم الذين نافقوا فأظهروا الإيمان والولاء لله ولرسوله والمؤمنين ثم أبطنوا الكفر العداء لله ورسوله والمؤمنين فقال عنهم في الآيتين الثالثة [١٦٧] والرابعة [١٦٨] ﴿ولِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نافَقُواْ﴾ وهم عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين وعصابته الذين رجعوا من الطريق قبل الوصول إلى ساحة المعركة، وقد قال لهم عبد الله بن حرام والد جابر تعالوا قاتلوا في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة، وإن لم تريدوا ثواب الآخرة فادفعوا عن أنفسكم وأهليكم معرة جيش غاز يريد قتلكم إذ وقوفكم معنا يكثر سوادنا ويدفع عنا خطر العدو الداهم فأجابوا قائلين: لو نعلم قتالاً سيتم لاتبعناكم، فأخبر تعالى عنهم بأنهم في هذه الحال ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهُمْ لِلإيمانِ﴾ إذ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ﴿وٱللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ حتى من أنفسهم يعلم أنهم يكتمون عداوة الله ورسوله والمؤمنين وإرادة السوء بالمؤمنين، وأن قلوبهم مع الكافرين الغازين.

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قعدوا عن الجهاد في أحد وقالوا لإخوانهم في النفاق - وهم في مجالسهم الخاصة -: - لو أنهم قعدوا فلم يخرجوا كما لم نخرج نحن ما قتلوا. فأمر الله رسوله أن يرد عليهم قائلاً: ﴿فادْرَءُوا﴾ أي ادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حضر أجلكم إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو قعدوا ما قتلوا.

من هداية الآيات:

١- المصائب ثمرة الذنوب.

٢- كل الأحداث التي تتم في العالم سبق بها علم الله، ولا تحدث إلا بإذنه.

٣- قد يقول المرء قولا أو يظن ظنا يصبح به على حافة هاوية الكفر.

٤- الحذر لا يدفع القدر.

3:169–171Page 72

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩

And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠

Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -

شرح الكلمات:

ولا تحسبن: ولا تظنن.

قتلوا: استشهدوا.

أحياء: يُحسون ويتنعمون في نعيم الجنة بالطعام والشراب.

فرحين: مسرورين.

لا خوف عليهم: لما وجدوا من الأمن التام عن ربهم.

ولا هم يحزنون: على ما خلفوا وراءهم في الدنيا لما نالهم من كرامة في الجنة.

يستبشرون: يفرحون

وفضل: وزيادة.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فقال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ أي لا تظنن الذين استشهدوا من المؤمنين في أحد وغيرها أمواتاً لا يحسون ولا يتنعمون بطيب الرزق ولذيذ العيش بل هم أحياء عند ربهم يرزقون أرواحهم في حواصل طير خضر يأكلون من ثمار الجنة ويأوون إلى قناديل معلقة بالعرش. إنهم فرحون بما أكرمهم الله تعالى به، ويستبشرون بإخوانهم المؤمنين الذين خلفوهم في الدنيا على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم لم يخافوا ولم يحزنوا لأجل ما يصيرون إليه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى لهم فيها. إن الشهداء جميعا مستبشرون فرحون بما ينعم الله عليهم ويزيدهم وبأنه تعالى لا يضيع أجر المؤمنين شهداء وغير شهداء بل يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- الشهداء أحياء والمؤمنون أحياء في الجنة غير أن حياة الشهداء أكمل.

٢- الشهداء يستبشرون بالمؤمنين الذين خلفوهم على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم نالهم من الكرامة والنعيم ما نالهم هم قبلهم.

٣- لا خوف ينال المؤمن الصالح إذا مات ولا حزن يصيبه.

3:172–175Page 72

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

شرح الكلمات:

استجابوا: أجابوا الدعوة وقبلوا الأمر.

القرح: ألم الجراحات.

أحسنوا: أعمالهم وأقوالهم أتوا بها وفق الشرع وأحسنوا إلى غيرهم.

اتقوا: ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه فيما أمرهم به أو نهاهم عنه.

جمعوا لكم: جمعوا الجيوش لقتالكم.

حسبنا الله: يكفينا الله ما أرادونا به من الأذى.

ونعم الوكيل: نعم الوكيل الله نوكل إليه أمورنا ونفوضها إليه.

انقلبوا: رجعوا من حمراء الأسد إلى المدينة.

أولياء الشيطان: أهل طاعته والاستجابة إليه فيما يدعوهم إليه من الشر والفساد.

معنى الآيات:

ما زال السياق في أحداث غزوة أحد وما لا بسها من أمور وأحوال والآيات الأربع كلها في المؤمنين الذين حضروا غزوة أحد يوم السبت وخرجوا في طلب أبي سفيان يوم الأحد وعلى رأسهم نبيهم محمد ﷺ، رأى أن يرفع معنويات أصحابه الذين كُلِموا وهزموا يوم السبت بأحد، وأن يرهب أعداءهُ فأمر مؤذناً يؤذن بالخروج في طلب أبي سفيان وجيشه، فاستجاب المؤمنون وخرجوا وإن منهم للمكلوم المجروح، وإن أخوين جريحين كان أحدهما يحمل أخاه على ظهره فإذا تعب وضعه فمشى قليل، ثم حمله حتى انتهى رسول الله ﷺ وأصحابه إلى حمراء الأسد، وألقى الله تعالى الرعب في قلب أبي سفيان فارتحل هارباً إلى مكة، وقد حدث هنا أن معبداً الخزاعي مر بمعسكر أبي سفيان فسأله عن الرسول فأخبره أنه خرج في طلبكم وخرج معه جيش كبير وكلهم تغيظ عليكم، أنصح لك أن ترحل فهرب برجاله خوفاً من رسول الله ﷺ وأصحابه، فأقام الرسول ﷺ بحمراء الأسد برجاله كذا ليلة ثم عادوا لم يمسسهم سوء وفيهم نزلت هذه الآيات الأربع وهذا نصها:

الآية [١٧٢] ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجابُواْ للَّهِ وٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أصابَهُمُ ٱلْقَرْحُ﴾ يريد في أحد واستجابوا: لبوا نداء الرسول ﷺ وخرجوا معه في ملاحقة أبي سفيان، ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُواْ مِنهُمْ وٱتَّقَواْ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، ألا وهو الجنة الآية الثانية [١٧٣] ﴿ٱلَّذِينَ قالَ لَهُمُ ٱلنّاسُ إنَّ ٱلنّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ﴾ المراد من الناس القائلين هم نفر من عبد القيس مروا بأبي سفيان وهو عازم على العودة إلى المدينة لتصفية المؤمنين بها في نظره فقال له أبو سفيان أخبر محمداً وأصحابه أني ندمت على تركهم أحياء بعدما انتصرت عليه وإني جامع جيوشي وقادم عليهم، والمراد من الناس الذين جمعوا هم أبو سفيان فلما بلغ هذا الخبر الرسول ﷺ وأصحابه زادهم إيماناً فوق إيمانهم بنصر الله تعالى وولايته لهم، وقالوا: حسبنا الله أي يكفينا الله شرهم، ونعم الوكيل الذي يكفينا ما أهمنا ونفوض أمرنا إلى الله.

الآية الثالثة [١٧٤] ﴿فَٱنْقَلَبُواْ﴾ أي رجعوا من حمراء الأسد لأن أبا سفيان ألقى الله الرُّعْب في قلبه فانهزم وهرب، رجعوا مع نبيهم سالمين في نعمة الإيمان والإسلام والنصر، ﴿وفَضْلٍ﴾ حيث أصابوا تجارة في طريق عودتهم ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ﴾ أي أذى، ﴿وٱتَّبَعُواْ رِضْوانَ ٱللَّهِ﴾ بالاستجابة لما دعاهم الله ورسوله وهو الخروج في سبيل الله لملاحقة أبي سفيان وجيشه. وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ وما أفاضه على رسوله كاف في التدليل عليه الآية الرابعة [١٧٥] ﴿إنَّما ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من زبيب إن هو خوف المؤمنين منه فبعثه كأنه (طابور) يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت الآية: ﴿إنَّما ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطانُ﴾ الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبي سفيان وجمعه، فلا تخافوهم فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه تعالى فلا يجبُنُوا ويخرجوا إلى قتال أبي سفيان وكذلك فعلوا لأنهم المؤمنون بحق رضى الله عنهم أجمعين.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- فضل الإحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير.

٢- فضل أصحاب رسول الله على غيرهم، وكرامتهم على ربهم.

٣- فضل كلمة «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها رسول الله وقالها إبراهيم من قبل فصلى الله عليهما وسلم.

٤- بيان أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه، فعلى المؤمنين أن لا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم.

3:176–178Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

شرح الكلمات:

الحزن: غمّ يصيب النفس لرؤية أو سماع ما يسوءه ويكرهه.

الكفر: الكفر تكذيب الله تعالى ورسوله فيما جاء به الرسول وأخبر به.

يسارعون: يبادرون.

حظا: نصيباً.

اشتروا الكفر: اعتاضوا الكفر عن الإيمان.

نملي لهم: الإملاء: الإمهال والإرخاء بعدم البطش بهم وترك الضرب على أيديهم بكفرهم.

إثْماً: الإثم: كل ضار قبيحِ ورأسه: الكفر والشرك.

معنى الآيات:

ما زال السياق في أحداث غزوة أحد ففي هذه الآيات الثلاث - وقد كشفت الأحداث عن أمور خطيرة حيث ظهر النفاق مكشوفا لا ستار عليه، وحصل من ذلك ألم شديد لرسول الله ﷺ والمؤمنين -يخاطب الله تعالى رسوله قائلا له: لا يحزنك مسارعة هؤلاء المنافقين في الكفر، وقال في الكفر ولم يقل إلى الكفر إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه لأن إسلامهم كان نفاقا فقط، ﴿إنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً﴾، والله يريد أن لا يجعل لهم نصيباً من نعيم الآخرة فلذا تركهم في كفرهم كلما خرجوا منه عادوا إليه، وحكم عليهم بالعذاب العظيم فقال: ﴿ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٧٦]. أما الآية الثانية [١٧٧] فقد تضمنت حكم الله تعالى على الذين يرتدون بعد إيمانهم فيبيعون الإيمان بالكفر، ويشترون الضلالة بالهدى حكم عليهم بأنهم لن يضروا الله شيئا من الضرر، ولهم عذاب أليم فقال تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإيمانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ولهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والعذاب الأليم هو عذاب النار إذ لا آلم ولا أشد إيجاعاً منه.

وأما الآية الثانية [١٧٨] فقد تضمنت بطلان حسبان الكافرين أن الله تعالى عندما يمهلهم ويَمُدّ في أعمارهم ولم يعاجلهم بالعذاب أن ذلك خيرٌ لهم، لا، بل هو شر لهم، إذ كلما تأخروا يوما اكتسبوا فيه إثماً فبقدر ما تطول حياتهم يعظم ذنبهم وتكثر آثامهم، وحينئذ يوبقون ويهلكون هلاكاً لا نظير له قال تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوۤاْ إثْماً ولَهْمُ عَذابٌ مُّهِينٌ﴾ أي ذو إهانة، لأنهم كانوا ذوي كبر وعلو في الأرض وفساد، فلذا ناسب أن يكون في عذابهم إهاناتٌ لهم.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- لا ينبغي للمؤمن أن يُحزنه كفر كافرٍ ولا فسق فاسق، لأن ذلك لا يضر الله تعالى شيئاً، وسيجزي الله الكافر والفاسق بعدله.

٢- لا ينبغي للعبد أن يغره إمهال الله له، وعليه أن يبادر بالتوبة من كل ذنب إذ ليس هناك إهمال وإنما هو إمهال.

٣- الموت للعبد خير من الحياة، لأنه إذا كان صالحاً فالآخرة خير له من الدنيا وإن كان غير ذلك حتى لا يزداد إثما فيوبق بكثرة ذنوبه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском