Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
Saba 34:24–54
34:24–30Page 431
۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤
Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."
قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥
Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."
قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦
Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1
قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨
And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠
Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."
شرح الكلمات:
قل من يرزقكم من السماوات والأرض: من السماوات بإنزال المطر ومن الأرض بإنبات الزروع.
قل الله: أي إن لم يجيبوا فأجب أنت فقل الله، إذ لا جواب عندهم سواه.
وإنا وإياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين: وأخبرهم بأنكم أنتم أيها المشركون أو إيانا لعلى هدى أو في ضلال مبين، وقطعا فالموحدون هم الذين على هدى والمشركون هم في الضلال المبين، وإنما شككهم تلطفاً بهم لعلهم يفكرون فيهتدون.
قل لا تسألون عما أجرمنا: أي أنكم لا تسألون عن ذنوبنا.
ولا نُسأل عما تعملون: أي ولا نُسأل نحن عما تعملون. وهذا تلطفاً بهم أيضاً ليراجعوا أمرهم، ولا يحملهم الكلام على العناد.
قل يجمع بيننا ربُّنا ثم يفتح بيننا بالحق: أي قل لهم سيجمع بيننا ربُّنا يوم القيامة ويفصل بيننا بالحق وهذا أيضا تلطف بهم وهو الحق.
قل أروني الذين ألحقتم به شركاء: أي قل لهؤلاء المشركين أروني شركاءكم الذين عبدتموهم مع الله فإن أروه إياهم أصناماً لا تسمع ولا تبصر قامت الحجة عليهم. وقال لهم أتعبدون ما تنحتون وتتركون الله الذي خلقكم وما تعملون؟!.
كلا بل هو الله العزيز الحكيم: كلا: لن تكون الأصنام أهلا للعبادة بل المعبود الحق الواجب العبادة هو الله العزيز الحكيم.
كافة للناس: أي لجميع الناس أي عربهم وعجمهم.
بشيراً ونذيراً: بشيراً للمؤمنين بالجنة، ونذيراً للكافرين بعذاب النار.
قل لكم ميعاد يوم: هو يوم القيامة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تبكيت المشركين وإقامة الحجج عليهم بتقرير التوحيد وإبطال التنديد فقال تعالى للرسول ﷺ سل قومك مبكتا لهم: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ بإنزال الأمطار وإرسال الرياح لواقح وإنبات النباتات والزروع والثمار وتوفير الحيوان للحم واللبن ومشتقاته؟ وإن تلعثموا في الجواب أو ترددوا خوف الهزيمة العقلية فأجب أنت قائلاً الله. إذ ليس من جواب عندهم سواه.
وقوله ﴿وإنَّآ أوْ إيّاكُمْ لَعَلىٰ هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ هذا أسلوب التشكيك وحكمته التلطف بالخصم المعاند حتى لا يلج في العناد ولا يفكر في الأمر الذي يجادل فيه، وإلاّ فالرسول والمؤمنون هم الذين على هدىً، والمشركون هم الذين في ضلال مبين وهو أمر مسلم لدى طرفي النزاع. وقوله تعالى ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أجْرَمْنا ولا نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهذا أيضاً من باب التلطف مع الخصم المعاند لتهدأ عاصفة عناده ويراجع نفسه عله يثوب إلى رشده ويعود إلى صوابه. فقوله: ﴿لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أجْرَمْنا﴾ هو حق فإنهم لا يسألون عن ذنوب الرسول والمؤمنين، ولكن الرسول والمؤمنين لا ذنب لهم وإنما هو من باب التلطف في الخطاب، وأما المشركون فإن لهم أعمالاً من الشرك والباطل سيجزون بها والرسول والمؤمنون قطعاً لا يُسألون عنها ولا يؤاخذون بها ما داموا قد بلغوا ونصحوا.
وقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أي يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا﴾ أي يحكم ويفصل بيننا ﴿بِٱلْحَقِّ وهُوَ ٱلْفَتّاحُ﴾ أي الحاكم العليم بأحوال خلقه فأحكامه ستكون عادلة لعلمه بما يحكم فيه ظاهراً وباطناً. وفي هذا جذب لهم بلطف ودون عنف ليقروا بالبعث الآخر الذي ينكرونه بشدة. وقوله ﴿قُلْ أرُونِيَ ٱلَّذيِنَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين أروني آلهتكم التي أشركتموها بالله والحقتموها به وقلتم في تلبيتكم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك. إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وهكذا يتحداهم رسول الله بإذن الله أن يروه شركاء لله حقيقة يسمعون ويبصرون ينفعون ويضرون ولما كان من غير الممكن الإتيان بهم غير أصنام وتماثيل زجرهم بعنف لعلهم يستفيقون من غفلتهم فقال: ﴿كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ﴾ أي ليست تلك الأصنام بآلهة تعبد مع الله بل المعبود الحق الواجب العبادة هو الله رب العالمين وإله الأولين والآخرين ﴿ٱلْعَزِيزُ﴾ أي الغالب على أمره ومراده الحكيم في تدبير خلقه وشؤون عباده.
وقوله: ﴿ومَآ أرْسَلْناكَ إلاَّ كَآفَّةً لِّلنّاسِ بَشِيراً ونَذِيراً﴾ أي لم نرسلك يا رسولنا لمهمة غير البشارة والنذارة فلذا لا يحزنك إعراضهم وعدم استجابتهم فبشر من آمن بك واتبعك فيما جئت به، وأنذر من كفر بك ولم يتابعك على الهدى الذي تدعو إليه.
وقوله: ﴿ولَٰكِنَّ أكْثَرَ ٱلنّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيه تعزية للرسول أيضاً إذِ الواقع أن أكثر الناس لا يعلمون إذ لو علموا لما ترددوا في عبادة الله وتوحيده والتقرب إليه طمعا فيما عنده وخوفاً مما لديه.
وقوله: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أي أهل مكة من منكري البعث والجزاء ﴿مَتىٰ هَٰذا ٱلْوَعْدُ﴾ أي العذاب الذي تهددنا وتخوفنا بنزوله بنا إن كنتم أيها المؤمنون صادقين فيما تقولون لنا وتعدونا به. وهنا أمر الله تعالى رسوله أن يرد على استهزائهم وتكذيبهم بقوله: ﴿قُل لَّكُم مِّيعادُ﴾ يوم معين عندنا محدد لا تستأخرون عنه ساعة لو طلبتم ذلك لتتوبوا وتستغفروا ولا تستقدمون أخرى لو طلبتم تعجيله إذ الأمر مبرم مُحكمٌ لا يقبل النقص ولا الزيادة ولا التبديل ولا التغيير.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية التلطف مع الخصم فسحاً له في مجال التفكير لعله يثوب إلى رشده.
٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء وتنويع الأسلوب الدعوى في ذلك.
٣- تقرير عقيدة النبوة المحمدية، وعموم رسالة النبي ﷺ إلى الناس كافة.
٤- يوم القيامة مقرر الساعة واليوم فلا يصح تقديمه ولا تأخيره بحال.
34:31–33Page 431
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١
And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢
Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣
Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?
شرح الكلمات:
ولا بالذي بين يديه: أي من الكتب السابقة وهي التوراة والإنجيل.
يرجع بعضهم إلى بعض القول: أي يقول الاتباع كذا ويرد عليهم المتبوعون بكذا وهو المبيّن في الآيات.
أنحن صددناكم عن الهدى: أي ينكر المستكبرون وهم المتبوعون أن يكونوا صدوا التابعين لهم عن الهدى بعد إذْ جاءهم بواسطة رسوله.
بل كنتم مجرمين: أي ظلمة فاسدين مفسدين.
بل مكر الليل والنهار: أي ليس الأمر كما ادعيتم بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي جعلنا نكفر بالله.
ونجعل له أنداداً: أي شركاء نعبدهم معه فننادُّه بهم.
وأسروا الندامة: أي أخفوها إذ لا فائدة منها أو أظهروها أي أظهروا الندم إذ أسر الندامة له معنيان أخفى وأظهر.
وجعلنا الأغلال في أعناق: أي وجعلنا الأغلال جمع غل حديدة تجعل في عنق المجرم.
هل يجزون إلا ما كانوا يعملون: أي ما يجزون إلا ما كانوا يعملون.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والبعث والجزاء فيخبر تعالى فيقول: ﴿وقالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي من مشركي مكة قالوا للرسول والمؤمنين لن نؤمن بهذا القرآن الذي أنزل على محمد، ولا بالذي أنزل على من تقدمه من الأنبياء كالتوراة والإنجيل، وذلك لما احتُجَّ عليهم بتقرير التوراة والإنجيل للتوحيد والنُّبوات والبعث والجزاء قالوا لن نُؤمن بالجميع عناداً ومكابرة. وجحوداً وظلما. ولازم هذا أنهم ظلمة معاندون ومن باب دعوتهم إلى الهدى ستعرض الآيات لهم حالهم يوم القيامة فيقول تعالى لرسوله وهم يسمعون ﴿ولَوْ تَرىٰ﴾ يا رسولنا ﴿إذِ ٱلظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ﴾ أي يتحاورون متلاومين. يقول الذين استُضعفوا وهم الفقراء المرءوسون الذين كانوا أتباعاً لكبرائهم وأغنيائهم، يقولون للذين استكبروا عليهم في الدنيا: لولا أنتم أي صرفتمونا عن الإيمان واتباع الرسول لكنا مؤمنين فيرد عليهم الكبراء بما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿قالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أنَحْنُ صَدَدناكُمْ عَنِ ٱلْهُدىٰ بَعْدَ إذْ جَآءَكُمْ﴾ أي ما صددناكم أبداً بل كنتم مجرمين أي أصحاب إجرام وفساد ويرد عليهم المستضعفون قائلين بما أخبر تعالى به عنهم ﴿وقالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وٱلنَّهارِ﴾ أي بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. قال تعالى ﴿وأَسَرُّواْ ٱلنَّدامَةَ﴾ أي أخفوها لما رأوا العذاب. قال تعالى: ﴿وجَعَلْنا ٱلأَغْلالَ فِيۤ أعْناقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي شدت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال وهي جمع غل حديدة يشد بها المجرم، ثم أدخلوا الجحيم إذ كانوا في موقف خارج منهم، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلاَّ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ما يُجْزَونَ إلا ما كانوا يعملون فالجزاء بحسب العمل إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر، وكانت أعمالهم كلها شرّاً وظلماً وباطلاً.
هذا وجواب لولا في أول السياق محذوف يُقدر بمثل: لرأيت أمراً فظيعاً واكتُفي بالعرض لموقفهم عن ذكره فإنه أتم وأشمل.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تشابه حال الظلمة والمجرمين فالعرب المشركون كانوا يركنون إلى أهل الكتاب يحتجون بما عندهم على الرسول والمؤمنين. ولما وجدوا التوراة والإنجيل يقرران عقيدة البعث والجزاء والنبوة تبرأوا منهما وقالوا لن نؤمن بالقرآن ولا بالتوراة والإنجيل.
واليهود كانوا يحتجون بالتوراة على المسلمين ولما وجدوا التوراة تقرر ما يقرره القرآن تركوا الاحتجاج بالتوراة وأخذوا يحتجون بالسحر كما تقدم في البقرة في قول الله تعالى ﴿ولَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ ورَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وٱتَّبَعُواْ ما تَتْلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ﴾ [البقرة: ١٠١-١٠٢].
٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض كامل لموقف من مواقف يوم القيامة، ومشهد من مشاهده.
٣- بطلان احتجاج الناس بعمل العلماء أو الحكماء وأشراف الناس إذا كان غير موافق لشرع الله تعالى وما جاء به رسله من الحق والدين الصحيح.
34:34–39Page 432
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤
And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥
And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."
وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧
And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].
وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨
And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."
شرح الكلمات:
إلا قال مترفوها: أي رؤساؤها المنعمون فيها من أهل المال والجاه.
نحن أكثر أموالاً وأولاداً: أي من المؤمنين.
يبسط الرزق لمن يشاء: امتحاناً أيشكر العبد أم يكفر.
ويقدر: أي يضيق ابتلاء أيصبر المرء أم يسخط.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون: أي الحكمة في التوسعة على البعض والتضييق على البعض.
تقربكم عندنا زلفى: أي قربى بمعنى تقريباً.
إلا من آمن وعمل صالحا: أي لكن من آمن وعمل صالحاً هو الذي تقربه تقريباً.
وهم في الغرفات آمنون: أي من المرض والموت وكل مكروه.
والذين سعوا في آياتنا: أي عملوا على إبطال القرآن والإيمان به وتحكيمه.
معاجزين: أي مقدرين عجزنا وأنهم يفوقوننا فلم نعاقبهم.
وما أنفقتم من شيء: أي من مال في الخير.
وهو خير الرازقين: أي المعطين الرزق. أما خلق الرزق فهو لله تعالى وحده.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿ومَآ أرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ﴾ هذا شروع في تسلية الرسول ﷺ ببيان حال من سبق من الأمم وما واجهت به رسلها فقال تعالى ﴿ومَآ أرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ أي مدينة من المدن ﴿مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قالَ مُتْرَفُوهَآ﴾ أي أهل المال والثروة المتنعمون بألوان المطاعم والمشارب والملابس والمراكب.
قالوا لرسل الله ﴿إنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فردوا بذلك دعوتهم. ﴿وقالُواْ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالاً وأَوْلاداً﴾ فاعتزوا بقوتهم، ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كذبوا بالبعث والجزاء كما أن كلامهم مُشعر بأنهم مغترون بأن ما أعطاهم الله من مال وولد كان لرضاه عنهم وعدم سخطه عليهم. وقوله تعالى ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ويَقْدِرُ﴾ أي قل يا نبينا لأولئك المغترين بأن ما لديهم من مال وولد ناجم عن رضا الله عنهم قل لهم إن ربي جل جلاله يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً له لا لرضى عنه ولا لبغض له، كما أنه يضيق الرزق على من يشاء ابتلاء له لا لبغضه ولا لمحبته، ﴿ولَٰكِنَّ أكْثَرَ ٱلنّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ومن بينهم مشركو قريش لا يعلمون أن بسط الرزق كتضييقه عائد إلى تربية الناس بالسراء والضراء امتحاناً وابتلاء. وقوله تعالى: ﴿ومَآ أمْوالُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنا زُلْفىٰ﴾ يخبر تعالى المشركين المغترين بالمال والولد يقول لهم وما أموالكم ولا أولادكم بالحال التي تقربكم منا وتجعلنا نرضى عنكم وندنيكم منا زلفى أي قربى. ﴿إلاَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً﴾ أي لكن من فعلوا الواجبات والمندوبات ﴿فَأُوْلَٰئِكَ﴾ أي المذكورون لهم جزاء الضعف، أي جزاء تضاعف لهم حسناتهم فيه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، وذلك بسبب عملهم الصالحات ﴿وهُمْ فِي ٱلْغُرُفاتِ﴾ أي غرفات الجنة آمنون من الموت ومن كل مكروه ومنغص لسعادتهم.
وقوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ يخبر تعالى أن الذين يعملون بجد وحرص في إبطال آياتنا وإطفاء نور هدايتنا في كتابنا وقلوب عبادنا المؤمنين ويظنون أنهم معجزون لنا أي فائتوننا لا ندركهم ولا نعاقبهم هؤلاء المغرورون في العذاب محضرون أي كأنك بهم وهم محضرون في جهنم يعذبون فيها أبداً.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي﴾ أي قل يا رسولنا مرة أخرى تقريراً لهذه الحقيقة العلمية التي خفيت على الناس وجهلها قومك وهي أن الله يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً لا حباً فيه ولا بغضاً له. وإنما امتحاناً له هل يشكر أو يكفر فإن شكر زدناه وأكرمناه وإن كفر سلبناه ما أعطيناه وعذبناه، ﴿ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أي لمن شاء من عباده ابتلاء له لا بغضا له ولا حبا فيه. وإنما لننظر هل يصبر على الابتلاء أو يسخط ويضجر فنزيد في بلائه وشقائه.. وقوله تعالى: ﴿ومَآ أنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وهُوَ خَيْرُ ٱلرّازِقِينَ﴾ في هذا دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله وتشجيع عليه بإعلام الناس أن الإنفاق لا ينقص المال والبخل به لا يزيده فان التوسعة كالتضييق لحكمة فلا البخل يزيد في المال ولا الإنفاق في سبيل الله ينقص منه. وختم هذا بوعده الصادق وهو أن من أنفق في سبيل الله شيئاً أخلفه الله عليه وهو تعالى خير من قيل إنه يرزق ووصف به.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله في الأُمم والشعوب وأنهم ما أتاهم من رسول إلا كفر به الأغنياء والكبراء.
٢- بيان اغترار المترفين بما آتاهم الله من مال وولد ظانين أن ذلك من رضا الله تعالى عليهم.
٣- بيان الحكمة في التوسعة على بعض والتضييق على بعض، وانها الامتحان والابتلاء فلا تدل على حبِّ الله ولا على بغضه للعبد.
٤- بيان ما يقرب إلى الله ويدنى منه وهو الإيمان والعمل الصالح ومن ذلك الإنفاق في سبيل الله لا كثرة المال والولد كما يظن المغرورون المفتنون بالمال والولد.
٥- بيان حكم الله فيمن يحارب الإسلام ويريد إبطاله وأنه محضر في جهنم لا محالة.
٦- بيان وعد الله تعالى بالخلف لكل من أنفق في سبيله مالاً.
34:40–42Page 433
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠
And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١
They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢
But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."
شرح الكلمات:
ويوم نحشرهم جميعا: أي واذكر يوم نحشرهم جميعاً أي جميع المشركين.
أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟: أي يقول تعالى هذا للملائكة تقريعاً للمشركين وتوبيخاً لهم.
قالوا سبحانك: أي قالت الملائكة سبحانك أي تقديساً لك عن الشرك وتنزيهاً.
أنت ولينا من دونهم: أي لا موالاة بيننا وبينهم أي يتبرأوا منهم.
بل كانوا يعبدون الجن: أي الشياطين التي كانت تتمثل لهم فيحسبونها ملائكة فيطيعونها فتلك عبادتهم لها.
فاليوم لا يملك بعضكم لبعض: أي لا يملك المعبودون للعابدين.
نفعاً ولا ضراً: أي لا يملكون نفعهم فينفعونهم ولا ضرهم فيضرونهم.
ونقول للذين ظلموا: أي أشركوا غير الله في عبادته من الملائكة والأنبياء أو الأولياء والصالحين.
عذاب النار التي كنتم بها تكذبون: أي كنتم في الدنيا تكذبون بالبعث والجزاء وهو الجنة أو النار.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء والتوحيد. قال تعالى لرسوله ﷺ واذكر ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي المشركين ﴿جَمِيعاً﴾ فلم نبق منهم أحداً، ثم نقول للملائكة وهم أمامهم تقريراً للمشركين وتأنيباً: ﴿أهَٰؤُلاءِ إيّاكُمْ كانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ فتتبرأ الملائكة من ذلك وينزهون الله تعالى عنه الشرك فيقولون: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي تنزيهاً لك عن الشرك وتقديساً ﴿أنتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ أما هم فلا ولاية بيننا وبينهم ﴿بَلْ كانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ﴾ أي الشياطين ﴿أكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ أي مصدقون فأطاعوهم في عبادة الأصنام وعصوك وعصوا رسلك فلم يعبدوك ولم يطيعوا رسلك.
وقوله تعالى ﴿فَٱلْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً ولا ضَرّاً﴾ أي يقال لهم هذا القول تيئيساً وإبلاساً أي قطعاً لرجائهم في أن يشفعوا لهم. وقوله تعالى ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وهم المشركون ﴿ذُوقُواْ عَذابَ ٱلنّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي كنتم تكذبون بها في الدنيا فذوقوا اليوم عذابها. والعياذ بالله من عذاب النار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير لعقيدة البعث والجزاء بذكر بعض أحوالها.
٢- أن من كانوا يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين إنما كانوا يعبدون الشياطين إذ هي التي زينت لهم الشرك. أما الملائكة والأنبياء والأولياء فلم يرضوا بذلك منهم فضلا عن أن يأمروهم به.
٣- بيان توبيخ أهل النار بتكذيبهم في الدنيا بالآخرة وكفرهم بوجود نار يعذبون بها يوم القيامة.
34:43–46Page 433
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."
وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤
And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥
And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.
۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦
Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.
شرح الكلمات:
آياتنا بيّنات: أي آيات القرآن الكريم واضحات ظاهرة المعنى بيّنة الدلالة.
قالوا ما هذا إلا رجل: أي ما محمد إلا رجل من الرجال.
يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم: أي يريد أن يصرفكم عن عبادتكم لآلهتكم التي كان يعبدها آباؤكم من قبل.
إلا إفك مفترى: أي إلا كذب مختلق مزور.
وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: أي قالوا للقرآن لما جاءهم به محمد ﷺ.
إن هذا إلا سحر مبين: أي ما هذا أي القرآن إلا سحر مبين أي محمد ساحر والقرآن سحر.
من كتب يدرسونها: أي يقرأونها فأباحت لهم الشرك وأذنت لهم فيه.
وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير: أي ولم نرسل إليهم قبلك من رسول فدعاهم إلى الشرك.
وما بلغوا معشار ما آتيناهم: أي ولم يبلغ أولئك الأمم الذين أهلكناهم معشار ما آتينا هؤلاء من الحجج والبينات.
فكيف كان نكير: أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك والجواب كان واقعاً موقعه لم يخطئه بحال.
معنى الآيات:
ما زال السياق في عرض مواقف المشركين المخزية والتنديد بهم والوعيد الشديد لهم. قال تعالى ﴿وإذا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي مشركي قريش وكفارها ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أي يتلوها رسولنا واضحات الدلالة بينات المعاني فيما تدعو إليه من الحق وتندد به من الباطل، كان جوابهم أن قالوا: ما هذا إلا رجلٌ يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. أي ما محمد إلا رجل أي ليس بملكٍ يريد أن يصدكم أي يصرفكم عما كان آباؤكم من الأوثان والأحجار. فسبحان الله أين يذهب بعقول المشركين أما يخجلون لما يقولون عما كان يعبد آباؤكم من الأصنام والأوثان، إنه يصدكم حقاً عن عبادة الأوثان ولكن إلى عبادة الرحمن. وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿ما هَٰذَآ إلاَّ إفْكٌ﴾ أو كذب ﴿مُّفْتَرًى﴾ أي اختلقه وتخرصه من نفسه أي قالوا في القرآن وما يحمل من تشريع وهدى ونور قالوا فيه إنه كذبه محمد ﷺ سبحان الله ما أشد سخف هؤلاء المشركين: وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله ﴿وقالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمّا جَآءَهُمْ إنْ هَٰذَآ إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي قالوا في الرسول وما جاءهم به من الدعوة إلى التوحيد والإصلاح ﴿إنْ هَٰذَآ﴾ أي ما هذا إلا سحر مبين، وذلك لما رأوا من تاثير الرسول والقرآن في نفوسهم إذ كان يحرك نفوسهم ويهزها هزاً.
بعد هذا العرض لمواقف المشركين قال تعالى: ﴿ومَآ آتَيْناهُمْ﴾ أي مشركي قريش ﴿مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ أي أصروا على الشرك وما أعطيناهم من كتب يقرأونها فوجدوا فيها الإذن بالشرك أو مشروعيته فتمسكوا به، ﴿ومَآ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ﴾ أي رسول فأجاز لهم الشرك أو سنة لهم فهم على سنته، اللهم لا ذا ولا ذاك.
فكيف إذاً هذا الإصرار على الشرك وهو باطل لم ينزل به كتاب ولم يبعث به رسول.
وقوله تعالى: ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ﴾ أي من الأمم البائدة ﴿وما بَلَغُواْ﴾ أي ولم يبلغ هؤلاء من القوة معشار ما كان لأولئك الأقوام الهالكين، ومع ذلك أهلكناهم، فكيف كان نكيري أي كيف كان إنكاري عليهم الشرك وتكذيب رسلي بإبادتهم واستئصالهم. أما يخاف هؤلاء الضعفاء أن تحل بهم عقوبتنا فنهلكهم عن آخرهم كما أهلكنا من قبلهم ولما لم يرد الله إبادتهم بعد أن استوجبوها بالتكذيب لرسوله والإصرار على الشرك والكفر قال لرسوله قل لهم ﴿إنَّمَآ أعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ أي بخصله واحدة وهي أن تقوموا لله أي متجردين من الهوى والتعصب ﴿مَثْنىٰ﴾، أي اثنين اثنين، ﴿وفُرادىٰ﴾ أي واحداً واحداً، ثم تتفكروا في حياة محمد ﷺ ومواقفه الخيِّرة معكم وبعده عن كل أذى وشر وفساد فإنكم تعلمون يقيناً أنه ما بصاحبكم محمد من جنّة ولا جنون إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد، أي ما هو ﷺ إلا نذير لكم أمام عذاب شديد قد ينزل بكم وهو مشفق عليكم في ذلك خائف لا يريده لكم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان عناد المشركين وسخف عقولهم وهبوطهم الفكري.
٢- ضعف كفار قريش وتشددهم وعتوهم إذا قيسوا بالأمم السابقة فإنهم لا يملكون من القوة نسبة واحد إلى ألف إذ المعشار هو عشر عشر العشر.
٣- تقرير النبوة المحمدية وإثباتها وذلك ينفي الجنّة عنه ﷺ وإثبات أنه نذير.
34:47–54Page 433
قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧
Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨
Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."
قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩
Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1
قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠
Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١
And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.
وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢
And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2
وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣
And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2
وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤
And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].
شرح الكلمات:
قل إن ربي يقذف بالحق: أي يلقى بالوحي الحق إلى أنبيائه. ويقذف الباطل بالحق أيضا فيدمغه.
وما يبدئ الباطل وما يعيد: أي وما يبدي الباطل الذي هو الكفر، وما يعيد أي إنه لا أثر له.
فإنما أضل على نفسي: أي إثم ضلالي على نفسي لا يحاسب ولا يعاقب به غيري.
إنه سميع قريب: أي سميع لما أقول لكم قريب غير بعيد فلا يتعذر عليه مجازاة أحد من خلقه.
إذ فزعوا فلافوت: أي إذ فزعوا للبعث أي خافوا ونفروا فلا فوت لهم منا بل هم في قبضتنا.
وأثنى لهم التناوش من مكان بعيد: أي لما شاهدوا العذاب قالوا آمنا بالقرآن وكيف لهم ذلك وهم بعيدون إنهم في الآخرة والإيمان في الدنيا.
(التناوش) التناول من مكان بعيد.
كما فعل بأشياعهم من قبل: أي فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم من أمم الكفر والباطل.
في شك مريب: أي في شك بالغ من نفوسهم فأصبحوا به مضطربين لا يطمئنون إلى شيء أبداً.
معنى الآيات:
لما لج المشركون في الخصومة والعناد ودعاهم الله تعالى إلى أمثل حل وهو أن يقوموا متجردين لله تعالى من الهوى والتعصب يقوموا اثنين اثنين أو واحداً واحداً لأن الجماعة من شأنها أن تختلف مع الآراء ثم يتفكروا في حياة الرسول وما دعاهم إليه من الهدى والحق فإنكم تعلمون أنه ليس كما اتهمتموه بالجنون وإنما هو نذير لكم بين يدي عذاب شديد يخاف وقوعه بكم ونزوله عليكم هنا أمره تعالى أن يقول لهم وكوني نذيراً لكم مما أخاف عليكم لا أسألكم على إنذاري لكم أجراً ﴿إنْ أجْرِيَ إلاَّ عَلى ٱللَّهِ وهُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي مطلع عليّ عالم بصدقي ويجزيني على إنذاري لكم إذ كلفني به فقمت به طاعة له. وقوله تعالى ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي قل لهم يا رسولنا إن ربي يقذف بالحق أن يلقى بالوحي على من يشاء من عباده ﴿عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ أي وهو علام الغيوب يعلم من هو أهل للوحي إليه والإرسال فيوحى إليه ويرسله كما أوحى إليّ وأرسلني إليكم نذيراً وبشيراً. وقوله تعالى: ﴿قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وما يُبْدِىءُ ٱلْباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ أي قل لهم يا رسولنا جاء الحق وهو الإسلام الدين الحق، فلم يبق للباطل الذي هو الشرك والكفر مكان ولا مجال، وما يبدئ الباطل وما يعيد؟ أي أنه كما لا يبدئ لا يعيد فهو ذاهب لا أثر له أبداً وقوله: ﴿قُلْ إن ضَلَلْتُ فَإنَّمَآ أضِلُّ عَلىٰ نَفْسِي﴾ أي أعلمهم بأنك إن ضللت فيما أنت قائم عليه تدعو إليه فإنما عائد ضلالك عليك لا عليهم، وإن اهتديت فهدايتك بفضل ما يوحى إليك من ربك من الهدى والنور ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ سميع لأقوالك وأقوال غيرك غير بعيد فيتعذر عليه مجازاة عباده صاحب الإحسان بالإحسان وصاحب السوء بالسوء.
وقوله تعالى: ﴿ولَوْ تَرىٰ إذْ فَزِعُواْ فَلا فَوْتَ وأُخِذُواْ مِن مَّكانٍ قَرِيبٍ﴾ اي لرأيت أمراً قطعياً يقول تعالى لرسوله ولو ترى إذ فزع المشركون في ساحات فصل القضاء يوم القيامة فزعوا من شدة الهول والخوف وقد أُخذوا من مكان قريب والقوا في جهنم لرأيت أمراً فظيعاً في غاية الفظاعة. وقوله ﴿فَلا فَوْتَ﴾ لهم لا يفوتون الله تعالى ولا يهربون من قبضته. وقوله تعالى: ﴿وقالُوۤاْ آمَنّا بِهِ﴾ أي قالوا بعد ما بُعثوا وفزعوا من هول القيامة قالوا آمنا به أي بالله وكتابه ولقائه ورسوله، قال تعالى ﴿وأَنّىٰ لَهُمُ ٱلتَّناوُشُ﴾ أي التناول للإيمان من مكان بعيد إذ هم في الآخرة والإيمان كان في الدنيا فكيف يتناولونه بهذه السهولة ويقبل منهم وينجون من العذاب هذا بعيد جداً ولن يكون أبداً وقد كفروا به من قبل أي لا سيما وأنهم قد عُرض عليهم الإيمان وهم قادرون عليه فرفضوه فكيف يمكنون منه الآن. وقوله ﴿ويَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي وها هم اليوم في الدنيا يقذفون بالغيب محمداً ﷺ بقواصم الظهر مرة يقولون كاذب ومرة ساحر ومرة شاعر وأخرى مجنون وكل هذا رجما بالغيب لا شبهة لهم فيه ولا أدنى ريبة تدعوهم إليه وأخيرا قال تعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ وهو الإيمان الموجب للنجاة كما فعل بأشياعهم أي أشباههم وأنصارهم من أهل الكفر والتكذيب لما جاءهم العذاب قالوا آمنا ولم ينفعهم إيمانهم وأهلكوا فألقوا في الجحيم، وقوله ﴿إنَّهُمْ كانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ﴾ أي مشركو قريش وكفارها أخبر تعالى أنهم كانوا في الدنيا في شك من توحيدنا ونبينا ولقائنا مريب أي موقع لهم في الريب والاضطراب فلم يؤمنوا فماتوا على الكفر والشرك وهذا جزاء من يموت على الشرك والكفر.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- دعوة الله تعالى ينبغي أن لا يأخذ الداعي عليها أجراً، ويحتسب أجره على الله عز وجل.
٢- بيان صدق الله تعالى في قوله جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد إذ ما هو إلاَّ سُنيّات والإسلام ضارب بجرانه في الجزيرة فلا دين فيها إلا الإسلام.
٣- الإيمان الاضطراري لا ينفع صاحبه كإيمان من رأى العذاب.
٤- الشك كفر ولا إيمان مع رؤية العذاب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences