Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
الزمر
Az-Zumar
The Troops · Meccan · 75 ayahs
39:1–4Page 458
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢
Indeed, We have sent down to you the Book, [O Muḥammad], in truth. So worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣
Unquestionably, for Allāh is the pure religion.1 And those who take protectors besides Him [say], "We only worship them that they may bring us nearer to Allāh in position." Indeed, Allāh will judge between them concerning that over which they differ. Indeed, Allāh does not guide he who is a liar and [confirmed] disbeliever.
لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤
If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1
شرح الكلمات:
تنزيل الكتاب: أي القرآن من الله.
العزيز الحكيم: أي العزيز في مُلكه وانتقامه الحكيم في صنعه وتدبير خلقه.
مخلصا له الدين: أي مفرداً إياه بالعبادة فلا تشرك بعبادته أحداً.
لله الدين الخالص: أي له وحده خالص العبادة لا يشاركه في ذلك أحد سواه.
أولياء: أي شركاء وهي الأصنام.
ليقربونا إلى الله زلفى: أي تقريباً وتشفع لنا عند الله.
من هو كاذب كفار: أي كاذب أي على الله كفار بعبادته غير الله تعالى.
سبحانه: أي تنزيها له عن الولد والشريك.
هو الله الواحد القهار: أي المعبود الحق الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه القهار لخلقه.
معنى الآيات:
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم يخبر تعالى أن تنزيل القرآن كان منه سبحانه وتعالى وهو العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبير خلقه. ولم يكن عن غيره بحال من الأحوال وقوله تعالى ﴿إنَّآ أنزَلْنَآ إلَيْكَ ٱلْكِتابَ بِٱلْحَقِّ﴾ يخبر تعالى رسوله بقوله ﴿إنَّآ أنزَلْنَآ إلَيْكَ ٱلْكِتابَ﴾ أي القرآن العظيم ﴿بِٱلْحَقِّ﴾ في كل ما جاء فيه ودعا إليه من العقائد والعبادات والأحكام وعليه ﴿فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ أي العبادة فلا تعبد معه غيره فإن العبادة لا تصلح لغيره أبداً ﴿ألا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخالِصُ وٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أوْلِيَآءَ﴾ أي شركاء يعبدونهم ويقولون ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إلى ٱللَّهِ زُلْفىۤ﴾ أي تقريبا ويشفعوا لنا عند الله في قضاء حوائجنا هؤلاء يحكم الله بينهم في ما هم فيه مختلفون مع المؤمنين الموحدين وذلك يوم القيامة وسيجزي بعدله كلا بما يستحقه من إنعام وتكريم أو شقاء وتعذيب. وقوله تعالى ﴿إنَّ ٱللَّهَ لا يَهْدِي مَن هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ يخبر تعالى بحرمان أناس من هدايته وهم الذين توغلوا في الفساد فكذبوا على الله تعالى وعلى عباده وأصبح الكذب وصفاً لازما لهم، وكفروا وبالغوا في الكفر بالله وآياته ورسوله ولقائه فأصبح الكفر وصفاً ثابتاً لهم، إذ هذه سنته في حرمان العبد من الهداية ليمضي فيه حكم الله باشقائه وتعذيبه يوم القيامة. وقوله تعالى ﴿لَّوْ أرادَ ٱللَّهُ أن يَتَّخِذَ ولَداً﴾ كما يزعم المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله، وكما قال النصارى المسيح ابن الله، وكما قال اليهود عزير بن الله، ولو أراد الله أن يكون له ولدٌ لاصطفى واختار مما يخلق ما يشاء، ولا يتركهم ينسبون إليه الولد افتراء عليه وكذبا، ولكنه تعالى منزه عن صفات المحدثين وافتقار المخلوقين إذ هو الله ذو الألوهية على سائر خلقه الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه وحكمه القهار لسائر خلقه فسبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير النبوة المحمدية.
٢- تقرير التوحيد.
٣- بطلان الشرك والتنديد بالمشركين.
٤- تقرير البعث والجزاء يوم القيامة.
39:5–7Page 458
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥
He created the heavens and earth in truth. He wraps the night over the day and wraps the day over the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. Unquestionably, He is the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦
He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates.1 He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses.2 That is Allāh, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?
إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
شرح الكلمات:
خلق السماوات والأرض بالحق: أي من أجل أن يذكر ويشكر لا من أجل اللهو العبث.
يكور الليل على النهار: أي يدخل أحدهما في الآخر فإذا جاء الليل ذهب النهار والعكس كذلك.
وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما فلا يزالان يدوران في فلكيهما إلى نهاية الحياة وبدورتهما تتم مصالح سكان الأرض.
خلقكم من نفس واحدة: هي آدم عليه السلام.
ثم جعل منها زوجها: هي حواء خلقها الله تعالى من ضلع آدم الأيسر.
وأنزل لكم من الأنعام: أي أنزل المطر فأنبت العشب فخلق الأنعام فهذا وجه لإنزالها.
ثمانية أزواج: أي من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين.
يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق: أي أطواراً طوراً بعد طور نطفة فعلقة فمضغة.
في ظلمات ثلاث: أي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة.
ولا تزر وازرة وزر أُخرى: أي لا تحمل نفس ذات وزر وزر نفس أخرى.
إنه عليم بذات الصدور: أي ما يخفيه المرء في صدره وما يسره في ضميره.
معنى الآيات:
هذه الآيات الكريمة في تقرير التوحيد بذكر الأدلة والبراهين التي لا تدع للشك مجالاً في نفوس العقلاء فقال تعالى في الآية [٥] ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ﴾ أي أوجدهما خلقا على غير مثال سابق وخلقهما بالحق لغايات سامية شريفة وليس للباطل والعبث ومن تلك الغايات أن يعبد فيها فيذكر ويشكر. وقوله ﴿يُكَوِّرُ ٱللَّيْلَ عَلى ٱلنَّهارِ ويُكَوِّرُ ٱلنَّهارَ عَلى ٱللَّيْلِ﴾ أي يغشى هذا هذا فيغطيه به ويستره كأنما لفَّه عليه وغشاه به وهذا برهان ثان فالأول برهان الخلق للسماوات والأرض وبرهان ثالث في قوله ﴿وسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يدوران في فلكيهما إلى قيام الساعة وفي ذلك من الفوائد والمصالح للعباد مالا يقادر قدره من ذلك معرفة عدد السنين والحساب. وقوله ﴿ألا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفّارُ﴾ إعلان وتنبيه بأنه تعالى عزيز في بطشه وانتقامه من أعدائه غفّار لعباده التائبين إليه. وقوله تعالى في الآية [٦] ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هي آدم عليه السلام فقد صح أنه لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ذرّيته وأشهدهم على أنفسهم، ولهذا جاء العطف بثم إذ قال ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أي بعد أن مسح على ظهر آدم وأخرج ذرّيته من ظهره وأشهدهم على أنفسهم خلق حواء من ضلعه الأيسر، وهذا برهان وآخر في قوله ﴿وأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ضأن وماعز وهي ذكر وأنثى فالذكر زوج والأنثى زوج فهي ثمانية أزواج وجائز أن يكون أصل هذه الأنعام قد أنزله من السماء كما أنزل آدم وحواء من السماء، وجائز أن يكون أنزل الماء فنبت العشب وتكونت هذه الأنعام من ذلك فالأصل الإنزال من السماء وتدرج الخلق كان في الأرض.
وبرهان رابع في قوله ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم نكسو العظام لحماً فإذا هو إنسان كامل وقوله ﴿أزْواجٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ هي ظلمة بطن الأم، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة المشيمة، وهي غشاء يكون للولد وفي الحيوان يقال له السَّلي وقوله بعد ذكر هذه البراهين قال ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي خالقكم ومعبودكم الحق ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إلَٰهَ إلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبود إلا هو إذ لا تصلح العبادة إلاّ له ﴿فَأَنّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ أي كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال إن أمركم عجبٌ. وقوله في الآية [٧] ﴿إن تَكْفُرُواْ فَإنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾ أي بعد أن بيّن بالأدلة القاطعة وجوب الإيمان به ووجوب عبادته، وأنه الرب الحق وإله الحق أعلم عباده أن كفرهم به لا يضره أبدا لأنه غنيٌ عنهم وعن سائر خلقه إلا أنه لرحمته بعباده لا يرضى لهم الكفر لما يسببه لهم من شقاء وخسران، كما أنهم إن آمنوا وشكروا يرضه لهم فيثيبهم أحسن ثواب ويجزيهم أحسن جزاء. وقوله ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ﴾ هذا مظهر من مظاهر عدله بين عباده وهو أن نفسا ذات وزر أي ذنب لا تحمل وزر أي ذنب نفس أخرى بل كل نفس تحمل وزرها وتتحمل تبعته ونتائجه وحدها. وقوله تعالى ﴿ثُمَّ إلىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾ أي بعد الموت ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيخبركم بأعمالكم خفيها وجليها صغيرها وكبيرها ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ فضلا عما كان عملا ظاهراً غير باطن ويجزيكم بذلك الخير بمثله والشر بمثله. فهذا ربكم الحق وإلهكم الصدق فآمنوا به ووحدوه ولا تشركوا به وأطيعوه ولا تعصوه تنجوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة. ولا يهلك على الله إلا هالك.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان آيات الله في الكون وإيرادها أدلة على التوحيد.
٢- بيان إفضال الله تعالى على العباد في خلقهم ورزقهم.
٣- بيان أن الكفر أعجب من الإيمان إذ أدلة الإيمان لا تعد كثرة وأما الكفر فلا دليل عليه البتة ومع هذا أكثر الناس كافرون.
٤- بيان غنى الله تعالى عن خلقه وافتقار الخلق إليه.
٥- بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة وتقريرها.
٦- بيان إحاطة علم الله بالخلق وعلمه بأفعالهم وأحوالهم ظاهراً وباطناً.
39:8–9Page 459
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨
And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."
أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩
Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.
شرح الكلمات:
وإذا مس الإنسان: الإنسان أي المشرك.
ضرٌ: أي مرض أو خوف غرق ونحوه من كل مكروه لا يقدر على دفعه.
دعا ربه منيباً إليه: أي سأل ربّه كشف ما أصابه من ضر راجعاً إليه معرضا عمن سواه.
إذا خوله نعمة منه: أي أعطاه نعمة منه بأن كشف ما به من ضر.
نسي ما كان يدعو إليه من قبل: أي ترك ما كان يتضرع إليه من قبل وهو الله سبحانه وتعالى.
وجعل لله أنداداً: أي شركاء.
ليضل عن سبيله: أي ليضل نفسه وغيره عن الإسلام.
قل تمتع بكفرك قليلا: أي قل يا نبيّنا لهذا الكافر الضال المضل تهديداً تمتع بكفرك بقية أجلك.
إنك من أصحاب النار: أي أهلها المتأهلين لها بخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم.
قانت آناء الليل: أي مطيع لله آناء الليل أي ساعات الليل ساجداً وقائما في الصلاة.
إنما يتذكر أولوا الألباب: أي يتعظ بما يسمع من الآيات أصحاب العقول النيِّرة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال التنديد، فقال تعالى مخبراً عن حال المشرك بربه المتخذ له أنداداً يعبدها معه ﴿وإذا مَسَّ ٱلإنسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إلَيْهِ﴾ أي سأل ربّه راجعا إليه رافعا إليه يديه يا رباه يا رباه سائلا تفريج ما به وكشف ما نزل به ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوۤ إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ حتى إذا فرَّج الله كربه ونجاه، ترك دعاء الله، وأقبل على عبادة غير الله، ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنداداً﴾ أي شركاء ﴿لِّيُضِلَّ﴾ نفسه وغيره. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول له نيابة عن الله تعالى قل يا رسولنا لهذا المشرك الكافر تمتع بكفرك قليلا أي مدة بقية عمرك إنك من أصحاب النار، هكذا هدده ربّه وخوفه بعاقبة أمر الشرك والتنديد لعله ينتهي فيتوب توبة صادقة ويرجع إلى الله رجوعاً حسناً جميلا. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٨] أما الآية الثانية [٩] فيقول تعالى ﴿أمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ أي مطيع لله ورسوله في أمرهما ونهيهما ﴿آنَآءَ ٱلَّيلِ﴾ أي ساعات الليل تراه ساجداً في صلاته أو قائماً يتلو آيات الله في صلاته، وفي نفس الوقت هو يحذر عذاب الآخرة ويسأل الله تعالى أن يقيه منه، ويرجو رحمة ربّه وهي الجنة أن يجعله الله من أهلها أهذا خير أم ذلك الكافر الذي قيل له تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، والجواب معلوم للعقلاء وقوله تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ محاب الله ومكارهه وهم يعملون على الإتيان بمحابّ الله تقرباً إليه، وعلى ترك مكارهه تحبُباً إليه، هل يستوي هؤلاء العاملون مع الذين لا يعلمون ما يحب وما يكره فهم يتخبطون في الضلال تخبط الجاهلين؟ والجواب لا يستوون وإنما يتذكر بمثل هذا التزجيه الإلهي والإرشاد الرباني أصحاب الألباب أي العقول السليمة الراجحة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد.
٢- الكشف عن داخلية الإنسان قبل أن يؤمن ويُسلم وهو أنه إنسان متناقض لا خير فيه ولا رشد له، فلا يرشد ولا يكمل إلا بالإيمان والتوحيد.
٣- بشرى الضالين عن سبيل الله المضلين عنه بالنار.
٤- مقارنة بين القانت المطيع، والعاصي المضل المبين، وبين العالم والجاهل، وتقرير أفضلية المؤمن المطيع على الكافر العاصي. وأفضلية العالم بالله وبمحابة ومكارهه والجاهل بذلك.
٥- فضل العالم على الجاهل لعمله بعلمه ولولا العمل بالعلم لاستويا في الخسّة والانحطاط.
39:10–16Page 459
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."
قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢
And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤
Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,
فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥
So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.
شرح الكلمات:
اتقوا ربكم: أي اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالإيمان والتقوى.
للذين أحسنوا: أي أحسنوا العبادة.
حسنة: أي الجنة.
أرض الله واسعة: أي فهاجروا فيها لتتمكنوا من عبادة الله إن منعتم منها في دياركم.
أُمرت: أي أمرني ربّي عز وجل.
مخلصا له الدين: أي مفرداً إياه بالعبادة.
أول المسلمين: أي أول من يسلم في هذه الأمة فينقاد لله بعبادته والإخلاص له فيها.
عذاب يوم عظيم: أي عذاب يوم القيامة.
قل: أي يا رسولنا للمشركين.
الله أعبد: أي لا أعبد معه سواه.
مخلصا له ديني: أي مفرداً إياه بطاعتي وانقيادي.
فاعبدوا ما شئتم: أي إن أبيتم أيها المشركون عبادة الله وحده فاعبدوا ما شئتم من الأوثان فإنكم خاسرون.
خسروا أنفسهم: أي فحرموها الجنة وخلدوها في النار.
وأهليهم: أي الحور العين اللائي كن لهم في الجنة لو آمنوا واتقوا بفعل الطاعات وترك المنهيات.
ظلل من النار: أي دخان ولهب وحر من فوقهم ومن تحتهم.
ذلك: أي المذكور من عذاب النار.
يا عباد فاتقون: أي يا من أنا خالقهم ورازقهم ومالكهم وما يملكون فلذلك اتقون بالإيمان والتقوى.
معنى الآيات:
لقد تضمنت هذه الآيات الخمس توجيهات وإرشادات ربّانيَّة للمؤمنين والرسول ﷺ ففي الآية الأولى [١٠] يأمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين اتقوا ربكم أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية وذلك بطاعته وطاعة رسوله، ويُعلمهم معللا أمره إياهم بالتقوى بأن للذين أحسنوا الطاعة المطلوبة منهم الجنة، كما يعلمهم أنهم إذا لم يقدروا على الطاعة بين المشركين فليهاجروا إلى أرض يتمكنون فيها من طاعة الله ورسوله فيقول ﴿وأَرْضُ ٱللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أي فهاجروا فيها ويشجعهم على الهجرة لأجل الطاعة فيقول ﴿إنَّما يُوَفّى ٱلصّابِرُونَ﴾ أي على الاغتراب والهجرة لأجل طاعة الله والرسول ﴿أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي بلا كيل ولا وزن ولا عد وذلك لأنه فوق ذلك. وفي الآية الثانية [١١] والثالثة [١٢] يأمر تعالى رسوله موجها له بأن يقول للناس ﴿إنِّيۤ أُمِرْتُ﴾ أي أمرني ربي أن أعبد الله باعتقاد وقول وفعل ما يأمرني به وترك ما ينهاني عنه من ذلك مخلصا له الدين، فلا أشرك في دين الله أحداً أي في عبادته أحداً، كما أمرني أن أكون أول المسلمين في هذه الأمة أي أوّل من يسلم قلبه وجوارحه الظاهرة والباطنة لله تعالى وفي الآيات الرابعة [١٣] والخامسة [١٤] يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للمشركين إني أخاف إن عصيت ربي، فرضيت بعبادة غيره وأقررتها عذاب يوم عظيم كما يأمره أن يقول اللهَ أعبدُ أي الله وحده لا شريك له أعبد حال كوني مخلصا له ديني. وأما أنتم أيها المشركون إن أبيتم التوحيد فاعبدوا ما شئتم من آلهة دونه تعالى ويأمره أن يقول لهم إن الخاسرين بحق ليسوا أولئك الذي يخسرون دنياهم فيفقدون الدار والبعير أو المال والأهل والولد بل هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك بتخليدهم في النار، وبعدم وصولهم إلى الحور العين المعدة لهم في الجنة لو أنهم آمنوا واتقوا.
ألا ذلك أي هذا هو الخسران المبين ثم يوضح ذلك الخسران بالحال التالية وهي أن لهم وهم في النار من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل أي طبقات من فوقهم طبقة ومن تحتهم أخرى وكلها دخان ولهب وحر وأخيراً قوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ أي المذكور من الخسران وعذاب الظلل يخوف الله تعالى به عباده المؤمنين ليواصلوا طاعتهم وصبرهم عليها فينجوا من النار ويظفروا بالجنان وقوله يا عباد فاتقون أي يا عبادي المؤمنين فاتقون ولا تعصون يحذرهم تعالى نفسه، والله رءوف بالعباد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان عناية الله تعالى برسوله والمؤمنين إذ أرشدهم إلى ما يكملهم ويسعدهم.
٢- وجوب التقوى والصبر على الأذى في ذلك.
٣- تقرير التوحيد بأن يعبد الله وحده.
٤- فضل الإسلام وشرف المسلمين.
٥- تقرير البعث والجزاء بيان شيء من أهوال الآخرة وعذاب النار فيها.
٦- كل خسران في الدنيا إذا قيس بخسران الآخرة لا يعد خسراناً أبداً.
39:17–20Page 460
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.
أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩
Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.
شرح الكلمات:
والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها: أي تركوا عبادة الأصنام وغيرها مما يعبد من دون الله.
وأنابوا إلى الله: أي بالإيمان به وعبادته وتوحيده فيها.
لهم البشرى: أي بالجنة عند الموت وفي القبر وعند القيام من القبور.
فيتبعون أحسنه: أي أوفاه وأكمله وأقربه إلى مرضاة الله تعالى.
أولوا الألباب: أي العقول السليمة.
أفمن حق عليه كلمة العذاب: أي وجب عليه العذاب بقول الله تعالى لأملأن جهنم.
أفأنت تنقذ من في النار: أي تخلصه منها وتخرجه من عذابها.
لكن الذين اتقوا ربهم: أي خافوه فآمنوا به وأطاعوه موحدين له في ذلك.
تجري من تحتها الأنهار: أي من خلال قصورها وأشجارها.
وعد الله: أي وعدهم الله تعالى وعداً فهو منجزه لهم.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى حال أهل النار من عبدة الأوثان وأن لهم من فوقهم ظللا من النار ومن تحتهم ظللا ذكر تعالى حال الذين اجتنبوا تلك الطواغيت فلم يعبدوها، وما أعد لهم من النعيم المقيم فجمع بذلك بين الترهيب والترغيب المطلوب لهداية البشر وإصلاحهم فقال عز وجل ﴿وٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطّاغُوتَ﴾ أي أن يعبدوها وهي الأوثان وكل ما زين الشيطان عبادته ودعا الناس إلى عبادته وأضافوا إلى اجتناب الطاغوت الإنابة إلى الله تعالى بعبادته وتوحيده فيها هؤلاء لهم البشرى وهي في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ويرونها عند نزول الموت وفي القبر وفي الحشر وكل هذا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وقوله تعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ يأمر تعالى رسوله أن يبشر صنفاً من عباده بما بشر به الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله وهم الذين يستمعون القول من قائله فيتبعون أحسن ما يسمعون، ويتركون حسنه وسيئه معاً فهؤلاء لهم همم عالية ونفوس تواقة للخير والكمال شريفة فاستوجبوا بذلك البشرى على لسان رسول الله ﷺ والثناء الجميل من ربّ العالمين إذ قال تعالى فيهم ﴿أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَداهُمُ ٱللَّهُ وأُوْلَٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبابِ﴾ فحسبهم كمالاً أن اثنى تعالى عليهم. اللهم اجعلني منهم ومن سأل لي وله ذلك. وقوله ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذابِ﴾ أي وجب له العذاب قضاءً وقدراً فأسرف في الكفر والظلم والإجرام والعدوان كأبي جهل والعاص بن وائل فأحاطت به خطيئاته فكان من أصحاب النار فهل تستطيع أيها الرسول انقاذه من النار وتخليصه منها؟ والجواب لا. إذاً فهون على نفسك واتركهم لشأنهم وما خلقوا له وحكم به عليهم. وقوله تعالى ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ فآمنوا وعملوا الصالحات لهم غرف في الجنة من فوقها غرف وهي العلية تكون فوق الغرفة تجري من تحتها الأنهار من تحت القصور والأشجار أنهار الماء واللبن والعسل والخمر.
وقوله ﴿وعْدَ ٱللَّهِ﴾ أي وعدهم الله تعالى بها وعداً حقاً فهو منجزه لهم إذ هو تعالى لا يخلف الميعاد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- كرامة زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي إذ هذه الآية تعنيهم فقد رفضوا عبادة الطاغوت في الجاهلية قبل الإسلام ثم أنابوا إلى ربهم فصدقت الآية عليهم.
٢- فضيلة أهل التمييز والوعي والإدراك الذين يميزون بين ما يسمعون فيتبعون الأحسن ويتركون ما دونه من الحسن والسيء.
٣- إعلام من الله تعالى أن من وجبت له النار أزلاً لا تمكن هدايته مهما بذل الداعي في هدايته وإصلاحه ما بذل.
٤- بيان ما أعد الله تعالى لأهل الإيمان والتقوى من نعيم الجنة وكرامة الله لأهلها.
39:21–23Page 460
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢
So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣
Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.
شرح الكلمات:
فسلكه ينابيع في الأرض: أي أدخله في الأرض فصار جاريا تحتها ينبع منها فكان بذلك ينابيع.
مختلفا ألوانه: أي ما بين أخضر وأبيض وأحمر وأصفر وأنواعه من بر وشعير وذرة.
ثم يهيج فتراه مصفرا: أي ييبس فتراه أيها الرائي بعد الخضرة مصفرا.
ثم يجعله حطاما: أي فتاتا متكسرا.
إن في ذلك لذكرى: أي إن في ذلك المذكور من إنزال الماء إلى أن يكون حطاما تذكيرا.
أفمن شرح الله صدره للإسلام: أي فاهتدى به كمن لم يشرح الله صدره فلم يهتد؟.
فهو على نور من ربّه: أي فهو يعيش في حياته على نور من ربّه وهو معرفة الله وشرائعه.
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله: ويل كلمة عذاب للقاسية قلوبهم عن قبول القرآن فلم تؤمن به ولم تعمل بما فيه.
أحسن الحديث كتاباً: هو القرآن الكريم.
متشابهاً: أي يشبه بعضه بعضا في النظم والحسن وصحة المعاني.
مثاني: أي ثنّى فيه الوعد والوعيد كالقصص والأحكام.
تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم: أي ترتعد منه جلود الذين يخشون ربهم وذلك عند ذكر وعيده.
ثم تلين جلودهم وقلوبهم: أي تطمئن وتلين.
إلى ذكر الله: أي عند ذكر وعده لأهل الإيمان والتقوى بالجنة وما فيها من نعيم مقيم.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ألَمْ تَرَ﴾ هذه الآية الكريمة تقرر التوحيد والبعث والجزاء بذكر مظاهر القدرة والعلم الإلهيين، وهما مقتضيان لوجود الله أولاً ثم وجوب الإيمان به وبلقائه فقال تعالى مخاطبا رسوله ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ وهو المطر ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي أدخله فيها وأخرجه منها ينابيع بواسطة حفر وبدونه، ثم يخرج به زرعاً من قمح وشعير وذرة وغيرها مختلفا ألوانه من أحمر وأبيض وأصفر ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ حسب سنة الله تعالى في ذلك فيجف ﴿فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً﴾ أي فتاتا متكسراً كالتبن كل هذا يتم بقدرة الله وعلمه وتدبيره ففيه موعظة وذكرى لأولي القلوب الحيّة تهديهم إلى الإيمان بالله وبآياته ولقائه، وما يستتبع ذلك من الطاعة والتوحيد وقوله تعالى ﴿أفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ أي وسع صدره وفسحه فقبل الإسلام دينا فاعتقد عقائده وعمل بشرائعه فامتثل أوامره واجتنب نواهيه فهو يعيش على نور من ربه ومقابل هذا محذوف اكتفى بالأول عنه وتقديره كمن طبع الله على قلبه وجعل صدره حرجا ضيقا فلم يقبل الإسلام ولم يدخل فيه، وعاش على الكفر والشرك والمعاصي فهو يعيش على ظلمة الكفر ودخن الذنوب وعفن الفساد والشر. وقوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ﴾ يتوعد الله تعالى بالعذاب أصحاب القلوب القاسية من سماع القرآن وهذه أسوأ حال العبد إذا كان يهلك بالدواء ويضل بالهدى فسماع القرآن الأصل فيه أن يلين القلوب الصالحة للحياة فإذا كانت القلوب ميتة غير قابلة للحياة سماع القرآن زادها موتاً وقسوة، ويدل على هذا قوله ﴿أُوْلَٰئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ فهدايتهم متعذرة إذا كان الدواء يزيد في علتهم وآيات الهداية تزيد في ضلالتهم.
وقوله تعالى ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ﴾ هذه الآية نزلت لما قال أصحاب الرسول يوماً لرسول الله ﷺ حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى قوله ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ﴾ وهو القرآن ﴿كِتاباً مُّتَشابِهاً﴾ أي يشبه بعضه بعضاً في حسن اللفظ وصحة المعاني ﴿مَّثانِيَ﴾ أي يثني فيه الوعد والوعيد والأمر والنهي والقصص، ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي عند سماع آيات الوعيد فيه ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾ إذا سمعوا آيات الوعد ﴿وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا سمعوا حججه وأدلته وقوله ﴿إلىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ أي القرآن وذكر الله بوعده ووعيده وأسمائه وصفاته ويشهد له قوله تعالى من سورة الرعد ﴿ألا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الآية: ٢٨] وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ هُدى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي ذلك المذكور وهو القرآن الكريم هدى الله إذ هو الذي أنزله وجعله هادياً يهدي به من يشاء هدايته بمعنى يوفقه للإيمان والعمل به وترك الشرك والمعاصي. وقوله ﴿ومَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ لما سبق في علم الله ولوجود مانع منع من هدايته كالإصرار والعناد والتقليد. فهذا ليس له من هاد يهديه بعد الله أبداً.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مظاهر العلم والقدرة الإلهية الموجبة للإيمان به وبرسوله ولقائه.
٢- بيان أن القلوب قلبان قلب قابل للهداية وآخر غير قابل لها.
٣- بيان أن القرآن أحسن ما يحدث به المؤمن إذ أخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل.
٤- فضيلة أهل الخشية من الله إذ هم الذين ينفعلون لسماع القرآن فترتعد فرائصهم عند سماع وعيده، وتلين قلوبهم وجلودهم عند سماع وعده.
39:24–26Page 461
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤
Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥
Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
شرح الكلمات:
أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب: أي يتلقى العذاب بوجهه لا شيء يقيه منه كمن أمن.
سوء العذاب: أقساه وأشده.
وقيل للظالمين: أي المشركين في جهنم.
ذوقوا ما كنتم تكسبون: أي جزاء كسبكم الشر والفساد.
كذب الذين من قبلهم: أي من قبل أهل مكة.
فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون: أي من حيث لا يدرون أنه آتيهم منه. أو من حيث لا يخطر ببالهم.
فأذاقهم الله عذاب الخزي: أي المسخ والذل والإهانة.
ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون: أي لو كانوا يعلمون ذلك ما كذبوا ولا كفروا.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير البعث والجزاء فقوله تعالى ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذابِ﴾ يوم القيامة إذ ليس له ما يتقي به العذاب لأن يديه مغلولتان إلى عنقه فهو يتلقى العذاب بوجهه وهو أشرف أعضائه أفهذا الذي يتلقى العذاب بل سوء العذاب كمن أمن العذاب ودخل الجنة؟ والجواب لا يستويان. وقوله تعالى ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أي المشركين وهم في النار يقول لهم زبانية جهنم توبيخاً لهم وتقريعاً ذوقوا ما كنتم تكسبون من أعمال الشرك والمعاصي هذا جزاؤه فذوقوه عذاباً أليما. وقوله تعالى ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي كذب قبل أهل مكة أُمم وشعوب كذبوا رسلهم فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا وذلك كالذل والمسخ والقتل والأسر والسبي ولعذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وهم صائرون إليه لا محالة وقوله ﴿لَوْ كانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كانوا يعلمون عنه علما يقينيا ما كذبوا رسلهم ولا كفروا بربهم. فهلكوا بجهلهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير البعث والجزاء بذكر شيئ من أحوال يوم القيامة.
٢- تهديد قريش على إصرارها على التكذيب للرسول وما جاءها به من الإسلام.
٣- العذاب على التكذيب والمعاصي منه الدنيوي، ومنه الآخروي.
٤- لو علم الناس عذاب الآخرة علما يقينا ما كذبوا ولا كفروا ولا ظلموا فالجهل هو سبب الهلاك والشقاء دائماً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences