Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:19–33
4:19–21Page 80
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩
O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.
وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠
But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?
وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١
And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?
شرح الكلمات:
كرها: بدون رضاهن.
العضل: المنع بشدة كأنه إمساك بالعضلات أو من العضلات.
ببعض ما آتيتموهن: أي من المهور.
الفاحشة: الخصلة القبيحة الشديدة القبح كالزنى.
مبيّنة: ظاهرة واضحة ليست مجرد تهمة أو مقالة سوء.
المعروف: ما عرفه الشرع واجبا أو مندوبا أو مباحا.
قنطارا: أي من الذهب أو الفضة مهرا وصداقا.
بهتانا وإثما: أي كذبا وافتراء، وإثما حراما لا شك في حرمته لأنه ظلم.
أفضى بعضكم إلى بعض: أي خلص الزوج إلى عورة زوجته والزوجة كذلك.
ميثاقا غليظ: هو العقد وقول الزوج: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
معنى الآيات:
تضمنت هذه الآية: ﴿يَٰأيُّها ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾ إبطال ما كان شائعا بين الناس قبل الإسلام من الظلم اللاحق بالنساء فقد كان الرجل إذا مات والده على زوجته ورثها أكبر أولاده من غيرها فإن شاء زوجها وأخذ مهرها وإن شاء استبقاها حتى تعطيه ما يطلب منها من مال فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَٰأيُّها ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾، فبطل ذلك الحكم الجاهلي بهذه الآية الكريمة وأصبحت المرأة إذا مات زوجها اعتدت في بيت زوجها فإذا انقضت عدتها ذهبت حيث شاءت ولها مالها وما ورثته من زوجها أيضا وقوله تعالى: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءاتَيْتُمُوهُنَّ إلاَّ أن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ فهذا حكم آخر وهو أنه يحرم على الزوج إذا كره زوجته أن يضايقها ويضارها حتى تفتدى منه ببعض مهرها، إذ من معاني العضل المضايقة والمضارة، هذا ما لم ترتكب الزوجة فاحشة الزنى، أو تترفع عن الزوج وتتمرد عليه وتبخسه حقه في الطاعة والمعاشرة بالمعروف أما إن أتت بفاحشة مبينة لا شك فيها أو نشزت نشوزاً بيناً فحينئذ للزوج أن يضايقها حتى تفتدي منه بمهرها أو بأكثر حتى يطلقها. وذلك لقوله تعالى: ﴿إلاَّ أن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾، ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بمعاشرة الزوجات بالمعروف وهو العدل والإحسان، فقال: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، وإن فرض أن أحدا منكم كره زوجته وهي لم تأت بفاحشة مبينة فليصبر عليها ولا يطلقها فلعل الله تعالى يجعل في بقائها في عصمته خيراً كثيرا له نتيجة الصبر عليها وتقوى الله تعالى فيها وفي غيرها، فقد يرزق منها ولدا ينفعه، وقد يذهب من نفسه ذلك الكره ويحل محله الحب والمودة. والمراد أن الله تعالى أرشد المؤمن. إن كره زوجته أن يصبر ولا يطلق لما في ذلك من العاقبة الحسنة، لأن الطلاق بغير موجب غير صالح ولا مرغوب للشارع وكم من أمر يكرهه العبد ويصبر عليه فيجعل الله تعالى فيه الخير الكثير. هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٩] أما الآيتان بعدها فقد تضمنتا: تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطاراً فلا يحل أن يأخذ منه فلسا فضلا عن دينار أو درهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَّكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُواْ مِنهُ شَيْئاً﴾، أتأخذونه بهتاناً أي ظلما بغير حق وكذباً وافتراء وإثما مبينا أي ذنبا عظيما، ثم قال تعالى منكراً على من يفعل ذلك: وكيف تأخذونه أي بأي وجه يحل لكم ذلك، والحال أنه قد أفضى بعضهم إلى بعض أي بالجماع، إذ ما استحل الزوج فرجها إلا بذلك المهر فكيف إذا يسترده أو شيئا منه بهتانا وإثما مبينا، فقال تعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضىٰ بَعْضُكُمْ إلىٰ بَعْضٍ﴾؟ وقوله تعالى وأخذن منكم ميثاقا غليظا يعني عقد النكاح فهو عهد مؤكد يقول الزوج نكحتها على مبدأ: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فأين التسريح بإحسان إذا كان يضايقها حتى تتنازل له عن مهرها أو عن شيء منه، هذا ما أنكره تعالى بقوله وكيف تأخذونه إذ هو استفهام إنكاري.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه.
٢- حرمة العضل من أجل الافتداء بالمهر وغيره.
٣- الترغيب في الصبر.
٤- جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل إن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها كالزنى أو النشوز.
٥- جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار غير أن التيسير فيه أكثر بركة.
٦- وجوب مراعاة العهود والوفاء بها.
4:22–23Page 81
وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢
And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣
Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
شرح الكلمات:
ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم: لا تتزوجوا امرأة الأب أو الجد.
إلا ما قد سلف: إلا ما قد مضى قبل هذا التحريم.
إنه كان فاحشة: أي زواج نساء الآباء فاحشة شديدة القبح.
مقتا: ممقوتاً مبغوضا للشارع ولكل ذي فطرة سليمة.
وساء سبيلا: أي قبح نكاح أزواج الآباء طريقا يسلك.
أمهاتكم: جمع أم فالأم محرمة ومثلها الجدة وإن علت.
وربائبكم: الربائب جمع ربيبة هي بنت الزوجة.
وحلائل أبنائكم: الحلائل جمع حليلة وهي امرأة الابن من الصلب.
معنى الآيتين:
ما زال السياق الكريم في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالإرث والنكاح وعشرة النساء. وفي هاتين الآيتين ذكر تعالى محرمات النكاح من النسب، والرضاع والمصاهرة فبدأ بتحريم امرأة الأب وإن علا فقال: ﴿ولا تَنكِحُواْ ما نَكَحَ ءابَآؤُكُمْ﴾، ولم يقل من ليشمل التحريم منكوحة الأب والطريقة التي كانت متبعة عندهم في الجاهلية. ولذا قال إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه بالإسلام بعد التخلي عنه وعدم المقام عليه، وبهذه اللفظ حرمت امرأة الأب والجد على الإبن وابن الإبن ولو لم يدخل بها الأب ثم ذكر محرمات النسب فذكر الأمهات والبنات والأخوت والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت فهؤلاء سبع محرمات من النسب قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وبَنَٰتُكُمْ وأَخَوَٰتُكُمْ وعَمَّٰتُكُمْ وخالَٰتُكُمْ وبَناتُ ٱلأَخِ وبَناتُ ٱلأُخْتِ﴾ ثم ذكر المحرمات بالرضاع فقال ﴿وأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ﴾ فمن رضع من امرأة خمس رضعات وهو في سن الحولين تحرم عليه ويحرم عليه أمهاتها وبناتها وأخواتها وكذا بنات زوجها وأخواته وأمهاته حتى قيل يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة فقال: وأمهات نسائكم فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حراما وقال وربائبكم التي في حجوركم فالربيبة هي بنت الزوجة إذا نكح الرجل امرأة وبنى بها لا يحل له الزواج من ابنتها أما إذا عقد فقط ولم يبن فإن البنت تحل له لقوله: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي لا إثم ولا حرج.
ومن المحرمات بالمصاهرة امرأة الإبن بنى بها أم لم يبن لقوله تعالى: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم أي ليس ابناً بالتبني، أما الإبن من الرضاع فزوجته كزوجة الابن من الصلب، لأن اللبن الذي تغذى به هو السبب فكان إذاً كالولد للصلب، ومن المحرمات بالمصاهرة أيضا أخت الزوجة فمن تزوج امرأة لا يحل له أن يتزوج أختها حتى تموت أو يفارقها وتنتهي عدتها لقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه عفو بشرط عدم الإقامة عليه.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإسلام منها، وخاصة أزواج الآباء فزوجة الأب محرمة على الإبن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها.
٢- بيان المحرمات من النسب وهن سبع الأمهات والبنات والأخوات، والعمات والخالات وبنات الأخ وبنت الأخت.
٣- بيان المحرمات من الرضاع وهن المحرمات من النسب فالرضيع يحرم عليه أمه المرضع له وبناتها وأخواتها وعماته وخالاته، وبنات أخيه وبنات أخته.
٤- بيان المحرمات من المصاهرة وهن سبع أيضا: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بإبنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة اذا دخل بأمها، وأمرأة الولد من الصلب بنى بها الولد أو لم يبن، وكذا ابنه من الرضاع، وأخت امرأته ما دامت أختها تحته لم يفارقها بطلاق أو وفاة. والمحصنات من النساء أي المتزوجات قبل طلاقهن أو وفاة أزواجهن وانقضاء عددهن.
4:24–25Page 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.
شرح الكلمات:
المحصنات: جمع محصنة والمراد بها هنا المتزوجة.
إلا ما ملكت إيمانكم: المملوكة بالسبي والشراء ونحوهما.
ما وراء ذلكم: أي ما عداه أي ما عدا ما حرم عليكم.
غير مسافحين: المسافح: الزاني، لأن السفاح هو الزنى.
أجورهن فريضة: مهورهن نحلة.
طولاً: سعة وقدرة على المهر.
المحصنات: العفيفات.
أجورهن: مهورهن.
ولا متخذات أخدان: الخدين الخليل الذي يفجر بالمرأة سراً تحت شعار الصداقة.
فإذا أحصن: بأن أسلمن أو تزوجن إذ الإحصان يكون بهما.
العنت: العنت الضرر في الدين والبدن.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في بيان ما يحرم من النكاح وما يجوز ففي الآية الأولى [٢٤] عطف تعالى على المحرمات في المصاهرة المرأة المتزوجة فقال ﴿وٱلْمُحْصَنَٰتُ﴾ أي ذوات الأزواج فلا يحل نكاحهن إلا بعد مفارقة الزوج بطلاق أو وفاة، وبعد انقضاء العدة أيضاً واستثنى تعالى من المتزوجات المملوكة باليمين وهي المرأة تسبى في الحرب الشرعية وهي الجهاد في سبيل الله فهذه من الجائز أن يكون زوجها لم يمت في الحرب وبما أن صلتها قد انقطعت بدار الحرب وبزوجها وأهلها وأصبحت مملوكة أذن الله تعالى رحمة بها في نكاحها ممن ملكها من المؤمنين. ولذا ورد أن الآية نزلت في سبايا أوطاس وهي وقعة كانت بعد موقعة حنين فسبي فيها المسلمون النساء والذراري، فتحرّج المؤمنون في غشيان أولئك النسوة ومنهن المتزوجات فأذن لهم في غشيانهنّ بعد أن تسلم إحداهن وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل لأنها مشركة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إلاَّ ما مَلَكْتَ أيْمَٰنُكُمْ﴾ وقوله: ﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يريد ما حرمه تعالى من المناكح قد كتبه على المسلمين كتاباً وفرضه فرضاً لا يجوز إهماله أو التهاون به. فكتابَ الله منصوب على المصدرية.
وقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مّا وراءَ ذَٰلِكُمْ﴾ أي ما بعد الذي حرمه من المحرمات بالنسب وبالرضاع وبالمصاهرة على شرط أن لا يزيد المرء على أربع كما هو ظاهر قوله تعالى في أول السورة ﴿مَثْنىٰ وثُلَٰثَ ورُبَٰعَ﴾ [النساء: ٣] وقوله تعالى ﴿أن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ﴾ أي لا حرج عليكم أن تطلبوا بأموالكم من النساء غير ما حرّم عليكم فتتزوجوا ما طاب لكم حال كونكم محصنين غير مسافحين، وذلك بأن يتم النكاح بشروطه من الولي والصداق والصيغة والشهود، إذ أن نكاحاً يتم بغير هذه الشروط فهو السفاح أي الزنى وقوله تعالى ﴿فَما ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يريد تعالى: أيما رجل تزوج امرأة فأفضى إليها أي وطئها إلا وجب لها المهر كاملاً، أما التي لم يتم الاستمتاع بها بأن طلقها قبل البناء فليس لها إلا نصف المهر المسمى، وإن لم يكن قد سمى لها فليس لها إلا المتعة، فالمراد من قوله ﴿فَما ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ أي بنيتم بهن ودخلتم عليهن.
وقوله تعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ﴾ يريد إذا أعطى الرجل زوجته ما استحل به فرجها وهو المهر كاملاً فليس عليهما بعد ذلك من حرج في أن تسقط المرأة من مهرها لزوجها، أو تؤجله أو تهبه كله له أو بعضه إذ ذاك لها وهي صاحبته كما تقدم ﴿فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤].
وقوله تعالى: ﴿إنَّ ٱللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ المراد منه إفهام المؤمنين بأن الله تعالى عليم بأحوالهم حكيم في تشريعه لهم فليأخذوا بشرعه ورخصه وعزائمه فإنه مراعى فيه الرحمة والعدل، ولنعم تشريع يقوم على أساس الرحمة والعدل.
هذا ما تضمنته الآية الأولى [٢٤] أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...﴾ فقد تضمنت بيان رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين إذ رخص لمن لم يستطع نكاح الحرائر لقلة ذات يده، مع خوفه العنت الذي هو الضرر في دينه بالزنى، أو في بدنه بإقامة الحد عليه رخص له أن يتزوج المملوكة بشرط أن تكون مؤمنة، وأن يتزوجها بإذن مالكها وأن يؤتيها صداقها وأن يتم ذلك على مبدأ الإحصان الذي هو الزواج بشروطه لا السفاح، الذي هو الزنى العلني المشار إليه بكلمة ﴿غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ﴾، ولا الخفيّ المشار إليه بكلمة ﴿ولا مُتَّخِذَٰتِ أخْدانٍ﴾ أي أخلاء هذا معنى قوله تعالى ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ أي قدرة مالية أن ينكح المحصنات أي العفائف من ﴿فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ﴾ أي من إمائكم المؤمنات لا الكافرات بحسب الظاهر أما الباطن فعلمه إلى الله ولذا قال: ﴿وٱللَّهُ أعْلَمُ بِإيمَٰنِكُمْ﴾ وقوله ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ فيه تطييب لنفس المؤمن إذا تزوج للضرورة الأمة فإن الإيمان أذهب الفوارق بين المؤمنين وقوله: ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ﴾ فيه بيان للشروط التي لا بد منها وقد ذكرناها آنفاً.
وقوله تعالى: ﴿فَإذَآ أُحْصِنَّ﴾ - أي الإماء - بالزواج وبالإسلام ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ﴾ أي زنين فعليهن حد هو نصف ما على المحصنات من العذاب وهو جلد خمسين جلدة وتغريب ستة أشهر، لأن الحرة إن زنت وهي بكر تجلد مائة وتغرب سنة. أما الرجم والذي هو الموت فإنه لا ينصف فلذا فهم المؤمنون في تنصيف العذاب أنه الجلد لا الرجم وهو إجماع لا خلاف فيه وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ يريد أبحت لكم ذلك لمن خاف على نفسه الزنى إذا لم يقدر على الزواج من الحرة لفقره واحتياجه وقوله تعالى: ﴿وأَن تَصْبِرُواْ...﴾ أي على العزوبيَّة خير لكم من نكاح الإماء. وقوله ﴿وٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين ولذا رخَّص لهم في نكاح الإماء عند خوف العنت، وأرشدهم إلى ما هو خير منه وهو الصبر فلله الحمد وله المِنَّة.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها.
٢- جواز نكاح المملوكة باليمين وإن كان زوجها حيّاً في دار الحرب إذا أسلمت، لأن الإسلام فصل بينهما.
٣- وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة من مهرها لزوجها شيئاً.
٤- جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر.
٥- وجوب إقامة الحد على من زنت من الإماء إن أُحْصِنَّ بالزواج والإسلام.
٦- الصبر على العزوبة خير من الزواج بالإماء لإرشاد الله تعالى إلى ذلك.
4:26–28Page 82
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦
Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧
Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
شرح الكلمات:
يريد الله ليبين لكم: يريد الله أن يبيّن لكم بما حرم عليكم وأحل لكم ما يكملكم ويسعدكم في دنياكم وأخراكم.
سنن الذين من قبلكم: طرائق الذين من قبلكم من الأنبياء والصالحين لتنهجوا نهجهم فتطهروا وتكملوا وتفلحوا مثلهم.
ويتوب عليكم: يرجع بكم عما كنتم عليه من ضلال الجاهلية إلى هداية الإسلام.
الذين يتبعون الشهوات: من اليهود والنصارى والمجوس والزناة.
أن تميلوا ميلاً عظيماً: تحيدوا عن طريق الطهر والصفاء إلى طريق الخبث والكدر بارتكاب المحرمات من المناكح وغيرها فتبتعدوا عن الرشد بعداً عظيماً.
وخلق الإنسان ضعيفاً: لا يصبر عن النساء، فلذا رخّص تعالى لهم في الزواج من الفتيات المؤمنات.
معنى الآيات:
لما حرم تعالى ما حرم من المناكح وأباح ما أباح منها علل لذلك بقوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ أي بما شرع ليبيّن ما هو نافع لكم مما هو ضار بكم فتأخذوا النافع وتتركوا الضار، كما يريد أن يهديكم طرائق الصالحين من قبلكم من أنبياء ومؤمنين صالحين لتسلكوها فتكلموا وتسعدوا في الحياتين، كما يريد بما بين لكم أن ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يرجع بكم من ضلال الجاهلية إلى هداية الإسلام فتعيشوا على الطهر والصلاح، وهو تعالى عليم بما ينفعكم ويضركم حكيم في تدبيره لكم فاشكروه بلزوم طاعته، والبعد عن معصيته.
هذا ما تضمنته الآية الأولى [٢٦] أما الآية الثانية [٢٧] فقد تضمنت الإخبار بأن الله تعالى يريد بما بيّنه من الحلال والحرام في المناكح وغيرها أن يرجع بالمؤمنين من حياة الخبث والفساد التي كانوا يعيشونها قبل الإسلام إلى حياة الطهر والصلاح في ظل تشريع عادل رحيم. وأنّ الذين يتَّبعون الشهوات من الزناة واليهود والنصارى وسائر المنحرفين عن سنن الهدى فإنهم يريدون من المؤمنين أن ينحرفوا مثلهم فينغمسوا في الملاذ والشهوات البهيمية حتى يصبحوا مثلهم لا فضل لهم عليهم، وحينئذ لا حق لهم في قيادتهم أو هدايتهم.
هذا معنى الآية الثانية أما الثالثة [٢٨] فقد أخبر تعالى أنه بإباحته للمؤمنين العاجزين عن نكاح الحرائر نكاح الفتيات المؤمنات يريد بذلك التخفيف والتيسير عن المؤمنين رحمة بهم وشفقة عليهم لما يعلم تعالى من ضعف الإنسان وعدم صبره عن النساء بما غرز فيه من غريزة الميل إلى أنثاه لحفظ النوع ولحكم عالية وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ ٱلإنسانُ ضَعِيفاً﴾.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- منّة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر.
٢- منة الله تعالى على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم.
٣- منتة تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات.
٤- الكشف عن نفسية الإنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناه والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر الصالح يود أن يطهر ويصلح كل الناس.
٥- ضعف الإنسان أمام غرائزه لا سيما غريزة الجنس.
4:29–30Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
شرح الكلمات:
آمنوا: صدقوا الله والرسول.
بالباطل: بغير حق يبيح أكلها.
تجارة: بيعاً وشراءً فيحل لصاحب البضاعة أن يأخذ النقود ويحل لصاحب النقود أخذ البضاعة، إذاً لا باطل.
تقتلوا أنفسكم: أي تزهقوا أرواح بعضكم بعضاً.
عدواناً وظلماً: اعتداء يكون فيه ظالماً.
نصليه ناراً: ندخله نار جهنم يحترق فيها.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في بيان ما يحل وما يحرم من الأموال والأعراض والأنفس ففي هذه الآية [٢٩] ينادي الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان فيقول: ﴿يَٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ وينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل بالسرقة أو الغش أو القمار أو الربا وما إلى ذلك من وجوه التحريم العديدة فيقول: ﴿لا تَأْكُلُوۤاْ أمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ﴾، أي بغير عوض مباح، أو طيب نفس، ثم يستثنى ما كان حاصلا عن تجارة قائمة على مبدأ التراضي بين البيعين لحديث «إنما البيع عن تراض» و «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» فقال تعالى: ﴿إلاَّ أن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَراضٍ مِّنْكُمْ﴾ فلا بأس بأكله فإنه حلال لكم. هذا ما تضمنته هذه الآية كما قد تضمنت حرمة قتل المؤمنين لبعضهم بعضاً فقال تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوۤاْ أنْفُسَكُمْ﴾ والنهي شامل لقتل الإنسان نفسه وقتله أخاه المسلم لأن المسلمين كجسم واحد فالذي يقتل مسلماً منهم كأنما قتل نفسه. وعلل تعالى هذا التحريم لنا فقال إن الله كان بكم رحيماً، فلذا حرَّم عليكم قتل بعضكم بعضاً.
هذا ما تضمنته الآية الأولى [٢٩] أما الآية الثانية [٣٠] فقد تضمنت وعيداً شديداً بالإصلاء بالنار والإحراق فيها كل من يقتل مؤمناً عدواناً وظلماً أي بالعمد والإصرار والظلم المحض، فقال تعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ﴾ أي القتل ﴿عُدْواناً وظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وكانَ ذٰلِكَ﴾ أي الإصلاء والإحراق في النار ﴿عَلى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ لكمال قدرته تعالى فالمتوعد بهذا العذاب إذا لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه بحال من الأحوال.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا.
٢- إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل.
٣- تقرير مبدأ «إنما البيع عن تراض، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
٤- حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين لأنهم أمة واحدة.
٥- الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإصلاء بالنار.
٦- إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده أو ابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
شرح الكلمات:
أن تجتنبوا: تبتعدوا لأن الاجتناب ترك الشيء عن جنب بعيداً عنه لا يقبل عليه ولا يقربه.
كبائر ما تنهون عنه: الكبائر: ضد الصغائر، والكبيرة تعرف بالحد لا بالعد فالكبيرة ما توعد الله ورسوله عليها، أو لعن الله ورسوله فاعلها أو شرع لها حدّ يقام على صاحبها، وقد جاء في الحديث الصحيح بيان العديد من الكبائر، وعلى المؤمن أن يعلم ذلك ليجتنبه.
نكفر: نغطي ونستر فلا نطالب بها ولا نؤاخذ عليها.
مدخلاً كريماً: المدخل الكريم هنا: الجنة دار المتقين.
معنى الآية الكريمة:
يتفضل الجبار جل جلاله وعظم إنعامه وسلطانه فيمن على المؤمنين من هذه الأمة المسلمة بأن وعدها وعد الصدق بأن من اجتنب منها كبائر الذنوب كفر عنه صغائرها وأدخله الجنة دار السلام وخلع عليها حلل الرضوان فقال تعالى ﴿إن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ ما أنهاكم عنه أنا ورسولي ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَٰتِكُمْ﴾ التي هي دون الكبائر وهي الصغائر، ﴿ونُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ الذي هو الجنة ولله الحمد والمنة. لهذا كانت هذه الآية من مبشرات القرآن لهذه الأمة.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- وجوب الإبتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت.
٢- الذنوب قسمان كبائر وصغائر ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
٣- الجنة لا يدخلها إلا ذوُو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش.
4:32–33Page 83
وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢
And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣
And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.
شرح الكلمات:
ولا تتمنوا: التمني: التشهي والرغبة في حصول الشيء، وأداته، ليت، ولو، فإن كان مع زوال المرغوب فيه عن شخص ليحصل للمتمني فهو الحسد.
ما فضل الله بعضكم: أي ما فضل الله به أحداً منكم فأعطاه علماً أو مالاً أو جاهاً أو سلطاناً.
نصيب مما اكتسبوا: أي حصة وحظ من الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية.
موالي: الموالي من يلون التركة ويرثون الميت من أقارب.
عقدت إيمانكم: أي حالفتموهم وتآخيتم معهم مؤكدين ذلك بالمصافحة واليمين.
فآتوهم نصيبهم: من الرفادة والوصيّة والنصرة لأنهم ليسوا ورثة.
معنى الآيتين:
صح أو لم يصح أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ليتنا كنا رجالاً فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال فإن الله سميع عليم، والذين يتمنون حسداً وغير حسد ما أكثرهم ومن هنا نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة [٣٢] عباده المؤمنين عن تمني ما فضل الله تعالى به بعضهم على بعض فأعطى هذا وحرم ذاك لحكم اقتضت ذلك، ومن أظهرها الابتلاء بالشُّكرِ والصبر، فقال تعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْاْ ما فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ﴾ - من علم أو مال. أو صحة أو جاه أو سلطان - ﴿بَعْضَكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ﴾ وأخبر تعالى أن سنته في الثواب والعقاب الكسب والعمل فليعمل من أراد الأجر والمثوبة بموجبات ذلك من الإيمان والعمل الصالح، ولا يتمنى ذلك تمنياً، وليكف عن الشرك والمعاصي من خاف العذاب والحرمان ولا يتمنى النجاة تمنياً كما على من أراد المال والجاه فليعمل له بسننه المنوطة به ولا يتمنى فقط فإن التمني كما قيل بضائع النوكى أي الحمقى، فلذا قال تعالى ﴿لِّلرِّجالِ نَصِيبٌ مِّمّا ٱكْتَسَبُواْ ولِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمّا ٱكْتَسَبْنَ﴾، فرد القضية إلى سنته فيها وهي كسب الإنسان. كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] ثم بين تعالى سنة أخرى في الحصول على المرغوب وهي دعاء الله تعالى فقال ﴿وٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ ٱللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فمن سأل ربّه وألح عليه موقناً بالإجابة أعطاه فيوفقه للإتيان بالأسباب، ويصرف عنه الموانع، ويعطيه بغير سبب إن شاء، وهو على كل شيء قدير، بل ومن الأسباب المشروعة الدعاء والإخلاص فيه.
هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [٣٣] فإن الله تعالى يخبر مقرراً حكماً شرعياً قد تقدم في السياق وهو أن لكل من الرجال والنساء ورثة يرثونه إذا مات فقال ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوَٰلِيَ﴾ أي أقارب يرثونه إذا مات، وذلك من النساء والرجال أما الذين هم موالي بالحلف أو الإخاء فقط أي ليسوا من أولي الأرحام فالواجب إعطاؤهم نصيبهم من النصرة والرفادة.
والوصية لهم بشيء إذ لا حظ لهم في الإرث لقوله تعالى: ﴿وأْوْلُواْ ٱلأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلىٰ بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، ولما كان توزيع المال وقسمته تتشوق له النفوس وقد يقع فيه حيف أو ظلم أخبر تعالى أن على كل شيء شهيد فلا يخفى عليه من أمر الناس شيء فليتق ولا يُعص.
فقال: ﴿إنَّ ٱللَّهَ كانَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ لا يخفى عليه من أمركم شيء فاتقوه وأطيعوه ولا تعصوه.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- قبح التمني وترك العمل.
٢- حرمة الحسد.
٣- فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد.
٤- تقرير مبدأ التوارث في الإسلام.
٥- من عاقد أحداً على حلف أو آخى أحداً وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث، أما الإرث فلا حق له لنسخ ذلك.
٦- وجوب مراقبة الله تعالى، لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences