Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:13–34
5:13–14Page 109
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣
So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.
وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤
And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.
شرح الكلمات:
نقض الميثاق: حله بعدم الالتزام بما تضمنه من أمر ونهي.
لعنّاهم: طردناهم من موجبات الرحمة ومقتضيات العز والكمال.
يحرفون الكلم: يبدلون الكلام ويؤولون معانيه لأغراض فاسدة، والكلم من الكلام.
ونسوا حظاً مما ذكروا: تركوا قسطاً كبيراً مما ذكرهم الله تعالى به أي أمرهم به في كتابهم.
خائنة: خيانة أو طائفة خائنة منهم.
فاعف عنهم واصفح: أي لا تؤاخذهم واصرف وجهك عنهم محسناً إليهم بذلك.
إنا نصارى: أي ابتدعوا بدعة النصرانية فقالوا إنا نصارى.
أغرينا بينهم العداوة: الإغراء: التحريش والمراد أوجدنا لهم أسباب الفرقة والخلاف إلى يوم القيامة بتدبيرنا الخاص فهم أعداء لبعضهم البعض أبداً.
معنى الآيتين:
ما زال السياق الكريم في بيان خبث اليهود وغدرهم فقد أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة [١٣] أن اليهود الذين أخذ الله ميثاقهم على عهد موسى عليه السلام بأن يعملوا بما في التوراة وأن يقابلوا الكنعانيين ويخرجوهم من أرض القدس وبعث منهم أثني عشر نقيباً قد نكثوا عهدهم ونقضوا ميثاقهم، وإنه لذلك لعنهم وجعل قلوبهم قاسية فهم يحرفون الكلم عن مواضعه فقال تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِم﴾ أي فبنقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة ويطيعوا رسولهم ﴿لَعنّاهُمْ﴾ أي أبعدناهم من دائرة الرحمة وأفناء الخير والسلام ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ شديدة غليظة لا ترق لموعظة، ولا تلين لقبول هدى ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّواضِعِهِ﴾ فيقدمون ويأخرون ويحذفون بعض الكلام ويؤولون معانيه لتوافق أهواءهم، ومن ذلك تأويلهم الآيات الدالة على نبوة كل من عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في التوراة ﴿ونَسُواْ حَظًّا مِّمّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ وتركوا كثيراً مما أمروا به من الشرائع والأحكام معرضين عنها متناسين لها كأنهم لم يؤمرو بها، فهل يستغرب ممن كان هذا حالهم الغدر والنقض والخيانة، ولا تزال يا رسولنا ﴿تَطَّلِعُ عَلىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ أي على طائفة خائنة منهم كخيانة بني النضير ﴿إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ فإنهم لا يخونون كعبد الله بن سلام وغيره، وبناء على هذا ﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ﴾ فلا تؤاخذهم بالقتل، ﴿وٱصْفَحْ﴾ عنهم فلا تتعرض لمكروههم فأحسن إليهم بذلك ﴿إنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى [١٣] أما الآية الثانية [١٤] في هذا السياق فقد أخبر تعالى عن النصارى وأن حالهم كحال اليهود لا تختلف كثيراً عنهم فقد أخذنا ميثاقهم على الإيمان بي وبرسلي وبالعمل بشرعي فتركوا متناسين كثيراً مما أخذ عليهم العهد والميثاق فيه، فكان أن أغرينا بينهم العداوة والبغضاء كثمرة لنقضهم الميثاق فتعصبت كل طائفة لرأيها فثارت بينهم الخصومات وكثر الجدل فنشأ عن ذلك العداوات والبغضاء وستستمر إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله تعالى بما كانوا يصنعون من الباطل والشر والفساد ويجازيهم به الجزاء الموافق لخبث أرواحهم وسوء أعمالهم فإن ربك عزيز حكيم.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- حرمة نقض المواثيق ونكث العهود ولا سيما كان بين العبد وربه.
٢- الخيانة وصف لازم لأكثر اليهود فقل من سلم منهم من هذا الوصف.
٣- استحباب العفو عند القدرة، وهو من خلال الصالحين.
٤- حال النصارى لا تختلف كثيراً عن حال اليهود كأنهم شربوا من ماء واحد. وعليه فلا يستغرب منهم الشر ولا يؤمنون على سر فهم في عداوة الإسلام والحرب عليه متعاونون متواصون.
5:15–16Page 110
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥
O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]
يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦
By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.
شرح الكلمات:
أهل الكتاب: هنا هم اليهود والنصارى معاً.
قد جاءكم رسولنا: محمد ﷺ.
تخفون من الكتاب: الكتاب التوراة والإنجيل، وما يخفونه صفات النبي ﷺ وبعض الأحكام، المخالفين لها يجحدونها خوف المعرة كالرجم مثلاً.
ويعفو عن كثير: لا يذكرها لكم لعدم الفائدة من ذكرها.
نور وكتاب مبين: النور محمد ﷺ، والكتاب القرآن الكريم.
إلى صراط مستقيم: الإسلام وهو الدين الحق الذي لا نجاة إلا به. والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في أهل الكتاب فبعد أن بين تعالى باطلهم وما هم عليه من شر وسوء دعاهم وهو ربهم وأرحم بهم من أنفسهم إلى سبيل نجاتهم وكمالهم دعاهم إلى الإيمان برسوله وكتابه ذلك الرسول الذي ما اتبعه أحد وندم وخزي والكتاب الذي ما ائتم به أحد وضل أو شقي، فقال: ﴿يا أهْلَ ٱلْكِتابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنا﴾ أي محمد ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ بوحينا ﴿كَثِيراً﴾ من مسائل الشرع والدين التي تخفونها خشية الفضيحة لأنها حق جحدتموه وذلك كنعوت النبي الأمي وصفاته حتى لا يؤمن به الناس، وكحكم الرجم في التوراة وما إلى ذلك. ﴿ويَعْفُواْ﴾ يترك كثيراً لم يذكر لعدم الداعي إلى ذكره يا أهل الكتاب ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ ربكم ﴿نُورٌ﴾ هو رسولنا محمد ﷺ ﴿وكِتابٌ مُّبِينٌ﴾ وهو القرآن إذ بين كل شيء من أمور الدين والدنيا وكل ما تتوقف سعادة الإنسان وكماله عليه دنيا وأخرى ﴿يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ﴾ تعالى ﴿مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ وذلك بالرغبة الصادقة في الحصول على رضا الله عز وجل بواسطة فعل محابه وترك مساخطه عن كل معتقد وقول وعمل يهديه به ﴿سُبُلَ ٱلسَّلامِ﴾ أي طرق السعادة والكمال، ﴿ويُخْرِجُهُمْ﴾ أي المتبعين رضوان الله ﴿مِّنِ ٱلظُّلُماتِ﴾ وهي ظلمات الكفر والشرك والشك، إلى نور الإيمان الصحيح والعبادة الصحيحة المزكية للنفس المهذبة للشعور بتوفيقه وعونه تعالى ويهديهم أي أولئك الراغبين حقاً في رضا الله ﴿ويَهْدِيهِمْ إلىٰ صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ لا يضلون معه ولا يشقون أبداً وهو دينه الحق الإسلام الذي لا يقبل ديناً غيره، والذي ما اهتدى من جانبه ولا سعد ولا كمل من تركه.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- نصح الله تعالى لأهل الكتاب بدعوتهم إلى سبل السلام بالدخول في الإسلام.
٢- بيان جحود اليهود والنصارى لكثير من الأحكام الشرعية ودلائل النبوة المحمدية مكراً وحسداً حتى لا يؤمن الناس بالإسلام ويدخلوا فيه.
٣- اتباع السنة المحمدية يهدي صاحبه إلى سعادته وكماله.
٤- القرآن حجة على الناس كافة لبيانه الحق في كل شيء.
٥- طالب رضا الله بصدق يفوز بكل خير وينجوا من كل ضير.
5:17–19Page 110
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩
O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.
شرح الكلمات:
لقد كفر الذين: لأنهم جحدوا الحق وقالوا كذباً الله هو المسيح بن مريم.
المسيح: لقب لعيسى بن مريم عبد الله ورسوله عليه السلام.
مريم: بنت عمران من صلحاء بني إسرائيل والدة عيسى عليه السلام.
يهلك: يميت ويبيد.
قدير: قادر على إيجاد وإعدام كل شيء أراد إيجاده أو إعدامه.
الأحباء: واحده حبيب كما أن الأبناء واحده ابن.
على فترة: الفترة زمن انقطاع الوحي لعدم إرسال الله تعالى رسولا.
بشير ونذير: البشير: المبشر بالخير، والنذير: المنذر من الشر وهو رسول الله ﷺ يبشر المؤمنين وينذر الكافرين.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب ففي الآية الأولى [١٧] أخبر تعالى مؤكداً الخبر بالقسم المحذوف الدالة عليه اللام الواقعة في جواب القسم فقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ ووجه كفرهم أنهم جعلوا المخلوق المربوب هو الله الخالق الرب لكل شيء وهو كفر من أقبح أنواع الكفر، وهذا وإن لم يكن قول أكثر النصارى فإنهم بانتمائهم إلى النصرانية وقولهم بها وانخراطهم في سلك مبادئها وتعاليمها يؤاخذون به، لأن الرضا بالكفر كفر.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ يعلم رسوله كيف يحتج على أهل هذا الباطل فيقول له: قل لهم فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه عليهما السلام ﴿ومَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ والجواب قطعاً لا أحد، إذاً فكيف يكون عبد الله هو الله أو إلهاً مع الله؟ أليس هذا هو الضلال بعينه وذهاب العقول لكماله؟ ثم أخبر تعالى أنه له ﴿وللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ خلقاً وتصرفاً، وأنه ﴿يَخْلُقُ ما يَشَآءُ﴾ خلقه بلا حجر عليه ولا حظر وهو على كل شيء قدير خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى من مريم بلا أب، ويخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير فكون المسيح عليه السلام خلقه بكلمة كن بلا أب لا تستلزم عقلاً ولا شرعاً أن يكون هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة مع الله كما هي عقيدة أكثر النصارى، والعجب من إصرارهم على هذا الباطل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية [١٨] فقد تضمنت بيان ضلال اليهود والنصارى معاً وهو دعواهم أنهم ﴿أبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وأَحِبَّٰؤُهُ﴾ إذ قال تعالى عنهم ﴿وقالَتِ ٱلْيَهُودُ وٱلنَّصَٰرىٰ نَحْنُ أبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وأَحِبَّٰؤُهُ﴾ وهو تبجح وسفه وضلال فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قل لهم يا رسولنا ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ فهل الأب يعذب أبناءه والحبيب يعذب محبيه، وأنتم تقولون نعذب في النار أربعين يوماً بسبب خطيئة عبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً كما جاء ذلك في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وقالُواْ لَن تَمَسَّنا ٱلنّارُ إلاَّ أيّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] والحقيقة أن هذا القول منكم من حملة الترهات والأباطيل التي تعيشون عليها، وأما أنتم فإنكم بشر ممن خلق الله فنسبتكم إليه تعالى نسبة مخلوق إلى خالق وعبد إلى مالك من آمن منكم وعمل صالحاً غفر له وأكرمه، ومن كفر منكم وعمل سوءً عذبه كما هو سنته في سائر عباده، ولا اعتراض عليه فإن له ملك السماوات والأرض وما بينهما وأنتم من جملة مملوكيه، وإليه المصير فسوف ترجعون إليه ويجزيكم بوصفكم إنه حكيم عليم.
هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة [١٩] فقد تضمنت إقامة الحجة على أهل الكتاب فقد ناداهم الرب تبارك وتعالى بقوله يا أهل الكتاب وأعلمهم أنه قد جاءهم رسوله محمد ﷺ يبين لهم الطريق المنجي والمسعد في وقت واحد على حين فترة من الرسل إذ انقطع الوحي منذ رفع عيسى إلى السماء وقد مضى على ذلك قرابة خمسمائة وسبعين سنة أرسلنا رسولنا إليكم حتى لا تقولوا معتذرين عن شرككم وكفركم وشركم وفسادكم: ﴿ما جَآءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ فها هو ذا البشير محمد ﷺ فآمنوا به واتبعوه تنجوا وتسعدوا، وإلا فالعذاب لازم لكم والله على تعذيبكم قدير كما هو على كل شيء قدير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- كفر من ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه من سائر النقائص.
٢- بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي.
٣- نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد.
٤- قطع عذر أهل الكتاب بإرسال الرسول محمد ﷺ على حين فترة من الرسل.
5:20–23Page 111
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠
And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.
يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١
O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢
They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣
Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."
شرح الكلمات:
نعمة الله عليكم: منها نجاتهم من فرعون وملائه.
إذ جعل فيكم أنبياء: منهم موسى وهارون عليهما السلام.
وجعلكم ملوكاً: أي مالكين أمر أنفسكم بعد الاستعباد الفرعوني لكم.
العالمين: المعاصرين لهم والسابقين لهم.
المقدسة التي كتب: المطهرة التي فرض الله عليكم دخولها والسكن فيها بعد طرد الكفار منها.
ولا ترتدوا على أدباركم: أي ترجعوا منهزمين إلى الوراء.
قوماً جبارين: عظام الأجسام أقوياء الأبدان يجبرون على طاعتهم من شاءوا.
يخافون: مخالفة أمر الله تعالى ومعصية رسوله.
أنعم الله عليهما: أي بنعمة العصمة حيث لم يفشوا سر ما شاهدوه لما دخلوا أرض الجبارين لكشف أحوال العدو بها، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثني عشر.
معنى الآيات:
ما زال السياق مع أهل الكتب وهو هنا في اليهود خاصة إذ قال الله تعالى لرسوله محمد ﷺ واذكر ﴿وإذْ قالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنْبِيَآءَ﴾ كموسى وهارون عليهما السلام ﴿وجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ تملكون أنفسكم لا سلطان لأمة عليكم إلا سلطان ربكم عز وجل ﴿يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ للسَّكَن فيها والاستقرار بها فافتحوا باب المدينة وباغتوا العدو فإنكم تغلبون ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلىٰ أدْبارِكُمْ﴾ أي ولا ترجعوا إلى الوراء منهزمين فتنقلبوا بذلك خاسرين، لا أمر الله بالجهاد أطعتم، ولا المدينة المقدسة دخلتم وسكنتم، واسمع يا رسولنا جواب القوم ليزول استعظامك بكفرهم بك وهمهم بقتلك، ولتعلم أنهم قوم بهت سفلة لا خير فيهم، إذ قالوا في جوابهم لنبيهم موسى عليه السلام: ﴿يامُوسىٰ إنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وإنّا لَن نَّدْخُلَها حَتّىٰ يَخْرُجُواْ مِنها فَإن يَخْرُجُواْ مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾!! وكان سبب هذه الهزيمة الروحية ما أذاعه النقباء من أخبار مهيلة مخيفة تصف العمالقة الكنعانيين بصفات لا تكاد تتصور في العقول اللهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا وهما اللذان قال تعالى عنهما: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي أمر الله تعالى ﴿أنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِما﴾ فعصمهما من إفشاء سر ما رأو من قوة الكنعانيين إلا لموسى عليه السلام قالا للقوم ﴿ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبابَ﴾ أي باب المدينة ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ وذلك لعنصر المباغتة وهو عنصر مهم في الحروب، ﴿وعَلى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ﴾ وهاجموا القوم واقتحموا عليهم المدينة ﴿إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ بما أوجب الله عليكم من جهاد وكتب لكم من الاستقرار بهذه البلاد والعيش بها، لأنها أرض القدس والطهر. هذا ما تضمنته الآيات الأربع، وسنسمع رد اليهود على الرجلين في الآيات التالية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تسلية الرسول ﷺ بإعلامه تعالى بخبث اليهود وشدة ضعفهم ومرض قلوبهم.
٢- فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم.
٣- بيان الأثر السيء الذي تركه إذاعة النقباء للأخبار الكاذبة المهولة، وقد استعملت ألمانيا النازية هذا الأسلوب ونجحت نجاحاً كبيراً حيث اجتاحت نصف أوربا في مدة قصيرة جداً.
٤- بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس.
٥- فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار.
5:24–26Page 112
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤
They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥
[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."
شرح الكلمات:
لن ندخلها: أي المدينة التي أمروا بمهاجمة أهلها والدخول عليهم فيها.
الفاسقين: أي عن أمر الله ورسوله بتركهم الجهاد جبناً وخوفاً.
محرمة عليهم: أي تحريماً كونيا قضائياً لا شرعياً تعبدياً.
يتيهون في الأرض: أي في أرض سينا متحيرين فيها لا يدرون أين يذهبون مدة أربعين سنة.
فلا تأس: أي لا تحزن ولا تأسف.
معنى الآيات:
هذا هو جواب القوم على طلب الرجلين الصالحين باقتحام المدينة على العدو، إذ قالوا بكل وقاحة ودناء وخسة: ﴿قالُواْ يامُوسىۤ إنّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ..﴾ أي المدينة ﴿... أبَداً مّا دامُواْ فِيها..﴾ أي ما دام أهلها فيها يدافعون عنها ولو لم يدافعوا، ﴿.. فَٱذْهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فَقاتِلاۤ..﴾ أهل المدينة أما نحن فها هنا قاعدون. أي تمرد وعصيان أكثر من هذا؟ وأي جبن وخور أعظم من هذا؟ وأي سوء أدب أحط من هذا؟ وهنا قال موسى متبرئاً من القوم الفاسقين: رب أي يا رب ﴿إنِّي لاۤ أمْلِكُ إلاَّ نَفْسِي وأَخِي..﴾ يريد هارون ﴿.. فَٱفْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفاسِقِينَ﴾ فطلب بهذا البراءة منهم ومن صنيعهم، إذ قد استوجبوا العذاب قطعاً، فأجابه ربه تعالى بقوله في الآية الثالثة [٢٦] ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ..﴾ أي الأرض المقدسة أربعين سنة لا يدخلونها وفعلاً ما دخلوها إلا بعد مضي الفترة المذكورة ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ وكيف كانوا فيها؟ يتيهون في أرض سينا متحيرين في سيرهم لا يدرون أين يذهبون ولا من أين يأتون، وعليه فلا تحزن يا رسولنا ولا تأسف على القوم الفاسقين إذ هذا جزاؤهم من العذاب عُجِّل لهم فليذوقوه!!.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان جبن اليهود، وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم.
٢- وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم.
٣- حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم.
5:27–31Page 112
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
شرح الكلمات:
واتل عليهم: وأقرأ على اليهود الذين هموا بقتلك وقتل أصحابك.
نبأ ابني آدم: خبر ابني آدم هابيل وقابيل.
قرباناً: القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى كالصلاة والصدقات.
بسطت إلي يدك: مددت إليّ يدك.
أن تبوء بإثمي وإثمك: ترجع إلى الله يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك في معاصيك.
فطوعت له نفسه: شجعته على القتل وزينته له حتى فعله.
غراباً: طائراً أسود معروف يضرب به المثل في السواد.
يواري سوءة أخيه: يستر بالتراب جسد أخيه، وقيل فيه سوءة، لأن النظر إلى الميت تكرهه النفوس، والسوءة: ما يكره النظر إليها.
معنى الآيات:
ما زال السياق القرآني الكريم في الحديث عن يهود بني النضير الذين هموا بقتل النبي ﷺ وأصحابه فالله تعالى يقول لرسوله واقرأ عليهم قصة ابني آدم هابيل وقابيل ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هموا به، توبيخاً لهم، وإظهاراً لموقفك الشريف منهم حيث عفوت عنهم فلم تقتلهم بعد تمكنك منهم، وكنت معهم كخير ابني آدم، ﴿.. إذْ قَرَّبا قُرْباناً..﴾، أي قرب كل منهما قرباناً لله تعالى فتقبل الله قربان أحدهما لأنه كان من أحسن ماله وكانت نفسه به طيبة، ﴿ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ﴾ وهو قابيل لأنه كان من أردأ ماله، ونفسه به متعلقة، فقال لأخيه هابيل لأقتلنك حسداً له - كما حسدتك اليهود وحسدوا قومك في نبوتك ورسالتك - فقال له أخوه إن عدم قبول قربانك عائدٌ إلى نفسك لا إلى غيرك إنما يتقبل الله من المتقين للشرك فلو اتقيت الشرك لتقبل منك قربانك لأن الله تعالى لا يتقبل إلا ما كان خالصاً له، وأنت أشركت نفسك وهواك في قربانك، فلم يتقبل منك. ووالله قسماً به ﴿لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أناْ بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾، وعلل ذلك بقوله: ﴿.. إنِّيۤ أخافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعالَمِينَ﴾، أي أن ألقاه بدم أرقته ظلماً. وإن أبيت إلا قتلي فإني لا أقتلك لأني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي ترجع إلى ربنا يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي قارفته في حياتك كلها، فتكون بسبب ذلك من أصحاب النار الخالدين فيها الذين لا يفارقونها أبداً قال تعالى ﴿وذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظّالِمِينَ﴾، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ أي شجعته عليه وزينته له فقتله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخاسِرِينَ﴾ النادمين لأنه لم يدر ما يصنع به فكان يحمله على عاتقه ويمشي به حتى عفن، وعندئذ بعث الله غراباً يبحث في الأرض أي ينبش الأرض برجليه ومنقاره وينشر التراب على ميت معه حتى واراه: أي بعث الله الغراب ليريه كيف يواري أي يستر سوءة أخيه أي جيفته، فلما رأى قابيل ما صنع الغراب بأخيه الغراب الميت قال متندماً متحسراً يا ويلتا أي يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك، ثم وبخ نفسه قائلاً: ﴿أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَٰذا ٱلْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾، كما وارى الغراب سوءة أخيه، وأصبح من النادمين على حمله أو على قتله وعدم دفنه ومجرد الندم لا يكون توبة مع أن توبة القاتل عمداً لا تنجيه من النار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يحب أن يتقرب به إليه تعالى.
٢- عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة.
٣- قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى.
٤- بيان أول من سن جريمة القتل وهو قابيل ولذا ورد: ما من نفس تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل «نصيب» ذلك بأنه أول من سن القتل.
٥- مشروعية الدفن وبيان زمنه.
٦- خير ابني آدم المقتول ظلماً وشرهما القاتل ظلماً.
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
شرح الكلمات:
من أجل ذلك: أي بسبب ذلك القتل.
كتبنا: أوحينا.
أو فساد في الأرض: بحربه لله ورسوله والمؤمنين.
ومن أحياها: قدر على قتلها وهي مستوجبة له فتركها.
بالبينات: الآيات الواضحات حاملة للشرائع والدلائل.
لمسرفون: مكثرون من المعاصي والذنوب.
معنى الآية الكريمة:
يقول تعالى: إنه من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها من مفاسد ومضار لا يقادر قدرها أوجبنا على بني إسرائيل لكثرة ما شاع بينهم من القتل وسفك الدماء فقد قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس لأجل هذه الضراوة على القتل فقد قتلوا رسولين زكريا ويحيى وهموا بقتل كل من المرسلين العظيمين عيسى ومحمد ﷺ من أجل ذلك شددنا عليهم في العقوبة إذ من قتل منهم نفساً بغير نفس أي ظلماً وعدواناً. أو قتلها بغير فساد قامت به في الأرض وهو حرب الله ورسوله والمؤمنين فكأنما قتل الناس جميعاً بمعنى يعذب عذاب قتل الناس جميعاً يوم القيامة ومن أحياها بأن استوجبت القتل فعفا عنها وتركها لله إبقاء عليها فكأنما أحيا الناس جميعاً يعني يُعطى أجر من أحيا الناس جميعاً كل هذا شرعه الله تعالى لهم تنفيراً لهم من القتل الذي أصروا عليه، وترغيباً لهم في العفو الذي جافوه وبعدوا عنه فلم يعرفوه وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنا بِٱلّبَيِّنَٰتِ﴾ يخبر تعالى عن حالهم مسلياً رسوله محمداً عما يحمله من همّ منهم وهم الذين تآمروا على قتله أن الشر الذي لازم اليهود والفساد الذي أصبح وصفاً لازماً لهم وخاصة المؤامرات بالقتل وإيقاد نار الحروب لم يكن عن جهل وعدم معرفة منهم لا أبداً بل جاءتهم رسلهم بالآيات البينات والشرائع القويمة والآدب الرفيعة ولكنهم قوم بهت متمردون على الشرائع مسرفون في الشر والفساد ولذا فإن كثيراً منهم والله لمسرفون في الشر والفساد، وبنهاية هذه الآية ومن قوله تعالى ﴿يا أيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أن يَبْسُطُواْ إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ..﴾ وهي الآية [١١] انتهى الحديث عن اليهود المتعلق بحادثة همهم بقتل الرسول ﷺ وأصحابه وقد ذكر تسلية لرسول الله وأصحابه، كما هو تسلية لكل مؤمن يتعرض لمكر اليهود عليهم لعائن الله.
هداية الآية
من هداية الآية:
١- تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل ومع الأسف لم ينتفعوا به.
٢- فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن الجهل وقلة العلم بل كان اتباعاً للأهواء وجريا وراء عارض الدنيا. فلذا غضب الله عليهم ولعنهم لأنهم عالمون.
٣- بالرغم من تضعيف جزاء الجريمة على اليهود، ومضاعفة أجر الحسنة لهم فإنهم أكثر الناس إسرافاً في الشر والفساد في الأرض.
5:33–34Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
شرح الكلمات:
يحاربون الله ورسوله: بالخروج عن طاعتهما وحمل السلاح على المؤمنين وقتلهم وسلب أموالهم والاعتداء على حرماتهم.
ويسعون في الأرض فساداً: بإخافة الناس وقطع طرقهم وسلب أموالهم والاعتداء على أعراضهم.
أو يصلبوا: يشدون على أعواد الخشب ويقتلون، أو بعد أن يقتلوا.
من خلاف: بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس.
أو ينفوا من الأرض: أي من أرض الإسلام.
خزي في الدنيا: ذل ومهانة.
عذاب عظيم: عذاب جهنم.
أن تقدروا عليهم: أي تتمكنوا منهم بأن فروا بعيداً ثم جاءوا مسلمين.
معنى الآيتين:
لما ذكر تعالى ما أوجبه على اليهود من شدة العقوبة وعلى جريمة القتل والفساد في الأرض كسْراً لِحِدةٍ جُرءتهم على القتل والفساد ذكر هنا حكم وجزاء من يحارب المسلمين ويسعى بالفساد في ديارهم فقال تعالى: ﴿إنَّما جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحارِبُونَ ٱللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بالكفر بعد الإيمان والقتل والسلب بعد الأمان، ﴿ويَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَساداً﴾ بتخويف المسلمين، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه ﴿أن يُقَتَّلُوۤاْ أوْ يُصَلَّبُوۤاْ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾ ومعنى يقتلوا: يقتلون واحداً بعد واحد نكاية لهم وإرهاباً وتعزيراً لغيرهم، ومعنى يصلبوا بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام ومعنى ينفوا من الأرض يخرجوا من دار الإسلام، أو إلى مكان ناءٍ كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمون من شرهم وأذاهم، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزياً وذلاً لهم في الدنيا ﴿ولَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار، وقوله تعالى: ﴿إلاَّ ٱلَّذِينَ تابُواْ مِن قَبْلِ أن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ فهذا استثناء متصل من أولئك المحاربين بأن من عجزنا عنه فلم نتمكن من من القبض عليه، وبعد فترة جاءنا تائباً فإن حكمه يختلف عمن قبله، وقوله تعالى: ﴿فَٱعْلَمُواْ أنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يحمل إشارة واضحة إلى تخفيف الحكم عليه، وذلك فإن كان كافراً وأسلم فإن الإسلام يجب ما قبله فيسقط عنه كل ما ذكر في الآية من عقوبات.. وإن كان مسلماً فيسقط الصلب ويجب عليه، رد المال الذي أخذه إن بقي في يده، وإن قتل أو فجر وطالب بإقامة الحد عليه أقيم عليه الحد، وإلا ترك لله والله غفور رحيم.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- بيان حكم الحرابة وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض. هذه هي الحرابة وأهلها يقال لهم المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى [٣٣].
٢- الإمام مخير في إنزال التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن، إن قلنا أو في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً ينفى.
٣- من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفا عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذويه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك.
٤- عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences