Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:90–126
7:90–93Page 162
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١
So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢
Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣
And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"
شرح الكلمات:
لئن اتبعتم شعيباً: أي على ما جاء به من الدين والهدى.
الرجفة: الحركة العنيفة كالزلزلة.
جاثمين: باركين على ركبهم ميتين.
كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يعمروها ويقيموا فيها زمناً طويلاً.
الخاسرين: إذ هلكوا في الدنيا وادخلوا النار في الآخرة.
آسى: أي أحزن أو آسف شديد الأسف.
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصص شعيب مع أهل مدين فإنه بعد أن هدد الظالمون شعيباً بالإبعاد من مدينتهم هو والمؤمنون معه أو أن يعودوا إلى ملتهم فرد شعيب على التهديد بما أيأسهم من العودة إلى دينهم، وفزع إلى الله يعلن توكله عليه ويطلب حكمه العادل بينه وبين قومه المشركين الظالمين كأن الناس اضطربوا وأن بعضاً قال اتركوا الرجل وما هو عليه، ولا تتعرضوا لما لا تطيقونه من البلاء. هنا قال الملأ الذين استكبروا من قومه مقسمين بآلهة الباطل: ﴿لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً﴾ أي على دينه وما جاء به وما يدعو إليه من التوحيد والعدل ورفع الظلم ﴿إنَّكُمْ إذاً لَّخاسِرُونَ﴾ قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ استجابة لدعوة شعيب فأصبحوا هلكى جاثمين على الركب. قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيها﴾ أي كأن لم يعمروا الديار ويقيموا بها زمناً طويلاً، وأكد هذا الخبر وهو حكم في المكذبين الظالمين فقال: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كانُواْ هُمُ ٱلْخاسِرِينَ﴾ أما الذين صدقوا شعيباً فهم المفلحون الفائزون وودعهم شعيب كما ودع صالح قومه قال تعالى: ﴿فَتَوَلّىٰ عَنْهُمْ﴾ وهم جاثمون هلكى فقال ﴿يٰقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ فأبيتم إلا تكذيبي ورد قولي والإصرار على الشرك والفساد حتى هلكتم ﴿فَكَيْفَ ءاسىٰ عَلىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ﴾ أي لا معنى للحزن والأسف على مثلكم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- ثمرة الصبر والثبات النصر العاجل أو الآجل.
٢- نهاية الظلم والطغيان والدمار والخسران.
٣- لا أسىً ولا حزناً على من أهلكه الله تعالى بظلمه وفساده في الأرض.
٤- مشروعية توبيخ الظالمين بعد هلاكهم كما فعل رسول الله ﷺ بأهل القليب وكما فعل صالح وشعيب عليهما السلام.
7:94–95Page 162
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ٩٤
And We sent to no city a prophet [who was denied] except that We seized its people with poverty and hardship that they might humble themselves [to Allāh].
ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩٥
Then We exchanged in place of the bad [condition], good, until they increased [and prospered] and said, "Our fathers [also] were touched with hardship and ease."1 So We seized them suddenly while they did not perceive.2
شرح الكلمات:
في قرية: القرية: المدينة الجامعة لأعيان البلاد ورؤسائها وهي المدينة.
بالبأساء: بالشدة كالقحط والجوع والحروب.
والضراء: الحالة المضرة كالأمراض والغلاء وشدة المؤونة.
يضرعون: يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه ليكشف عنهم السوء.
مكان السيئة الحسنة: أي بدل الغلاء الرخاء، وبدل الخوف الأمن، وبدل المرض الصحة.
حتى عفوا: كثرت خيراتهم ونمت أموالهم، وأصبحت حالهم كلها حسنة.
أخذناهم بغتة: أنزلنا بهم العقوبة فجأة.
معنى الآيتين:
على إثر بيان قصص خمسة أنبياء ذكر تعالى سنته في الأمم السابقة ليكون ذلك عظة لكفار قريش، وذكرى للمؤمنين فقال تعالى: ﴿ومَآ أرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ أي في أهل قرية والمراد بالقرية الحاضرة والعاصمة من كبريات المدن حيث الكبراء والرؤساء من نبي من الأنبياء والمرسلين فكذبوه قومه وردوا دعوته مصرين على الشرك والضلال إلا أخذ الله تعالى أهل تلك المدينة بألوان من العذاب التأديبي كالقحط والجوع وشظف العيش، والأمراض والحروب المعبر عنه بالبأساء والضراء. رجاء أن يرجعوا إلى الحق بعد النفور منه، وقبوله بعد الإعراض عنه ثم يغير تعالى ما بهم من بأساء وضراء إلى يسر ورخاء، وعافية وهناء فتكثر أموالهم وأولادهم ويعظهم سلطانهم، ويقولون عندما يوعظون ويذكرون ليتوبوا فيؤمنوا ويتقوا: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا ٱلضَّرَّآءُ وٱلسَّرَّآءُ﴾ أي الخير والشر وما هناك ما تخوفوننا به إنما هي الأيام هكذا دول يوم عسر وآخر يسر وبذلك يحق عليهم العذاب فيأخذهم الجبار عز وجل فجأة ﴿وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيتم هلاكهم ويمسون حديث عبرة لمن بعدهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة وعذاب الآخرة أشد وأبقى.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- بيان سنة الله تعالى في الأمم السابقة.
٢- تخويف كفار قريش بما دلت عليه هذه السنة من أخذ الله تعالى المصرين على الكفر المتمردين على الحق.
٣- التذكير والوعظ بتاريخ الأمم السابقة المنبىء عن أسباب هلاكهم وخسرانهم ليتجنبها العقلاء، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبابِ﴾ [يوسف: ١١١].
7:96–100Page 163
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦
And if only the people of the cities had believed and feared Allāh, We would have opened [i.e., bestowed] upon them blessings from the heaven and the earth; but they denied [the messengers], so We seized them for what they were earning.1
أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ٩٧
Then, did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them at night while they were asleep?
أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٩٨
Or did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them in the morning while they were at play?1
أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩
Then, did they feel secure from the plan of Allāh? But no one feels secure from the plan of Allāh except the losing people.
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.1
شرح الكلمات:
آمنوا واتقوا: أي آمنوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده واتقوه تعالى بطاعته وعدم معصيته.
بركات من السماء والأرض: جمع بركة وهي دوام الخير وبقاؤه والعلم والإلهام والمطر من بركات السماء والنبات والخصب والرخاء والأمن والعافية من بركات الأرض.
يكسبون: من الشرك والمعاصي.
بياتا: أي ليلاً وهم نائمون.
مكر الله: استدراجه تعالى لهم بإغداق النعم عليهم من صحة الأبدان ورخاء العيش حتى إذا آمنوا مكره تعالى بهم أخذهم بغتة.
أو لم يهد لهم: أي أو لم يبين لهم بمعنى يتبين لهم.
بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم.
معنى الآيات:
بعدما بين تعالى سنته في الأمم السابقة، وهي أخذ الأمة بعد تكذيبها وعصيانها بالبأساء والضراء، ثم إذا هي لم تتب واستمرت على كفرها وعصيانها أغدق عليها الخيرات حتى عفت بكثرة مالها وصلاح حالها أخذها بغتة فأهلكها، وتم خسرانها في الدارين، فتح تعالى باب التوبة والرجاء لعباده فقال: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ ٱلْقُرىٰ﴾ المكذبين ككفار مكة والطائف وغيرهما من المدن ﴿ءامَنُواْ﴾ أي بالله ورسوله وبلقاء الله ووعده ووعيده، ﴿وٱتَّقَواْ﴾ الله تعالى في الشرك وفي معصيته ومعصية رسوله لفتح عليهم أبواب السماء بالرحمات والبركات، وفتح عليهم كنوز الأرض ورزقهم من الطيبات ولكن أهل القرى الأولين كذبوا فأخذهم بالعذاب بما كانوا يكسبون، وأهل القرى اليوم وهم مكذبون فإما أن يعتبروا بما أصاب أهل القرى الأولين فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا، وإما أن يصروا على الشرك والتكذيب فينزل بهم ما نزل بمن قبلهم من عذاب الإبادة والاستئصال، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٩٦] وهي قوله تعالى ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ ٱلْقُرىٰ ءامَنُواْ وٱتَّقَواْ لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ولَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِما كانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أما الآيات الثلاث بعدها فإن الله تعالى ينكر على أهل القرى غفلتهم موبخاً لهم على تماديهم وإصرارهم على الباطل معجباً من حالهم فيقول: ﴿أفَأَمِنَ أهْلُ ٱلْقُرىٰ أن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَيَٰتاً وهُمْ نَآئِمُونَ﴾؟ أي أجهلوا من نزل بمن قبلهم فأمنوا أن يأتيهم عذابنا ليلاً وهم نائمون؟ ﴿أوَ أمِنَ أهْلُ ٱلْقُرىٰ أن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا﴾ أي عذابنا ﴿ضُحًى وهُمْ يَلْعَبُونَ﴾؟ أي أو غفل أهل القرى وأمنوا أن يأتيهم عذابنا ضحى وهم في أعمالهم التي لا تعود عليهم بخير كأنها لعب أطفال يلعبون بها ﴿أفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ﴾؟ أغرهم إمهالنا لهم واستدراجنا إياهم فأمنوا مكر الله؟ إنهم في ذلك خاسرون إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وقوله تعالى في الآية الخامسة [١٠٠] ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِهَآ أن لَّوْ نَشَآءُ أصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي عمى الذين يرثون الأرض من بعد أهلها ولم يتبين لهم بعد ولم يعلموا أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا الذين ورثوا ديارهم بذنوبهم ﴿ونَطْبَعُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي ونجعل على قلوبهم غشاوة حتى لا يعوا ما يقال لهم ولا يفهموا ما يراد بهم حتى يهلكوا كما هلك الذين من قبلهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عرض الرحمن تبارك وتعالى رحمته على عباده ولم يطلب منهم أكثر من الإيمان والتقوى.
٢- حرمة الغفلة ووجوب الذكر واليقظة.
٣- حرمة الأمن من مكر الله تعالى.
٤- إذا أمنت الأمة مكر الله تهيأت للخسران وحل بها لا محالة.
٥- وجوب الاعتبار بما أصاب الأولين، وذلك بترك ما كان سبباً لهلاكهم.
7:101–102Page 163
تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١
Those cities - We relate to you, [O Muḥammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus does Allāh seal over the hearts of the disbelievers.
وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ ١٠٢
And We did not find for most of them any covenant;1 but indeed, We found most of them defiantly disobedient.
شرح الكلمات:
تلك القرى: الإشارة إلى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
من أنبائها: أي من أخبارها.
بالبينات: بالحجج والبراهين الدالة على توحيد الله وصدق رسله.
من قبل: أي من قبل خلقهم ووجودهم، إذ علم الله تعالى تكذيبهم فكتبه عليهم في كتاب المقادير.
وما وجدنا لأكثرهم من عهد: أي لم نجد لأكثرهم وفاء بعهودهم التي أخذت عليهم يوم أخذ الميثاق.
معنى الآيتين:
يخاطب الرب تعالى رسوله محمداً ﷺ قائلا ﴿تِلْكَ ٱلْقُرىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنبَآئِها﴾ أي من أخبارها مع أنبيائها كيف دعتهم رسلهم إلى الإيمان والتوحيد والطاعة، وكيف ردت تلك الأمم دعوة الله واستكبرت على عبادته، وكيف كان حكمنا فيهم لعل قومك يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا. وقوله تعالى ﴿ولَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ﴾ أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم، وما جاءتهم به رسلهم من أمر ونهي من ربهم. وقوله ﴿فَما كانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِما كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي لم يكن أولئك الهالكون من أهل القرى ليؤمنوا بما كذبوا به في علم الله وقدره إذ علم الله أنهم لا يؤمنون فكتب ذلك عليهم فلذا هم لا يؤمنون، وقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾ أي كما كتب على الهالكين من أهل القرى أنهم لا يؤمنون ولم يؤمنوا فعلاً فأهلكهم، يطبع كذلك على قلوب الكافرين فلا يؤمنون حتى يأخذهم العذاب وهم ظالمون بكفرهم. وهذا الحكم الإلهي قائم على مبدأ أن الله علم من كل إنسان قبل خلقه ما يرغب فيه وما يؤثره على غيره ويعمله باختياره وإرادته فكتب ذلك عليه فهو عند خروجه إلى الدنيا لا يعمل إلا به. ليصل إلى ما كتب عليه، وقدر له أزلاً قبل خلق السماوات والأرض، وقوله تعالى ﴿وما وجَدْنا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ أي لم نجد لتلك الأمم التي أهلكنا وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. لم نجد لأكثرهم وفاء بعهدهم الذي أخذناه عليهم قبل خلقهم من الإيمان بنا وعبادتنا وطاعتنا وطاعة رسلنا، وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين عن أمرنا خارجين عن طاعتنا وطاعة رسلنا، وكذلك أحللنا بهم نقمتنا وأنزلنا بهم عذابنا فأهلكناهم أجمعين.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- تقرير الوحي الإلهي وإثبات نبوة محمد ﷺ، لأنه ما قُصَّ من أنباء الأولين لا يُتَلَقّى إلا بوحي إلهي ولا يتلقى عن الله تعالى إلا رسول أعِدَّ لذلك.
٢- وجود البينات مهما كانت قوية واضحة غير كاف في إيمان من لم يشأ الله هدايته.
٣- المؤمن من آمن في الأزل، والكافر من كفر فيه.
٤- الطبع على قلوب الكافرين سببه اختيارهم للكفر والشر والفساد وإصرارهم على ذلك كيفما كانت الحال.
7:103–108Page 163
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٠٣
Then We sent after them Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, but they were unjust toward them.1 So see how was the end of the corrupters.
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤
And Moses said, "O Pharaoh, I am a messenger from the Lord of the worlds
حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٠٥
[Who is] obligated not to say about Allāh except the truth. I have come to you with clear evidence from your Lord, so send with me the Children of Israel."1
قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٠٦
[Pharaoh] said, "If you have come with a sign, then bring it forth, if you should be of the truthful."
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ١٠٧
So he [i.e., Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent, manifest.1
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ١٠٨
And he drew out his hand; thereupon it was white [with radiance] for the observers.
شرح الكلمات:
ثم بعثنا من بعدهم: أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
موسى: هو موسى بن عمران من ذرية يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.
بآياتنا: هي تسع آيات: العصا، واليد، والسنون المجدبة، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والطمس على أموال فرعون.
إلى فرعون: أي بعث موسى الرسول إلى فرعون وهو الوليد بن مصعب بن الريان، ملك مصر.
وملئه: أي أشراف قومه وأعيانهم من رؤساء وكبراء.
فظلموا بها: أي ظلموا أنفسهم بالآيات وما تحمله من هدى حيث كفروا بها.
بينة من ربكم: حجة قاطعة وبرهان ساطع على أني رسول الله إليكم.
ونزع يده: أخرجها بسرعة من جيبه.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِم مُّوسىٰ﴾ هذا شروع في ذكر القصص السادس مما اشتملت عليه سورة الأعراف، وهي قصص موسى عليه السلام مع فرعون وملئه. قال تعالى وهو يقص على نبيه ليثبت به فؤاده، ويقرر به نبوته، ويعظ امته، ويذكر به قومه ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِم﴾ أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب موسى بن عمران إلى فرعون وملئه من رجالات ملكه ودولته، وقوله بآياتنا. هي تسع آيات لتكون حجة على صدق رسالته وأحقية دعوته. وقوله تعالى ﴿فَظَلَمُواْ بِها﴾ أي جحدوها ولم يعترفوا بها فكفروا بها وبذلك ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم بها، واستمروا على كفرهم وفسادهم حتى أهلكهم الله تعالى بإغراقهم، ثم قال لرسوله ﴿فَٱنْظُرْ كَيْفَ كانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي دماراً وهلاكاً وهي عاقبة كل مفسد في الأرض بالشرك والكفر والمعاصي. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [١٠٣] وأما الآيات بعدها فإنها في تفصيل أحداث هذا القصص العجيب. وأتى موسى فرعون وقال ﴿يٰفِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعالَمِينَ * حَقِيقٌ﴾ أي جدير وخليق بي ﴿أنْ لاَّ أقُولَ عَلى ٱللَّهِ إلاَّ ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ دالة على صدقي شاهدة بصحة ما أقول ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إسْرائِيلَ﴾ لأذهب بهم إلى أرض الشام التي كتب الله لهم وقد كانت دار آبائهم. وهنا تكلم فرعون وطالب موسى بالآية التي ذكر أنه جاء بها فقال ﴿إن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إن كُنتَ مِنَ ٱلصّادِقِينَ﴾ أي فيما تدعيه وتقول به وتدعوا إليه. وهنا ألقى موسى عصاه أي أمام فرعون المطالب بالآية ﴿فَإذا هِيَ ثُعْبانٌ مُّبِينٌ﴾ أي حية عظيمة تهتز أمام فرعون وملئه كأنها جان، هذه آية وزاده أخرى فأدخل يده في جيبه كما علمه ربه ونزعها ﴿فَإذا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ بيضاء بياضاً غير معهود مثله في أيدي الناس. هذا ما تضمنته هذه الآيات الخمس في هذا السياق.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان سوء عاقبة المفسدين بالشرك والمعاصي.
٢- تذكير موسى فرعون بأسلوب لطيف بأنه ليس رباً بل هناك رب العالمين وهو الله رب موسى وهارون والناس أجمعين.
٣- تقرير مبدأ الصدق لدى الرسل عليهم السلام.
٤- ظهور آيتين لموسى العَصا واليد.
7:109–112Page 164
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ١٠٩
Said the eminent among the people of Pharaoh, "Indeed, this is a learned magician
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ١١٠
Who wants to expel you from your land [through magic], so what do you instruct?"
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ١١١
They said,1 "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ١١٢
Who will bring you every learned magician."
شرح الكلمات:
ساحر عليم: أي ذو علم بالسحر خبير به ليس مجرد مدّع.
من أرضكم: أي من بلادكم ليستولي عليها ويحكمكم.
فماذا تأمرون: أي أشيروا بما ترون الصواب في حل هذا المشكل.
أرجه: أي أمهله وأخاه لا تعجل عليهما قبل اتخاذ ما يلزم من الاحتياطات.
في المدائن: مدن المملكة الفرعونية.
حاشرين: رجالاً يجمعون السحرة الخبراء في فن السحر للمناظرة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تفصيل قصص موسى مع فرعون فبعد أن تقدم موسى بما طلب فرعون منه من الآية فأراه آية العصا، واليد، وشاهد الملأ من قوم فرعون الآيتين العظيمتين قالوا ﴿إنَّ هَٰذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذلك لما بهرتهم الآيتان تحول العصا إلى حية عظيمة واليد البيضاء من غير سوء كالبرص بل بياضها عجب حتى لكأنها فلقة قمر أي قطعة منه، واتهموا موسى فوراً بالسياسة وأنه يريد بهذا إخراجكم من بلادكم ليستولي عليها هو وقومه من بني إسرائيل، وهنا تكلم فرعون وقال: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أي بم تشيرون علّي أيها الملأ والحال كما ذكرتم؟ فأجابوه قائلين ﴿أرْجِهْ وأَخاهُ﴾ أي أوقفهما عندك ﴿وأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حاشِرِينَ﴾ أي رجالاً من الشرط يحشرون أي يجمعون أهل الفن من السحرة من كافة أنحاء الإيالة أي الإقليم المصري، وأجر معه مناظرة فإذا انهزم انتهى أمره وأمنا من خطره على بلادنا وأوضاعنا. هذا ما دلت عليه الآيات الأربع في هذا السياق.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- جهل الملأ بالآيات أدى بهم إلى أن قالوا إن موسى ساحر عليم.
٢- مكر الملأ وخبثهم إذ اتهموا موسى سياسياً بأنه يريد الملك وهو كذب بحت وإنما يريد إخراج بني إسرائيل من مصر حيث طال استعبادهم وامتهانهم من قبل الأقباط وهم أبناء الأنبياء وأحفاد إسرائيل وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام.
٣- فضيحة فرعون حيث نسي دعواه الربوبية، فاستشار الملأ في شأنه، إذ الربُّّّّّّّّّّّّ الحق لا يستشير عباده فيما يريد فعله لأنه لا يجهل ما يحدث مستقبلاً.
٤- السحر صناعة من الصناعات يتعلم ويبرع فيها المرء، ويتقدم حتى يتفوق على غيره.
٥- حرمة السحر وحرمة تعلمه، ووجوب إقامة الحد على من ظهر عليه وعرف به.
7:113–116Page 164
وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣
And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤
He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥
They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."
قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦
He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1
شرح الكلمات:
السحرة: جمع ساحر وهو من يتقن فن السحر ويؤثر في أعين الناس بسحره.
إن لنا لأجراً: أي ثواباً من عندك أي أجراً تعطيناه إن نحن غلبنا.
نحن الملقين: لعصيّنا.
سحروا أعين الناس: حيث صار النظارة في الميدان يشاهدون عصي السحر وحبالهم يشاهدونها حيات وثعابين تملأ الساحة.
واسترهبوهم: أي أدخلوا الرهب والرعب في قلوب الناس من قوة أثر السحر في عيونهم.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام من جهة وبين فرعون وملئه من جهة أخرى، فقد جاء في الآيات السابقة أن الملأ أشارواعلى فرعون بأن يحبس موسى وأخاه هارون ويرسل شرطة في المدن يأتون بالخبراء في فن السحر لمناظرة موسى عيسى أن يغلبوه، وفعلاً أرسل فرعون في مدنه حاشرين يجمعون خبراء السحر، وها هم أولاء قد وصلوا قال تعالى ﴿وجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وعرفوا أن الموقف جد صعب على فرعون فطالبوه بالأجر العظيم إن هم غلبوا موسى وأخاه فوافق فرعون على طلبهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالوۤاْ إنَّ لَنا لأَجْراً إن كُنّا نَحْنُ ٱلْغالِبِينَ * قالَ نَعَمْ﴾ وزادهم أيضاً أن يجعلهم من خواصه ورجال قصره فقال ﴿وإنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي لدينا. وهنا تقدموا لموسى وكأنهم على ثقة في قوتهم السحرية وأن الجولة ستكون لهم، تقدموا بإلقاء آلاتهم السحرية أو تقدم موسى عليهم فقالوا ﴿يٰمُوسىٰ إمَّآ أن تُلْقِيَ وإمَّآ أن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ أي ألق عصاك أو نلقي نحن عصينا فقال لهم موسى ﴿ألْقَوْاْ﴾ فألقوا فعلاً فسحروا أعين الناس وجاءوا بسحر عظيم كما أخبر تعالى الأمر الذي استرهب النظارة حتى إن موسى عليه السلام أوجس في نفسه خيفة فنهاه ربه تعالى عن ذلك وأعلمه أنه الغالب بإذن الله تعالى جاء هذا الخبر في سورة طه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مشروعية طلب الأجرة على العمل الذي يقوم به الإنسان خارجاً عن نطاق العبادة.
٢- مشروعية الترقيات الحكومية لذي الخدمة الجُلى للدولة.
٣- تأثير السحر على أعين الناس حقيقة بحيث يرون الشيء على خلاف ما هو عليه إذ العصي والحبال استحالت في أعين الناس إلى حيات وثعابين.
7:117–122Page 164
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧
And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.
فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨
So the truth was established, and abolished was what they were doing.
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩
And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.
وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠
And the magicians fell down in prostration [to Allāh].
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢
The Lord of Moses and Aaron."
شرح الكلمات:
تلقف: تأخذ بسرعة فائقة وحذق عجيب.
ما يأفكون: ما يقلبون بسحرهم وتمويههم.
فوقع الحق: ثبت وظهر.
صاغرين: ذليلين.
ساجدين: ساقطين على وجوههم سجداً لربهم رب العالمين.
معنى الآيات:
ما زال السياق في المناظرة أو المباراة بين موسى عليه السلام وسحرة فرعون، فبعد أن ألقى السحرة حبالهم وعصيهم في الساحة وانقلبت بالتمويه السحري حيات وثعابين ورهب الناس من الموقف وظن فرعون وملأه أنهم غالبون أوحى الله تعالى إلى موسى أن يلقي عصاه فألقاها ﴿فَإذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تأخذه وتبتلعه وبذلك وقع الحق أي ظهر وثبت واستقر ﴿وبَطَلَ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي السحر والتمويه وقوله تعالى ﴿فَغُلِبُواْ﴾ أي فرعون وملأه وقومه ﴿هُنالِكَ﴾ أي في ساحة المباراة والمناظرة ﴿وٱنقَلَبُواْ﴾ إلى ديارهم ﴿صاغِرِينَ﴾ أي ذليلين مهزومين. وقوله تعالى ﴿وأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أي إنهم بعد أن شاهدوا الآية الكبرى بهرتهم فخروا ساجدين كأنما ألقاهم أحد على وجه الأرض لا حراك لهم وهم يقولون ﴿آمَنّا بِرَبِّ ٱلْعالَمِينَ رَبِّ مُوسىٰ وهارُونَ﴾ وضمن ذلك فقد كفروا بربوبية فرعون الباطلة، لأن الإيمان بالله سيلزم الكفر بما عداه، ولذا قالوا ﴿آمَنّا بِرَبِّ ٱلْعالَمِينَ رَبِّ مُوسىٰ وهارُونَ﴾ تلويحاً بكفرهم بفرعون الطاغية وبكل إله غير الله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان سنته تعالى في أن الحق والباطل إذا التقيا في أي ميدان فالغلبة للحق دائماً.
٢- بطلان السحر وعدم فلاح أهله ولقوله تعالى من سورة طه ﴿ولا يُفْلِحُ ٱلسّاحِرُ حَيْثُ أتىٰ﴾ [الآية: ٦٩].
٣- فضل العلم وأنه سبب الهداية فإيمان السحرة كان ثمرة العلم، إذ عرفوا أن ما جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو آية له من الله فآمنوا.
٤- مظهر من مظاهر القضاء والقدر فالسحرة أصبحوا كافرين وأمسوا مسلمين.
7:123–126Page 165
قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣
Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.
لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤
I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."
قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥
They said, "Indeed, to our Lord we will return.
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦
And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."
شرح الكلمات:
آمنتم به: أي صدقتموه فيما جاء به ودعا إليه.
مكر مكرتموه: أي حيلة احتلتموها وتواطأتم مع موسى على ذلك.
من خلاف: بأن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس.
ثم لأصلبنكم: التصليب: الشد على خشبة حتى الموت.
منقلبون: أي راجعون.
وما تنقم منا: أي وما تكره منا وتنكر علينا إلا إيماننا بآيات ربنا لما جاءتنا.
أفرغ علينا صبراً: أي افض علينا صبراً قوياً حتى نثبت على ما توعدنا فرعون من العذاب ولا نرتد بعد إيماننا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في أحداث قصص موسى وفرعون ففي الآيات قبل هذه تمت المناظرة بين موسى والسحرة بنصر موسى عليه السلام وهزيمة فرعون النكراء حيث سحرته بعد ظهور الحق لهم واضحاً مكشوفاً آمنوا وأسلموا وسجدوا لله رب العالمين. وفي هذه الآيات يخبر تعالى عن محاكمة فرعون للسحرة فقال عز من قائل ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي للسحرة ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ أي بموسى ﴿قَبْلَ أن آذَنَ لَكُمْ﴾ أي في الإيمان به، وهي عبارة فيها رائحة الهزيمة والحمق، وإلا فهل الإيمان يتأتى فيه الإذن وعدمه، الإيمان إذعان باطني لا علاقه له بالإذن إلا من الله تعالى، ثم قال لهم ﴿إنَّ هَٰذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنهَآ أهْلَها﴾ أي إن هذا الذي قمتم به من ادعاء الغلب لموسى بعدما أظهرتم الحماس في بداية المباراة ما هو إلا مكر وتدبير خفي تم بينكم وبين موسى في المدينة قبل الخروج إلى ساحة المباراة، والهدف منه إخراجكم الناس من المدينة واستيلائكم عليها. ثم تهددهم وتوعدهم بقوله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أنا صانع بكم. وذكر ما عزم عليه فقال مقسماً ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلافٍ﴾ يريد بقطع من كل واحد منهم يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم يربطهم على أخشاب في ساحة معينة ليموتوا كذلك نكالاً وعبرة لغيرهم. هذا ما أعلنه فرعون وصرح به للسحرة المؤمنين فما كان جواب السحرة ﴿قالُوۤاْ إنَّآ إلىٰ رَبِّنا مُنقَلِبُونَ﴾ أي راجعون فقتلك إيانا لم يزد على أن قربنا من ربنا وردنا إليه ونحن في شوق إلى لقاء ربنا، وعليه فحكمك بقتلنا ما هو بضائرنا، وشيء آخر هو أنك ﴿وما تَنقِمُ مِنَّآ﴾ يا فرعون أي ما تكره منا ولا تنكر علينا إجراماً أجرمناه أو فساداً في الأرض أشعناه إنما تنقم منا إيماننا بآيات ربنا لما جاءتنا وهذا شيء لا مذمة فيه علينا، ولا عاراً يلحقنا، فلذا ﴿فَٱقْضِ مَآ أنتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَٰذِهِ ٱلْحَياةَ ٱلدُّنْيَآ﴾ [طه: ٧٢] ثم أقبلوا على الله ورفعوا أيديهم إليه وقالوا ضارعين سائلين ﴿رَبَّنَآ أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ حتى نتحمل العذاب في ذاتك ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾، ونفذ فرعون جريمته ولكن أحدث ذلك اضطراباً في البلاد ولم يكن فرعون ولا ملأه يتوقعون دل عليه الآيات التالية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- القلوب المظلمة بالكفر والجرائم أصحابها لا يتورعون عن الكذب واتهام الأبرياء.
٢- فضيلة الاسترجاع أن يقول ﴿إنّا للَّهِ وإنَّآ إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] حيث فزع إليها السحرة لما هددهم فرعون إذ قالوا ﴿إنَّآ إلىٰ رَبِّنا مُنقَلِبُونَ﴾ أي راجعون فهان عليهم ما تهددوا به.
٣- مشروعية سؤال الصبر على البلاء للثبات على الإيمان.
٤- فضل الوفاة على الإسلام وأنه مطلب عال لأهل الإيمان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences