Al-Jaza'iriAl‑A'raf · 7:171–198

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:171–198

7:171–174Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1

شرح الكلمات:

وإذ نتقنا الجبل: أي رفعناه من أصله فوق رؤوسهم.

واقع بهم: أي ساقط عليهم.

خذوا ما آتيناكم بقوة: أي التزموا بالقيام بما عهد إليكم من أحكام التوراة بقوة.

واذكروا ما فيه: أي لا تنسوا ما التزمتم به من النهوض بأحكام التوراة.

من ظهورهم ذريتهم: اي أخذهم من ظهر آدم عليه السلام بأرض نعمان من عرفات.

أشهدهم على أنفسهم: أي بأنه تعالى ربهم وإلههم ولا رب لهم غيره ولا إله لهم سواه.

المبطلون: العاملون بالشرك والمعاصي إذ كلها باطل لا حق فيه.

نفصل الآيات: نبينها ونوضحها بتنويع الأساليب وتكرار الحجج وضرب الأمثال وذكر القصص.

معنى الآيات:

الآية الأولى في هذا السياق هي خاتمة الحديث على اليهود إذ قال تعالى لرسوله ﴿وإذ نَتَقْنا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي اذكر لهم أيها الرسول إذ نتقنا أي رفعنا فوقهم جبل الطور من أصله وصار فوقهم كأنه ظلة ﴿وظَنُّوۤاْ أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي ساقط عليهم وقلنا لهم ﴿خُذُواْ مَآ ءاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ والمراد مما آتاهم أحكام التوراة وما تحمل من الشرائع وأخذها العمل بها والالتزام بكل ما أمرت به ونهت عنه وقوله تعالى ﴿وٱذْكُرُواْ ما فِيهِ﴾ أي في الذي آتيناكم من الأوامر والنواهي، ولا تنسوه فإن ذكره من شأنه أن يعدكم للعمل به فتحصل لكم بذلك تقوى الله عز وجل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى وهي خاتمة سياق الحديث عن اليهود. أما الآية الثانية [١٧٢] وهي قوله تعالى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فإنها حادثة جديرة بالذكر والاهتمام لما فيها من الاعتبار، إن الله تعالى أخرج من صلب آدم ذريته فأنطقها بقدرته التي لا يعجزها شيء فنطقت وعقلت الخطاب واستشهدها فشهدت، وخاطبها ففهمت وأمرها فالتزمت وهذا العهد العام الذي أخذ على بني آدم، وسوف يطالبون به يوم القيامة، وهو معنى قوله تعالى ﴿وأَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُواْ بَلىٰ شَهِدْنَآ﴾ أي أنك ربنا ﴿أن تَقُولُواْ﴾ يوم القيامة ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَٰذا غافِلِينَ * أوْ تَقُولُوۤاْ إنَّمَآ أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ والعبرة من هذا أن الإنسان سرعان ما ينسى، ويعاهد ولا يفي، وما وجد من بني إسرائيل من عدم الوفاء هو عائد إلى أصل الإنسان، وهناك عبرة أعظم وهي أن التوحيد أخذ به العهد على كل آدمي، ومع الأسف أكثر بني آدم ينكرونه، ويشركون بربهم وقوله تعالى ﴿وكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآياتِ ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وكهذا التفصيل الوارد في هذه السورة وهذا السياق وهو تفصيل عجيب نفصل الآيات تذكيراً للناس وتعليماً ولعلهم يرجعون إلى الحق بعد إعراضهم عنه، وإلى الإيمان والتوحيد بعد انصرافهم عنهما تقليداً واتباعاً لشياطين الجن والإنس.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان نفسيات اليهود وأنها نفسية غريبة وإلا كيف وهم بين يدي الله يتمردون عليه ويعصونه برفضهم الالتزام بما عهد إليهم من أحكام حتى يرفع فوقهم الطور تهديداً لهم، وعندئذ التزموا ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى نقضوا عهدهم وعصوا ربهم.

٢- عجيب تدبير الله تعالى في خلقه.

٣- الكافر كفر مرتين كفر بالعهد الذي أخذ عليه وهو في عالم الذَّر، وكفر بالله وهو في عالم الشهادة، والمؤمن آمن مرتين، فلذا يضاعف للأول العذاب ويضاعف للثاني الثواب.

٤- تقرير مبدأ الخليقة، ومبدأ المعاد الآخر.

7:175–178Page 173

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥

And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2

وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦

And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

شرح الكلمات:

واتل عليهم نبأ: إقرأ عليهم.

فانسلخ منها: كفر بها وتركها وراء ظهره مبتعداً عنها.

فأتبعه الشيطان: لحقه وأدركه.

من الغاوين: من الضالين غير المهتدين الهالكين غير الناجين.

أخلد إلى الأرض: مال إلى الدنيا وركن إليها وأصبح لا هم له إلا الدنيا.

يلهث: اللهث: التنفس الشديد مع إخراج اللسان من التعب والإعياء.

ساء: قبح.

مثلاً: أي صفة.

معنى الآيات:

يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿وٱتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي اقرأ على قومك وعلى كل من يبلغه هذا الكتاب من سائر الناس ﴿نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءاتَيْناهُ ءاياتِنا فَٱنْسَلَخَ مِنها﴾ أي خبر الرجل الذي أعطيناه آيتنا تحمل الأدلة والحجج والشرائع والأحكام والآداب فتركها وابتعد عنها فلم يَتْلُها ولم يفكر فيها ولم يعمل بها لا استدلالا ولا تطيبقا ﴿فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطانُ﴾ أي لحقه وأدركه وتمكن منه إبليس، لأنه بتخليه عن الآيات وجد الشيطان له طريقاً إليه ﴿فَكانَ مِنَ ٱلْغاوِينَ﴾ أي الضالين الفاسدين الهالكين ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أي بالآيات إلى قمم المجد والكمال، وإلى الدرجات العلا في الدار الآخرة، ﴿ولَٰكِنَّهُ أخْلَدَ إلى ٱلأَرْضِ﴾ أي مال إليها وركن فأكب على الشهوات والسرف في الملذات، وأصبح لا هم له إلا تحصيل ذلك ﴿وٱتَّبَعَ هَواهُ﴾ وترك عقله ووحي ربه عنده، فصار مثله أي صفته الملائمة له ﴿كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ﴾ أي في اللهث والإعياء، والتبعية وعدم الاستقلال الذاتي ﴿إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ فحيرته وتعبه لاينقطعان أبداً. وقوله تعالى ﴿ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِنا﴾ أي هذا المثل الذي ضربناه لذلك الرجل الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها وكان من أمره ما قصصنا عليك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا في كل زمان ومكان، وعليه ﴿فَٱقْصُصِ﴾ يا رسولنا ﴿ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي لعل قريشاً تتفكر فتعتبر وترجع إلى الحق فتكمل وتسعد، وقوله تعالى ﴿سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِنا وأَنفُسَهُمْ كانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ أي قبح مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فجحدوا بها حتى لا يوحدوا الله تعالى ولا يسلموا إليه، ﴿وأَنفُسَهُمْ كانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ بتدنيسها بآثار الشرك والمعاصي وقوله تعالى ﴿مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي﴾ أي من وفقه الله تعالى للهداية فآمن وأسلم واستقام على منهاج الحق فهو المهتدي بحق ومن خذله الله لشدة إعراضه عن الحق وتكبره عنه فضل بإضلال الله تعالى له فأولئك هم الخاسرون الخسران الحق المبين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- خطر شأن هذا الخبر الذي أمر تعالى رسوله أن يتلوه على الناس.

٢- ترك القرآن الكريم بعدم تلاوته والتدبر فيه، وترك العمل به مفض بالعبد إلى أن يكون هو صاحب المثل في هذه الآية، فأولا يتمكن منه الشيطان فيصبح من الغواة وثانيا يخلد إلى الأرض كما هو حال الكثيرين فلا يكون لأحدهم هم إلا الدنيا.

ثم يتبع هواه لا عقله ولا شرع الله، فإذا به صورة لكلب يلهث لا تنقطع حيرته واتباعه لغيره كالكلب سواء بسواء وهذه حال من أعرضوا عن كتاب الله تعالى في هذه الآية فليتأملها العاقل.

٣- لا رفعة ولا سيادة ولا كمال إلا بالعمل بالقرآن فهي الرافعة لقوله تعالى ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أي بالآيات التي انسلخ منها والعياذ بالله.

٤- الهداية بيد الله ألا فليطلبها من أرادها من الله بصدق القلب وإخلاص النية فإن الله تعالى لا يحرمه منها، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه.

7:179–181Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١

And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.

شرح الكلمات:

ذرأنا لجهنم: خلقنا لجهنم أي للتعذيب بها والاستقرار فيها.

لا يفقهون بها: كلام الله ولا كلام رسوله.

لا يبصرون بها: آيات الله في الكون.

لا يسمعون بها: الحق والمعروف.

كالأنعام: البهائم في عدم الانتفاع بقلوبهم وأبصارهم وأسماعهم.

الغافلون: أي عن آيات الله، وما خُلقوا له وما يراد لهم وبهم.

ولله الأسماء الحسنى: الأسماء جمع إسم والحسنى مؤنث الأحسن، والأسماء الحسنى لله خاصة دون غيره فلا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته.

وذروا: اتركوا.

يلحدون: يميلون بها إلى الباطل.

وممن خلقنا: أي من الناس.

معنى الآيات:

على إثر ذكر الهدى والضلال وإن المهتدي من هداه الله، والضال من أضله الله أخبر تعالى أنه قد خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس، علما منه تعالى بأنهم يرفضون هدايته ويتكبرون عن عبادته، ويحاربون أنبياءه ورسله، وإن رفضهم للهداية وتكبرهم عن العبادة عطل حواسهم فلا القلب يفقه ما يقال له، ولا العين تبصر ما تراه، ولا الأذن تسمع ما تخبر به وتحدث عنه فأصبحوا كالآنعام بل هم أضل لأن الأنعام ما خرجت عن الطريق الذي سيقت له وخلقت لأجله، وأما أولئك فقد خرجوا عن الطريق الذي أمروا بسلوكه، وخلقوا له ألا وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له لينجوا من العذاب ويسعدوا في دار النعيم، وقوله تعالى ﴿أُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْغافِلُونَ﴾ تقرير لحقيقة وهي أن استمرارهم في الضلال كان نتيجة غفلتهم عن آيات الله الكونية فلا يتأملوها فيعرفوا أن المعبود الحق هو الله وحده ويعبدوه وعن آيات الله التنزيلية فلا يتدبروها فيعلموا أن الله هو الحق المبين فيعبدوه وحده بما شرع لهم في كتابه وسنة نبيه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [١٧٩] وأما الآية الثانية في هذا السياق [١٨٠] وهي قوله تعالى ﴿وللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنىٰ فَٱدْعُوهُ بِها وذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فقد أخبر تعالى فيها بأن الأسماء الحسنى له تعالى خاصة لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وقد أخبر النبي ﷺ أنها مائة اسم إلا اسما أي تسعة وتسعون إسماً ووردت مفرقة في القرآن الكريم، وأمر تعالى عباده أن يدعوه بها يا الله، يا رحمن يا رحيم يا رب، يا حي يا قيوم، وذلك عند سؤالهم إياه وطلبهم منه ما لا يقدرون عليه، كما أمرهم ان يتركوا أهل الزيغ والضلال الذين يلحدون في أسماء الله فيؤلونها، أو يعطلونها، أو يشبهونها، أمر عباده المؤمنين به يتركوا هؤلاء له ليجزيهم الجزاء العادل على ما كانوا يقولون ويعملون. لأن جدالهم غير نافع فيهم ولا مجد للمؤمنين ولا لهم.

هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة [١٨١] وهي قوله تعالى ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ إنه لما ذكر أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس ذكر هنا أنه خلق للجنة خلقاً آخر من الإنس والجن فذكر صفاتهم التي يستوجبون بها الجنة كما ذكر صفات أهل جهنم التي استوجبوا بها جهنم، فقال ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنَآ﴾ من الناس ﴿أُمَّةٌ﴾ كبيرة ﴿يَهْدُونَ﴾ أنفسهم وغيرهم ﴿بِٱلْحَقِّ﴾ الذي هو هدى الله ورسوله وبالحق يعدلون في قضائهم وأحكامهم فينصفون ويعدلون ولا يجورون، ومن هذه الأمة كل صالح في أمة الإسلام يعيش على الكتاب والسنة اعتقاداً وقولاً وعملاً وحكماً وقضاء وأدباً وخلقاً جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير مبدأ أن السعادة والشقاء سبق بها قلم القضاء والقدر فكل ميسر لما خلق له.

٢- هبوط الآدمي إلى درك أهبط من درك الحيوان، وذلك عندما يكفر بربه ويعطل حواسه عن الانتفاع بها، ويقصر همه على الحياة الدنيا.

٣- بيان أن البلاء كامن في الغفلة عن آيات الله والإعراض عنها.

٤- الأمر بدعاء الله تعالى بأسمائه الحسنى نحو يا رب يا رحمن، يا عزيز يا جبار.

٥- حرمة تأويل أسماء الله وصفاته وتحريفها كما قال المشركون في الله، اللات، وفي العزيز العزى سموا بها آلهتهم الباطلة، وهو الإلحاد الذي توعد الله أهله بالجزاء عليه.

٦- أهل الجنة الذين خلقوا لها هم الذين يهدون بالكتاب والسنة ويقضون بهما.

7:182–186Page 174

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤

Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.

أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?

مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦

Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

شرح الكلمات:

كذبوا بآياتنا: أي بآيات القرآن الكريم.

سنستدرجهم: أي نستميلهم وهم هابطون إلى هوة العذاب درجة بعد درجة حتى ينتهوا إلى العذاب، وذلك بإدرار النعم عليهم مع تماديهم في التكذيب والعصيان حتى يبلغوا الأجل المحدد لهم ثم يؤخذوا أخذة واحدة.

وأملي لهم إن كيدي متين: أي أمهلهم فلا أعجل بعقوبتهم حتى ينتهوا إليها بأعمالهم الباطلة وهذا هو الكيد لهم وهو كيد متين شديد.

ما بصاحبهم من جنة: صاحبهم هو محمد ﷺ، والجنة الجنون والمتحدث عنهم كفار قريش.

ملكوت السماوات: أي ملك السماوات إلا أن لفظ الملكوت أعظم من لفظة الملك.

فبأي حديث بعده: أي بعد القرآن العظيم.

ونذرهم في طغيانهم: أي نتركهم في كفرهم وظلمهم.

يعمهون: حيارى يترددون لا يعرفون مخرجاً ولا سبيلا للنجاة.

معنى الآيات:

يخبر تعالى أن الذين كذبوا بآياته التي أرسل بها رسوله محمد ﷺ فلم يؤمنوا بها وأصروا على الشرك والضلال معرضين عن التوحيد والهدى يخبر تعالى أنه سيستدرجهم بالأخذ شيئاً فشيئاً ودرجة بعد درجة حتى يحق عليهم العذاب فينزله بهم فيهلكون ويخبر أنه يملى لهم أيضا كيداً بهم ومكراً، أي يزيدهم في الوقت ويطول لهم زمن كفرهم وضلالهم فلا يعاجلهم بالعقوبة بل إنه يزيد في إرزاقهم وأموالهم حتى يفقدوا الاستعداد للتوبة ثم ثأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولذا قال ﴿وأُمْلِي لَهُمْ إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي قوي شديد. هذا ما دلت عليه الآية الثانية [١٨٣] أما الثالثة فإنه تعالى يوبخهم على إعراضهم عن التفكير والتعقل فيقول ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ في سلوك الرسول ﷺ وتصرفاته الرشيدة الحكيمة فيعلموا أنه ما به من جنة وجنون كما يزعمون، وإنما هو نذير لهم من عذاب يوم أليم إن هم استمروا على سلوك درب الباطل والشر من الشرك والمعاصي، ونذارته بينه لا لبس فيها لا غموض لو كانوا يتفكرون. وفي الآية الرابعة [١٨٥] يوبخهم على عدم نظرهم في ملكوت السماوات والأرض وفي ما خلق الله من شيء وفي أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، إذ لو نظروا في ملكوت السماوات والأرض وما في ذلك من مظاهر القدرة والعلم والحكمة لعلموا أن المستحق للعبادة هو خالق هذا الملكوت، لا الأصنام والتماثيل، كما أنهم لو نظروا فيما خلق الله من شيء من النملة إلى النخلة ومن الحبة إلى القبة لأدركوا أن الله هو الحق وأن ما يدعون هو الباطل كما أنه حري بهم أن ينظروا في ما مضى من أعمارهم فيدركوا أنه من الجائز أن يكون قد اقترب أجلهم، وقد اقترب فعلا فليعجلوا بالتوبة حتى لا يؤخذوا وهم كفار أشرار فيهلكون ويسخرون خسراناً كاملاً.

ثم قال تعالى في ختام الآية ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ بعد القرآن يؤمنون فالذي لا يؤمن بالقرآن وكله حجج وشواهد وبراهين وأدلة واضحة على وجوب توحيد الله والإيمان بكتابه ورسوله ولقائه ووعده ووعيده فبأي كلام يؤمن، اللهم لا شيء، فالقوم إذاً أضلهم الله، ومن أضله الله فلا هادي له ويزرهم في طغيانهم يعمهون حيارى يترددون لا يدرون ما يقولون، ولا أين يتجهون حتى يهلكوا كما هلك من قبلهم. وما ربك بظلام للعبيد.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- عظم خطر التكذيب بالقرآن الكريم حتى أن المكذب ليستدرج حتى يهلك وهو لا يعلم.

٢-أكبر موعظة وهي أن على الإنسان أن يذكر دائماً أن أجله قد يكون قريباً وهو لا يدري فيأخذ بالحذر والحيطة حتى لا يؤخذ على غير توبة فيخسر.

٣- من لا يتعظ بالقرآن وبما فيه من الزواجر، والعظات والعبر، لا يتعظ بغيره.

٤- من أعرض عن كتاب الله مكذباً بما فيه من الهدى فضل، لا ترجى له هداية أبداً.

7:187–188Page 174

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

شرح الكلمات:

الساعة: أي الساعة بمعنى الوقت الذي تنتهي فيه الحياة الدنيا بالفناء التام.

أيان مرساها: أي متى وقت قيامها.

لا يجليها لوقتها: أي لا يظهرها في وقتها المحدد لها إلا هو سبحانه وتعالى.

بغتة: أي فجأة بدون توقع أو انتظار.

حفي عنها: أي ملحف مبالغ في السؤال عنها حتى أصبحت تعرف وقت مجيئها.

الغيب: الغيب ما غاب عن حواسنا وعن عقولنا فلم يدرك بحاسة ولا يعقل. والمراد به هنا ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد.

السوء: كل ما يسوء العبد في روحه أبو بدنه.

إن أنا إلا نذير: أي ما أنا إلا نذير وبشير فلست بإله يدبر الأمر ويعلم الغيب.

معنى الآيات:

لا شك أن أفراداً من قريش أو من غيرهم سألوا النبي ﷺ عن الساعة متى قيامها فأخبره تعالى بسؤالهم وعلمه الجواب فقال عز وجل وهو يخاطب رسوله ﷺ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسّاعَةِ أيّانَ مُرْسَٰها﴾ أي متى وقت وقعوها وقيامها؟ قل لهم ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي علم وقت قيامها عند ربي خاصة ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِهَآ﴾ أي لا يظهرها لأول وقتها إلا هو ﴿ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ أي ثقل أمر علمها عند أهل السماوات والأرض ﴿لا تَأْتِيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً﴾ أي فجأة، ثم قال له يسألونك هؤلاء الجهال عن الساعة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي كأنك ملحف في السؤال مبالغ في طلب معرفتها حتى عرفتها، قل لهم ﴿إنَّما عِلْمُها عِندَ ٱللَّهِ﴾ خاصة، ﴿ولَٰكِنَّ أكْثَرَ ٱلنّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، ولذا هم يسألونه، إذ إخفاؤه لحكم عالية لو عرفها الناس ما سألوا ولن يسألوا ولكن الجهل هو الذي ورطهم في مثل هذه الأسئلة وهذا ما دلت عليه الآية الأولى [١٨٧] أما الآية الثانية [١٨٨] فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لأولئك السائلين عن الساعة متى وقت مجيئها ﴿لاَّ أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرّاً﴾ خيراً ولا شراً ﴿إلاَّ ما شَآءَ ٱللَّهُ﴾ شيئاً من ذلك فإنه يُعينُني على جلبه أو على دفعه فكيف إذاً أعلم وقت مجيء الساعة حتى تسألوني عنها ﴿ولَوْ كُنتُ أعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾ كما تظنون لاستكثرت من الخيرات وما مسني السوء. وذلك أني إذا عرفت متى الخصب ومتى الجدب، ومتى الغلاء ومتى الرخاء يمكنني بسهولة أن استكثر من الخير عند وجوده، وأتوقى الشر وأدفعه قبل حصوله، يا قوم إنما أنا نذير بعواقب الشرك والمعاصي بشير بنتائج الإيمان والتوحيد والعمل الصالح فلست بإله أعلم الغيب، ووظيفتي هذه صراحة هي البشارة والنذارة ينتفع بها المؤمنون خاصة معنى قوله تعالى ﴿إنْ أناْ إلاَّ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- مرد علم الساعة إلى الله وحده فكل مسؤول عنها غير الله ليس أعلم من السائل.

٢- للساعة أشراط بعضها في الكتاب وبعضها في السنة وليس معنى ذلك أنه تحديد لوقتها وإنما هي مقدمات تدل على قربها فقط.

٣- استأثر الله بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله، ومَن علَّمه الله شيئاً منه علم كما علم نبيه ﷺ بعض المغيبات، والمعلم بالشيء لا يقال فيه يعلم الغيب وإنما يقال علَّمه ربه غيب كذا وكذا فعلمه.

٤- إذا كان الرسول لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فيكف يطلب منه ذلك وإذ كان الرسول لا يملك فهل من دونه من العباد يملك؟ إذا عرفت هذا ظهر لك ضلال أقوام يدعون الموتى سائلين ضارعين عند قبورهم ويقولون أنهم لا يدعونهم ولكن يتوسلون بهم فقط.

7:189–193Page 175

۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠

But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.

أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢

And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

شرح الكلمات:

من نفس واحدة: هي نفس آدم عليه السلام.

وجعل منها زوجها: أي خلق منها زوجها وهي حواء خلقها من ضلع آدم الأيسر.

ليسكن إليها: أي ليألفها ويأنس بها لكونها من جنسه.

فلما تغشاها: أي وطئها.

فمرت به: أي ذاهبة جائية تقضي حوائجها لخفت الحمل في الأشهر الأولى.

فلما أثقلت: أي أصبح الحمل ثقيلاً في بطنها.

لئن آتيتنا صالحاً: أي ولداً صالحاً ليس حيواناً بل إنساناً.

جعلا له شركاء: أي سموه عبد الحارث وهو عبد الله جل جلاله.

فتعالى الله عما يشركون: أي أهل مكة حيث أشركوا في عبادة الله أصناماً.

وإن تدعوهم إلى الهدى: أي الأصنام لا يتبعوكم.

معنى الآيات:

يقول تعالى لأولئك السائلين عن الساعة عناداً ومكابرة من أهل الشرك هو أي الله ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ الإله المستحق للعبادة لا الأصنام والأوثان، فالخالق لكم من نفس واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها حواء هو المستحق للتأليه والعبادة. دون غيره من سائر خلقه. وقوله ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾: علة لخلقه زوجها منها، إذ لو كانت من جنس آخر لما حصلت الألفة والأنس بينهما وقوله ﴿فَلَماَّ تَغَشّاها﴾ أي للوطء ووطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لخفته ﴿فَلَمَّآ أثْقَلَتْ﴾ أي أثقلها الحمل ﴿دَّعَوا ٱللَّهَ﴾ أي آدم وحواء ربهما تعالى أي سألاه قائلين ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً﴾ أي غلاماً صالحاً ﴿لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشّاكِرِينَ﴾ أي لك. واستجاب الرب تعالى لهما وآتاهما صالحاً. وقوله تعالى ﴿فَلَمَّآ آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتاهُما﴾ حيث سمته حواء عبد الحارث بتغرير من إبليس، إذ اقترح عليهما هذه التسمية، وهي من الشرك الخفي المعفو عنه نحو لولا الطبيب هلك فلان، وقوله ﴿فَتَعالى ٱللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عائد إلى كفار قريش الذين يشركون في عبادة الله أصنامهم وأوثانهم، بدليل قوله بعد ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً﴾ أي من المخلوقات ﴿وهُمْ﴾ أي الأوثان وعبادها ﴿يُخْلَقُونَ * ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ إذا طلبوا منهم ذلك. ﴿ولآ أنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ لأنهم جمادات لا حياة بها ولا قدرة لها وقوله ﴿وإن تَدْعُوهُمْ﴾ أي وإن تدعوا أولئك الأصنام ﴿إلى ٱلْهُدىٰ﴾ وقد ضلوا الطريق ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنهم لا يعقلون الرشد من الضلال ولذا فسواء عليكم ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ أمْ أنْتُمْ صَٰمِتُونَ﴾ أي لم تدعوهم فإنهم لا يتبعونكم ومن هذه حاله وهذا واقعه فهل يصح أن يعبد فتقرب له القرابين ويحلف به، ويعكف عنده، وينادى ويستغاث به؟؟ اللهم لا، ولكن المشركين لا يعقلون.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان أصل خلق البشر وهو آدم وحواء عليهما السلام.

٢- بيان السر في كون الزوج من جنس الزوج وهو الألفة والأنس والتعاون.

٣- بيان خداع إبليس وتضليله للإنسان حيث زين لحواء تسمية ولدها بعبد الحارث وهو عبد الله.

٤- الشرك في التسمية شرك خفي معفو عنه وتركه أولى.

٥- التنديد بالشرك والمشركين، وبيان جهل المشركين وسفههم إذ يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يجيب ولا يتبع.

7:194–198Page 175

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦

Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

شرح الكلمات:

عباد أمثالكم: أي مملوكون مخلوقون أمثالكم لمالك واحد هو الله رب العالمين.

شركاءكم: أصنامكم التي تشركون بها.

ثم كيدون: بما استطعتم من أنواع الكيد.

فلا تنظرون: أي فلا تمهلون لأني لا أبالي بكم.

إن وليي الله: أي المتولي أموري وحمايتي ونصرتي الله الذي نزل القرآن.

وتراهم ينظرون: أي وترى الأصنام المنحوتة على شكل رجال ينظرون إليك وهم لا يبصرون.

معنى الآيات:

هذه الآيات الخمس في سياق ما قبلها جاءت مقررة لمبدأ التوحيد مؤكدة له منددة بالشرك مقبحة له، ولأهله فقوله تعالى ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أي دعاء عبادة أيها المشركون ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أي مملوكون لله، الله مالكهم كما أنتم مملوكون لله مربوبون. فكيف يصح منكم عبادتهم وهم مملكون مثلكم لا يملكون لكم ولا لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وإن شككتم في صحة هذا فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين في زعمكم أنهم آلهة يستحقون العبادة. إنكم لو دعوتموهم ما استجابوا، وكيف يستجيبون وهم جماد ولا حياة لهم ﴿ألَهُمْ أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أمْ لَهُمْ أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أمْ لَهُمْ أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ إنه لا شيء لهم من ذلك فكيف إذاً يستجيبون، وبأي حق يعبدون فيدعون ويرجون وهم فاقدوا آثار القدرة والحياة بالمرة.

ثم أمر الله تعالى رسوله أن يعلن لهم أنه لا يخافهم ولا يعدهم شيئاً إذا كانوا هم يعبدونهم ويخافونهم فقال له قل لهؤلاء المشركين ﴿ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وإياهم ﴿فَلا تُنظِرُونِ﴾ أي لا تمهلوني ساعة، وذلك لأن ﴿ولِيِّيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتابَ﴾ أي القرآن ﴿وهُوَ يَتَوَلّى ٱلصّالِحِينَ﴾ فهو ينصرني منكم ويحميني من كيدكم إنه ولي ووليّ المؤمنين. أما أنتم ﴿وٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي من دون الله من هذه الأوثان ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ولاۤ أنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ وشيء آخر وهو أنكم ﴿وإن تَدْعُوهُمْ إلى ٱلْهُدىٰ لا يَسْمَعُواْ﴾ فضلاً عن إن تدعوهم إلى الضلال فكيف تصح عبادة من لا يجيب داعيه في الرخاء ولا في الشدة. وأخيراً يقول تعالى لرسوله ﷺ، ﴿وتَرَٰهُمْ﴾ أي ترى أولئك الآلهة وهي تماثيل من حجارة ﴿يَنظُرُونَ إلَيْكَ﴾ إذا قابلتهم لأن أعينهم مفتوحة دائماً، والحال أنهم لا يبصرون، وهل تبصر الصور والتماثيل؟.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- إقامة الحجة على المشركين بالكشف عن حقيقة ما يدعون أنها آلهة فإذا بها أصنام لا تسمع ولا تجيب لا أيد لها ولا أرجل ولا آذان ولا أعين.

٢- وجوب التوكل على الله تعالى، وطرد الخوف من النفس والوقوف أمام الباطل وأهله في شجاعة وصبر وثبات اعتماداً على الله تعالى وولايته إذ هو يتولى الصالحين.

٣- جواز المبالغة في التنفير من الباطل والشر بذكر العيوب والنقائص.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском