Al-Jaza'iriAl‑A'raf · 7:35–58

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:35–58

7:35–36Page 154

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

شرح الكلمات:

إما يأتينكم: أصل إما إن - الشرطية - وما زائدة لتقوية الكلام أدغمت فيها (إن) فصارت إما.

يقصون عليكم آياتي: يتلونها عليكم آية بعد آية مبينين لكم ما دلت عليه من أحكام الله وشرائعه، ووعده ووعيده.

فمن اتقى: أي الشرك فلم يشرك وأصلح نفسه بالأعمال الصالحة.

فلا خوف عليهم: في الدنيا والآخرة.

ولا هم يحزنون: على ما تركوا وراءهم أو فاتهم الحصول عليه من أمور الدنيا.

معنى الآيتين:

هذا النداء جائز أن يكون نداءً عاماً لكل بني آدم كما هو ظاهر اللفظ وأن البشرية كلها نوديت به على ألسنة رسلها، وجائز أن يكون خاصاً بمشركي العرب وأن يكون المراد من الرسل محمد ﷺ ذكر بصيغة الجمع تعظيماً وتكريماً له، وما نوديت إليه البشرية أو مشركوا العرب هو إخبار الله تعالى لهم بأن من جاءه رسول من جنسه يتلو عليه آيات ربه وهي تحمل العلم بالله وصفاته وبيان محابه ومساخطه، فمن اتقى الله فترك الشرك به، وأصلح ما أفسده قبل العلم من نفسه وخلقه وعقله وذلك بالإيمان والعمل الصالح فهؤلاء في حكم الله أنه ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الحياتين معاً، أما الذين كذبوا بآيات الله التي جاءت الرسل بها وقصتها عليهم واستكبروا عن العمل به كما استكبروا عن الإيمان بها، فأولئك البعداء من كل خير ﴿أصْحَٰبُ ٱلنّارِ﴾ أي أهلها ﴿هُمْ فِيها خَٰلِدُونَ﴾ لا يخرجون منها بحال من الأحوال.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- قطع حجة بني آدم بإرسال الرسل إليهم.

٢- أول ما يبدأ به في باب التقوى الشرك بأن يتخلى عنه الإنسان المؤمن أولاً.

٣- الإصلاح يكون بالأعمال الصالحة التي شرعها الله مزكية للنفوس مطهرة لها.

٤- التكذيب كالاستكبار كلاهما مانع من التقوى والعمل الصالح. ولذا أصحابهما هم أصحاب النار.

7:37–41Page 154

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨

[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."

وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

شرح الكلمات:

فمن أظلم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولذا المشرك ظالم لأنه وضع العبادة في غير موضعها حيث عبد بها من لا يستحقها.

نصيبهم: ما قدر لهم في كتاب المقادير.

رسلنا: المراد بهم ملك الموت وأعوانه.

قالوا ضلوا عنا: غابوا عنا فلم نرهم ولم نجدهم.

في أمم: أي في جملة أمم.

اداركوا: أي تداركوا ولحق بعضهم بعضا حتى دخلوها كلهم.

أخراهم لأولاهم: الاتباع قالوا للرؤساء في الضلالة وهم المتبوعون.

تكسبون: من الظلم والشر والفساد.

يلج الجمل في سم الخياط: أي يدخل الجمل في ثقب الإبرة.

المجرمين: الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والمعاصي.

مهاد: فراش يمتهدونه من النار.

غواش: أغطية يتغطون بها من النار كذلك.

معنى الآيات:

يُخبر تعالى بأنه لا أظلم ولا أجهل ولا أضل ممن يفترى على الله الكذب فيقول اتخذ ولداً أو أمر بالفواحش، أو حرم كذا وهو لم يحرم، أو كذب بآياته التي جاءت بها رسله فجحدها وعاند في ذلك وكابر، فهؤلاء المفترون المكذبون يخبر تعالى أنه ﴿يَنالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتابِ﴾ أي ما كُتب لهم في اللوح المحفوظ من خير وشر وسعادة أو شقاء ﴿حَتّىٰ إذا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنا﴾ أي ملك الموت وأعوانه ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾. يقولون لهم ﴿أيْنَ ما كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي تعبدون من أولياء؟ فيجيبون قائلين: ﴿ضَلُّواْ عَنّا﴾ أي غابوا فلم نرهم. قال تعالى: ﴿وشَهِدُواْ عَلىٰ أنْفُسِهِمْ أنَّهُمْ كانُواْ كافِرِينَ﴾ ويوم القيامة يقال لهم ﴿ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وٱلإنْسِ﴾ في النار، فيدخلون. ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَها﴾ فلعن المشركون بعضهم بعضاً، واليهود والنصارى كذلك، ﴿حَتّىٰ إذا ٱدّارَكُواْ فِيها جَمِيعاً﴾ أي تلاحقوا وتم دخولهم النار أخذوا يشتكون ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنا﴾ أي يا ربنا ﴿هَٰؤُلاۤءِ أضَلُّونا﴾ عن صراطك فلم نعبدك ﴿فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً﴾ أي مضاعفاً ﴿مِّنَ ٱلنّارِ﴾، فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ لكل واحدة منكم ضعف من العذاب ﴿ولَٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾، إذ الدار دار عذاب فهو يتضاعف على كل من فيها، وحينئذ ﴿وقالَتْ أُولاهُمْ لأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذابَ بِما كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي من الشرك والافتراء على الله والتكذيب بآياته، ومجانبة طاعته وطاعة رسوله.

هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآيتان الرابعة والخامسة فإن الرابعة قررت حكماً عظيما وهو أن الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها فلم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات وعاشوا على الشرك والشر والفساد هؤلاء إذا مات أحدهم وعرجت الملائكة بروحه إلى السماء لا تفتح له أبواب السماء، ويكون مآلهم النار كما قال تعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِياطِ﴾ فعلق دخولهم الجنة على مستحيل وهو دخول الجمل في ثقب الإبرة، والمعلق على مستحيل مستحيل.

قال تعالى ﴿وكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ على أنفسهم حيث أفسدوها بالشرك والمعاصي. هذا ما تضمنته الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنا وٱسْتَكْبَرُواْ عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوابُ ٱلسَّمَآءِ ولا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِياطِ وكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ﴾.

أما الخامسة فقد تضمنت الخبر التالي: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ أي أغطية من النار وكما جزى تعالى هؤلاء المكذبين المستكبرين والمجرمين يجزي بعدله الظالمين لأنفسهم حيث لوثوها وخبثوها بأوضار الذنوب والآثام.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- شر الظلم ما كان كذبا على الله وتكذيبا بشرائعه.

٢- تقرير فتنة القبر وعذابه.

٣- لعن أهل النار بعضهم بعضاً حنقاً على بعضهم بعضاً إذ كان كل واحد سبباً في عذاب الآخر.

٤- بيان جزاء المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها وهو الحرمان من دخول الجنة، وكذلك المجرمون والظالمون.

7:42–43Page 155

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

شرح الكلمات:

إلا وسعها: طاقتها وما تتحمله وتقدر عليه من العمل.

ونزعنا: أي أقلعنا وأخرجنا.

من غل: أي من حقد وعداوة.

هدانا لهذا: أي للعمل الصالح في الدنيا الذي هذا جزاؤه وهو الجنة.

بما كنتم تعملون: أي بسبب أعمالكم الصالحة من صلاة وصيام وصدقات وجهاد.

معنى الآيتين:

لما ذكر تعالى جزاء أهل التكذيب والاستكبار عن الإيمان والعمل الصالح وكان شقاء وحرماناً ذكر جزاء أهل الإيمان والعمل الصالح فقال: ﴿وٱلَّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ﴾، ولما كان العمل منه الشاق الذي لا يطاق ومنه السهل الذي يقدر عليه قال: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها﴾ أي ما تقدر عليه من العمل ويكون في استطاعتها، ثم أخبر عن المؤمنين العاملين للصالحات فقال ﴿أُوْلَٰئِكَ أصْحابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. كما أخبر في الآية الثانية أنه طهرهم باطناً فنزع ما في صدورهم من غل على بعضهم بعضاً، وأن الأنهار تجري من تحت قصورهم، وأنهم قالوا شاكرين نعم الله عليهم: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدانا لِهَٰذا﴾ أي لعمل صالح هذا جزاؤه أي الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وقرروا حقيقة وهي أن هدايتهم التي كان جزاؤها الجنة لم يكونوا ليحصلوا عليها لولا أن الله تعالى هو الذي هداهم فقالوا: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أنْ هَدانا ٱللَّهُ﴾، ثم قالوا والله ﴿لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِٱلْحَقِّ﴾ فهاهم أهل الكفر والمعاصي في النار، وها نحن أهل الإيمان والطاعات في نعيم الجنة فصدقت الرسل فيما أخبرت به من وعد ووعيد، وناداهم ربهم سبحانه وتعالى: ﴿أن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيزاد بذلك نعيمهم وتعظم سعادتهم.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

من هداية الآيتين:

١- الإيمان والعمل الصالح موجبان لدخول الجنة مقتض للكرامة في الدارين.

٢- لا مشقة لا تحتمل في الدين الصحيح الذي جاءت به الرسل إلا ما كان عقوبة.

٣- لا عداوة ولا حسد في الجنة.

٤- الهداية هبة من الله فلا تطلب إلا منه، ولا يحصل عليها إلا بطلبها منه تعالى.

٥- صدقت الرسل فيما أخْبَرَتْ به من شأن الغيب وغيره.

7:44–47Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

شرح الكلمات:

فأذن مؤذن: أي أعلن بأعلى صوته أن لعنة الله على الظالمين.

لعنة الله: أي أمره بطرد الظالمين من الرحمة إلى العذاب.

يصدون عن سبيل الله: سبيل الله هي الإسلام والصد: الصرف فهم صرفوا أنفسهم وصرفوا غيرهم.

ويبغونها عوجا: يطلبون الشريعة أن تميل مع ميولهم وشهواتهم فتخدم أغراضهم.

وبينهما حجاب: أي بين أهل الجنة وأهل النار حاجز فاصل وهو سور الأعراف.

وعلى الأعراف: سور بين الجنة والنار قال تعالى من سورة الحديد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الآية: ١٣].

يعرفون كلا بسيماهم: أي كل من أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم.

صرفت أبصارهم: أي نظروا إلى الجنة التي فيها أصحاب النار.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار فيخبر تعالى أن أصحاب الجنة نادوا أصحاب النار قائلين لهم إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا به من الجنة ونعيمها حقاً، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من النار وعذابها حقاً؟ فأجابوهم: نعم إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، وهنا أذن مؤذن قائلاً: لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله التي هي الإسلام الموصل إلى رضا الله تعالى والجنة، ويبغونها عوجاً أي يريدون سبيل الله معوجة تدور معهم حيث داروا في شرورهم ومفاسدهم، وشهواتهم وأهوائهم، وهم بالآخرة كافرون أيضاً فهؤلاء يلعنونهم: لعنة الله على الظالمين الذين تلك صفاتهم قال تعالى في الآية الثالثة: ﴿وبَيْنَهُما﴾ أي بين أهل الجنة وأهل النار ﴿حِجابٌ﴾ فاصل أي حاجز وهو مكان على مرتفع، وعليه رجال من بني آدم استوت سيئاتهم وحسناتهم فحبسوا هناك حتى يقضي بين أهل الموقف فيحكم فيهم بدخلوهم الجنة إن شاء الله تعالى.

وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بسيماهم وهي بياض الوجوه ونضرة النعيم، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة العيون.

﴿ونادَوْاْ أصْحابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين: سلام عليكم يتطمعون بذلك كما قال تعالى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهُمْ يَطْمَعُونَ * وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ تِلْقَآءَ أصْحابِ ٱلنّارِ﴾ أي نظروا إلى جهة أهل النار فرأوا أهلها مسودة وجوههم زرق أعينهم يكتنفهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، رفعوا أصواتهم قائلين: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظّالِمِينَ﴾ أي أهل النار لأنهم دخلوها بظلمهم العياذ بالله.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجود اتصال كامل بين أهل الجنة وأهل النار متى أراد أحدهم ذلك بحيث إذا أراد من في الجنة أن ينظر إلى من في النار ويخاطبه تم له ذلك.

٢- يجوز إطلاق لفظ الوعد على الوعيد للمشاكلة أو التهكم كما في هذه الآيات.

٣- التنديد بالصد عن سبيل الله، والظلم والكفر بالآخرة وهي أسباب الشقاء في الدار الآخرة.

٤- تقرير مبدأ ثقل الحسنات ينجي وخفتها تردي، ومن استوت حسناته وسيئاته ينجو آخر من ينجو من دخول النار.

٥- مشروعية الطمع إذا كان مقتضاه موجوداً.

7:48–51Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

شرح الكلمات:

بسيماهم: السيما العلامة الدالة على من هي فيه.

جمعكم: أي للمال وللرجال كالجيوش.

أهؤلاء: إشارة إلى ضعفاء المسلمين وهم في الجنة.

أو مما رزقكم الله: أي من الطعام والشراب.

حرمهما: منعهما.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار قال تعالى: ﴿ونادىٰ أصْحابُ ٱلأَعْرافِ رِجالاً﴾ أي من أهل النار يعرفونهم بسيماهم التي هي سيما أصحاب النار من سواد الوجوه وزرقة العيون نادوهم قائلين: ﴿مَآ أغْنىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي للأموال والرجال للحروب والقتال، كما لم يغن عنكم استكباركم على الحق وترفعكم عن قبوله وها أنتم في أشد ألوان العذاب، ثم يشيرون لهم إلى ضعفة المسلمين الذين يسخرون منهم في الدنيا ويضربونهم ويهينونهم ﴿أهَۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أي حلفتم ﴿لا يَنالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ ثم يقال لأصحاب الأعراف ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.

وفي الآية الثالثة يقول تعالى مخبراً عن أصحاب النار وأصحاب الجنة ﴿ونادىٰ أصْحابُ ٱلنّارِ أصْحابَ ٱلْجَنَّةِ أنْ أفِيضُواْ عَلَيْنا مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ وذلك لشدة عطشهم ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ أي من الطعام وذلك لشدة جوعهم فيقال لهم: ﴿إنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ أي شراب الجنة وطعامها ﴿عَلى ٱلْكافِرِينَ﴾ فلا ينالوهما بحال من الأحوال.

ثم وصف الكافرين ليعرض جرائمهم التي اقتضت حرمانهم وعذابهم ليكون ذلك عظة وعبرة للكفار من قريش ومن سائر الناس فقال وهو ما تضمنته الآية الرابعة ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً ولَعِباً وغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيا فَٱلْيَوْمَ نَنسَٰهُمْ كَما نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذا وما كانُواْ بِآيَٰتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا يومهم هذا فلم يعملوا له من الإيمان والصالحات، وبسبب جحودهم لآياتنا الداعية إلى الإيمان وصالح الأعمال.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- عدم إغناء المال والرجال أيَّ إغناء لمن مات كافراً مشركاً من أهل الظلم والفساد.

٢- بشرى الضعفة من المسلمين بدخول الجنة وسعادتهم فيها.

٣- تحريم اتخاذ شيء من الدين لهواً ولعباً.

٤- التحذير من الاغترار بالدنيا حتى ينسى العبد آخرته فلم يعد لها ما ينفعه فيها من الإيمان وصالح الأعمال.

7:52–54Page 157

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.

شرح الكلمات:

ولقد جئناهم: أي أهل مكة أولاً ثم سائر الناس.

بكتاب: القرآن العظيم.

فصلناه على علم: بيناه على علم منّا فبيّنا حلاله وحرامه ووعده ووعيده وقصصه ومواعظه وأمثاله.

تأويله: تأويل ما جاء في الكتاب من وعد ووعيد أي عاقبة ما أنذروا به.

وضل عنهم: أي ذهب ولم يعثروا عليه.

في ستة أيام: هي الأحد إلى الجمعة.

يغشي الليل النهار: يغطي كل واحد منهما الآخر عند مجيئه.

حثيثاً: سريعاً بلا انقطاع.

مسخرات: مذللات.

ألا: أداة استفتاح وتنبيه (بمنزلة ألو للهاتف).

له الخلق والأمر: أي له المخلوقات والتصرف فيها وحده لا شريك له.

تبارك: أي عظمت قدرته، وجلت عن الحصر خيراته وبركاته.

العالمين: كل ما سوى الله تعالى فهو عالم أي علامة على خالقه وإلهه الحق.

معنى الآيات:

بعد ذلك العرض لأحوال الناس يوم القيامة ومشاهد النعيم والجحيم أخبر تعالى أنه جاء قريشاً لأجل هدايتهم بكتاب عظيم هو القرآن الكريم وفصّله تفصيلاً فبينّ التوحيد ودلائله، والشرك وعوامله، والطاعة وآثارها الحسنة والمعصية وآثارها السيئة في الحال والمآل وجعل الكتاب هدى أي هادياً ورحمة يهتدي به المؤمنون وبه يرحمون.

هذا ما تضمنته الآية الأولى [٥٢] وهي قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلىٰ عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأما الآية الثانية [٥٣] فقد استبطأ الحق تعالى فيها إيمان أهل مكة الذين جاءهم بالكتاب المفصّل المبيَّن فقال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي ما ينظرون ﴿إلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي عاقبة ما أخبر به القرآن من القيامة وأهوالها، والنّار وعذابها، وعندئذ يؤمنون، وهل ينفع يومئذ الإيمان؟ وهاهم أولاء يقولون ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وينكشف الغطاء عما وعد به، ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ أي قبل وقوعه، وذلك في الحياة الدنيا، نسوه فلم يعملوا بما ينجيهم فيه من العذاب يقولون: ﴿قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِٱلْحَقِّ﴾ اعترفوا بما كانوا به يجحدون ويكذبون ثم يتمنون ما لا يتحقَّق لهم أبداً فيقولون: ﴿فَهَل لَّنا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ من الشرك والشر والفساد. وتذهب تمنياتهم أدراج الرياح، ولم يُرعْهُمْ إلا الإعلان التالي: ﴿قَدْ خَسِرُوۤاْ أنْفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُمْ مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ خسروا أنفسهم في جهنم، وضاع منهم كلَّ أمل وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أنّ آلهتهم وأولياءهم يشفعون لهم فينجونهم من النار ويدخلونهم الجنة.

وفي الآية الأخيرة يقول تعالى لأولئك المتباطئين في إيمانهم ﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ الذي يُحبُّ ان تعبدوه وتدعوه وتتقربوا إليه وتطيعوه ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوىٰ عَلى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وٱلشَّمْسَ وٱلْقَمَرَ وٱلنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ هذا هو ربكم الحق وإلهكم الذي لا إله لكم غيره، ولا ربَّ لكم سواه، أمّا الأصنام والأوثان فلن تكون ربّاً ولا إلهاً لأحد أبداً لأنّها مخلوقة غير خالقة وعاجزة عن نفع نفسها، ودفع الضّر عنها فكيف بغيرها؟ إنّ ربَّكم ومعبودكم الحقّ الذي له الخلق كلّه ملكاً وتصرفاً وله الأمر وحده يتصرف كيف يشاء في الملكوت كله.

علويّه وسفليّه فتبارك الله رب العالمين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- لا ينفع الإيمان عند معاينة الموت والعذاب كما لا ينفع يوم القيامة.

٢- يحسن التثبت في الأمر والتأني عند العمل وترك العجلة، فالله قادرٌ على خلق السمّاوات والأرض في ساعة ولكن خلقها في ستة أيام بمقدار أيام الدّنيا تعليماً وإرشاداً إلى التثبت في الأمور والتأني فيها.

٣- صفة من صفات الرب تعالى التي يجب الإيمان بها ويحرم تأويلها أو تكييفها وهي استواؤه تعالى على عرشه.

٤- انحصار الخلق كلّ الخلق فيه تعالى فلا خالق إلا هو، والأمر كذلك فلا آمر ولا ناهي غيره. هنا قال عمر: من بقي له شيء فليطلبه إذ لم يبق شيء ما دام الخلق والأمر كلاهما لله.

7:55–56Page 157

ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.

شرح الكلمات:

ادعوا ربكم: سلوه حوائجكم الدنيوية والأخروية فإنّه ربّكم فلا تستحيوا من سؤاله.

تضرعاً وخفية: أي حال كونكم ضارعين متذللين مخفي الدعاء غير رافعين أصواتكم به.

المعتدين: أي في الدعاء وغيره والاعتداء في الدعاء أن يسأل الله ما لم تجر سنته بإعطائه أو إيجاده أو تغييره كأن يسأل أن يكون نبياً أو أن يرد طفلاً أو صغيراً، أو يرفع صوته بالدعاء.

ولا تفسدوا في الأرض: أي بالشرك والمعاصي بعد إصلاحها بالتوحيد والطاعات.

المحسنين: الذين يحسنون أعمالهم ونياتهم، بمراقبتهم الله تعالى في كل أحوالهم.

معنى الآيات:

لما عرّف تعالى عباده بنفسه وأنه ربهم الحق وإلههم، وأنه الخالق الآمر المتصرف بيده كل شيء أمرهم إرشاداً لهم أن يدعوه، وبين لهم الحال التي يدعونه عليها، ليستجيب لهم فقال: ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً﴾ أي تذللاً وخشوعاً ﴿وخُفْيَةً﴾ أي سراً جهراً، ونهاهم عن الاعتداء في الدعاء حيث أعلمهم أنه لا يحب المعتدين، والاعتداء في الدعاء أن يُدْعى غير الله تعالى أو يدعى معه غيره، ومنه طلب ذوات الأسباب بدون إعداد أسبابها، أو سؤال ما لم تجر سنة الله به كسؤال المرء أن يكون نبياً أو يرد من كهولته إلى شبابه أو من شبابه إلى طفولته.

ثم بعد هذا الإرشاد والتوجيه إلى ما يكملهم ويسعدهم نهاهم عن الفساد في الأرض بعد أن أصلحها تعالى والفساد في الأرض يكون بالشرك والمعاصي، والمعاصي تشمل سائر المحرمات كقتل الناس وغصب أموالهم وإفساد زروعهم وإفساد عقولهم بالسحر والمخدرات وأعراضهم بالزنى والموبقات. ومرة أخرى يحضهم على دعائه لأن الدعاء هو العبادة وفي الحديث الصحيح «الدعاء هو العبادة» فقال: ادعوا ربكم أي سلوه حاجتكم حال كونكم في دعائكم خائفين من عقابه طامعين راجين رحمته وبين لهم أن رحمته قريب من المحسنين الذين يحسنون نيّاتهم وأعمالهم ومن ذلك الدعاء فمن أحسن الدعاء ظفر بالإجابة، فثواب المحسنين قريب الحصول بخلاف المسيئين فإنه لا يستجاب لهم.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- وجوب دعاء الله تعالى فإن الدعاء هو العبادة.

٢- بيان آداب الدعاء وهو: أن يكون الداعي ضارعاً متذللاً، وأن يخفي دعاءه فلا يجهر به، وأن يكون حال الدعاء خائفاً طامعاً، وأن لا يعتدي في الدعاء بدعاء غير الله تعالى أو سؤال ما لم تجر سنة الله بإعطائه.

٣- حرمة الإفساد في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله تعالى بالإسلام.

٤- الترغيب في الإحسان مطلقاً خاصاً وعاماً حيث أن الله تعالى يحب أهله.

7:57–58Page 157

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

شرح الكلمات:

الرياح: جمع ريح وهو الهواء المتحرك.

بُشْراً: جمع بشير أي مبشرات بقرب نزول المطر، قرىء نشراً أي تنشر السحاب للأمطار.

رحمته: أي رحمة الله تعالى وهي المطر.

أقلت سحاباً ثقالاً: أي حملت سحاباً ثقالاً مشبعاً ببخار الماء.

ميت: لا نبات به ولا عشب ولا كلأ.

كذلك نخرج الموتى: أي كذلك نحيي الموتى ونخرجهم من قبورهم أحياء.

تذكرون: تذكرون فتؤمنون بالبعث والجزاء.

الطيب: أي الطيب التربة.

خبث: أي خبثت تربته بأن كانت سبخة.

إلا نَكِداً: أي إلا عسراً.

تصرف الآيات: أي ننوعها ونخالف بين أساليبها ونذكر في بعضها ما لم نذكره في بعضها للهداية والتعليم.

لقوم يشكرون: لأنهم هم الذين ينتفعون بالنعم بشكرها بصرفها في محاب الله تعالى.

معنى الآيتين:

ما زال السياق الكريم في بيان مظاهر القدرة الربانية والرحمة الإلهية الموجبة لعبادته تعالى وحده دون سواه قال تعالى ﴿وهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّياحَ بُشْراً﴾ وهو أي ربكم الحق الذي لا إله إلا هو وبشراً أي مبشرات ونشراً أي تنشر الرياح تحمل السحب الثقال ليسقي الأرض الميتة فتحيا بالزروع والنباتات لتأكلوا وترعوا أنعامكم، وبمثل هذا التدبير في إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها يحييكم بعد موتكم فيخرجكم من قبوركم أحياء ليحاسبكم على كسبكم في هذه الدار ويجزيكم به الخير بالخير والشر بمثله جزاء عادلاً لا ظلم فيه وهذا الفعل الدال على القدرة والرحمة ولطف التدبير يُريكموه فترونه بأبصاركم لعلكم به تذكرون أن القادر على إحياء موات الأرض قادر على إحياء موات الأجسام فتؤمنوا بلقاء ربكم وتوقنوا به فتعملوا بمقتضى ما يسعدكم ولا يشقيكم فيه.

هذا ما تضمنته الآية الأولى [٥٧] ﴿وهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي المطر ﴿حَتّىٰ إذَآ أقَلَّتْ﴾ أي حملت ﴿سَحاباً ثِقالاً﴾ أي ببخار الماء ﴿سُقْناهُ﴾ بقدرتنا ولطف تدبيرنا ﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ لا حياة به لا نبات ولا زرع، ولا عشب ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ﴾ أي بالسحاب ﴿ٱلْمَآءَ﴾ العذب الفرات، ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَراتِ﴾ المختلفة الألوان والروائح والطعوم ﴿كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتىٰ﴾ كهذا الإخراج للنبات من الأرض الميتة نخرج الموتى من قبورهم وعملنا هذا نسمعكم إياه ونريكموه بأبصاركم رجاء أن تذكروا فتذكروا أن القادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى رحمة منا بكم وإحساناً منا إليكم.

أما الآية الثانية [٥٨] فقد تضمنت مثلاً ضربه الله تعالى للعبد المؤمن والكافر إثر بيان قدرته على إحياء الناس بعد موتهم فقال تعالى: ﴿وٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ﴾ أي طيب التربة ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ وذلك بعد إنزال المطر به، وهذ مثل العبد المؤمن ذي القلب الحي الطيب إذا سمع ما ينزل من الآيات يزداد إيمانه وتكثر أعماله الصالحة ﴿وٱلَّذِي خَبُثَ﴾ أي والبلد الذي تربته خبيثة سبخة أو حمأة عندما ينزل به المطر لا يخرج نباته إلا نكداً عسراً قليلاً غير صالح وهذا مثل الكافر عندما يسمع الآيات القرآنية لا يقبل عليها ولا ينتفع بها في خُلقه ولا سلوكه فلا يعمل خيراً ولا يترك شراً.

وقوله تعالى: ﴿كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآياتِ﴾ أي ببيان مظاهر قدرته تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وضرب الأمثال وسوق الشواهد والعبر ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ إذ هم المنتفعون بها أما الكافرون الجاحدون فأنى لهم الإنتفاع بها وهم لا يعرفون الخير ولا ينكرون الشر.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- تقرير عقيدة البعث والحياة بعد الموت للحساب والجزاء إذ هي من أهم أركان الإيمان.

٢- الإستدلال بالحاضر على الغائب وهو من العلوم النافعة.

٣- حسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان.

٤- فضيلة الشكر وهو صرف النعمة فيما من أجله وهبها الله تعالى للعبد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском