Al-Jaza'iriAt‑Tawbah · 9:25–46

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:25–46

9:25–28Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

شرح الكلمات:

في مواطن: المواطن جمع موطن بمعنى الوطن وهو محل إقامة الإنسان.

حنين: وادٍ على بعد أميال يسيرة من الطائف.

إذ أعجبتكم كثرتكم: أي كثرة عددكم حتى قال من قال: لن نغلب اليوم من قلة.

فلم تغن عنكم شيئاً: أي لم تجز عنكم شيئاً من الإجزاء إذا انهزمتهم في أول اللقاء.

وضاقت عليكم الأرض: أي لم تعرفوا أين تذهبون، وكيف تتصرفون كأنكم محصورون في مكان ضيق.

بما رحبت: أي على رحابتها وسعتها.

أنزل الله سكينته: أي الطمأنينة في نفوسهم، فذهب القلق والاضطراب.

وأنزل جنودا: أي من الملائكة.

نجس: أي ذوو نجس وذلك لخبث أرواحهم بالشرك.

بعد عامهم هذا: عام تسعة من الهجرة.

عيلة: أي فقراً وفاقة وحاجة.

معنى الآيات:

لم حرم الله على المؤمنين موالاة الكافرين ولو كانوا أقرباءهم وحذرهم من القعود عن الهجرة والجهاد، وكان الغالب فيمن يقعد عن ذلك إنما كان لجبنه وخوفه أخبرهم تعالى في هذه الآيات الثلاث أنه ناصرهم ومؤيدهم فلا يقعد بهم الجبن والخوف عن أداء الواجب من الهجرة والجهاد فقال تعالى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ كَبَدْر والنضير وقريظة والفتح وغيرها ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ حين قاتلوا قبيلة هوازن مذكراً إياهم بهزيمة أصابت المؤمنين نتيجة خطأ من بعضهم وهو الاغترار بكثرة العدد إذ قال من قال منهم: لن نغلب اليوم من قلة إذ كانوا اثني عشر ألفاً وكان عدوهم أربعة آلاف فقط، إنهم ما إن توغلوا بين جنبتي الوادي حتى رماهم العدو بوابل من النبل والسهام فلم يعرفوا كيف يتصرفون حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها وولوا مدبرين هاربين ولم يثبت إلا رسول الله ﷺ وكان على بغلته البيضاء المسماة (بالدُلْدُل) والعباس إلى جنبه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه، ثم نادى منادي رسول الله: أن يا أصحاب سورة البقرة هلموا أصحاب السمرة (شجرة بيعة الرضوان) هلموا. فتراجعوا إلى المعركة ودارت رحاها و ﴿أنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وعَلى ٱلْمُؤْمِنِينَ وأَنزَلَ جُنُوداً﴾ تلامس القلوب وتنفخ فيها روح الشجاعة والصبر والثبات، فصبروا وقاتلوا وما هي إلا ساعة وإذا بالعدو سبي بين أيديهم ولم يحصل لهم أن غنموا يوما مثل ما غنموا هذا اليوم إذ بلغ عدد الإبل اثني عشر ألف بعير، ومن الغنم ما لا يحصى ولا يعد. بهذا جاء قوله تعالى: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وضاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ أي هاربين من العدو ﴿ثُمَّ أنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وعَلى ٱلْمُؤْمِنِينَ وأَنزَلَ جُنُوداً﴾ أي من الملائكة ﴿لَّمْ تَرَوْها وعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي هوازن ﴿وذٰلِكَ﴾ أي القتل والسبي ﴿جَزَآءُ ٱلْكافِرِينَ﴾ بالله ورسوله.

وقوله تعالى ﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي بعد قتالكم للكافرين وقتلكم من تقتلون يتوب الله على من يشاء ممن بقوا أحياء بعد الحرب ﴿وٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيغفر لمن يتوب عليه من المشركين ماضي ذنوبه من الشرك وسائر الذنوب ويرحمه بأن يدخله الجنة مع من يشاء من المؤمنين الصادقين في إيمانهم هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث. أما الآية الرابعة ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إنَّما ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَٰذا﴾ فإنه تعالى أمر المؤمنين بأن يمنعوا من دخول المسجد الحرام كل مشرك ومشركة لأن المشرك نجس الظاهر والباطن فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام وهو مكة والحرم حولها، ومن يومئذ لم يدخل مكة مشرك، وقوله تعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقراً لأجل انقطاع المشركين عن الموسم حيث كانوا يجلبون التجارة يبيعون ويشترون فيحصل نفع للمسلمين ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فامنعوا المشركين ولا تخافوا الفقر وقوله تعالى ﴿إن شَآءَ إنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ استثناء منه تعالى حتى تبقى قلوب المؤمنين متعلقة به سبحانه وتعالى راجية خائفة غير مطمئنة غافلة، وكونه تعالى عليماً حكيماً يرشح المعنى المذكور فإن ذا العلم والحكمة لا يضع شيئاً إلا في موضعه فلا بد لمن أراد رحمة الله أو فضل الله أن يجتهد أن يكون أهلاً لذلك، بالإيمان والطاعة العامة والخاصة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- حرمة العجب بالنفس والعمل إذ هو أي العجب من العوائق الكبيرة عن النجاح.

٢- بيان إفضال الله تعالى وإكرامه لعباده المؤمنين.

٣- بيان الحكمة من القتال في سبيل الله تعالى.

٤- تقرير نجاسة الكافر المعنوية.

٥- منع دخول المشرك الحرم المكي كائناً من كان بخلاف باقي المساجد فقد يؤذن للكافر لمصلحة أن يدخل بإذن المسلمين.

٦- لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربّه الخوف من الفاقة والفقر فإن الله تعالى تعهد بالإغناء إن شاء.

9:29Page 191

قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩

Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.

شرح الكلمات:

لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر: أي إيماناً صحيحاً يرضاه الله تعالى لموافقة الحق والواقع.

ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله: أي كالخمر والربا وسائر المحرمات.

ولا يدينون دين الحق: أي الإسلام إذ هو الدين الذي لا يقبل ديناً سواه.

من الذين أوتوا الكتاب: أي اليهود والنصارى.

الجزية: أي الخراج المعلوم الذي يدفعه الذمي كل سنة.

عن يد وهم صاغرون: أي يقدمونه بأيديهم لا ينيبون فيه غيرهم، وهم صاغرون: أي أذلاء منقادون لحكم الإسلام هذا.

معنى الآية الكريمة:

لما أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك ويوحدوا ويعبدوا الله تعالى بما شرع أمر رسوله في هذه الآية والمؤمنين بقتال أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وجعل إعطاء الجزية غايةً لنهاية القتال، لا الإسلام لأن الإسلام يعرض أولاً على أهل الكتاب فإن قبلوه فذاك وإن رفضوه يطلب منهم الدخول في ذمة المسلمين وحمايتهم تحت شعار الجزية وهي رمز دال على قبولهم حماية المسلمين وحكمهم بشرع الله تعالى فإذا أعطوها حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم، وأمنوا في حياتهم المادية والروحية، هذا ما تضمنته الآية الكريمة: ﴿قاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ولا بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ ٱللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتابَ حَتّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ﴾ وإن قيل اليهود والنصارى يؤمنون بالله وباليوم الآخر فكيف نفت الآية عنهم ذلك؟ والجواب أن اليهود في إيمانهم بالله مشبهة مجسمة يصفون الله تعالى بصفات تعالى الله عنها علواً كبيراً، والنصارى يعتقدون أن الله حلّ في المسيح، وإن الله ثالث ثلاثة والله ليس كذلك فهم إذاً لا يؤمنون بالله تعالى كما هو الله الإله الحق، فلذا إيمانهم باطل وليس بإيمان يضاف إلى ذلك أنهم لو آمنوا بالله لآمنوا برسوله محمد ﷺ ولو آمنوا باليوم الآخر لأطاعوا الله ورسوله لينجوا من عذاب اليوم الآخر وليسعدوا فيه بدخول الجنة فلما لم يؤمنوا ولم يعملوا كانوا حقاً كافرين غير مؤمنين، وصدق الله العظيم حيث نفى عنهم الإيمان به وباليوم الآخر، والله أعلم بخلقه من أنفسهم.

هداية الآية الكريمة

من هداية الآية الكريمة:

١- وجوب قتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يدخلوا في حكم الإسلام وذلك من أجل إعدادهم للإسلام ليكملوا عليه ويسعدوا به.

٢- الإيمان غير الصحيح لا يعتبر إيماناً منجياً ولا مسعداً.

٣- استباحة ما حرم الله من المطاعم والمشارب والمناكح كفر صريح.

٤- مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب وهي مقدّرة في كتب الفقه مبينة وهي بحسب غنى المرء وفقره وسعته وضيقه.

9:30–33Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

شرح الكلمات:

عُزير: هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، واليهود يسمونه: عِزْرا.

المسيح: هو عيسى بن مريم عليهما السلام.

يضاهئون: أي يشابهون.

قول الذين كفروا: أي من آبائهم وأجدادهم الماضين.

قاتلهم الله: أي لعنهم الله لأجل كفرهم.

أنى يؤفكون: أي كيف يصرفون عن الحق.

أحبارهم ورهبانهم: الأحبار جمع حبر: علماء اليهود، والرهبان جمع راهب عابد النصارى.

أرباباً من دون الله: أي آلهة يشرعون لهم فيعملون بشرائعهم من حلال وحرام.

نور الله: أي الإسلام لأنه هاد إلى الإسعاد والكمال في الدارين.

بأفواههم: أي بالكذب عليه والطعن فيه وصرف الناس عنه.

رسوله: محمداً ﷺ.

معنى الآيات:

لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب لكفرهم وعدم إيمانهم الإيمان الحق المنجي من النار ذكر في هذه الآيات الثلاث ما هو مقرر لكفرهم ومؤكد له فقال ﴿وقالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ ونسبة الولد إلى الله تعالى كفر بجلاله وكماله ﴿وقالَتْ ٱلنَّصارى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ ونسبه الولد إليه تعالى كفر به عز وجل وبماله من جلال وكمال وقوله تعالى: ﴿ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي ليس له من الواقع شيء إذ ليس لله تعالى ولد، وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة، وإنما ذلك قولهم بأفواههم فقط ﴿يُضاهِئُونَ﴾ أي يشابهون به ﴿قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ وهم اليهود الأولون وغيرهم وقوله تعالى ﴿قاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أنّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ دعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله تعالى وقوله ﴿أنّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الحق ويبعدون عنه بهذه الصورة العجيبة وقوله ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْباباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ هذا دليل آخر على كفرهم وشركهم إذ قبولهم قول علمائهم وعبادهم والإذعان له والتسليم به حتى أنه ليحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه، شرك وكفر والعياذ بالله، وقوله ﴿وٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ أي اتخذه النصارى رباً وإلهاً، وقوله تعالى ﴿ومَآ أُمِرُوۤاْ إلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إلَٰهاً واحِداً﴾ أي لم يأمرهم أنبياؤهم كموسى وعيسى وغيرهما إلا بعبادة الله تعالى وحده لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه تعالى نفسه عن شركهم. وقوله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور الله الذي هو الإسلام بأفواههم بالكذب والافتراء، والعيب والانتقاص، ﴿ويَأْبىٰ ٱللَّهُ إلاَّ أن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾، وقد فعل فله الحمد وله المنة، وأصبح الإسلام الظاهر على الأديان كلها، هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآية الرابعة [٣٣] فقد أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ أي محمداً ﴿بِٱلْهُدىٰ﴾ وهو القرآن ﴿ودِينِ ٱلْحَقِّ﴾ الذي هو الإسلام، وقوله ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي الدين الحق الذي هو الإسلام ﴿عَلى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾.

وقد فعل فالإسلام ظاهر في الأرض كلها سمع به أهل الشرق والغرب ودان به أهل الشرق والغرب وسيأتي يوم يسود فيه المسلمون أهل الدنيا قاطبة بإذن الله تعالى.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير كفر اليهود والنصارى بذكر عقائدهم الكفرية.

٢- طاعة العلماء ورجال الدين طاعة عمياء حتى يحلوا ويحرموا فيتبعوا شرك.

٣- بيان عداء اليهود والنصارى للإسلام وتعاونهم على إفساده وإفساد أهله.

٤- بشرى المسلمين بأنهم سيسودون العالم في يوم من الأيام ويصبح الإسلام هو الدين الذي يعبد الله به في الأرض لا غيره، ويشهد لهذا آية ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩] فلو لم يعلم الله أن ذلك كائن لم يجعله غاية وطالب بالوصول إليها.

9:34–35Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

شرح الكلمات:

بالباطل: أي بدون حق أباح لهم أكلها.

ويصدون عن سبيل الله: أي يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الإسلام الذي هو السبيل المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى.

يكنزون: يجمعون المال ويدفنونه حفاظاً عليه ولا يؤدون حقه.

الذهب والفضة: هما النقدان المعروفان.

في سبيل الله: أي حيث رضا الله كالجهاد وإطعام الفقراء والمساكين.

فبشرهم: أي أخبرهم بعذاب أليم: أي موجع.

يحمى عليها: لأنها تحول إلى صفائح ويحمى عليها ثم تكوى بها جباههم.

هذا ما كنزتم: أي يقال لهم عند كيهم بها: هذا ما كنزتم لأنفسكم توبيخاً لهم وتقريعاً.

معنى الآيتين:

بمناسبة ذكر عداء اليهود والنصارى للإسلام والمسلمين، وأنهم يريدون دوماً وأبداً إطفاء نور الله بأفواههم، ذكر تعالى ما هو إشارة واضحة إلى أنهم ماديون لا همّ لهم إلا المال والرئاسة فأخبر المسلمين فقال ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبارِ﴾ وهم علماء اليهود ﴿وٱلرُّهْبانِ﴾ وهم رجال الكنائس من النصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ ٱلنّاسِ بِٱلْباطِلِ﴾ كالرشوة، وكتابة صكوك الغفران يبيعونها للسفلة منهم، إلى غير ذلك من الحيل باسم الدين، وقوله تعالى عنهم ﴿ويَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ دليل واضح على أنهم يحاربون الإسلام باستمرار للإبقاء على مناصبهم الدينية يعيشون عليها يترأسون بها على السفلة والعوام من اليهود والنصارى، وقوله تعالى ﴿وٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وٱلْفِضَّةَ﴾ لفظ عام يشمل الأحبار والرهبان وغيرهم من سائر الناس من المسلمين ومن أهل الكتاب إلا أن الرهبان والأحبار يتناولهم اللفظ أولاً، لأن من يأكل أموال الناس بالباطل ويصد عن سبيل الله أقرب إلى أن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، وقوله تعالى لرسوله ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أي أخبرهم معجلاً لهم الخبر في صورة بشارة، وبين نوع العذاب الأليم بقوله ﴿يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْها﴾ أي صفائح الذهب والفضة بعد تحويلها إلى صفائح ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِها جِباهُهُمْ وجُنوبُهُمْ وظُهُورُهُمْ﴾ أي من كل الجهات الأربع من أمام ومن خلف وعن يمين وعن شمال ويقال لهم تهكماً بهم وازدراء لهم وهم نوع عذاب أشد على النفس من عذاب الجسم ﴿هَٰذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ ما كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- بيان حقيقة علماء اليهود والنصارى، وهي أنهم ماديون باعوا آخرتهم بدنياهم يحاربون الإسلام ويصدون عنه للمحافظة على الرئاسة وللأكل على حساب الإسلام.

٢- حرمة أكل أموال الناس بالباطل.

٣- حرمة جمع المال وكنزه وعدم الإنفاق منه.

٤- المال الذي تؤدى زكاته كل حول لا يقال له كنز ولو دفن تحت الأرض.

٥- بيان عقوبة من يكنز المال ولا ينفق منه في سبيل الله وهي عقوبة شديدة.

9:36–37Page 192

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦

Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

شرح الكلمات:

عدة: أي عدد.

الشهور: جمع شهر والشهر تسعة وعشرون يوماً، أو ثلاثون يوماً.

في كتاب الله: أي كتاب المقادير: اللوح المحفوظ.

أربعة حرم: هي رجب، والقعدة، والحجة، ومحرم، الواحد منها حرام والجمع حرم.

الدين القيم: أي الشرع المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.

فلا تظلموا فيهن أنفسكم: أي لا ترتكبوا في الأشهر الحرم المعاصي فإنها أشد حرمة.

كافة: أي جميعاً وفي كل الشهور حلالها وحرامها.

مع المتقين: أي بالتأييد والنّصر، والمتقون هم الذين لا يعصون الله تعالى.

إنما النسيء: أي تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر.

يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً: أي النسيء عاماً يحلونه وعاماً يحرمونه.

ليواطئوا عدة ما حرم الله: أي ليوافقوا عدد الشهور المحرمة وهي أربعة.

زين لهم سوء عملهم: أي زين لهم الشيطان هذا التأخير للشهر الحرام وهو عمل سيء لأنه إفتيات على الشارع واحتيال على تحليل الحرام.

معنى الآيتين

عاد السياق للحديث على المشركين بعد ذلك الاعتراض الذي كان للحديث عن أهل الكتاب فقال تعالى ﴿إنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾ لا تزيد ولا تنقص، وأنها هكذا في اللوح المحفوظ ﴿يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ﴾. وأن منها أربعة أشهر حرم أي محرمات وهي رجب، والقعدة والحجة ومحرم، وحرمها الله تعالى أي حرم القتال فيها لتكون هدنة يتمكن العرب معها من السفر للتجارة وللحج والعمرة ولا يخافون أحداً، ولما جاء الإسلام وأعز الله أهله، نسخ حرمة القتال فيها. وقوله تعالى ﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ أي تحريم هذه الأشهر واحترامها بعدم القتال فيها هو الشرع المستقيم وقوله تعالى ﴿فَلا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أي لا ترتكبوا الذنوب والمعاصي في الأشهر الحرم فإن ذلك يوجب غضب الله تعالى وسخطه عليكم فلا تعرضوا أنفسكم له، وقوله تعالى ﴿وقاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ هذا خطاب للمؤمنين يأمرهم تعالى بقتال المشركين بعد انتهاء المدة التي جعلت لهم وهي أربعة أشهر وقوله ﴿كَآفَّةً﴾ أي جميعاً لا يتأخر منكم أحد كما هم يقاتلونكم مجتمعين على قتالكم فاجتمعوا أنتم على قتالهم، وقوله ﴿وٱعْلَمُوۤاْ أنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ وهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي ومعناه أن الله معكم بنصره وتأييده على المشركين العصاة وقوله عز وجل ﴿إنَّما ٱلنَّسِيۤءُ زِيادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ﴾ أي إنما تأخير حرمة محرم إلى صفر كما يفعل أهل الجاهلية ليستبيحوا القتال في الشهر الحرام بهذه الفُتيا الشيطانية هذا التأخير زيادة في كفر الكافرين، لأنه محاربة لشرع الله وهي كفر قطعاً لقوله تعالى ﴿يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي بالنسيء يزدادون ضلالاً فوق ضلالهم. وقوله ﴿يُحِلُّونَهُ عاماً ويُحَرِّمُونَهُ عاماً﴾ يعني النسيء وهو الشهر الذي أخروه أي أخروا حرمته إلى الشهر الذي بعده ليتمكنوا من القتال في الشهر الحرام، فعاماً يحلون وعاماً يحرمون حتى يوافقوا عدة الأشهر الحُرُم بلا زيادة ولا نقصان، ظناً منهم أنهم ما عصوا مستترين بهذه الفتيا الإبليسية كما قال تعالى ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أعْمالِهِمْ﴾ والمزين للباطل قطعاً هو الشيطان.

وقوله تعالى ﴿وٱللَّهُ لا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكافِرِينَ﴾ يخبر تعالى أنه عز وجل لا يهدي القوم الكافرين لما هو الحق والخير وذلك عقوبة لهم على كفرهم به وبرسوله، وإصرارهم على ذلك.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- بيان أن شهور السنة الهجرية اثنا عشر شهراً وأيامها ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً.

٢- بيان أن الأشهر الحرم أربعة وقد بينها الرسول ﷺ وهي رجب، والقعدة والحجة ومحرم.

٣- حرمة الأشهر الحرم، ومضاعفة السيآت فيها أي قبح الذنوب فيها.

٤- صفة المعية لله تعالى وهي معية خاصة بالنصر والتأييد لأهل تقواه.

٥- حرمة الاحتيال على الشرع بالفتاوى الباطلة لاحلال الحرام، وأن هذا الاحتيال ما هو إلا زيادة في الإثم.

٦- تزيين الباطل وتحسين المنكر من الشيطان.

٧- حرمان أهل الكفر والفسق من هداية الله تعالى وتوفيقه لما هو حق وخير حالاً ومآلاً.

9:38–40Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

شرح الكلمات:

مالكم؟: أي أي شيء ثبت لكم من الأعذار.

انفروا: أي اخرجوا مستعجلين مندفعين.

اثاقلتم: أي تباطأتم كأنكم تحملون أثقالاً.

إلا تنصروه: أي الرسول محمد ﷺ.

ثاني اثنين: أي هو وأبو بكر رضي الله عنه.

في الغار: غار ثور أي في جبل يقال له ثور بمكة.

لصاحبه: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

سكينتهُ: أي طمأنينته.

كلمة الذين كفروا: هي الدعوة إلى الشرك.

السفلى: أي مغلوبة هابطة لا يسمع لها صوت.

وكلمة الله هي العليا: أي دعوة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هي العليا الغالبة الظاهرة.

معنى الآيات:

هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك فقد بلغ النبي ﷺ أن هرقل ملك الروم قد جمع جموعه لحرب الرسول ﷺ، فأعلن النبي ﷺ التعبئة العامة، وكان الزمن صيفاً حاراً وبالبلاد جدب ومجاعة، وكان ذلك في شوال من سنة تسع، وسميت هذه الغزوة بغزوة العسرة فاستحثَّ الربّ تبارك وتعالى المؤمنين ليخرجوا مع نبيهم لقتال أعدائه الذين عزموا على غزوه في عقر داره فأنزل تعالى قوله ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ما لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ والقائل هو رسول الله ﷺ ﴿ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي اخرجوا للجهاد ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي لأجل رضاه سبحانه وتعالى وما عنده من نعيم مقيم. وقوله ﴿ما لَكُمْ﴾ أي أي شيء يجعلكم لا تنفرون؟ وأنتم المؤمنون طلاب الكمال والإسعاد في الدارين، وقوله ﴿ٱثّاقَلْتُمْ إلى ٱلأَرْضِ﴾ أي تباطأتم عن الخروج راضين ببقائكم في دوركم وبلادكم. ﴿أرَضِيتُمْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيا مِنَ ٱلآخِرَةِ﴾؟ ينكر تعالى على من هذه حاله منهم، ثم يقول لهم ﴿فَما مَتاعُ ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيا﴾ أي ما كل ما يوجد فيها من متع على اختلافها بالنسبة إلى ما في الآخرة من نعيم مقيم في جوار رب العالمين ﴿إلاَّ قَلِيلٌ﴾ تافه لا قيمة له، فكيف تؤثرون القليل على الكثير والفاني على الباقي. ثم قال لهم ﴿إلاَّ تَنفِرُواْ﴾ أي إن تخليتم عن نصرته ﷺ وتركتموه يخرج إلى قتال الروم وحده ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً ألِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وٱللَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وفي هذا الخبر وعيد شديد اهتزت له قلوب المؤمنين.

وقوله تعالى ﴿إلاَّ تَنصُرُوهُ﴾ أي إن خذلتموه ولم تخرجوا معه في هذا الظرف الصعب فقد نصره الله تعالى في ظرف أصعب منه نصره في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا ﴿ثانِيَ ٱثْنَيْنِ﴾ أي هو وأبو بكر لا غير، ﴿إذْ هُما فِي ٱلْغارِ﴾ أي غار ثور، ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾: لما قال لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله، ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ ٱللَّهَ مَعَنا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ فسكنت نفسه واطمأن وذهب الخوف من قلبه، ﴿وأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهي دعوتهم إلى الشرك جعلها ﴿ٱلسُّفْلىٰ﴾ مغلوبة هابطة ﴿وكَلِمَةُ ٱللَّهِ﴾ كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿هِيَ ٱلْعُلْيا﴾ الغالبة الظاهرة ﴿وٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يغالب ﴿حَكِيمٌ﴾ في تصرفه وتدبيره، ينصر من أراد نصره بلا ممانع ويهزم من أراد هزيمته بلا مغالب.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجوب الخروج إلى الجهاد إذا دعا الإمام بالدعوة العامة وهو ما يعرف بالتعبئة العامة أو النفير العام.

٢- يجب أن يكون النفير في سبيل الله لا في سبيلٍ غير سبيله تعالى.

٣- بيان حقارة الدنيا وضآلتها أمام الآخرة.

٤- وجوب نصرة رسول الله ﷺ في دينه في أمته في سنته.

٥- شرف أبي بكر الصديق وبيان فضله.

٦- الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

9:41–43Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

شرح الكلمات:

خفافاً وثقالاً: الخفاف جمع خفيف: وهو الشاب القوي البدن ذا الجدة من زاد ومركوب. والثقال جمع ثقيل: وهو الشيخ الكبير والمريض والفقير الذي لا جدة عنده.

ذلكم: أي الجهاد بالمال والنفس خير من التثاقل إلى الأرض وترك الجهاد حالاً ومآلاً.

عرضاً قريباً: غنيمة في مكان قريب غير بعيد.

أو سفراً قاصداً: أي معتدلاً لا مشقة فيه.

الشقة: الطريق الطويل الذي لا يقطع إلا بمشقة وعناء.

عفا الله عنك: لم يؤاخذك.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحث على الخروج إلى قتال الروم بالشام ففي هذه الآيات يأمر تعالى المؤمنين بالخروج إلى الجهاد على أي حال كان الخروج من قوة وضعف فليخرج الشاب القوي كالكبير العاجز الضعيف والغني كالفقير فقال تعالى ﴿ٱنْفِرُواْ خِفافاً وثِقالاً وجاهِدُواْ بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ﴾ أعداء الله الكافرين به وبرسوله حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ويقبلوا أحكام الإسلام ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي نفوركم للجهاد وقتالكم الكافرين إلى الانتهاء بهم إلى إحدى الغايتين خير لكم من الخلود إلى الأرض والرضا بالحياة الدنيا وهي متاع قليل، إن كنتم تعلمون ذلك، وقوله تعالى ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وسَفَراً قاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ولَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ﴾ يقول تعالى لرسوله ﷺ لو كان أولئك المتخلفون عن الجهاد من المنافقين وضعفة الإيمان قد دعوتهم إلى عرض قريب أي غنيمة حاضرة أو إلى سفر سهل قاصد معتدل لاتبعوك وخرجوا معك، ولكن دعوتهم إلى تبوك وفي زمن الحر والحاجة فبعدت عليهم الشقة فانتحلوا الأعذار إليك وتخلفوا. وقوله تعالى ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي لكم قائلين: لو استطعنا أي الخروج لخرجنا معكم. قال تعالى ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ حيث يجلبون لها سخط الله وعقابه ﴿وٱللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في كل ما اعتذروا به. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية [٤١ - ٤٢] وأما الآية الثالثة فقد تضمنت عتاب الله تعالى لنبيه ﷺ حيث أذن لمن طلب منه التخلف عن النفور والنهوض إلى تبوك وكان من السياسة الرشيدة عدم الإذن لأحد حتى يتميز بذلك الصادق من الكاذب قال تعالى ﴿عَفا ٱللَّهُ عَنكَ﴾ أي تجاوز عنك ولم يؤاخذك وقدم هذا اللفظ على العتاب الذي تضمنه الاستفهام ﴿لِمَ أذِنتَ لَهُمْ﴾ تعجيلاً للمسرة للنبي ﷺ إذ لو أخر عن جملة العتاب لأوجد خوفاً وحزناً، وقوله تعالى ﴿حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وتَعْلَمَ ٱلْكاذِبِينَ﴾ علة للعتاب على الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج إلى تبوك.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- إذا أعلن الإمام التعبئة العامة يحرم التخلف عن الجهاد ولا يقعد أحد، إلا بإذن لأجل علة قامت به فاستأذن فأذن له.

٢- الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال وهو خيرٌ من تركه حالاً ومآلاً.

٣- الأيمان الكاذبة لإبطال حق أو إحقاق باطل توجب سخط الله تعالى وعذابه.

٤- مشروعية العتاب للمحب.

٥- جواز مخالفة الأولى على النبي ﷺ لعدم علمه ما لم يعلِّمه الله تعالى.

9:44–46Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

شرح الكلمات:

لا يستأذنك: أي لا يطلبون منك إذناً بالتخلف عن الجهاد.

وارتابت قلوبهم: أي شكت في صحة ما تدعو إليه من الدين الحق.

في ريبهم: أي في شكهم.

يترددون: حيارى لا يثبتون على شيء.

لأعدّوا له عدّة: لهيأوا له ما يلزم من سلاح وزاد ومركوب.

انبعاثهم: أي خروجهم معكم.

فثبطهم: ألقي في نفوسهم الرغبة في التخلف وحببه إليهم فكسلوا ولم يخرجوا.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن غزوة تبوك وأحوال المأمورين بالنفير فيها فبعد أن عاتب الله تعالى رسوله في إذنه للمتخلفين أخبره أنه لا يستأذنه المؤمنون الصادقون في أن يتخلفوا عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم وإنما يستأذنه ﴿ٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وٱرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في الإيمان بالله ورسوله ووعده ووعيده، فهم حيارى مترددون لا يدرون أين يتجهون وهي حالة المزعزع العقيدة كسائر المنافقين، وأخبره تعالى أنهم كاذبون في اعتذاراتهم إذ لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته أي احضروا له أهبته من سلاح وزاد وراحلة ولكنهم كانوا عازمين على عدم الخروج بحال من الأحوال، ولو لم تأذن لهم بالتخلف لتخلفوا مخالفين قصدك متحدين أمرك. وهذا عائد إلى أن الله تعالى كره خروجهم لما فيه من الضرر والخطر فثبطهم بما ألقى في قلوبهم من الفشل وفي أجسامهم من الكسل كأنما قيل لهم اقعدوا مع القاعدين. هذا ما دلت عليه الآية [٤٤] ﴿ولَوْ أرادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ولَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقاعِدِينَ﴾ وقوله تعالى في ختام الآية الأولى [٤٤] ﴿وٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ﴾ فيه تقرير لعلمه تعالى بأحوال ونفوس عباده فما أخبر به هو الحق والواقع، فالمؤمنون الصادقون لا يطلبون التخلف عن الجهاد لإيمانهم وتقواهم، والمنافقون هم الذين يطلبون التخلف لشكهم وفجورهم والله أعلم بهم، ولا ينبئك مثل خبير.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- فضيلة الإيمان والتقوى إذ صاحبهما لا يمكنه أن يتخلف عن الجهاد بالنفس والمال.

٢- خطر الشك في العقيدة وأنه سبب الحيرة والتردد، وصاحبه لا يقدر على أن يجاهد بمال ولا نفس.

٣- سوابق الشر تحول بين صاحبها وبين فعل الخير.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском