Al-Jaza'iriAt‑Tawbah · 9:71–96

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:71–96

9:71–72Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.

شرح الكلمات:

والمؤمنون: أي الصادقون في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله ووعيده.

أولياء بعض: أي يتولّى بعضهم بعضاً في النّصرة والحماية والمحبة والتأييد.

ويقيمون الصلاة: أي يؤدونها في خشوع وافية الشروط والأركان والسنن والآداب.

ويؤتون الزكاة: أي يخرجون زكاة أموالهم الصامتة كالدراهم والدنانير والمعشرات، والناطقة كالأنعام: الإبل والبقر والغنم.

في جنات عدن: أي إقامة دائمة لا يخرجون منها ولا يتحولون عنها.

ورضوان من الله أكبر: أي رضوان الله الذي يحله عليهم أكبر من كل نعيم في الجنة.

معنى الآيتين:

بمناسبة ذكر المنافقين وبيان سلوكهم ونهاية أمرهم ذكر تعالى المؤمنين وسلوكهم الحسن ومصيرهم السعيد فقال ﴿وٱلْمُؤْمِنُونَ وٱلْمُؤْمِناتُ﴾ أي المؤمنون بالله ورسوله ووعده ووعيده والمؤمنات بذلك ﴿بَعْضُهُمْ أوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي يوالي بعضهم بعضاً محبة ونصرة وتعاوناً وتأييداً ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ وهو ما عرفه الشرع حقاً وخيراً من الإيمان وصالح الأعمال، ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ وهو ما عرفه الشرع باطلاً ضاراً فاسداً من الشرك وسائر الجرائم فالمؤمنون والمؤمنات على عكس المنافقين والمنافقات في هذا الأمر وقوله تعالى ﴿ويُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ ويُؤْتُونَ ٱلزَّكاةَ﴾ والمنافقون لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى فهم مضيعون لها غير مقيمن لها، ويقبضون أيديهم فلا ينفقون، والمؤمنون يطيعون الله ورسوله، والمنافقون يعصون الله ورسوله، المؤمنون سيرحمهم الله، والمنافقون سيعذبهم الله، ﴿إنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب سينجز وعده ووعيده ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع كل شيء في موضعه اللائق به فلا يعذب المؤمنين وينعّم المنافقين بل ينعّم المؤمنين ويعذب المنافقين.

وقوله تعالى في الآية الثانية [٧٢] ﴿وعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وٱلْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها ٱلأَنْهارُ﴾ أي من خلال قصورها وأشجارها ﴿خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ﴾ أي قصوراً طيبة في غاية النظافة وطيب الرائحة ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أي إقامة، وقوله ﴿ورِضْوانٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي يحله عليهم أكبر من الجنات والقصور وسائر أنواع النعيم. وقوله ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ ذلك المذكور من الجنة ونعيمها ورضوان الله فيها هو الفوز العظيم. والفوز هو السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب. هذا الوعد الإلهي الصادق للمؤمنين والمؤمنات يقابله وعيد الله تعالى للمنافقين والكفار في الآيات السابقة، ونصه ﴿وعَدَ الله المُنافِقِينَ وٱلْمُنافِقاتِ وٱلْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ ولَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ولَهُمْ عَذابٌ مُّقِيمٌ﴾ [الآية: ٦٨].

هداية الآيتين:

من هداية الآيتين:

١- بيان صفات المؤمنين والمؤمنات والتي هي مظاهر إيمانهم وأدلته.

٢- أهمية صفات أهل الإيمان وهي الولاء لبعضه بعضاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، طاعة الله ورسوله.

٣- بيان جزاء أهل الإيمان في الدار الآخرة وهو النعيم المقيم في دار الإسلام.

٤- أفضلية رضا الله تعالى على سائر النعيم.

٥- بيان معنى الفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة.

9:73–74Page 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

شرح الكلمات:

جاهد الكفار: ابذل غاية جهدك في قتال الكفار والمنافقين.

واغلظ عليهم: أي في القول والفعل أي شدد عليهم ولا تلن لهم.

كلمة الكفر: أي كلمة يكفر بها من قالها وهي قول الجلاس بن سويد: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شرّ من الحمير.

وهموا بما لم ينالوا: أي هموا بقتل النبي ﷺ في مؤامرة دنيئة وهم عائدون من تبوك.

وما نقموا إلا أن أغناهم: أي ما أنكروا أو كرهوا من الإسلام ورسوله إلا أن أغناهم الله بعد فقر أعلى مثل هذا يهمون بقتل رسول الله؟

معنى الآيتين:

يأمر تعالى رسوله محمداً ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين فيقول ﴿يٰأيُّها ٱلنَّبِيُّ جاهِدِ ٱلْكُفّارَ وٱلْمُنافِقِينَ﴾ وجهاد الكفار يكون بالسلاح وجهاد المنافقين يكون باللسان، وقوله تعالى ﴿وٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي شدد عملك وقولك، فلا هوادة مع من كفر بالله ورسوله، ومع من نافق الرسول والمؤمنين فأظهر الإيمان وأسر الكفر وقوله تعالى ﴿ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي جهنم يريد ابذل ما في وسعك في جهادهم قتلاً وتأديباً هذا لهم في الدنيا، وفي الآخرة مأواهم جهنم وبئس المصير، وقوله تعالى في الآية الثانية [٧٤] ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ ما قالُواْ ولَقَدْ قالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وكَفَرُواْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّواْ بِما لَمْ يَنالُواْ﴾ هذا الكلام علّة للأمر بجهادهم والإغلاظ عليهم لقول الجلاس بن سويد المنافق: لئن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من الحمير سمعه منه أحد المؤمنين فبلغه رسول الله ﷺ فجاء الجلاس يعتذر ويحلف بالله ما قال الذي قال فأكذبه الله تعالى في قوله في هذه الآية ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ ما قالُواْ ولَقَدْ قالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وكَفَرُواْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ والسياق دال على تكرر مثل هذا القول الخبيث وهو كذلك. قوله تعالى ﴿وهَمُّواْ بِما لَمْ يَنالُواْ﴾ يعني المنافقين الذين تآمروا على قتل النبي ﷺ عند عودته من تبوك في عقبة في الطريق إلا أن الله فضحهم وخيّب مسعاهم ونجى رسوله منهم حيث بعث عمار بن ياسر يضرب وجوه الرواحل لما غشوه فردوا وتفرقوا بعد أن عزموا على أن يزاحموا رسول الله وهو على ناقته بنوقهم حتى يسقط منها فيهلك أهلكهم الله. وقوله تعالى ﴿وما نَقَمُوۤاْ﴾ أي وما كرهوا من رسول الله ولا من الإسلام شيئاً إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله وهل الغنى بعد الفقر مما ينقم منه، والجواب لا ولكنه الكفر والنفاق يفسد الذوق والفطرة والعقل أيضاً.

ومع هذا الذي قاموا به من الكفر والشر والفساد يفتح الرب الرحيم تبارك وتعالى باب التوبة في وجوههم ويقول ﴿فَإن يَتُوبُواْ﴾ من هذا الكفر والنفاق والشر والفساد يك ذلك ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾ حالاً ومآلاً أي في الدنيا والآخرة، ﴿وإن يَتَوَلَّوْا﴾ عن هذا العرض ويرفضوه فيصرون على الكفر والنفاق ﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذاباً ألِيماً﴾ أي موجعاً في الدنيا بالقتل والخزي، وفي الآخر بعذاب النار، ﴿وما لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن ولِيٍّ﴾ يتولاهم ولا ناصر ينصرهم، أي وليس لهم في الدنيا من ولي يدفع عنهم ما أراد الله أن ينزله بهم من الخزي والعذاب وما لهم من ناصر ينصرهم بعد أن يخذلهم الله سبحانه وتعالى.

هداية الأيتين

من هداية الآيتين:

١- بيان آية السيف وهي ﴿يٰأيُّها ٱلنَّبِيُّ جاهِدِ ٱلْكُفّارَ وٱلْمُنافِقِينَ﴾.

٢- تقرير مبدأ الردة وهي أن يقول المسلم كلمة الكفر فيكفر بها وذلك كالطعن في الإسلام أو سب الله أو رسوله ﷺ أو التكذيب بما أمر الله تعالى بالإيمان به والتصديق بضده أي بما أمر الله بتكذيبه.

٣- تقرير مبدأ التوبة من كل الذنوب، وأن من تاب تقبل توبته.

٤- الوعيد الشديد لمن يصر على الكفر ويموت عليه.

9:75–78Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦

But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨

Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?

شرح الكلمات:

ومنهم: أي من المنافقين.

لئن آتانا من فضله: أي مالاً كثيراً.

بخلوا به: أي منعوه فلم يؤدوا حقه من زكاة وغيرها.

فأعقبهم نفاقاً: أي فأورثهم البخل نفاقاً ملازماً لقلوبهم لا يفارقها إلى يوم يلقون الله تعالى.

بما أخلفوا الله: أي بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى به.

سرهم ونجواهم: أي ما يسرونه في نفوسهم ويخفونه، وما يتناجون به فيما بينهم.

علام الغيوب: يعلم كل غيب في الأرض أو في السماء.

معنى الآيات:

ما زال السياق في المنافقين وهم أصناف وهذا صنف آخر منهم قد عاهد الله تعالى لئن أغناهم من فضله وأصبحوا ذوي ثروة ومال كثير ليصدقن منه ولينفقنّه في طريق البر والخير، فلما أعطاهم الله ما سألوا وكثر مالهم شحوا به وبخلوا، وتولوا عما تعهدوا به وما كانوا عليه من تقوى وصلاح، وهم معرضون. فأورثهم هذا البخل وخلف الوعد والكذب ﴿نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم. هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿ومِنهُمْ مَّنْ عاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصّالِحِينَ فَلَمَّآ آتاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أخْلَفُواْ ٱللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أما الآية الأخيرة [٧٨] وهي قوله تعالى ﴿ألَمْ يَعْلَمُواْ أنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ وأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾؟ فإنها تضمنت توبيخ الله تعالى للمنافقين الذين عاهدوا الله وأخلفوه بموقفهم الشائن كأنهم لا يعلمون أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأنه تعالى علام الغيوب، وإلا كيف يعدونه ويحلفون له أم يحسبون أن الله لا يسمع سرهم ونجواهم فموقفهم هذا موقف مخز لهم شائن، وويل لهم حيث لازمهم ثمرته وهو النفاق حتى الموت وبهذا أغلق باب التوبة في وجوههم وهلكوا مع الهالكين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجوب الوفاء بالعهود وخاصة عهود الله تعالى.

٢- ذم البخل وأهله.

٣- تقرير مبدأ أن السيئة يتولد عنها سيئة.

٤- جواز تقريع وتأنيب أهل الباطل.

٥- وجوب مراقبة الله تعالى إذ لو راقب هؤلاء المنافقون الله تعالى لما خرجوا عن طاعته.

9:79–80Page 199

ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.

ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠

Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

شرح الكلمات:

يلمزون: أي يعيبون ويطعنون.

المطوّعين: أي المتصدقين بأموالهم زيادة على الفريضة.

إلا جهدهم: إلا طاقتهم وما يقدرون عليه فيأتون به.

فيسخرون منهم: أي يستهزئون بهم احتقاراً لهم.

استغفر لهم: أي اطلب لهم المغفرة أو لا تطلب.

لا يهدي القوم الفاسقين: أي إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وذلك لتوغلهم في العصيان.

معنى الآيتين:

ما زال السياق في التنديد بالمنافقين وكشف عوارهم فقد أخبر تعالى أن ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنهُمْ ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾. أخبر تعالى أنه سخر منهم جزاء سخريتهم بالمتصدقين وتوعدهم بالعذاب الأليم. وكيفية لمزهم المتطوعين أن النبي ﷺ دعا إلى الصدقة فإذا جاء الرجل بمال كثير لمزوه وقالوا مراء، وإذا جاء الرجل بالقليل لمزوه وقالوا: الله غني عن صاعك هذا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ففضحهم وسخر منهم وتوعدهم بأليم العذاب وأخبر نبيه أن استغفاره لهم وعدمه سواء فقال ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ وبين علة ذلك بقوله ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، وهذه العلة كافية في عدم المغفرة لهم لأنها الكفر والكافر مخلد في النار. وأخبر تعالى أنه حرمهم الهداية فلا يتوبوا فقال ﴿وٱللَّهُ لا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفاسِقِينَ﴾ لأن الفسق قد أصبح وصفاً لازماً لهم فلذا هم لا يتوبون، وبذلك حرموا هداية الله تعالى.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- حرمة لمز المؤمن والطعن فيه.

٢- حرمة السخرية بالمؤمن.

٣- غيرة الله على أوليائه حيث سخر الله ممن سخر من المطوعين.

٤- من مات على الكفر لا ينفعه الاستغفار له، بل ولا يجوز الاستغفار له.

٥- التوغل في الفسق أو الكفر أو الظلم يحرم صاحبه الهداية.

9:81–83Page 200

فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١

Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.

فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣

If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

شرح الكلمات:

فرح المخلفون: أي سرّ الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ.

وقالوا: لا تنفروا في الحر: أي قال المنافقون لبعضهم بعضاً لا تخرجوا للغزو في الحر.

لو كانوا يفقهون: أي لو كانوا يفقهون أسرار الأمور وعواقبها ونتائجها لما قالوا: لا تنفروا في الحر ولكنهم لا يفقهون.

فليضحكوا قليلاً وليبكوا: أي في الدنيا، وليبكوا كثيراً في الدار الآخرة.

فإن رجعك الله إلى طائفة منهم: أي من المنافقين.

فاقعدوا مع الخالفين: أي المتخلفين عن تبوك من النساء والأطفال وأصحاب الأعذار.

معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن المنافقين فقال تعالى مخبراً عنهم ﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ﴾ أي سر المتخلفون ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ أي بقعودهم بعد رسول الله ﷺ في المدينة ﴿وكَرِهُوۤاْ أن يُجاهِدُواْ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ﴾ في سبيله، وكرههم هذا للجهاد هو ثمرة نفاقهم وكفرهم وقولهم ﴿لا تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ﴾ لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر، قالوا هذا لبعضهم بعضاً وهنا أمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم قولهم هذا فقال ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرّاً﴾ فلماذا لا يتَّقونها بالخروج في سبيل الله كما يتقون الحر بعدم الخروج، وقوله تعالى ﴿لَّوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي لما تخلفوا عن الجهاد لأن نار جهنم أشد حراً، ولكنهم لا يفقهون وقوله تعالى ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾ أي في هذه الحياة الدنيا بما يحصل لهم من المسرات ﴿ولْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ أي يوم القيامة لما ينالهم من الحرمان والعذاب، وذلك كان ﴿جَزَآءً بِما كانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من الشر والفساد، وقوله تعالى لرسوله ﷺ ﴿فَإن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إلىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ أي فإن ردك الله سالماً من تبوك إلى المدينة إلى طائفة من المنافقين ﴿فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك لغزو وجهاد ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أبَداً ولَن تُقاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ وعلة ذلك ﴿إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخالِفِينَ﴾ أي من النساء والأطفال فإن هذا يزيد في همهم ويعظم حسرتهم جزاء تخلفهم عن رسول الله وكراهيتهم الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- من علامات النفاق الفرح بترك طاعة الله ورسوله.

٢- من علامات النفاق كراهية طاعة الله ورسوله.

٣- كراهية الضحك والإكثار منه.

٤- تعمد ترك الطاعة قد يسبب الحرمان منها.

9:84–85Page 200

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤

And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥

And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

شرح الكلمات:

ولا تصل على أحد: أي صلاة الجنازة.

ولا تقم على قبره: أي لا تتول دفنه والدعاء له كما تفعل مع المؤمنين.

وماتوا وهم فاسقون: أي خارجون عن طاعة الله ورسوله.

وتزهق أنفسهم: أي تخرج أرواحهم بالموت وهم كافرون.

معنى الآيتين:

ما زال السياق في شأن المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك، وإن كانت هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين وذلك أنه لما مات طلب ولده الحباب الذي سماه رسول الله ﷺ عبد الله وقال له الحباب اسم الشيطان وسماه عبد الله جاءه فقال يا رسول الله إن أبي قد مات فأعطني قميصك أكفنه فيه «رجاء بركته» وصل عليه واستغفر له يا رسول الله فأعطاه رسول الله ﷺ القميص وقال له إذا فرغتم فآذنوني فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر وقال له: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال بل خيرني فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم. فصلى عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ولا تُصَلِّ عَلىٰ أحَدٍ مِّنْهُم مّاتَ أبَداً ولا تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ﴾ أي لا تتول دفنه والدعاء له بالتثبيت عند المسألة. وعلل تعالى لهذا الحكم بقوله ﴿إنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُواْ وهُمْ فاسِقُونَ﴾، وقوله ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوَٰلُهُمْ وأَوْلَٰدُهُمْ﴾ فتصلي عليهم. إني إنما أعطيتهم ذلك لا كرامة لهم وإنما لأعذبهم بها في الدنيا بالغموم والهموم ﴿وتَزْهَقَ أنفُسُهُمْ﴾ أي ويموتوا ﴿وهُمْ كَٰفِرُونَ﴾ فسينقلون إلى عذاب أبدي لا يخرجون منه، وذلك جزاء من كفر بالله ورسوله.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- حرمة الصلاة على الكافر مطلقاً.

٢- حرمة غسل الكافر والقيام على دفنه والدعاء له.

٣- كراهة الصلاة على أهل الفسق دون الكفر.

٤- حرمة الإعجاب بأحوال الكافرين المادية.

9:86–90Page 200

وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦

And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩

Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

شرح الكلمات:

استأذنك: أي طلبوا إذنك لهم بالتخلف.

أولوا الطول منهم: أي أولو الثروة والغنى.

ذرنا نكن مع القاعدين: أي اتركنا مع المتخلفين من العجزة والمرضى والأطفال والنساء.

مع الخوالف: أي مع النساء جمع خالفة المرأة تخلف الرجل في البيت إذا غاب.

طبع على قلوبهم: أي توالت ذنوبهم على قلوبهم فأصبحت طابعاً عليها فحجبتها المعرفة.

لهم الخيرات: أي في الدنيا بالنصر والغنيمة. وفي الآخرة بالجنة والكرامة فيها.

وأولئك هم المفلحون: أي الفائزون بالسلامة من المخوف والظفر بالمحبوب.

المعذرون: أي المعتذرون.

وقعد الذين كذبوا الله: أي ولم يأت إلى طلب الإذن بالقعود عن الجهاد منافقوا الأعراب.

معنى الآيات:

ما زال السياق في كشف عورات المنافقين وبيان أحوالهم فقال تعالى ﴿وإذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي قطعة من القرآن آية أو آيات ﴿أنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وجاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾ أي تأمر بالإيمان بالله والجهاد مع رسوله ﴿ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أي من المنافقين ﴿وقالُواْ ذَرْنا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقاعِدِينَ﴾ أي المتخلفين عن الجهاد للعجز كالمرضى والنساء والأطفال قال تعالى: في عيبهم وتأنيبهم ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوالِفِ﴾ أي مع النساء وذلك لجبنهم وهزيمتهم النفسية وقوله تعالى ﴿وطُبِعَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ أي طبع الله على قلوبهم بآثار ذنوبهم التي رانت على قلوبهم فلذا هم لا يفقهون معنى الكلام وإلا لما رضوا بوصمة العار وهي أن يكونوا في البيوت مع النساء هذه حال المنافقين وتلك فضائحهم إذا أنزلت سورة تأمر بالإيمان والجهاد يأتون في غير حياء ولا كرامة يستأذنون في البقاء مع النساء ﴿لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جاهَدُواْ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ﴾ ولم يستأذنوا ففازوا بكرامة الدنيا والآخرة قال تعالى ﴿وأُوْلَٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْراتُ﴾ أي في الدنيا بالانتصارات والغنائم وفي الآخرة بالجنة ونعيمها ورضوان الله فيها. وقال ﴿وأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي الفائزون بالسلامة من كل مرهوب وبالظفر بكل مرغوب وفسر تعالى تلك الخيرات وذلك الفلاح بقوله في الآية [٨٩] فقال ﴿أعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها ٱلأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ وأخبر عما أعد لهم من ذلك النعيم المقيم بأنه الفوز فقال ﴿ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾. هذا ما دلت عليه الآيات الأربع أما الآية الخامسة [٩٠] فقد تضمنت إخبار الله تعالى عن منافقي الأعراب أي البادية. فقال تعالى ﴿وجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ أي المعتذرون ادغمت التاء في الذال فصارت المعذرون من الأعراب أي من سكان البادية كأسد وغطفان ورهط عامر بن الطفيل جاءوا يطلبون الإذن من رسول الله ﷺ بالتخلف بدعوى الجهد والمخمصة، وقد يكونون معذورين حقاً وقد لا يكونون كذلك، وقوله ﴿وقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في دعوى الإيمان بالله ورسوله وما هم بمؤمنين بل هم كافرون منافقون، فلذا قال تعالى فيهم ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الدنيا وفي الآخرة،إن ماتوا على كفرهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- القرآن هو مصدر التشريع الإلهي الأول والسنة الثاني.

٢- مشروعية الاستئذان للحاجة الملحة.

٣- حرمة الاستئذان للتخلف عن الجهاد مع القدرة عليه.

٤- حرمة التخلف عن الجهاد بدون إذن من الإمام.

٥- فضل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله.

٦- بيان عظم الأجر وعظيم الجزاء لأهل الإيمان والجهاد.

9:91–92Page 201

لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].

شرح الكلمات:

على الضعفاء: أي كالشيوخ. ولا على المرضى: كالعمى والزَمْنى.

حرج: أي إثم على التخلف.

إذا نصحوا لله ورسوله: أي لا حرج عليهم في التخلف إذا نصحوا لله ورسوله وذلك بطاعتهم لله ورسوله مع تركهم الإرجاف والتثبيط.

ما على المحسنين من سبيل: أي من طريق إلى مؤاخذتهم.

لتحملهم: أي على رواحل يركبونها.

تولوا: أي رجعوا إلى بيوتهم.

تفيض من الدمع: أي تسيل بالدموع الغزيرة حزناً على عدم الخروج.

معنى الآيتين:

لما ندد تعالى بالمتخلفين وتوعد بالعذاب الأليم الذين لم يعتذروا منهم ذكر في هذه الآيات أنه لا حرج على أصحاب الأعزار وهم الضعفاء، كالشيوخ والمرضى والعميان وذوو العرج والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون ولكن بشرط نصحهم لله ورسوله فقال عز وجل ﴿لَّيْسَ عَلى ٱلضُّعَفَآءِ ولا عَلىٰ ٱلْمَرْضىٰ ولا عَلى ٱلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ أي إثم ﴿إذا نَصَحُواْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومعنى النصح لله ورسوله طاعتهما في الأمر والنهي وترك الإرجاف والتثبيط والدعاية المضادة لله ورسوله والمؤمنين والجهاد في سبيل الله وقوله تعالى ﴿ما عَلى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أي ليس على من أحسنوا في تخلفهم لأنه أولاً بعذر شرعي وثانياً هم مطيعون لله ورسوله وثالثاً قلوبهم ووجوههم مع الله ورسوله وإن تخلفوا بأجسادهم للعذر فهؤلاء ما عليهم من طريق إلى انتقاصهم أو أذيتهم بحال من الأحوال، كما ليس من سبيل ﴿عَلى ٱلَّذِينَ إذا مَآ أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ إلى الجهاد معك في سيرك ﴿قُلْتَ﴾ معتذراً إليهم ﴿لا أجِدُ مَآ أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ أي رجعوا إلى منازلهم وهم يبكون والدموع تفيض من أعينهم حزناً ﴿ألاَّ يَجِدُواْ ما يُنْفِقُونَ﴾ في سيرهم معكم وهم نفر منهم العرباص بن سارية وبنو مقرن وهم بطن من مزينة. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- لا حرج على أصحاب الأعذار الذين ذكر الله تعالى في قوله ﴿لَّيْسَ عَلى ٱلأَعْمىٰ حَرَجٌ ولا عَلى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وفي هذه الآية ﴿ولا عَلى ٱلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنفِقُونَ﴾ حرج وبشرط طاعة الله والرسول فيما يستطيعون والنصح لله والرسول بالقول والعمل وترك التثبيط والتخذيل والإرجاف من الإشاعات المضادة للإسلام والمسلمين.

٢- مظاهر الكمال المحمدي في تواضعه ورحمته وبره وإحسانه إلى المؤمنين.

٣- بيان ما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار من الإيمان واليقين والسمع والطاعة والمحبة والولاء ورقة القلوب وصفاء الأرواح.

اللهم إنا نحبهم بحبك فأحببنا كما أحببتهم واجمعنا معهم في دار كرامتك.

9:93–96Page 201

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣

The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.

يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤

They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."

سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥

They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.

يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦

They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.

شرح الكلمات:

إنما السبيل: أي الطريق إلى المعاقبة.

أغنياء: واجدون لأُهبة الجهاد مع سلامة أبدانهم.

الخوالف: أي النساء والأطفال والعجزة.

إذا رجعتم إليهم: أي إذا عدتم إليهم من تبوك، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً.

لن نؤمن لكم: أي لن نصدقكم فيما تقولون.

ثم تُرَدُّون: أي يوم القيامة.

إذا انقلبتم: أي رجعتم من تبوك.

لتُعرِضوا عنهم: أي لا تعاقبوهم.

رجس: أي نَجَس لخُبْث بواطنهم.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في المُخَلَّفين من المنافقين وغير المنافقين فقال تعالى ﴿إنَّما ٱلسَّبِيلُ﴾ أي الطريق إلى عقاب المخلَّفين على الذين يستأذنوك في التخلُّف عن الغزو وهم أغنياء ذو قُدرة على النفقة والسير ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوالِفِ﴾ أي النساء ﴿وطَبَعَ ٱللَّهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ بسبب ذنوبهم فهم لذلك لا يعلمون أن تخلفهم عن رسول الله لا يُجديهم نفعاً وأنه يجرُّ عليهم البلاء الذي لا يطيقونه. هؤلاءِ هُم الذين لكم سبيل على عقابهم ومؤاخذتهم، لا على الذين لا يجدون ما ينفقون، وطلبوا منك حملاناً فلم تجد ما تحملهم عليه فرجعوا إلى منازلهم وهم يبكون حزنا، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٩٣] أما الآيات الثلاث بعدها فهي في المخلَّفين من المنافقين يخبر تعالى عنهم فيقول ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ يطلبون العذر منكم إذا رجعتم إلى المدينة من غزوكم. قل لهم يا رسولنا لا تعتذروا لأننا لا نؤمن لكم أي لا نصدقكم فيما تقولونه، لأن الله تعالى قد نَبَّأنا من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله. إن أنتم تبتم فأخلصتم دينكم لله، أو أصررتم على كفركم ونفاقكم، وستُردُّون بعد موتكم إلى عالم الغيب والشهادة وهو الله تعالى فينبئكم يوم القيامة بعد بعثكم بما كنتم تعملون من حسنات أو سيئآت ويجزيكم بذلك الجزاء العادل. وقوله تعالى ﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إذا ٱنْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ يخبر تعالى رسوله والمؤمنين فيقول سيحلف لكم هؤلاء المخلَّفون إذا رجعتم إليهم أي إلى المدينة من أجل أن تعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم أي لا تؤاخذوهم ولا تلتفوا إليهم إنهم رجْس أي نَجَس، ومأواهم جهنم جزاء لهم بما كانوا يكسبونه من الكفر والنفاق والمعاصي. وقوله تعالى ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ معتذرين بأنواع من المعاذير لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فلن ينفعهم رضاكم شيئاً لأنهم فاسقون والله لا يرضى عن القوم الفاسقين وما دام لا يرضى عنهم فهو ساخط عليهم، ومن سخط الله عليه أهلكه وعذبه فلذا رضاكم عنهم وعدمه سواء.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- لا سبيل إلى أذِيَّة المؤمنين الصادقين إذا تخلَّفوا فإنهم ما تخلفوا إلا لعذر. وإنما السبيل على الأغنياء القادرين على السير إلى الجهاد وقعدوا عنه لنفاقهم.

٢- مشروعية الاعتذار على شرط أن يكون المرء صادقاً في اعتذاره.

٣- المنافقون كالمشركين رجْس أي نَجَس لأن بواطنهم خبيثة بالشرك والكفر وأعمالهم الباطنة خبيثة أيضاً إذْ كلها تآمر على المسلمين ومكر بهم وكيد لهم.

٤- حرمة الرضا على الفاسق المجاهر بفسقه، إذ يجب بُغْضه فكيف يُرضى عنه ويُحب؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском