Ibn 'AtiyyaAl‑Isra · 17:18–30

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:18–30

17:18–22Page 284

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨

Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.

وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩

But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].

كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠

To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.

ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١

Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.

لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢

Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾

المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ. قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ. و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ.

(p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ.

ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ﴾ الآيَةُ. نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ". وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ. و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ.

و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في (p-٤٥٩)الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما. ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ. الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي:

؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا

17:23–25Page 284

۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣

And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.

وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤

And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥

Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾

"قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ. وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ. و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي (p-٤٦١)أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]. ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا". والضَمِيرُ في ﴿تَعْبُدُوا﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ

و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ

(p-٤٦٢)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿أو كِلاهُما﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ". وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: (p-٤٦٣)أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ.

و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ. و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ. و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ. قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ. وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ (p-٤٦٤)ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ. ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ. وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَحْمَةِ﴾، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً. ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".»

(p-٤٦٥)وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ. وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى. وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ. قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ. وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.

17:26–30Page 284

وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦

And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1

إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧

Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.

وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨

And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.

وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩

And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.

إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠

Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ. و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ ﷺ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ. و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ.

و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ (p-٤٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ.

(p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي. و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ

ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ. وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: (p-٤٦٨)"وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ. و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском