Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:51–65
19:51–55Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
قوله عزّ وجلّ:
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَلاةِ والزَكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾
هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِ مُوسى بْنِ عُمْرانَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ، وأعْلَمَهُ بِإنَّهُ كانَ مُخْلَصًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "مُخْلِصًا" بِكَسْرِ اللامِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ: "مُخْلَصًا" بِفَتْحِ اللامِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، ويَحْيى، وقَتادَةُ، أيْ: أخْلَصَهُ اللهُ تَعالى لِلنُّبُوَّةِ والقِيادَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦]، و الرَسُولُ مِنَ الأنْبِياءِ: الَّذِي يُكَلَّفُ تَبْلِيغَ أُمَّتَهُ، وقَدْ يَكُونُ نَبِيًّا غَيْرَ رَسُولٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ﴾ هو تَكْلِيمُ اللهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، و"الطُورُ": الجَبَلُ المَشْهُورُ بِالشامِ، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنِ" صِفَةٌ لِلْجانِبِ، وكانَ عَلى يَمِينِ مُوسى عِنْدَ وُقُوفِهِ، وإلّا فالجَبَلُ نَفْسُهُ لا يُمْنَةَ لَهُ ولا يُسْرَةَ، ولا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِالإضافَةِ إلى ذِي يَمِينٍ ويَسارٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الأيْمَنُ" مَأْخُوذًا مِنَ اليُمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: الأبْرَكُ والأسْعَدُ، فَيَصِحُّ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجانِبِ ولِلْجَبَلِ بِجُمْلَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ هو التَقْرِيبُ بِالتَشْرِيفِ بِالكَلامِ والنُبُوَّةِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ أُدْنِي مُوسى المَلَكُوتَ، ورُفِعَتْ لَهُ الحُجُبَ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ، وقالَهُ مَيْسَرَةُ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَ سَعِيدٌ: أرْدَفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و النَجِيُّ، قِيلَ: مِنَ المُناجاةِ وهي المُسارَّةُ بِالقَوْلِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: نَجا بِصَدَقَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُخْتَلٌ، وإنَّما النَجِيُّ المُنْفَرِدُ بِالمُناجاةِ، وكانَ هارُونُ أسَنَّ مِن مُوسى عَلَيْهِما (p-٤٢)السَلامُ فَطَلَبَ مِنَ اللهِ أنْ يَشُدَّ أزْرَهُ بِنَبُّوتِهِ ومَعُونَتِهِ فَأجابَهُ اللهُ إلى ذَلِكَ، وعَدَّها في نِعَمِهِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ هو أيْضًا مِن لِسانِ الصِدْقِ والشَرَفِ المَضْمُونُ بَقاؤُهُ عَلى آل إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ. وإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُ العَرَبِ اليَوْمَ، وذَلِكَ أنَّ اليَمَنِيَّةَ والمُضَرِيَّةَ تَرْجِعُ إلى ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو الَّذِي أسْكَنَهُ أبُوهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وهو الذَبِيحُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الذَبِيحُ إسْحاقُ عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِجِهاتٍ: مِنها قَوْلُ اللهِ وتَعالى: ﴿وَمِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، فَوَلَدٌ قَدْ بُشِّرَ أبَواهُ أنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ وُلَدٌ هو حَفِيدٌ لَهم كَيْفَ يُؤْمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِهِ وهَذِهِ العُدَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ؟ وُجِهَةٌ أُخْرى هي أنَّ أمْرَ الذَبْحِ لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّهُ كانَ بِمِنى عِنْدَ مَكَّةَ، وما رُوِيَ قَطُّ أنَّ إسْحاقَ دَخْلَ تِلْكَ البِلادِ، وإسْماعِيلُ بِها نَشَأ، وكانَ أبُوهُ يَزُورُ مِرارًا كَثِيرَةً يَأْتِي مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ ويَرْجِعُ مِن يَوْمِهِ، والبُراقُ هو مَرْكَبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وجِهَةٌ أُخْرى وهي قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ»، وهُما أبُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لِأنَّهُ فُدِيَ بِالإبِلِ مِنَ الذَبْحِ، والذَبِيحُ الثانِي هو أبُوهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وجِهَةٌ أُخْرى وهي الآياتُ في سُورَةِ (الصافاتُ)، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ الذَبْحِ وحالَهُ قالَ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ [الصافات: ١١٢]، فَتَرْتِيبُ تِلْكَ الآياتِ يَكادُ يَنُصُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ غَيْرُ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَلامُ.
(p-٤٣)وَوَصْفَ اللهُ تَعالى إسْماعِيلَ بِصِدْقِ الدَعْوَةِ لِأنَّهُ كانَ مُبالِغًا في ذَلِكَ، رُوِيَ أنَّهُ وعَدَ رَجُلًا أنْ يَلْقاهُ في مَوْضِعٍ، فَجاءَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ وانْتَظَرَ الرَجُلَ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، فَلَمّا كانَ في اليَوْمِ الآخِرِ جاءَ الرَجُلُ، فَقالَ لَهُ: ما زِلْتُ هُنا في انْتِظارِكَ هُنا مُنْذُ أمْسٍ، وفي كِتابِ ابْنِ سَلامٍ أنَّهُ انْتَظَرَهُ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بِعِيدٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، والأوَّلُ أصَحُّ، وقَدْ فَعَلَ مِثْلَهُ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ قَبْلَ بَعْثِهِ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وخَرَّجَهُ التِرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ، وذَلِكَ في مُبايَعَةٍ وتِجارَةٍ، وقِيلَ: وصَفَهُ بِصِدْقِ الدَعْوَةِ لِوَفائِهِ بِنَفْسِهِ في أمْرِ الذَبْحِ؛ إذْ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللهُ: أسْوَأُ الكَذِبِ إخْلافُ الوَعْدِ ورَمْيُ الأبْرِياءِ بِالتُهَمِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «العِدَةُ دَيْنٌ»، فَناهِيكَ بِفَضِيلَةِ الصِدْقِ في هَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ﴾، يُرِيدُ بِهِمْ قَوْمَهُ وأُمَّتَهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ"، وقَوْلُهُ: "مَرْضِيًّا" أصْلُهُ: مَرْضُوِّيٌّ، لَقِيَتِ الواوُ وهي ساكِنَةُ الياءَ فَأُبْدِلَتْ ياءٌ وأُدْغِمَتْ، ثُمْ كُسِرَتِ الضادُ لِلتَّناسُبِ في الحَرَكاتِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضُوًّا".
(p-٤٤)
19:56–58Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧
And We raised him to a high station.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾
إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ هو مِن أجْدادِ نُوحٍ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ فِيما رُوِيَ بَعْدَ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وكانَ خَيّاطًا، ووَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِالصِدْقِ، والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في الأحادِيثِ والأعْمالِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو إلْياسُ، بُعِثَ إلى قَوْمِهِ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، ويَعْمَلُوا ما شاؤُوا، فَأبَوْا فَأُهْلِكُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأشْهَرُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِإهْلاكِ أُمَّةٍ، وأنَّهُ نَبِيٌّ فَقَطْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ - فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا هو رَفْعُ النُبُوءَةِ والتَشْرِيفِ والمَنزِلَةِ، وهو في السَماءِ كَما سائِرِ الأنْبِياءِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَفْعٌ إلى السَماءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ كَما رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهُنالِكَ ماتَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ إلّا أنَّهُ قالَ: ولَمْ يَمُتْ، وكَذَلِكَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِابْنِ عَبّاسٍ: كانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَحَمَلَهُ عَلى جَناحِهِ وصَعِدَ بِهِ حَتّى بَلَغَ السَماءَ الرابِعَةَ، فَلَقِيَ هُنالِكَ مَلَكَ المَوْتِ. فَقالَ لَهُ: إنَّهُ قِيلَ لِي: اهْبِطْ إلى السَماءِ الرابِعَةِ فاقْبِضْ رُوحَ إدْرِيسَ، وإنِّي لَأعْجَبُ كَيْفَ يَكُونُ هَذا، فَقالَ لَهُ المَلَكُ الصاعِدُ: هَذا إدْرِيسَ مَعِي، فَقَبَضَ رُوحَهُ. ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ كانَ في السَماءِ السادِسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَذَلِكَ هي رُتْبَتُهُ في حَدِيثِ الإسْراءِ في بَعْضِ الرِواياتِ، وحَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الإسْراءِ يَقْتَضِي أنَّهُ في السَماءِ الرابِعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ الآيَةُ. الإشارَةُ بِـ " أُولَئِكَ " إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ يُرِيدُ إدْرِيسَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ يُرِيدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ﴿وَإسْرائِيلَ﴾ يُرِيدُ مُوسى وهارُونَ وزَكَرِيّا (p-٤٥)وَيَحْيى وعِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾، مَعْناهُ: اخْتَرْنا واصْطَفَيْنا، وكَأنَّهُ مِن: "جَبَيْتُ المالَ" إذا جَمَعْتُهُ، ومِنهُ جِبايَةُ المالِ، كَأنَّ جابِيهِ يَصْطَفِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إذا تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا يُتْلى" بِالياءِ. و"الآياتُ" هُنا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، و"سُجَّدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَبْدَأ السُجُودِ سُجُودٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والجُمْهُورُ: "وَبُكِيًّا"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو جَمْعُ باكٍ، كَما يُجْمَعُ عاتٍ وجاثٍ عَلى عُتِيٍّ وجُثِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البُكاءِ، التَقْدِيرُ: وبَكَوْا بُكِيًّا، واحْتَجَّ الطَبَرِيُّ ومَكِّيُّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رُوِيَ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمْ قالَ: هَذا السُجُودُ فَأيْنَ البُكِيُّ؟ يَعْنِي البُكاءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واحْتِجاجُهُما بِهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَأيْنَ الباكُونَ؟، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ عن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ذِكْرَهُ أبُو حاتِمْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "وَبِكِيًّا" بِكَسْرِ الباءِ، وهو مَصْدَرٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
19:59–63Page 309
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩
But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠
Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.
جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١
[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢
They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَلاةَ واتَّبَعُوا الشَهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا﴾
"الخَلَفُ" - بِفَتْحِ اللامِ -: القَرْنُ يَأْتِي بَعْدَ آخَرَ يَمْضِي، والِابْنُ بَعْدَ الأبِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في سائِرِ الأُمُورِ، "والخَلْفُ" - بِسُكُونِ اللامِ - إذا كانَ الآتِي مَذْمُومًا، هَذا مَشْهُورُ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ ذُكِرَ عن بَعْضِهِمْ أنَّ الخَلَفَ والخَلْفَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وحُجَّةُ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ
(p-٤٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أضاعُوا الصَلاةَ﴾ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "أضاعُوا الصَلَواتِ" بِالجَمْعِ، وهو كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والمُرادُ بِـ "الخَلْفِ" مَن كَفَرَ أو عَصى بَعْدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ النَصارى، خَلَفُوا بَعْدَ اليَهُودِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: هم قَوْمٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في آخِرِ الزَمَنِ.
أيْ: يَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، لا أنَّهُمُ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَكُونُ الخَلْفُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عُرْفٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "إضاعَةِ الصَلاةِ" مِنهُمْ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغَيْرُهُ: كانَ إضاعَةَ كُفْرٍ وجَحْدٍ بِها، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كانَتْ إضاعَةَ أوقاتِها، وعَدَمَ المُحافَظَةِ عَلى أوانِها، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. و"الشَهَواتُ" عُمُومٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فَمِثالٌ.
(p-٤٧)وَ "الغَيُّ": الخُسْرانُ والحُصُولُ في الوَرَطاتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا
وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ يَكُونُ الغَيُّ أيْضًا الضَلالَ، فَيَكُونُ هَذا هُنا حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "يَلْقَوْنَ جَزاءَ الغَيِّ"، وبِهَذا فَسَّرَ الزَجّاجُ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الغَيُّ وادٍ في جَهَنَّمَ، وبِهِ وقَعَ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: «الغَيُّ والآثامُ نَهْرانِ في جَهَنَّمَ»، رَواهُ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ اسْتِثْناءٌ يُحْتَمَلُ الِاتِّصالُ والِانْفِصالُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَآمَنَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الإضافَةَ أوَّلًا هي إضاعَةُ كُفْرٍ، هَذا مَعَ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ كُلَّ ما في القُرْآنِ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" بِنَصْبِ الجَنّاتِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرُ، وأبُو حَيْوَةَ بِرَفْعِها عَلى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "جَنَّةَ" عَلى الإفْرادِ والنَصْبِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأها الأعْمَشُ. و"العَدْنُ": الإقامَةُ المُسْتَمِرَّةُ، قَوْلُهُ: ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: أخْبَرَهم مِن ذَلِكَ بِما غابَ عنهُمْ، وفي هَذا مَدْحٌ لَهم عَلى سُرْعَةِ إيمانِهِمْ وقَرارِهِمْ إذْ لَمْ يُعايِنُوا، و"المَأْتِيُّ" مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، والآتِي هو (p-٤٨)الإنْجازُ والفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الوَعْدُ، وكانَ إتْيانُهُ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ الوَعْدُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ، وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو مَفْعُولٌ في اللَفْظِ بِمَعْنى: آتٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بَعِيدٌ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ.
و"اللَغْوُ"، السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، وهو أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّها لَيْسَتْ في الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا سَلامًا﴾، اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، المَعْنى: لَكِنْ يَسْمَعُونَ سَلامًا، هو تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم في كُلِّ الأوقاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾، يُرِيدُ في التَقْدِيرِ، أيْ: يَأْتِيهِمْ طَعامُهم مَرَّتَيْنِ في مِقْدارِ اليَوْمِ واللَيْلَةِ مِنَ الزَمانِ، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَنْسَدُّ لَهُمُ الأبْوابُ بِقَدْرِ اللَيْلِ في الدُنْيا، فَهم يَعْرِفُونَ البُكْرَةَ عِنْدَ انْفِتاحِها والعَشِيَّ عِنْدَ انْسِدادِها، وقالَمُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ بُكْرَةً ولا عَشِيًّا، ولَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِهِ عَلى ما كانُوا يَشْتَهُونَ في الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً بِما تَعْرِفُهُ العَرَبُ وتَسْتَغْرِبُهُ في رَفاهَةِ العَيْشِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عِبارَةً عن أنَّ رِزْقَهم يَأْتِي عَلى أكْمَلِ وُجُوهِهِ. وقالَ الحَسَنُ: خُوطِبُوا عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَعْلَمُ مِن أفْضَلِ العَيْشِ، وذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ إنَّما كانَ يَجِدُ الطَعامَ المَرَّةَ في اليَوْمِ، وهي غايَتُهُ، وكانَ عَيْشُ أكْثَرِهِمْ مِن شَجَرِ البَرِّيَّةِ، ومِنَ الحَيَوانِ، ونَحْوِهِ، ألا تَرى قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ أو وجْبَةٌ مِن جَناةِ أشْكَلَةٍ ∗∗∗ إنْ لَمْ يُرِغْها بِالقَوْسِ لَمْ تُنَلِ
الوَجْبَةُ: الأكْلَةُ في اليَوْمِ.
(p-٤٩)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُورِثُ" بِسُكُونِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "نُوَرِّثُ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الراءِ.
19:64–65Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبِّكَ نَسِيًّا﴾ ﴿رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما نَتَنَزَّلُ" بِالنُونِ، كَأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَنى نَفْسَهُ والمَلائِكَةَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما يَتَنَزَّلُ" بِالياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ جِبْرِيلَ لا يَتَنَزَّلُ، قالَ هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا﴾ لِأنَّهُ لا يَطَّرِدُ مَعَهُ، وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ القُرْآنَ لا يَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأوقاتِ الَّتِي يُقَدِّرُها، ورُوِيَتْ قِراءَةَ الأعْرَجِ بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "إلّا بِقَوْلِ رَبِّكَ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ أبْطَأ عنهُ جِبْرِيلُ مَرَّةً، فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "يا جِبْرِيلُ قَدِ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، أفَلا تَزُورُنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا؟" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
وقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: سَبَبُها «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ تَأخَّرَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ قَوْلِهِ في الأسْئِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ في سُورَةِ الكَهْفِ: "غَدًا أُخْبِرُكُمْ" حَتّى فَرِحَ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، واهْتَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمْ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» في ذَلِكَ المَعْنى، فَهي كالَّتِي في الضُحى.
(p-٥٠)وَهَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ﴾ هي عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى أُخْرى، وواصِلَةٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُما واحِدًا، وحَكى النَقّاشُ عن قَوْمٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لَفْظٌ يَحْتاجُ إلى ثَلاثِ مَراتِبَ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيها - فَقالَ أبُو العالِيَةِ: ما بَيْنَ الأيْدِي: في الدُنْيا بِأسْرِها إلى النَفْخَةِ الأُولى، وما خَلْفَ: الآخِرَةُ مِن وقْتِ البَعْثِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ: ما بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ما بَيْنَ الأيْدِي هو ما مَرَّ مِنَ الزَمَنِ قَبْلَ إيجادِ مَن في الضَمِيرِ، وما خَلَفَ هو ما بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى اسْتِمْرارِ الآخِرَةِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ هو مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والآيَةُ إنَّما المَقْصِدُ بِها الإشْعارَ بِمُلْكِ اللهِ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ، وأنَّ قَلِيلَ تَصَرُّفِهِمْ وكَثِيرِهِ إنَّما هو بِأمْرِهِ، وانْتِقالِهِمْ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ إنَّما هو لِخِدْمَتِهِ؛ إذِ الأمْكِنَةُ لَهُ وهم لَهُ، فَلَوْ ذَهَبَ بِالآيَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِما بَيْنَ الأيْدِي وما خَلَفَ الأمْكِنَةُ الَّتِي تَصَرُّفُهم فِيها، وأنَّ المُرادَ بِما بَيْنَ ذَلِكَ هم أنْفُسُهم ومَقاماتُهم - لَكانَ وجْهُها، كَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ مُقَيَّدُونَ بِالقُدْرَةِ، لا نَنْتَقِلُ ولا نَتَتَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ - فِيما رُوِيَ وما أراهُ صَحِيحًا عنهُما -: ما بَيْنَ الأيْدِي هي الآخِرَةُ، وما خَلَفَ هو الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُخْتَلُّ المَعْنى إلّا عَلى التَشْبِيهِ بِالمَكانِ، كَأنَّ ما بَيْنَ اليَدِ إنَّما هو ما تَقَدَّمَ (p-٥١)وَجُودُهُ في الزَمَنِ بِمَثابَةِ التَوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ المَقالَةُ هي لِلْمَلائِكَةِ، فَتَأمَّلْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَلْحَقُهُ نِسْيانٌ لِبَعْثِنا إلَيْكَ في وقْتِ المَصْلَحَةِ بِهِ، فَإنَّما ذَلِكَ عن قَدْرٍ لَهُ، أيْ: فَلا تَطْلُبُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ الزِيارَةَ أكْثَرَ مِمّا شاءَ اللهُ، هَذا ما تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ عَلى التَأْوِيلِ الواحِدِ، أو فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِتَأْخِيرِي، ولا تَلْتَفِتُ إلى فَرَحِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي. و"نَسِيًّا" فَعِيلٌ مِنَ النِسْيانِ والذُهُولِ عَنِ الأُمُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "نَسِيًّا" مَعْناهُ: تارِكًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا ضَعْفٌ لِأنَّهُ إنَّما نُفِيَ النِسْيانُ مُطْلَقًا، فَيَتَمَكَّنُ ذَلِكَ في النِسْيانِ الَّذِي هو نَصٌّ، وأمّا التَرْكُ فَلا يَنْتَفِي مُطْلَقًا، ألّا تَرى قَوْلَهُ تَبارَكَ تَعالى: ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، فَلَوْ قالَ: نَسِيَكَ، أو نَحْوَهُ مِنَ التَقْيِيدِ لَهم يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى التَرْكِ، ولا حاجَةَ بِنا أنْ نَقُولَ: إنَّ التَقْيِيدَ في النِيَّةِ لِأنَّ المَعْنى الآخَرَ أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَما بَيْنَ ذَلِكَ وما نَسِيَكَ رَبُّكَ"، ورَوى أبُو الدَرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما أحَلَّ اللهُ في كِتابِهِ فَهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ فَهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عنهُ فَهي عافِيَتُهُ فاقْبَلُوا، ثُمْ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ الآيَةُ. "رَبُّ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ أمْرٌ بِحَمْلِ تَكالِيفِ الشَرْعِ وإشْعارٍ ما بِصُعُوبَتِها، كالجِهادِ والحَجِّ والصَدَقاتِ، فَهي شَرِيعَةٌ تَحْتاجُ إلى اصْطِبارٍ، أعانَنا اللهُ عَلَيْها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَلْ تَعْلَمُ" بِإظْهارِ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو بِإدْغامِ اللامِ في التاءِ، وهي قِراءَةُ عِيسى، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللامِ في الطاءِ والتاءِ والذالِ والثاءِ والصادِ والزايِ والسِينِ، (p-٥٢)وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَهَلْ ثُوِّبَ" بِإدْغامِها في الثاءِ وإدْغامِها في التاءِ أحَقُّ لِأنَّها أدْخَلُ مَعَها في الفَمِ، ومِن إدْغامِها في التاءِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِ مُزاحِمُ العَقِيلِيِّ:
؎ فَذَرْ ذا ولَكِنْ هَتُّعِينُ مُتَيَّمًا عَلى ضَوْءِ بَرْقٍ آخَرَ اللَيْلِ ناصِبُ؟
وقَوْلُهُ: ﴿سَمِيًّا﴾، قالَ قَوْمٌ - وهو ظاهِرُ اللَفْظِ -:مَعْناهُ: مُوافِقًا في الِاسْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يُحْسُنُ فِيهِ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: هَلْ تَعْلَمُ مَن يُسَمّى بِهَذا ويُوصَفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ؟ وذَلِكَ أنَّ الأُمَمَ لا يُسَمُّونَ بِهَذا الِاسْمِ وثَنًا ولا شَيْئًا سِوى اللهِ تَعالى، وأمّا الأُلُوهِيَّةُ والقُدْرَةُ فَقَدْ يُوَجَّهَ السَمِيُّ فِيها، وذَلِكَ بِاشْتِراكٍ لا بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سَمِّيًّا مَعْناهُ: مَثِيلًا أو شَبِيهًا أو نَحْوَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ السَمِيَّ بِمَعْنى المُسامِي والمُضاهِي، فَهو مِنَ السُمُوِّ، وهَذا القَوْلُ يَحْسُنُ في هَذِهِ الآيَةِ ولا يَحْسُنُ فِيما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ.
(p-٥٣)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences