Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:81–98
19:81–87Page 311
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١
And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.
كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢
No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].
أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣
Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦
And will drive the criminals to Hell in thirst
لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧
None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1
قوله عزّ وجلّ:
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾
"اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ.
(p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي».
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ.
وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
19:88–96Page 311
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨
And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."
لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩
You have done an atrocious thing.
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠
The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation
أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١
That they attribute to the Most Merciful a son.
وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢
And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣
There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤
He has enumerated them and counted them a [full] counting.
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥
And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾
الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ.
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣)
؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟
وقالَ الآخَرُ:
؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ
و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ».
«وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.
19:97–98Page 312
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧
So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨
And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾
الضَمِيرُ في "يَسَّرْنا" لِلْقُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ؛ لَأنَّ المَعْنى يَقْتَضِي المُرادَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، ووَقَعَ التَيْسِيرُ في كَوْنِهِ بِلِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِلُغَتِهِ المَفْهُومَةِ المُبَيِّنَةِ. وبِشارَةُ المُتَّقِينَ هي الجَنَّةُ والنَعِيمُ الدائِمْ والعِزُّ في الدُنْيا. و"القَوْمُ اللُدُّ" هم قُرَيْشٌ، ومَعْناهُ: مُجادِلِينَ مُخاصِمِينَ بِباطِلٍ، والألَدُّ: المُخاصِمُ المُبالَغُ في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: "لُدًّا" مَعْناهُ: فِجارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي فُجُورُ الخُصُومَةِ، ولا يَلِدُّ إلّا المُبْطِلُ. وفي الحَدِيثِ: «أبْغَضُ الرِجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصْمُ».
ثُمْ لَمّا وصَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهم لُدٌّ - وهي صِفَةُ سُوءٍ بِحُكْمِ الشَرْعِ والحَقِّ - وجَبَ أنْ يَقْسُوَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ والتَمْثِيلِ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم وألَدَّ وأعْظَمَ قَدْرًا ما كانَ يَسُرُّهم (p-٧٦)فِي أنْفُسِهِمْ مِنَ الوَصْفِ بِـ "لُدٍّ"، فَإنَّ العَرَبَ لِجَهالَتِها وعُتُوِّها وكُفْرِها كانَتْ تَتَمَدَّحُ بِاللَدَدِ، وتَراهُ إدْراكًا وشَهامَةً، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ عَزْمًا وحَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِغْلاقِ
فَمَثَّلَ لَهم بِإهْلاكِ مَن قَبْلَهم لِيَحْتَقِرُوا أنْفُسَهم ويَتَبَيَّنَ صِغَرَ شَأْنِهِمْ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنِ "اللُدِّ" بِالفَجَرَةِ وبِالظُلْمَةِ، وتَلْخِيصِ مَعْناها ما ذَكَرْناهُ.
و"القَرْنُ": الأُمَّةُ، و"الرِكْزُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، وإنَّما هو صَوْتُ الحَرَكاتِ وخَشْفُها، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎ وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها ∗∗∗ عن ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها
فَكَأنَّهُ قالَ: أوَتَسْمَعُ مِن أخْبارِهِمْ قَلِيلًا أو كَثِيرًا، أو طَرَفًا خَفِيًّا ضَعِيفًا، وهَذا يُرادُ بِهِ مِن تَقَدَّمَ أمْرُهِ مِنَ الأُمَمِ ودَرَسَ خَبَرُهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: هَلْ بَقِيَ لِأحَدٍ مِنهم كَلامٌ أو تَصْوِيبٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟ فَيَدْخُلُ في هَذا مِن عُرْفَ هَلاكُهُ مِنَ الأُمَمِ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences